تجليَّات الديستوبيا و‌ملامحها في شعر علي کنعان

نوع المستند : علمی پژوهشی

المؤلفون

1 طالب دکتوراه في اللغة العربية و‌آدابها بجامعة خليج فارس، بوشهر، إيران

2 أستاذ مساعد في قسم اللغة العربیة و‌آدابها بجامعة خليج فارس، بوشهر، إيران

3 أستاذ مشارک في قسم اللغة العربية و‌آدابها بجامعة خليج فارس، بوشهر، إيران

المستخلص

الديستوبيا أو المدينة الفاسدة أو أدب الواقع المرير ناتجة عن المتغيّرات والأحداث الاجتماعية والسياسية السائدة. الشاعر في الديستوبيا يعتمد علی المجتمع أو المدينة، متخذاً إيّاها الأرضية الممهّدة والعامل الأساسي لظهور العناصر الديستوبية في البنية الشعرية. تجلَّت الديستوبيا في أعمال الشاعر علي کنعان الشعرية بشکل لافت للانتباه، ونحن بدورنا أيضاً نکشف عن أَبعاد خباياه الذهنيَّة و‌الروحيَّة تجاه ‌الديستوبيا من شتى الزوايا، عبر تطبيقها علی نماذج من نصوص علي کنعان الشعريَّة، و‌ذلک للکشف عن دلالات هذه الظاهرة الأدبيَّة. وَ‌يعتمد هذا المقال في دراسته للأدب الديستوبي بأنواعه في سطوره الشعرية، و‌من ثمّ يذکر خصائصه وتأثيره في نتاجه الشّعري، حتى نتطلع على خصائص هذه البيئة التي عاشها، وأن نصل وبصورة دقيقة إلى رؤية الأديب حول المدينة الفاسدة. وانطلاقاً من هذا يسعی البحث إلی الوقوف علی دور الأحداث الإنسانية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والَّتي تلعب دوراً مهمّاً علی حصول المعاني الجديدة لنصوص علي کنعان الشعرية وتنوع معانيها من حيث الأدب الديستوبي، وذلک بمنهجٍ يتصف بطابع الوصفيِّ التحليلي مدعوماً بالبحث المکتبي والاجتماعي. وَ‌لقد توصلنا في هذا البحث إلى أن الشاعر سعى جاهداً في أعماله الشعرية أن يعطينا صورة صادقة عن المدينة الفاسدة، وتأثيرها سلبيَّاً علی المجتمع، مُتخذاً إياها وسيلة لِتوعية أبناء مجتمعه وتصحيح المسار، حتى يتمکنوا من بناء المدينة الفاضلة الزاخرة بالحبّ والعدالة.   

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

The Manifestations of Dystopia and its features in ‛Alī Kan‛ān’s poetry

المؤلفون [English]

  • Ayad Neissi 1
  • Naser Zare 2
  • Rasoul Balavi 3
1 PHD Student, of Arabic language and literature, Persian Gulf University, Bushehr, Iran
2 Assistant Professor of Arabic Language and Literature, Persian Gulf University, Bushehr, Iran
3 Associate Professor of Arabic Language and Literature, Persian Gulf University, Bushehr, Iran
المستخلص [English]

Dystopia, corrupt city, or bitter reality literature is a result of prevailing social and political variables and events. The poet in dystopia depends on the community or the city, and the main factor for the emergence of dystopian elements in the poetic structure. Dystopia manifested itself in the poetic works of ‛Alī Kan‛ān in a remarkable way, and we also reveal the mental and spiritual dimensions of dystopia from various angles, by applying them to examples of ‛Alī Kan‛ān poetic texts, in order to reveal the connotations of this literary phenomenon. This article relies on his study of all kinds of dystopian literature in its poetic lines and then mentions its characteristics and influence in his poetic output, so that we look at the characteristics of this environment in which he lived, and that we arrive accurately at the writer's vision about the corrupt city. Based on this, the research seeks to identify the role of human, social, political, and economic events, which play an important role in obtaining the new meanings of ‛Alī Kan‛ān’s poetic texts and the diversity of their meanings in terms of dystopian literature, with an approach characterized by a descriptive, analytical and the library research method. In this research we concluded that the poet strived in his literary works to give us an honest picture of the corrupt city and its negative impact on society

الكلمات الرئيسية [English]

  • Contemporary Arabic Poetry
  • Dystopia
  • Anarchy and Suffering
  • ‛Alī Kan‛ān

 

1- المقدمة

تُعدُّ ‌الديستوبيا من الظواهر البارزة في الشعر العربي الحديث، بحیث تقع موضع اهتمام العدید من الأدباء في العالم برمَّته. دراستنا لِرؤية الشاعر علي کنعان وتجربته الشعرية تبيّن لنا أَنَّ العديد من سطوره الشعرية تعجّ بهذه الظاهرة الأَدبيَّة والَّتي ولَّدت لديه نوعاً من الشعور بالغربة والضياع الناتج عن المتغيَّرات الاجتماعيَّة. الأعمال الأدبية الديستوبية بصفتها ظاهرة حديثة في الأدب العربي اجتاحت الساحة الأدبية بشکلٍ عام والبلدان العربية بشکلٍ خاص في العصر الحديث، وذلک نتيجةً لتردي الأوضاع السياسية والاجتماعيَّة والاقتصادية، والأزمات الأمنية الأخيرة التي سادتها.

الشاعر علي کنعان يُعَدُّ من أبرز أعلام الشعراء في العصر الحديث، ومن الأدباء السوريين الذين لديه موهبة شعرية وقريحة عالية. رسم الشاعر صورة المدينة الفاسدة بشکل راقي وبناء في أعماله الشعرية، وذلک لأجل الوصول إلى المدينة الفاضلة المنشودة التي تتحقق فيها حريّة أبناء المجتمع وتقدّمه بشکل سريع. ومن هذه الزاوية وجدنا بعض‌ النماذج من الديستوبيا في أسطره الشعرية والَّتي تعبِّر عن رکَائزه الفکريَّة حول هذه الظاهرة علی الصعيدين الحقيقي والخیالي. يهدف هذا المقال إلى استعراض أهم جوانب ظاهرة الديستوبيا في أعمال علي کنعان الشعرية، ودراسة ميزاتها وتطبيقها على أرض الواقع، وذلک للتعرّف أکثر على هذا اللون من الأدب العربي الذي يُعتبر حديثاً في العالم العربي برمّته، بحيث لم يحظ باهتمام الباحثين کما يجب.

1-1- أسئلة البحث

تجيب هذه الدراسة في ضوء العناصر الديستوبية عن الأسئلة التالية: 

1- کيف تجلَّت أفکار علي کنعان الديستوبية في سطوره الشعريَّة؟

2- ما هي العوامل التي أدت إلی ظهور ‌الديستوبيا في نصوصه الشعرية؟ 

1-2- فرضيات البحث

1- يمکننا من خلال المنهج الوصفيِّ التحلیلي وأيضاً في ضوء البحث المکتبي والاجتماعي، إيصال صورة موجزة عن مقومات أفکار علي کنعان الديستوبية في سطوره الشعريَّة، وَکيف يطرح الشاعر هذه الآراء في إِطار القضايا اليومية الهامة التي تدور في المجتمع.

2- يبدو لنا أَنَّ دور الأحداث الإنسانية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، کان أشدّ تأثيراً على ظهور ‌الديستوبيا في أعمال علي کنعان الأدبية.

1-3- خلفية البحث

إنَّ الأدب العربي لم يعرف الأدب الديستوبي إلا حديثاً، ولکن ظاهرة الديستوبيا تعتبر ظاهرة قديمة في الأدب الغربي. هنالک عدد يسير من الدراسـات والبحوث عالجت ظاهرة الديستوبيا (المدينة الفاسدة)، ونشير فيما يلي إلی أهمّها:

1- رسالة ماجستير تحت عنوان "دراسة مضامين الأفلام اليوتوبية والديستوبية في سينما الخيال العلمي المعاصرة" للطالبة سارا آقابابایان (1396) في جامعة سورة الإيرانية، هذه الدراسة ترصد الأبعاد والمضامين اليوتوبية والديستوبية في أفلام الخيال العلمي بالسينما الإيرانية الحديثة.

2- وهناک رسالة ماجستير أخرى بعنوان "الديستوبيا في السينما" للطالب علي ظفر قهرماني نجاد (1383) في جامعة الفنون الإيرانية، وقد قام هذا البحث باستعراض تمظهرات الديستوبيا في الأفلام القصيرة، ويهدف أيضاً لِتقَصّي أثر هذه الملامح الديستوبية على السينما.

3- مقالاً تحت عنوان "الديستوبيا في الرواية العربية المعاصرة؛ قراءة في رواية "أورويل في الضاحية الجنوبية" لفوزي ذبيان" لِفاطمة پرچگاني، المنشور في مجلة إضاءات نقدية في الأدبين العربي والفارسي بالعدد 29 من عام 2018م، وقد تطرّقت الباحثة في هذا المقال إلى العناصر الديستوبية في الرواية العربية المعاصرة "أورويل في الضاحية الجنوبية".

4- وبحث موسوم بـ "مِن اليوتوبيا الخياليَّة إِلى الديستوبيا الحقيقية في السينما الإيرانية"، بقلم الباحث پیام زين العابديني وأحمد الستي، نُشر في العدد 16 من مجلة باغ نظر في عام 1398ش، وقد عالج الباحث في هذا المقال أهمّ الأسباب والقضایا المحوریة التي ساهمت في ابتعاد السينما الإيرانية کثيراً عن اليوتوبيا واتجاهها نحو الديستوبيا.

ولکن الدراسة الوحيدة الَّتي عُرِضت لِشعر علي کنعان لم توفِّ موضوع هذا البحث حَقهُ مِن الدرس، وکانت وقفاتنا عنده قصيرة وعابرة، وهي: مقال تحت عنوان "ظاهرة الاغتراب في شعر علي کنعان" للطالب اياد نيسي وَ‎ناصر زارع وَ‌رسول بلاوي، وتمَّ نَشر هذا المقال في مجلة الأکاديمية للدراسات الاجتماعية والإنسانية في الجزائر بالعدد 21 من عام 2019م، و‌‌‌‌هذا البحث جاءَ لِيُسلّط الضوء علی المظاهر و‌الملامح الاغترابیَّة في شعر علي کنعان.

1-4- أهميَّة البحث

الديستوبيا في شعر علي کنعان بَقيت غيرَ مطروقة وَ‌لم تُعالج بالصورة المطلوبة، إذ لم يتطرَّق إليها الباحثون، بحيث تناولت العديد من الدراسات ظاهرة الديستوبيا في الأدب العربي، و‌لکننا في حدود ما قرأنا وبحثنا عنه، مَع الأَسف لم نجد دراسة أخلصت نفسها لهذا الجانب المجهول في شعر علي کنعان. فالوقوف و‌النظر في الأشعار التي نظمها علي کنعان في هذه الظاهرة يفتح لنا باباً جديداً للولوج إلی هذا اللون من الأدب. وَ‌مما لا غبار عليه فإِنَّ هذا البحث يُعَدُّ وسيلة من الوسائل المعينة للمتطلعين و‌الباحثين عن معرفة ظاهرة ‌الديستوبيا في شعر علي کنعان، فقُمنا بدراستها مستمدِّین العون ممَّن علَّم بالقلم.

 

2- التمهيد

2-1- الأدب الديستوبي

لفظة الديستوبيا (Dystopia) تعني الضد من اليوتوبيا، فهي مدينة فاسدة تسودها الفوضى  وترزخ تحت الفقر والجوع والظلم والخراب والقتل والقمع، ومشحونة بالخصال القبيحة والصفات الذميمة وکلّ الطباع السيئة التي تقع في المجتمعات البشرية. (578 1999: Pearsall,؛ الحسني، 2015م: 136)، فالديستوبيا مجتمع تسوده ألوان الفساد وتحرم سکانها العيش في ظلّ السعادة والکرامة. وَ‌في هذا الصدد تقول المؤلفة سيما داد بأَنَّ کلمة الديستوبيا هي بمعنى المکان الخبيث، والعمل الديستوبي عادة ما يعکس الأزمات الاجتماعية والسياسية المعاصرة في المدينة الفاسدة، مصوّراً انعدام سبل السعادة بها وانتشار الحالات السيئة، وذلک کمؤشر واضح للتغيير الاجتماعي أو کجرس إنذار لِلابتعاد الضروري عن انحطاط الفضائل، وما لها من تأثيرات سلبية علی المجتمع البشري. (داد، 1385ش:20)، هذه المتغيّرات الاجتماعية والسياسية التي تجري بالعصر الحالي في شتى مجالات المجتمعات المدنیة مهدَّت الطريق أمام تطور هذا اللون من الأدب. الأدب الديستوبي أو أدب  المدينة الفاسدة أو أدب الواقع المرير، هو عبارة عن مجتمع خيالي مخيف، ويأتي في مقابل الأدب اليوتوبي (Utopia) أي أدب المدينة الفاضلة؛ واليوتوبيا بمعنى المکان الفاضل والزاخر بالسعادة وبمثابة المدينة الفاضلة التي هي أفضل بکثير من المدينة الفاسدة التي يعيش بها الأديب. (Taylor & Francis, 2000: 909-910)، المدينة المثالية هي التي تحقق حلم البشرية للإصلاح الاجتماعي والسياسي. إنَّ تاريخ وجود المدينة الفاضلة يرجع إلی تاريخ الحضارة الإنسانية، وذلک عندما نشأ المجتمع البشري وسعی الناس جاهدين فیه للحصول علی هذه المدينة المثالية. (اصيل، 1381ش: 18 -17). لقد کانت الرؤى اليوتوبية أملاً للبشرية منذ زمن بعيد، ويتفق أغلب الباحثين علی أَنَّ أفلاطون هو أول من أرسى معالم المدينة الفاضلة في جمهوريته. (کاپلستون، 1362ش: 134)

    «تتنوّع عناصر الديستوبيا في القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتّى البيئيَّة، کما أنَّها تقدّم صورة مظلمة عن المجتمع الذي يفقد فيه الفرد حرّيّته وأمنه وفردانيَّته وحتّى مشاعره.» (پرچگاني، 2018م: 136)، لذا فإنَّ فکرة ‌الديستوبيا، هي فکرة قديمة حديثة في آنٍ معاً، حيث إنها تظهر علی الساحة الشعرية کلَّما وجدت الشروط المناسبة لوجودها، ثمَّ تغيب کلَّما غابَ المناخ الملائم لها. وهذا ما تؤکّد عليه أيضاً الکاتبة پرچگاني، وتقول في هذا الحقل بأَنَّ الأدب الديستوبي يُستخدم لتصوير قسم من حياة الإنسان والأوضاع المأساوية التي لا ترمي إلى سعادته، في منطقة يرى فيها الأديب أرضاً خصبة لعمله الأدبي. (المصدر نفسه: 137)

2-2- نظرة عابرة علی حياة الشاعر علي کنعان

الشاعر علي کنعان من مواليد (1936م) في قرية "الهزة" التابعة لمحافظة حمص السورية. و‌نشأَ في أُسرة فقیرة، ثمَّ حفظ في صباه شطراً مِن القرآن الکریم، کما استظهر عدداً مِن الأَشعار، و‌راحَ يلقي بعضها أَمام الضيوف في الأَسمار. و‌في عام (1953م) شرع ينظم المقطعات مقلداً فُحول الشعر القديم أَو أَعلام الشعر الحديث. ظهرت باکورة شعره عام (1959م) في مجلة الآداب. و‌هو شاعر مرهف الحس عانی في صباه مرارة البؤس و‌الحرمان‌ و‌استشعر الظلم الاجتماعي. درس الأدب الإنجليزي في جامعة دمشق، و‌تخرج عام (1965م)، و‌عمل أَیضاً في الصحافة الثقافية مِن عام (1964م) حتى عام (1967م)، ثمَّ مراقباً للنصوص في الإِذاعة. أمضى ثلاث سنوات مدرساً للأدب العربي في جامعة طوکيو باليابان. عمل في صحيفتي الثورة و‌التشرين، رئيساً للقسم الثقافي. له مسرحية شعرية بعنوان "السيل" و‌تسع مجموعات  شعرية منشورة، هي: "دربُ الواحة" و‌"أنهارٌ من زبد" و‌"أعراسُ الهنودِ الحمر" و‌"مرايا لآخر المماليک" و‌"أسئلة للرياح" و"أطيافٌ من لياليها" و‌"نخلة اسمها فاطمة" و"برزخ للجنون" و‌"أبجدية الينابيع". (عايش، 2003م، ج 4: 307)

 

3- هيکل البحث

3-1- تمظهرات الديستوبيا في شعر علي کنعان

نتناول في هذا القسم من المقال ما تبلور في شعر علي کنعان من مظاهر الديستوبيا وما مرّ بأحداث مريرة، بحيث ابتلعته دوامة الآلام بعد أن قطن في مجتمع يختلف عن مجتمعه المثالي الذي اعتاد عليه. مرَّ الشاعر بمراحل عصيبة في حياته، مزَّقته من الداخل وولَّدت لديه نوعاً من الإحساس بالضياع والوحشة والقلق إزاء المستقبل. واضافةً على ذلک فإنَّ الانعزال عن المجتمع الحالي الذي أصاب الشاعر أدى إلى وقوفه منبهراً أمام تحديات الحاضر، لِيدلّ على مدى انعکاسها على نفسية الشاعر. ومن هذا المنطلق عندما نتصفح أعمال علي کنعان الشعرية نجد بعض النماذج مِن مظاهر الديستوبيا، فنلمح أنّ الشاعر فتح أمامنا نافذة للتعبير عن معاناته اليومية وآلامه في مجتمع جريح واجه الکثير من الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ومما يجدر بالذکر هو أنَّ حرقة الشاعر وَ‌لهفته إلی الماضي المشرق والهروب من الحاضر الأليم في المجتمع، والنظرة التشاؤمية تجاه المدينة الفاسدة حثَّته للنزوع إلی الديستوبيا في أعماله الأدبية.

يطمح الشاعر إلى مدينة يسودها الحبّ والتسامح، والمساواة والعدل بين الناس، زاخرةً بالأمن والأمان. فلو تفحصنا مظاهر الديستوبيا في أعمال علي کنعان، لوجدنا أنَّ هنالک محاور عديدة ونماذج شتى منها، والتي تمثل أفکار الشاعر وشخصيته الشعريَّة، بحيث يسعى الشاعر أن يعالج عبرها حال مجتمعه الذي أُصيب بالدمار والتغيير السلبي الذي حصل للإنسان والبيئة في الحاضر، مصوّراً خيبته بالرجوع إلى أيامه الماضية ومعاناة أبناء مجتمعه من الأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. لا يرغب الشاعر في العيش وسط مجتمع الفقراء يملأون الطرقات، فهذه الأمور أثَّرت بالشاعر تأثيراً عميقاً فنراه يصوّر حياة الفقراء البائسة، وفي الوقت نفسه نجد أنَّ الشاعر يبحث عن حلول جذرية بغيَةَ التغلّب علی الأوضاع المتردية في هذه المدينة الفاسدة، والتي تتطلب أيضاً من أبناء مجتمعه المغامرة والتضحية بکلِّ غالٍ و نفيسٍ.

     نستعرض في هذه الفقرة من المقال أهم محاور الديستوبيا في شعر علي کنعان، ونشرح فيما يلي أيضاً أبرز خصائص الديستوبيا وصفاتها التي يريد الشاعر تحقّقها في نصوصه الشعرية.   

3-1-1- الفوضی والخراب

تُعتبر الفوضی والخراب من المصطلحات التي تدلّ على تغيُّرات طارئة للمجتمع، والتي غالباً ما تنجم عمّا تخلّفه الحروب والانهيارات المادية والمعنوية التي تبتلى بها المجتمعات البشرية، وقد تکون الفوضى نتيجة تفرداتٍ سياسية باتت تنخر في أعضاء النظام السياسي، وکذلک التخلفات الاجتماعية التي تطغو آثارها على القوانين والتقاليد والآداب السياسية والاجتماعية، حيث تؤدي إلى التفکک الاجتماعي وغياب الثقة بين أبناء الوطن والحکومة من جهة، وبين أبناء المجتمع أنفسهم من جهة أخرى، و‌في نهاية المطاف يفقد المجتمع القدرة على تحقيق تکامله، وينتهي إلى العبث. يجب على الأديب أن تکون أعماله الأدبية في خدمة العقل البشري وأفکاره، وأن لا يهتم بالشکل الجمالي فحسب. (صحرايي وآخرون، 1394: 2)، الفوضی والصراع مع الواقع المرير في المدينة الفاسدة يعدّ مِن أهم رکائز ظاهرة الديستوبيا في شعر علي کنعان، والتي تعکس نظرته السلبيّة تجاه المدينة الفاسدة. يکشف لنا الشاعر علي کنعان في المقبوس التالي عن الجانب البشع والمعتم من شخصية أبناء جنسه ومعاناة الأغلبية الساحقة في المجتمع، والعلاقة الباهتة بينهم جراء ما أصابهم في معمعة هذه الصراعات والفوضى، والشعور بانفصام عُری الإخاء والأُلفة بين أفراد هذه المدينة، ليفسر الشاعر طبيعة واقعه الحالي وما يجري في مدينته، مستغرباً من فوضوية هذه الحياة التي يعيشها الناس دون قوانين.

«مغلَّقةٌ کوى بيتي/ فما بي حاجةٌ للنور ../ هنيهاتٍ .. وأبحرُ کالصدى عن شاطئ الزمن/ ولا مِن مرفأٍ، لا شيءَ يربط ها هنا سفني/ ... سيولُ العتمة الصفراء تبلعني/ وتغرقُ بالسواد المرِّ يومي، بالأسى الضاري/ وتغرقُ بالثلوج غدي/ ولا شمسٌ تحرّرني.» (کنعان، 2010م: 136)

     العبارات والتعابير التي استخدمها علي کنعان تمثّل مرآةً جليَّةً تعکِس الواقع المأساوي لِمدينته. إذ نراه يستلهم بعض التعابير والألفاظ الموحيّة، مِن مثل: (سيولُ العتمة الصفراء)، و(السواد المرّ) و(الأسى الضاري) و(الثلوج)، للتعبير عن مدى الفوضی والخراب المخَيَّمينِ على المدينة.

يستمر الشاعر في طرح الفوضى التي تتخبط فيها المدينة، ليزيل الستار عمّا کان يعانيه المواطنون، مشيراً إلی نظرته السلبية تجاه الأوضاع الراهنة بالمدينة، ومصوّراً انزواءه عن غوغاء الحياة وضوضاء المجتمع انزواءً روحياً، لِيعبِّر الشاعر بهذا الشکل عن الأزمات التي يعانيها "الآخر" أي أبناء جلدته في المدينة الفاسدة من خلال "الأنا" أي الشاعر نفسه داخل النسيج الشعري. إنَّ الشاعر علي کنعان يتألم نفسياً إزاء العيش في هذه المدينة الفاسدة التي هي مملوءة بالفوضی والظلم، وتتداخل لديه انفعالات القلق، والاضْطِرَاب، والإحباط، والحيرة، وشدة التوق والحنين إلى الأهل والأحبة، وهي أحاسيس تبدو متداخلة ومعقدة، بحيث تسلب منه حالة الاستقرار والسکينة النفسية، وهذا ما نلحظهُ في الأسطر الشعرية التالية:

 «وجعٌ في لُبِّ کُمَّثرى دمي/ وشظايا من زجاجٍ في جفوني/ بومةٌ تنقر في رأسي،/ خفافيشُ تنوشُ القلبَ،/ غيمٌ يخطف الروحَ/ إلى تيهِ الظنونِ/ وقطيعٌ من ذئابِ الليلِ/ ينقضُّ على واحةِ أحلامي/ ويغتالُ بحيرات سکوني.» (کنعان، 2010م: 572-573)

وقد وظَّفَ الشاعر (البومة)، و(الخفافيش) و(الذئاب) رموزاً لِلشؤم، والخراب والغدر، والتي أسدلت ستورها على المدينة، مشيراً بها إلى جوانب من التصرفّات والأعمال العدوانية التي حرمت الراحة على أهل المدينة.

فهذا الشاهد الآتي يوحي لنا أنَّ الشاعر کان جريئاً جداً في سطوره الشعرية، إذ بات واضحاً بلا غموض، التهميش والعنف الشديد الذي يواجهه أبناء مجتمعه. رسم لنا الشاعر رسماً اتَّسم بالوضوح والعمق لأبعاد احتدام صراع شعبه الدامي والعويص مع الواقع الحاضر. السکان الذين يعانون الويلات بعدما کانوا ينعمون بعيشة رغدة وهنيئة وآمنة تسودها المودة والاحترام المتبادل.

«ويزحفُ النهارُ في تثاؤبٍ بليد/ على أُناسٍ من رخامٍ/ يرقبون بعثَک المجيد/ سماؤهم حالت إلى دخان/ وأرضُهم رماد.» (کنعان، 2010م: 70)

 عبّر الشاعر علي کنعان في أصدق صورة عن تشوّق أبناء شعبه إلى بناء عالم نموذجي، وذلک لأنَّ هذه الساحة الدامية للتحولات في المجتمع أفقدت الرغبة في الحياة حتى عند أبناء جنسه وتشعرهم بضعفهم وانسحاقهم وعجزهم، کما تجبرهم على أن يعيشوا واقعاً مؤلماً تحت وطأة هذا الظلم المتطاول عليهم والذي يستحيل عليهم الاندماج فيه. فعلى هذا يستخدم الشاعر لفظتين هما: (الدخان) و(الرماد)، لِيعبِّر بهما عن التداعيات الخطيرة التي ستعقب الاستسلامَ أمام هذا الوضع المتردي المخيف، والذي لن يجلب لهم سوى الفوضى والخراب.

ومن الجدير بالذکر أنَّ سطور علي کنعان الشعرية التالية أيضاً عُنيت في معظمها بتصوير أبعاد حياته الحالية في الاغتراب وواقع أجواء مجتمعه وما آلت إليه أوضاع الناس المتردية. يصوّر لنا الشاعر شدة الظلم والفوضی في مجتمعه بأنَّه أشدّ مرارة من الموت، بحيث تظهر بين الحين والآخر زفرات الشاعر وهو يشکو ويتذمر عجزه من التکيّف مع البيئة الاجتماعية، مشيراً إلى عدم وجود الصلات العاطفية بين الأفراد ومعاناة أبناء جلدته من الملمات إثر الفساد الذي انتاب المجتمع. ويعبّر الشاعر عن هذه الفوضى بقوله منشداً:

 «بلا جذرٍ، بلا ثمرٍ، تغوصُ عرائشي في تربةِ الزمنِ/ وألفُ غمامةٍ موبوءةٍ أدهى من الکفنِ/ فيا لهفي ../ أأنسى کم تقاسي قريتي السمحاءُ من شظفٍ/ وکم قاست من المحنِ؟!/ أأنساها؟» (المصدر نفسه: 29-28)

     حينما نمعن النظر فيما يلي نجد أنَّ الشاعر تناول في هذه الشواهد شتى مناحي واقعه الاجتماعي المؤلم والمضطرب سياسياً وتحولاته العنيفة، من دون أن يتحاشى جوهر معاناته والظلم والتعسف الاجتماعي الذي انتاب المدينة، وجاء أيضاً لنا بصوَّر عديدة من معاناة شعبه ومقاومته وانکساره وخيبته في هذه المدينة الکئيبة. ومن هذا المنطلق أدت هذه الأحداث برمَّتها إلى هذا الحاضر المأساوي وشيوع الفوضی والقمع والعنف بصورة سافرة، فيقول:

«موحشٌ ليلُکم المحرومُ من سحرِ المدينة/ لا أرى فيه سوى حفنةٍ أشباحٍ حزينة/ ورمالٍ ونباحٍ مختنق/ وصبايا کالرخامِ المحترق/ وبيوتٍ من عِصيٍّ وخِرَق!» (کنعان، 2010م: 62-61)

 مرّ الشاعر بأقسى ظروف الحياة وتجلت أصداء تمرده على الواقع الحالي في المقبوس الشعري التالي، وذلک للتعبير عن الفوضی والعاهات الکثيرة والرسوم والعادات البالية التي انتابت هذه المدينة الفاسدة. اضافةً على ذلک، فإنَّ هذا النص الشعري يحمل بين طياته نقداً سياسياً اجتماعياً حاداً للواقع المرير في مجتمع يسوده الفوضى. وَ‌تقول صاحبة کتاب "المدينة الفاضلة عبر التاريخ" بأَنَّ أحد أهم الأسباب التي تؤدي للوصول إلى المدينة المثالية والفاضلة هو التخلص من الأشخاص الفاسدين، والمحتالين، والسکارى، واللصوص، والمجرمين الظالمين، والمستعمرين، والبلهاء والمجانين. (برنیري، 1997م: 366)، والجدير بالذکر أن الشاعر علي کنعان يحاول أيضاً تخلص أبناء جنسه من هذا الحاضر المرير الذي يعيشونه، ولکنَّه في الوقت نفسه يعلم أن مساعيه لن تعود عليه بشيء، وأنَّ أمانيه لبناء مجتمع نموذجي ليست سوى أصداء عميقة من شعوره بالغربة بين أبناء المجتمع، فأنکرهم و‌عدَّهم أمواتاً. ومما يجدر بالذکر أنَّ الشاعر صوَّر النظم الاجتماعية السائدة والکائنة في عقول أبناء وطنه بالصخرة الصماء التي تربض على عقولهم، وتحول بينهم وبين الحرية والانفتاح الفکري، بحيث حولت حياتهم إلى جحيم لا يطاق:

«قبيلةٌ مثخنةٌ بدائها الخفيّ/ ريح السموم حوَّلت واحاتِها/ إلى ملاهٍ وتکايا وحصون/ ... وأهلُها داخوا مع العصرِ الذي/ تحکمُه طاحون/ يلهو بهم تهافتُ الموتى/ ... فلست تدري أيُّهم ميْتٌ/ وأيٌّ حيّ؟/ قبيلةٌ تبحثُ عن خلاصها ../ لکنها تناستِ الفعلَ الذي/ يُحوِّل الزيتَ إلى ضياء/ فلم تجد في رأسها الصخريّ/ من بارقٍ ترجوه/ إلا سحبَ الأفيون!» (کنعان، 2010م: 408-407)

الأحداث التي وردت في أعمال علي کنعان الشعرية تحمل بين طياتها رسالة اجتماعية سياسية، والهدف من کلّ هذه الأمور هو بناء مجتمع مثالي، وذلک ليعيش سکان المدينة في نعيم، بعيدين کلّ البعد عن الفوضى والعنف. يأمل الشاعر التخلص من هذه الفوضی عن طريق عثوره على صديقٍ يقف معه جنباً إلى جنب في هذه المحنة، وأن يتحلى بخالص الإحساس ورقّة القلب وفيضان الشعور. عَبَّرَ الشاعر عن هذا الصديق الوفي بالـ (عينين) في الشطر الأول من هذا النص الشعري. ولکن في الوقت نفسه فإنَّ الشاعر من خلال إضفاء صبغة الحزن واليأس على کلماته، أشارَ إلی عدم تأقلمه مع هذه البيئة الفوضويَّة وأنّ معظم الناس في مجتمعه يفقدون الصلاحيَّة للصداقة والإخاء، و‌نوّه الشاعر أيضاً إلى هذا الموضوع من خلال وصف هؤلاء الناس بالأشخاص الذين يفقدون حاسة البصر، بحيث لا يقدرون على رؤية الحقيقة، فيقول:

«عشتُ دهراً وأنا أبحث عن عينينِ/ أحکي لهما بعضَ شجونِ الروحِ/ لکنَّ الملايينَ هنا دون عيون!» (المصدر نفسه: 522)

تکون المساواة حقاً من حقوق الإنسان وإحدى أَهم الشروط التي تؤدي إلى نشأة المدينة المثالية، ولکن نشاهد في الشواهد التالية حرمان الشاعر بشکلٍ خاص والشعب بشکلٍ عام منها، وتنعدم في هذه المدينة الفاسدة حقوق الإنسان بصورة جذرية. وصف الشاعر رؤيته للظلم والفوضی في مجتمعه الذي لا توجد فيه قواعد قانونية عادلة، بحيث حرمه من أبسط حقوقه، حقّه في الحب والتمتع بالحياة الکريمة، مما جعل الشاعر على أن يتخذ موقفاً صارماً من هذه الأَوضاع المتردية في المجتمع، وَ‌التي حدَّت من حرِّيته. ومن هذا المنطلق يشبِّه الشاعر ضياعه وحرمانه من حقوقه في هذه المدينة الفوضويَّة بما تعانيه اللغة العربية من ازدراء وتهميش وانهيار في بلاد الغربة، ليصف لنا الشاعر عبر هذه السطور الشعرية أوضاع مجتمعه الذي هو مجتمع ديستوبي بامتياز.

«وإليکم أشلاء جثتي، يا أصحاب/ أترکها عاريةً لتستروها قبل أن تتفسَّخ/ مثلما تفسَّخت أبجديةُ بني قحطان.» (کنعان، 2010م: 692)

يعکس لنا الشاعر علي کنعان أيضاً فيما يلي حياة الناس المتردية والمتأزمة، والتي تسودها الفوضى. يری الشاعر بأَنَّ الحل الوحيد لمقابلة هذا الظلم والفوضی هو الوقوف أمامه وجهاً لوجه، لأنَّ الشاعر لا يستطيع أن يتحمل أيّ نوع من الفوضی والصراعات في مجتمعه. ومما يسترعي الانتباه هو أنَّ الشاعر أمسک بمفصل حيوي من الصراع الاجتماعي والسياسي في مجتمعه، والذي لعب دوراً بارزاً ومحورياً في هذا الصدد، ولم يقف الشاعر مکتوف الأيدي، فراح الشاعر يدعو أبناء شعبه إلى الإقدام والانتفاضة والانخراط في جبهات القتال دفاعاً عن قيمهم الإنسانية السامية. ليس أمام الشعب سوى خيارين، إما أن يثور بوجه الساسة والحکّام الظالمين ويُحطّم القيود ويفوز بالحرية وکرامة العيش، وإما أن يظلّ مقيَّداً بالقيود مسلوب الإرادة صاغِراً:

«صار السکوت قرص سم في العجين/ صار السکوت دمَّلاً محتقناً بالوحل والسخام/ ... صار السکوت جيفة/ تتنقل وجه الأرض بالديدان/ ... يا مستسلماً للقمل والذباب والغبار/ يا خارجياً مثقلاً بالخوف والسکوت والهوان/ إن شئت أن يبقى/ في دمک الباقي على الحقب/ شيءٌ من الإنسان/ فلتشرع اليدين واللسان/ کالفأس .. أو کالنار/ في عالمٍ يئن من فداحة الظلام/ والديدان.» (المصدر نفسه: 271-270) 

وإذا تتبّعنا الفقرة السابقة وأمعنّا النظر فيها، يتبيَّن لنا أنَّ الشاعر يشکو تنکّر الحاضر للمعايير الإنسانية والأخلاقية بحيث يعيش الشعب في أسوأ ظروف ممکنة. ويجب ألّا ننسى بأنَّ الشاعر طرح قضایا تتطلّب جرأة کبيرة، واللافت للنظر أنَّ الشاعر صوّر (الديدان)، و(القمل) و(الذباب) رموزاً لِلذُّل والهوان، لِتوعية المواطنين وترغيبهم على القيام ضدّ الوضع السائد، بما يحمل من بطش واضطهاد، وخراب. داعياً مختلف أطياف الشعب إلى رفض الظلم، مندداً بما يحدث من أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية في مدينته.   

يرسم لنا الشاعر علي کنعان في الشاهد التالي صورة واضحة عن الأزمات والمحن والمجاعات التي مرَّ بها سکان مدينته المهمَّشين ليظهر واقعهم المرير، وتدني مستوى الخدمات وحرمان الشعب من أبسط حقوقه واهماله اجتماعياً ومعيشياً.

«ومن جوف أحجية العسف والقهر والجوع/ أصرخ .. أصرخ .. أصرخ ../ حتى تجفَّ عروقُ الهواء/ وتختنقَ الأرضُ غرقى برائحة الکلمات القتيلة:/ اترکوا لي بلادي/ اترکوا لي مدينةَ حبي/  واترکوا أحرفَ اسمي، ملامحَ وجهي/ ... اترکوا لي هواء نظيفاً من الرعب، ريان بالعافية/ لأحيا کباقي البشر/ لست وحشاً ../ ولا جملاً لبداوةِ هذا الزمان/ وأنا لست برميلَ زيتٍ ../ ولا بائعاً في المزاد/ کرهتُ الحروبَ التي لا تصونُ البيتَ/ ولا تستردُّ الأمان/ ولکنْ تزيد الضواري وسائلَ عنفٍ ونهبٍ/ والمساکينَ بؤساً وطولَ هوان.» (کنعان، 2010م: 301-300) 

ظلّ الشاعر مقهوراً من مأساوية الحاضر، وَ‌جوّ هذه المدينة الفاسدة الذي يعتمد على التخويف والترهيب راجياً التخلص من هذه الاعتداءات والصراعات والفوضى والآلام التي لازمت حياته وأملأت کيان الشاعر بالکآبة والشعور بالضياع. الفقر بالحقيقة هو نتيجة لفلتان الوضع الأمني والمعيشي في المجتمع. الشاعر يدعو الناسَ الأبرياء بشکلٍ عام وأبناء شعبه المضطهد بشکلٍ خاص، للثورة والنضال حتى تتم إزاحة کل مظاهر الفوضی والخراب في هذه المدينة. يصفُ لنا الشاعر علي کنعان في المقبوس المنصرم مجتمعاً فوضويَّاً أنهکته الحروب، بحيث أعطانا الشاعر صورة صادقة عن أبناء شعبه الفقراء والمهمَّشين، والانحطاط الأخلاقي وعدم الاستقرار وارتفاع معدلات العنف. يطالب الشاعرُ الجناةَ والمجرمين بعيشة ناعمة مرهفة، لأنّه إنسان والإنسان في مجتمعه يجب أن لا يقل کرامةً وشأناً من باقي البشر. يکشف الشاعر عما فعلت الحروب بالناس الأبرياء في إشاعة المثل الذميمة، وهتک الحرمات والنواميس، لذا يصرخ بوجه أبناء مجتمعه متخذاً هذا الواقع القمعي والفوضوي وأجواء التشرذم السياسي في المجتمع ذريعة لإيقاظ الشعب عن نومهم الطويل وتعرفهم على حقوقهم الضائعة، وذلک ليسود السلام والأمن والطمأنينة بينهم.

3-1-2- صورة الفقر

الديستوبيا لها مکانة مفصلية في أعمال علي کنعان الأدبية، وتلعب دوراً رئيساً في شعره. شيوع الفقر في المدينة يُعدّ من أهمّ عناصر ديستوبيا الحاضرة وبشکل فعال وکثيف في نصوصه الشعرية، وذلک لأنَّهُ في الواقع وليد التمييز الطبقي وتفکک البنى الاجتماعية والفساد السياسي الموجود في هذه المدينة الفاسدة. انتفض الشاعر على واقع مجتمعه المأساوي والبؤس الموجود فيه، لأنَّهُ يأبى الحياة الذليلة والحرمان الذي يعيشه شريحة واسعة مهمشّة من أبناء جلدته. وبناء على ذلک استوت عند الشاعر الحياة والموت، والفرح والترح في بلاد الاغتراب، وهذا الأمر يشاهد في المقبوس الشعري الآتي، عندما يقول منشداً:

«لا خوفَ بعد اليوم يا زمانَنا الأجرب/ لا خوفَ من جوعٍ ولا فقرٍ ولا مرض/ فأمنا الحنونُ أمريکا/ ودون أيّ مِنَّةٍ ولا غرض/ تسدّ ما نحتاجه بالعملةِ الصعبة/ وإن يکن معتصراً/ من دمنا وغدنا الأَصعب.» (کنعان، 2010م: 428)

نشاهد في النص الشعري السالف صورة واضحة لمساعي الشاعر بغية نجدة أبناء جنسه الجياع، وذلک للحصول علی ما يسدّ رمقهم، حتی إذا کان ذلک يؤدي إلی موته. استعمل الشاعر بوادر الأمل من خلال خطابه الجريء للزمن المنحط الذي يمثل رمزاً للأوضاع المتدهورة في مدينته الفاسدة، وأيضاً تحديه للفقر والحرمان داعياً الطبقة السفلى في بلاده عدم الاستسلام أمام هذه الأزمات الاقتصادية الصعبة، مُثلجاً بکلامه صدرهم.

     لقد خاضت غالبية نصوص علي کنعان الشعرية في تفاصيل ما يجري على مجتمعه من أحداث سياسية واجتماعية واقتصادية، وما حلَّ بأبناء وطنه من الضعف، والونى، والفتور والويلات. يصوّر الشاعر فيما يلي أبناء مجتمعه المهمّشين الذين يعانون يوميّاً من مشاکل معيشية بسبب ضنک العيش وواقعهم المأساوي الأليم والخطير الذي لم يستطيعوا التخلص منه، مشيراً إلی أدقّ التفاصيل عن بؤس حياة أبناء شعبه في هذه المدينة الفاسدة. ويقول الشاعر في هذا المضمار:

«وشفافهم زرقٌ مشققةٌ کبالية النعال/ وعيونهم - غرثى کأَفراخ الدجاج/ بين المزابل والغلال-/ فوق الرصيف وعبر أبواب الزجاج/ طولَ النهار ../ مدَّ النهارِ وليس من قوتٍ/ ولا داعٍ، ولا حتى ظلال!» (کنعان، 2010م: 84)

شاهدنا فيما سبق بأنَّ الشاعر يصرخ لجوع أبناء جنسه وحياتهم المليئة بالفقر والعوز، ويرسم لنا صورة شاملة وجليَّة للوضع الحاضر، واصفاً تراکمات الحقد ومضاعفات العنف الذي رسخ في کيان المجتمع.

وکما أشار الشاعر علي کنعان إلى مدى الأزمة الاقتصادية التي يعيشها سکان مجتمعه جراء الأوضاع الراهنة، مُحذراً من الفارق الطبقي ومن الظروف الاجتماعية القاسية التي جرّعت أبناء مجتمعه الغصص والمرارات، والعجز المالي الذي أصيبوا به وأذاقَ شعبه المحن وأحلّت به الملمات والمصائب. وينشد في الشاهد التالي قائلاً:

«فخشيتُ أن الأرض قد تتزلزلُ/ أو أنّ سقف بلادنا يتفتتُ!/ أُمٌّ تخلَّت عن بنيها الجائعين/ إذ لم تجد في بيتها ما تأکلُ/ وأَبٌ تقوَّس ظهره تحت السنين/ کالهيکل العظميّ، روح يحتويها هيکلُ/ وصبية سمراء .. يجهش قلبها القلق البريء/ کحمامة زغباء تنبش في جيوب القطب/ عن عشٍّ دفيء.» (المصدر نفسه: 85)

     الشاعر يواجه الموت اليومي لأبناء جلدته في النص الشعري السابق، حيث لا يجدون ما يسدّ به رمقهم، الأمر الذي أدّی إلى ضيق صدره من هذه الهموم الاجتماعية في مجتمعه. نخر الفقر في بنية المجتمع وخرَّبه تخريباً داخلياً، لينتهي الأمر بسقوط الشعب في دوامة الاضطهاد والعنف. 

في النص الشعري التالي يطرح الشاعر علي کنعان أيضاً مشکلة العجز المالي في هذه المدينة الفاسدة، ومرارة الواقع وأعباء ضنک العيش والفقر المدقع الذي تحمله أبناء شعبه، وعمق الکآبة التي يعيشون فيها جراء إنفاق الدولة للأموال وذلک لِشنّ الحروب المتناوبة والتي کان يمکن استثمارها على إطعام الفقراء. ولکن في نفس الوقت لم يتراجع الشاعر قيد أنملة عن مواصلة طريقه في الدفاع عن بلاده، فالشاعر علي کنعان لم يقنط من بزوغ فجر جديد يضيء لهم الحياة، مستنکراً ما يعانيه مجتمعه من حروب أنهکت کاهل هؤلاء الناس، بحيث تستنزف قدراتهم وکلّ عناصر القوة فيهم.

«معذرةً إن کانت کلماتي/ کجذوع شجيرات هرمة/ في عصرٍ يرفض أکْلَ الخبز البايت/ أرضي لم تنبت من سنوات/ غير الصخر/ والمطر الأخضر صار رصاصاً/ ماذا لو أصنع من هذا الصخر/ فؤوساً وحرابا؟!» (کنعان، 2010م: 221)

أشار الشاعر أيضاً في هذا الشاهد الشعري إلی استعداده للکفاح والنضال التحرري، وأن يضحي بالغالي والنفيس لأجل تحرير أرض وطنه، الذي محبّته نُقشت في قرارة نفسه وَ‌شدَّ إليه نياط قلبه، من براثن الکبت والبطش والأعمال التعسفية.

في الحقيقة هذه الشواهد بمثابة جرس إنذار مدو يسعى لتوعية المجتمع، بحيث ألقی الشاعر علي کنعان ضوءاً على الشريحة الکبيرة من أبناء مجتمعه الذين يعيشون في الکبت والفقر العارم، وانطلاقاً من هذه الأسطر الشعرية عبّر عن مدى تردي الأوضاع المعيشية في مدينته الفاسدة.

 

3-1-3- شيوع الفساد والخصال الذميمة

يستقي الشاعر علي کنعان معظم مادّته الشعرية من واقع حياته المرير في بلاد الغربة، ليعطينا صورة تفصيلية عن ذاته الإنسانية. نتناول هنا نمطاً آخر من الديستوبيا الذي أخذ من أسطر علي کنعان الشعرية ميداناً واسعاً. يحاول الشاعر أن يتعاطى مع المتغيّرات الاجتماعية التي رافقت مجتمعه الديستوبي في الغربة، ولکن دون جدوى. کما أسلفنا قد شغل حبّ الوطن حيزاً واسعاً في شعر الشاعر، بحيث يعدّ علي کنعان مسقط رأسه مصدراً للنقاء والطهر، وفي المقابل يتضجر الشاعر من حاضره المأساوي، مشيراً إلی انعدام سبل السعادة أمامه في هذه المدينة الفاسدة، بحيث يحتضن ذکرياته الجميلة ليتسلی بذلک نفسه ويطيب خاطره.

 أثَّرت کلّ هذه الأحداث المريرة على روح الشاعر اللطيفة والحساسة، بحيث صرَّحَ الشاعر بموت روح التآلف والرحمة والشفقة والمحبَّة بين الناس في المجتمع. يعتبر الشاعر أنَّ الناس في هذه المدينة لا يطابقونه قولاً وفعلاً، وذلک بما فيهم من البطش والنفاق والغشّ، ومن هذا المنطلق حاول الشاعر إصلاح مجتمعه من الانغماس في الأعمال الشنيعة وممارسة کلّ الموبقات التي تجتاحه، ساعياً لبناء عالم نموذجي خالٍ من الرياء الظلم والخشونة.

«الياسمين في دمشق يرفض الرياء/ الياسمين في دمشق .. ما له وجهان/ فعندما يحب ../ يطل من أسيجة الدور بلا وجل/ وينشر الأَريج/ على ضيوف الشارع المحروم.» (کنعان، 2010م: 251)

يسعى الشاعر جاهداً في النص الشعري المنصرم بأن يعطينا صورة واضحة عن القيم الإنسانية السامية من أجل ترسيخها في حياة أبناء مجتمعه اليوميَّة، لأَنَّ روحه اللطيفة والرقيقة تريد لکلّ الناس على هذه الکرة الأرضية حياة سعيدة يغمرها الحب والألفة.

يستقبل الشاعر الواقع الکالح بوجه عبوس وکريه، متنفساً الصعداء ويتضجر من شيوع الفساد والحالة المأساوية في مجتمعه. وبناء على ذلک يصف الشاعر أمنياته الضائعة التي لا يمکن لها أن تتحقق في هذه البيئة المتشرذمة اجتماعياً، ويسترجع الأيام التي اندرجت في الزمن الماضي، بحيث طوتها الأيام المظلمة وتبدّدت أحلامه. فنشاهد ذلک في المقبوس الشعري التالي عندما يشير الشاعر وبصورة مباشرة إلى الفساد الموجود في مجتمعه، والذي يؤدي بالنهاية إلی هلاکه حزناً وأساً، ويتحدث عن إحساسه الحاد بحرکة الزمن القاسي التي ستمضي به کما مضت بذکرياته الحلوة وأصدقائه وخلّانه السابقين، وتنتهي به إلى الموت والفناء، ليمزج الشاعر علي کنعان بذلک بين ذکرياته الجميلة وهلعه من مجتمع يتباهی بالفساد، فينشد في هذا المجال قائلاً: 

«دار أمي وأبي يغمرها النسيانُ/ في بادية الشيحِ/ ويطويها زمانٌ يتباهى بالفساد/ کيف تحتالُ على الموتِ/ وتغشاني؟» (کنعان، 2010م: 619)

المقطع التالي يرسم لنا صورة مفصلة عن حالة المدينة الفاسدة التي يعيشها الشاعر في اللحظة الراهنة. لم يستطع الشاعر أن يتلاءم مع هذه البيئة الملوثة التي تعجّ شتى أنواع مظاهر الفساد والدنس بها، والمشحونة بالحقد والضغينة والکراهية، وتسيطر على مجتمعه قوى النفاق، والتخلف واللاإرادة، مما شکَّلت في ذهن الشاعر صورة مشوشة أدرکها من العيش في الغربة. ومما يجدر بالذکر أنَّ الشاعر يرى المجتمعَ قد جاوز الحدّ في ذلّته وتحمّله للإمتهان، حتى يصل الأمر بالشاعر إلى أن يرى کلَّ شيء في هذه المدينة لا ينفع أن يکون سليماً سوى حليب الأُمهات. فهذه الأحداث المريرة تؤجج الآلام والأحزان في قلب الشاعر بما فيها من مظاهر ديستوبية، وذلک عندما يقول منشداً:

«هات حدِّث عن فساد الملح/ کُلُّ شيءٍ فاسد إلا حليبَ الأُمَّهات/ ألا ترى کم يعشقون العلبَ المهرَّبة!/ في جوٍّ سرطانيٍّ موبوء.» (المصدر نفسه: 723)  

    النص الشعري المسبق يوحي بأنَّ طرح الهواجس التي کانت ترواد أفکار الشاعر علي کنعان بصورة يومية حول المجتمع وأحوال المدينة أصبحت موضع اهتمامه. ومن الملاحظ فيما يلي أنَّ الشاعر قنط من الحياة بين جدران هذه المدينة الفاسدة، والتي لم يتمکن من التأقلم معها، مما أدى هذا الأمر إلى ازدياد نفور الشاعر من مدينته وإحساسه بالکراهية إزاءها.

«هارباً من دبقِ العيش البهيميِّ/ ومن قيء التکايا/ وخفافيش القبور/ حاملاً ملء حنين الروح/ أشجان المنافي/ والتياعات العصور/ مدنفاً ألقي بأوجاعي وأحلامي ../ على أکتاف صور.» (کنعان، 2010م: 467)  

وممّا لا مرية فيه أنَّ الشاعر علي کنعان يرصد أحداث مجتمعه بعين ذکية حيادية. إذا أمعنا النظر فيما قدّمه الشاعر في الشاهد الشعري السالف يتضح لنا أنَّه أدان الفساد والخصال الذميمة في مجتمعه. هذه الظروف المتدهورة والفساد العارم الذي استشرى في کافة مفاصل المدينة الفاسدة دفع الشاعر علي کنعان نحو الغربة عن وطنه والتشرد من بلدٍ إلى بلد آخر، هارباً من ظلّ ظروف انسانية صعبة ليجد لنفسه متنفساً من الواقع الحاضر. يجد الشاعر الأمن والاستقرار في الهروب إلى البلدان النائية الأخرى، حتی لو یؤدي الأمر إلی تجشّمه العناء وتحمّله وعثاء السفر.

3-1-4- الحرمان من الماضي الجميل وَالمعاناة اليومية

العودة إلى أيام الطفولة والماضي المشرق کانت ومازالت الهاجس الوحيد عند الشاعر، وتعتبر من المحاور المهمة في شعر علي کنعان، لأنَّه لم ينعم بالعيش في بلاد الغربة وما تحمل بين طياتها من ضياع للقيم الإنسانيّة وقسوة الحياة وانهيار المثل العليا. «هناک علاقة وثيقة بين الأدبِ والمجتمع لا تُخفى على أحد، إذ إنَّ الأدب نابع من فکر الشخصيات المبدعة التي تعيش في المجتمع، حيث يقوم الأديب بإعادة خلق الأحداث الاجتماعية في الأثر الأدبي للقرَّاء». (گنجيان خناري وجمشيديان، 2014م: 52)، ولکن من زاوية أخری نجد بأَنَّ علاقة الشاعر علي کنعان بالمدينة في الغربة مازالت علاقة غير حميميَّة بحيث تعامل معها کأنها عدوه اللدود. صوّر الشاعر واقع مجتمعه المرير ومظاهره القبيحة بالشکل الّذي خلّفه في مخيلته الشعرية، واصفاً هروبه من حاضرٍ قاس أبعده عن بلده الحبيب وأهله.

«لهاث الريح يخطفني إلى أرض الطفولةِ/ ثديُ أُمي ناشف .. طار الندى،/ يبست حليماتُ الندى قبل انحسار الغيمِ/ ... وأبي يحدق في سماء تشتهي موتي/ يُخوِّضُ في رماد کاد يبلعه.» (کنعان، 2010م: 372)

يدلّ النص الشعري السابق على عجز الشاعر من أن يقيم جسراً من الحب والمودة بينه وبين هذه البيئة، فلم يجد الشاعر علي کنعان مخرجاً ومنفساً للأشجان المنطوية والآلام المکبوتة والمشاعر الدفينة غير الشعر.

مازالت العودة إلى عالم الطفولة والحياة الماضية حلماً لم يتحقق للشاعر، بحيث عجز عن طمسها في نفسه لأنَّه کان وما يزال يأنس وبشدة کبيرة إلى بيئتها ولم يستطع أن يحبَّ غيرها، فلم يبقى للشاعر علي کنعان من الماضي إلا ذکريات جميلة قد غابت بغيابه عنها. الشاعر لم يستطع التلائم والانسجام مع الناس في المجتمع، ويتمنى الهروب من هذه المدينة الفاسدة التي تتسم بالخداع والکذب. ومن هذا المنطلق نجد الماضي رمزاً للانفتاح الأخلاقي والمحبة والألفة وراحة البال والنشاط والنقاء والسکون والطمأنينة في شعر علي کنعان، بينما يکون الحاضر مشحون بالفوضى والعنف والأنانية والکآبة والمکان الذي يُشعر الإنسان بالوحدة والعزلة، والتي ولَّدت داخل الشاعر نوع من الصدمة والنفور من واقع مجتمعه.

«ومثلما نطيرُ في مواسم الطفولة/ على بساطِ الغيم أَو أُرجوحةِ الضياء/ من أرجوان أفقٍ مشتعلٍ في أَول المدى/ إلى رماد أفقٍ معتکرٍ في آخرِ المدى/ نودّ لو تَشيلُنا تحت خوافيها ../ نرسمُ في ترحالنا ألفَ مدارٍ/ ومدار.» (المصدر نفسه: 303)

    ومما يجدر بالذکر فيما سبق أنَّ الشاعر علي کنعان يشعر بعبثيَّة الحياة وضياع الماضي الجميل، ويعلن رفضه لما يدور في هذه المدينة من رذائل وقبائح، وهذا يعکس مدى تأثره ببيئته وحبّه للقيم الإنسانية وحنينه إلى العودة للوراء.

يتغنى الشاعر بقريته وبأنعامها وصفاءها وبساطتها، ويحنّ قلبه إلى قريته وربوعها الواسعة وحقولها الشاسعة، وذلک عبر تصوير حقول الشاي في منتجع "إيزو"[1] السياحي. الحقول التي تذکّره بشذى رائحة هذه النباتات المعَطَّرة في بادية الشام، وذلک ليجد فيما يتصوره من فسيح رحابها متنفساً له، ولکن الذکرى وحدها نصيبه من هذه الطبيعة الخلابة، ليشير من خلالها إلى حاضره التعيس ومأساته. يرتبط الشاعر بوطنه الذي نشأ فيه وترعرع ارتباطاً وثيقاً، ليحيا في وطنه بروحه، ويحلّق في أجوائها بخياله، واصفاً مدی حزنه ووحدته ومأساته في بلاد الاغتراب:

«يرمح الدربُ إلى إيزو/ على زيقِ الخليج/ وحقولُ الشَّايِ/ تستدعي أَريجَ الشيحِ/ في باديةِ الشامِ/ هل الذکرى ضناک الأَبدي؟» (کنعان، 2010م: 554-553) 

جاءَت نصوص الشاعر علي کنعان الشعرية تعجُّ بسخطه من واقع المجتمع وأوضاعه التّعيسة، ومکابدته للآلام، رافضاً الحياة فيه، وذلک علی العکس تماماً مع رؤية أبناء هذا المجتمع الذين يتنعمون بعيشة راضية. عانى الشاعر الکثير من وطأة الحاضر في کنف الغربة، بحيث ظلّ يلفظ أنفاسه الأخيرة مسترجعاً ماضيه المشرق والمفعم بالنشاط والحياة. يتضجر الشاعر من مجتمعه القاسي الذي أدى إلى تهاويه في قاع الإخفاق، بحيث مزّقته تعاقب الأحزان والإحباطات والإخفاقات. 

   «أمس انتصرت علی الحياة/ حتى الهواء حبسته طيَّ القوارير الحديد/ واليوم ينتفض الربيعُ الطفلُ/ من تحت الجليد/ الويل لي!/ عادوا وهم يتنفّسون/ فالخزي، ريح الخزي تجلدني/ تعرِّيني .. وهم يتنفَّسون.» (کنعان، 2010م: 41-40) 

يريد الشاعر أن يدفن حقّاً هذا الحاضر الأليم ومعاناته في مقبرة ذکرياته، ليسجل الماضي الزاهر في کتاباته. فإنَّ للأحداث المريرة في المجتمع وأيضاً الهجران تداعيات کبيرة على الشاعر، بحيث أيقظت في قلبه الحزن العارم وولهه الشديد لماضيه وحياته الطفولية التي استطاعت وحدها أن تفتح له قلبها وتحتضنه بکلّ ودّ واعتزاز.

يأمل الشاعر في تشييد المدينة المثالية المنشودة ومتطلعاً إلى غدٍ مشرق يضمن سعادة وسکينة الناس في شتى مناحي الحياة، من خلال هذه النبرة الحزينة التي توصف رعب واقع حياته اليومية. لمسقط رأس الشاعر في شعره نظرة إيجابية ولکن لباقي المدن في الاغتراب الجانب السلبي في أعماله الشعرية، وهذا إنْ دَلَّ عَلَى شَيءٍ فإنما يدلّ على الصراع القائم والمحتدم بين البيئتين. إِنَّ الشاعر علي کنعان في هذه الحقبة الزمنيّة التي قضاها في بلاد الغربة مَرَّ بظروف قاسية ومريرة تختلف عما قضاها في وطنه، فکان لهذا الواقع المؤلم أثر بالغ في شعره، بحيث أثقلت الأحزان کاهله وأخذت بخناقه.

«رسالةٌ حروفها مقطوفةٌ من کوکبِ الطفولة/ کلُّ نعيمٍ خلفها جارٍ بلا حدود/ وکلُّ من يقوى على الولوجِ في أسرارها/ مفقود/ لا ترحلي عن شاطئ الأحلامِ/ يا سفينةَ الخلود/ ولتحضني بدفئکِ الکونيِّ/ قلبيَ من برودةِ الأَيَّام.» (المصدر نفسه: 614)

فهذه الصدمة من الأزمات والويلات وتأزم الوضع السياسي والاجتماعي، جعلت الشاعر يعيش قلقاً مستمراً. نظر الشاعر للمدينة في الغربة نظرة الخصم الذي يؤدي بالنهاية إلى مأساته ومعاناته، ومن هذا المنطلق حنَّ الشاعر إلى عالم طفولته البهيج الذي ضيعه بهذه المدينة الفاسدة.

    وکما أشار الشاعر إلى حاضره وحياته الحزينة الکئيبة والمعاناة التي يدفع ثمنها في هذه المدينة الفاسدة، بحيث ذاق صنوف الآلام والمرارات التي حرّمته من أن يتمتع بروعة الحياة وجمالها؛ وعلى الرغم من الآثار السلبيَّة التي يترکها الحزن في نفسية الإنسان إلّا أنّ الشاعر لم يقف مکتوف الأيدي أمام هذه التحديات، محاولاً التصدي لها طلباً للحرية المطلقة من هذا السجن المؤبد والجوّ الصاخب.

«تملأ الدنيا أراجيحَ وطيبْ/ فتعلَّقت بغصنٍ أيّ غصن!/ وعبرت الباب في ثوبٍ قشيبْ/ ناسياً قسوةً حرماني وسجني.» (کنعان، 2010م: 49)

يعتقد الشاعر علي کنعان بأنَّ الناس في مجتمعه لم يتمّ تکريمهم اجتماعياً، بحيث لم تتوفر أي أسباب السعادة لهم. يقول صاحب کتاب "فارابي فيلسوف الثقافة" بأَنَّ المجتمع اليوتيوبي في الحقيقة هو المجتمع الذي تتحقّق فيه سبل السعادة المطلوبة بشتی أنواعها لدی الشعب. (داوري اردکاني، 1382ش: 155)، تبدّد السعادة والحياة المليئة بالمسرات عند الشاعر شيئاً فشيئاً في الغربة ساعدت في أَن تأخذ اليأس والألم والتشاؤم والهموم والأحزان مکانها بالحياة اليومية في هذه المدينة الفاسدة.

الحقيقة أنَّ موقف الشاعر ورؤيته السلبية، ومعاناته، وتشاؤمه تجاه ما يجري على المجتمع وأحوال السکان، هو بمثابة استجابة لتحديات زمانه، وبغيةً لما يَرومُهُ من خيرٍ وسعادة لأبناء الشعب، مما يضمن تحريرهم من هذه الملمات والتهميش الاجتماعي، وما لها من عواقب وخيمة عليهم. فهو مجتمع يسوده الأهوال والاضطرابات، والفوضى، والبلابل التي هدَّت أرکانَ العيش فيه، وهَدَمَت کلّ ما يَدفَع إلى الخير.

يسعى الشاعر إلی البحث عن اليوتوبيا المنشودة عبر بلورة الديستوبيا ورفضه القاطع للعنف ومعاناة أبناء مجتمعه جراء هذا الواقع المرير، لذا لم يکتف الشاعر بإضفاف مظاهر الديستوبيا في نصوصه الشعرية، والتي هي نابعة من صميم مشاکل حاضر مجتمعه، بل يستنکرها ساعياً جعلها جسراً يوصل سکان المدينة إلى المجتمع المثالي والراقي.

«ألعنُ هذا العصر/ ألعنُ نفسي مثلما ألعنُ هذا العصر/ لأَنَّني ولدتُ فيه/ کالشاهد الجبان ../ لم أستطعْ تبديلَ شيء فيه/ يا وطنَ الإنسان والحضارة/ بکلِّ ما في القلبِ من غيوم/ وکلِّ ما في الجوِّ من رياح/ يا وطني .. أبکيک.» (کنعان، 2010م: 168)

وانطلاقاً من هذا النص الشعري نجد بأَنَّ ظاهرة الديستوبيا في شعر علي کنعان ناتجة عن مشاعره التي خالجته إزاء قلقه حول استمرار أعمال العنف في مجتمعه المکتظ بالأزمات وأيضاً المعاناة اليومية التي هيمنت على حياته، موجهاً أصابع الاتهام إلی هذه المدينة الفاسدة. يسمو الشاعر بالکلمة، ليؤدي من خلال ذلک رسالته الإنسانية الإبداعية في الشعر على أکمل وجه. کان الشاعر في جميع سطوره الشعرية اللسان الناطق الوحيد لآلام وأحزان شعبه الجريح الذي تکبّد في زمانه الحاضر بشتى أنواع المعاناة والمصائب والخسائر الفادحة، لِيصبَّ الشاعر علی هذه الأوضاع المتردية وما حدث من تجاوزات في مجتمعه والمسببين لها کؤوس غضبه.

4- النتيجة

الخصائص التي اتضحت من خلال دراستنا علی ما تقدّم لتجليَّات الديستوبيا في شعر علي کنعان، هي کالتالي:  

- قد تجلّت ظاهرة الديستوبيا في أعمال علي کنعان الأدبية بشکل لافت للانتباه، ســائراً علی خُطی القدماء في الأدب الديستوبي. طرح الشاعر الکثير من القضايا اليومية الهامة التي تدور في مجتمعه، وبصورة جريئة، بحيث يصعب على معظم الأدباء في العالم العربي من تداولها علناً، وهذا إنْ دَلَّ عَلَى شَيءٍ فإنما يدلّ على جرأة الشاعر وصراحته ومدی معاناته من الفوضى الاجتماعية وواقعه المؤلم. الشاعر علي کنعان عانى الکثير من ويلات الزمن، فقد سخّر کلّ موهبته لخدمة المجتمع، ولديه رغبة جامحة في تجاوز عقبات الواقع المعاش على مسرح الحياة، وحتى لو يؤدي الأمر إلى استنزاف دمه للمطالبة بحقوق جميع المضطهدين في المجتمع وذلک عن طریق تنظيم الحرکات الاحتجاجية، فتتجلى أفکار علي کنعان الديستوبية في جُلّ أسطره الشعريَّة بنقد حاضره والواقع المروع غير المرغوب فيه الذي يعانيه مجتمعه داخل خضمّ من المشاکل والأزمات.

- معظم أَشعار علي کنعان هي مرآة صافية لِخلجات نفسه و‌مقومات فکره، بحيث يصرخ الشاعر بوجه الساسة الجائرين وأبناء شعبه المتخلفين مُنفثاً عن غضبه من واقع مدينته الفاسدة. حـاول الشـاعـر مـن خـلال تـعـبيره عـن ماضيه المشرق وخصال المدينة المثالية إيصال صورة موجزة إلى المتلقي بشکلٍ أو بآخر عن الديستوبيا و‌مظاهرها، وَ‌مُتخذاً إيّاها وسيلة للتنفيس عن آلامه وهمومه في هذه المدينة الفاسدة. خاض الشاعر علي کنعان غمار تجربة الغربة وَ‌ذاق المرّ والويل، وما آلت إليه من الآلام والأحزان، لذا أصبحت أعماله الأدبية سجلاً أدبياً لحياته، مشيراً عبرها إلى الأزمات الإنسانية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية في هذه المدينة، ومدى الدمار الذي تسببه، بحيث عمّت الفوضى فيها.



[1]. «منتجع سياحي في شبه الجزيرة الممتدة إِلى الجنوب من طوکيو، ولها وقعها المحبب في الأَدب الياباني.» (کنعان، 2010م: 553)

أَ- الکتب
اصيل، حجت الله. (1381ش). آرمان شهر در انديشه‌ ايرانی. ط 2. طهران: دار نشر ني.
برنيري، ماريا لويزا. (1997م). المدينة الفاضلة عبر التاريخ. ترجمة عطيات أبو السعود. ط 2. الکويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.
داد، سيما. (1385ش). فرهنگ اصطلاحات ادبی؛ واژه‌نامه مفاهيم و اصطلاحات ادبی فارسی و اروپائی (تطبيقی و توضيحی). ط 3. طهران: دار نشر مرواريد.
داوري اردکاني، رضا. (1382ش). فارابی فيلسوف فرهنگ. طهران: دار ساقي للنشر.
عايش، قيصر عبد الفتاح. (2003م). معجم الأدباء من العصر الجاهلي حتى سنة 2002م. ج 4. ط 1. بيروت: دار الکتب العلمیة.
کاپلستون، فردريک. (1362ش). تاريخ فلسفه. ترجمة سيدجلال الدين مجتبوي. طهران: مرکز انتشارات علمی فرهنگی.
کنعان، علي. (2010م). الأعمال الشعرية. ط 1. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
- Pearsall Judy. (1999). The New Oxford Dictionnary of English. Editor Patrick Hanks. America. Oxford University Press.
 -Taylor & Francis. (2000). Routledge Encylopedia of philosophy. Great Britain. Routledge.
 
ب- المجلات
پرچگاني، فاطمة. (2018م). «الديستوبيا (المدينة الفاسدة) في الرواية العربية المعاصرة؛ قراءة في رواية "أورويل في الضاحية الجنوبية" لفوزي ذبيان». مجلة إضاءات نقدية في الأدبين العربي والفارسي. السنة 8. العدد 29. صص 149-131.
الحسني، أحمد عبدالرزاق ناصر. (2015م). «ثنائية (اليوتوبيا والديستوبيا) في الرواية العراقية دراسة سيميائية». مجلة کلية الآداب جامعة بغداد. العدد 112. صص 210-191
صحرايي، الهام وآخرون. (1394). «فراخوانی شخصیت ایرانی شهرزاد در شعر شاعران معاصر عراق». مجلة مطالعات انتقادی ادبیات. جامعة گلستان. السنة 2. العدد 7. صص 14-1.
گنجيان خناري، علي؛ رضوان جمشيديان. (2014م). «رواية "لعنة الأرض" لجلال آل أحمد في ضوء النقد الاجتماعي». مجلة إضاءات نقدية في الأدبين العربي والفارسي. السنة 4. العدد 16. صص 68-51