التفاؤل فی مدائح المتنبی؛ دراسة فی الاتجاه السیکولوجی لسلیجمن

نوع المستند: علمی پژوهشی

المؤلفون

1 طالبة دکتوراه فی اللغة العربیة وآدابها، فرع کرج، جامعة آزاد الإسلامیة، کرج، إیران

2 أستاذ مساعد فی اللغة العربیة وآدابها، فرع کرج، جامعة آزاد الإسلامیة، کرج، إیران

المستخلص

فی النصف الثانی من القرن العشرین، ابتکر عالم النفس الأمریکی مارتن سلیجمن نظرة جدیدة فی علم النفس واتخذ اتجاهاً جدیداً فی هذا العلم. فی هذا الاتجاه الجدید أخذ علماء النفس النظر فی النصف الممتلئ من الکأس (التفاؤل) بدلاً من النظر فی النصف الفارغ منها (التشاؤم)، ویسعى من خلال تنمیة مواهب الأشخاص وقدراتهم إلى تنویر جو الأفکار والأنفس. والتفاؤل فی هذا الاتّجاه ینقسم إلى قسمین، التفاؤل الطبیعی والتفاؤل التبیینی. والتفاؤل الطبیعی هو أنّ الشخص یرى کلّ شیء فی المستقبل متفائلا ویبرّره للتخلص من الضغوط النفسیة. أمّا التفاؤل التبیینی فهو أن یُنسِب الشخص النجاح إلى قواه النفسیة وأسباب نفسیة داخلیة وأن ینسب الفشل فی حیاته إلى أسباب خارجیة. إنّ معرفة الکاتب لهذا الاتجاه السیکولوجی ساقه إلى البحث عن هذا الاتجاه حتى یتطرق البحث إلى دراسة شعر المتنبی معترفا بفرضیة أنّ المتنبی یتسم بنظرة إیجابیة وتسلیط الضوء على موضوع التفاؤل فی مدائحه وفق اتجاه سلیجمن السیکوجی فی ظل دراسات متعددة التخصصات. واعتمد البحث منهج الدراسات المکتبیة وجمع المعلومات والبیانات وإثبات الفرضیة المذکورة، متوصلاً إلى الإجابة على سؤال رکّز علیه البحث حول التفاؤل إذا ما کان قد ظهر فی مدائح المتنبی وفق الاتجاه السیکولوجی الذی سلکه سلیجمن، وقد توصل البحث إلى أن هناک نوعین من التفاؤل فی شعر المتنبی وهما کما مضى؛ التفاؤل الطبیعی أو الفطری والتفاؤل التبیینی (الخارجی).

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

Optimism in Motenabbi's panegyrics from Seligman psychological viewpoints

المؤلفون [English]

  • Kobra Safari 1
  • Hassan Shavandi 2
1 PhD student of Arabic Language and Literature, Karaj Branch, Islamic Azad University, Karaj, Iran
2 Assistant professor of Arabic Language and Literature, Karaj Branch, Islamic Azad University, Karaj, Iran
المستخلص [English]

In the second half of the 20 century Martin Seligman, American psychologist, proposed a new look to psychology. In his new approach, the psychologists focus on the half full part of the glass instead of its half empty part and illuminate dark points of the mind and psych by developing available capabilities of individuals. In this approach optimism is of two kinds: innate and explanatory. In innate optimism individual sees every future thing optimistic and justifies them for the sake of escape. But in explanatory optimism the individual ascribes the success to inner mental forces and causes. Knowing this psychological approach, the writers of this article led to search this outlook in Arabic poetic literature in order to deal with optimism in Motenabbi's panegyrics from Seligman psychological viewpoints in an interdisciplinary format and with the hypothesis that Motenabbi enjoyed an optimistic outlook in his poems. In this way the above mentioned hypothesis is solved by library studies and data gathering and the question of optimism in Motenabbi's panegyrics is answered from Seligman psychologic approach and ultimately the article reaches to two inate and explanatory optimism in Motenabbi's Divān (collected poems)

الكلمات الرئيسية [English]

  • Motenabbi
  • Optimism
  • Seligman
  • Motenabbi's panegyrics
  • Psychological Approach

مع ظهور نهج جدید فی علم النفس یسمى علم النفس الإیجابی، فتحت نافذة جدیدة فی علم النفس. قد ابتکر هذا النوع من علم النفس مارتن سلیجمن الذی «ولد فی 12 أغسطس 1942 فی ألبانی، إحدى ولایات المتحدة الأمریکیة وعاصمة ولایة نیویورک. لا توجد معلومات عن حیاة مارتن فی مرحلة الطفولة والمراهقة. قد یکون ذلک بسبب اعتقاده الراسخ بمبدأ "هنا والآن". حتى فی مراسلاتی معه بطلب معلومات حول هذا الموضوع، أجاب على جمیع الأسئلة ما عدى معلومات حول ماضیه.» (کریمی، 1389ش: 24)

«نما مارتن سلجمن فی أسرة لها معتقدات طائفیة-مسیحیة صانها سلیجمن خلال حیاته حتى الیوم و أثر هذه المعتقدات بینة فی آثار البروفسور سلیجمن بحیث تعمّقت استنباطاته من الانجیل وهو یرغب فی تبین نظریته النفسیة بالأخذ من الکتاب المقدس.» (نفس المصدر: 25). «ورکّز سلیجمن دراساته منذ سنة 2000م على قبول علم النفس الایجابی الذی تبتنی أصولها على دراسة العواطف الایجابیة و الصفات الایجابیة الشخصیة والأنظمة الایجابیة و التحقیق حولها. وعلى أنّ علماء النفس الایجابیین والسریریین یسعون إلى الحیاة الممتعة. مع ذلک یفترق کلا الفریقین من الآخر باختلاف أساسی وهو أنّ علماء النفس الایجابین رکّزوا جهودهم على تنمیة البهجة النفسیة بینما علماء النفس السریریین مرتکزون على تخفیض الاکتئاب والغموم.» (نفس المصدر: 33)

فلهذا نرى سلیجمن یحتجّ على علم النفس السلبی قائلا: «إنّ علم النفس علّمنا حول کثیر من الأمراض من المعاناة والجرائم وکیفیة المواجهة بالغموم والاضطرابات ولکنّه ترک البهجة النفسیة وسرورها للمتفرجات وشرکة هالیوود وتجارة الأشربة الکحولیة فکأنّه لا دور لعلم النفس فیها.» (نفس المصدر: 45) بعبارة أخرى «هذه النزعة الجدیدة فی علم النفس تبحث عن کیفیة الحصول على أفضل الأسالیب فی التفکیر والتنفیذ بدلا من الأسالیب للتخلص من الاستیصال والبئوسة. فالتفاؤل هو ظاهرة قیمة لحیاة معنویة یمکن خدمة النفس بتوثیق المعتقدات الایجابیة حیال المستقبل.» (نفس المصدر: 46) ثمّ یجیب سلیجمن عندما یُسأل عن علم النفس الایجابی بأنه هل یرفض علم النفس المعروف قائلا: «إنّ علم النفس المعروف کان یترکّز على المشاکل النفسیة ممّا أنتج فهم الأمراض النفسیة ودرکها بینما هدف علم النفس الایجابی تعدیل تلک الرؤیة و التحریض على دراسة الجوانب الأخرى للنفوس اللبشریة.» (نفس المصدر: 54)

هذا النوع من علم النفس «یبدأ بتحوّل فی الطریقة التی یتعامل بها علم النفس من انشغال البال بأسوء الأحداث إلى المواقف الإیجابیة.» (محمد علی زاده، 1394ش: 78) اتجه منهج سلیجمن من الترکیز على الأفکار المظلمة وضعف النفس إلى الترکیز على الصفات الإیجابیة وتنمیة الجدارات والمواهب. «توصّل سلیجمن إلى الهندسة العکسیة ومن خلال النظر إلى التداعیات السلبیة مثل الاکتئاب توصّل فی الواقع إلى حلول وقائیة تسمى التفاؤل.» (کریمی، 1389ش: 27) وفقاً لوجهة نظر المعالجین الإیجابیین، یمکن للمرء تحریک مشاعره فی اتجاه واحد عن طریق تغییر مشاعره ومواقفه. (یدالله پور والآخرون، 1392ش: 82) وبعبارة أخرى، «کان ترکیز علماء النفس السریری (الإکلینیکی) سابقاً یتجه نحو علاج حالات العجز لعلاج الإعاقة والضعف. لکن علماء النفس الإیجابیون یؤکدون على ضرورة زیادة نسبة الابتهاج والصحة والدراسة العلمیة حول دور القدرات الشخصیة والأنظمة الاجتماعیة الإیجابیة فی تنمیة الصحة المثالیة.» (کار، 1385ش: 5) بناء على ذلک، «السؤال هنا لا یکمن فی کیفیة تعدیل نقاط الضعف لدى الأشخاص، ولکن  فی کیفیة تنمیة الأشخاص وترقیتهم. یسعى علم النفس الإیجابی إلى جعل الناس أکثر قوة وأکثر إنماء حتى یؤدی ذلک إلى ازدهار مواهبهم وقدراتهم الکامنة.» (ریو، 1383ش: 63)

فمن هنا «یستدعی سلیجمن علماء النفس بالعودة إلى الذات لیهتمّوا بکشف المواهب وتنمیتها إلى جانب معالجة المصابین بالأمراض النفسیة.» (مکیار، 1391ش: 20) وهذا الاستدعاء من جانب سلیجمن هو دعوة إلى کشف العواطف الإیجابیة إلى جانب الاعتناء بالعواطف السلبیة. فالاعتناء بالعواطف السلبیة دون العنایة بالعواطف الایجابیة هی بنفسها تشاؤم یغفل علماء النفس من المواهب و المقدرات النفسیة للإنسان و یجرّهم إلى مجرى ضیّق. «فالإنسان عندما یجرّب العواطف السلبیة دون العواطف الایجابیة یتعوّد على رؤیة ضیّقة المنظر تحدّد نطاق مفروضات العمل وتناول الامکانیات له.» (نفس المصدر: 36) و«هذا المنظر الضیق ینتهی غالبا إلى فکرة سلبیة متشائمة تنجرّ إلى عاطفة أکثر سلبیة وهذا التأثّر المتبادل بین الفکرة والعاطفة السلبیتین تزیل الحواجز أمام العیون وتفسح المفروضات والفرص أمام التفکیر المتفائل.» (نفس المصدر: 33)

فعلماء النفس مع أنّهم خطوا خطوات واسعة فی مجال معالجة الأمراض النفسیة ولکنّهم بمنظرهم الضیّق لمعالجة الأمراض أی بمنظر کشف الأمراض دون الاهتمام بالمواهب فقدوا مجال استخدام الاسالیب والعواطف الّتی تخفّف شدة العواطف السلبیة وحدّتها عند إثارتها. (نفس المصدر: 31) ففی الحقیقة «إنّ سلیجمن فی نزعتها النفسیة الجدیدة یبحث عن کشف المقدرات المکوّنة فی الذات ثم عن أسالیب تنمیتها بشکل متنظّم تزید شوق الإنسان إلى حیاة أکثر سرورا ونشاطا.» (نفس المصدر: 24)

إن معرفة الکاتب بعناصر علم النفس الإیجابی والقواسم المشترکة بینه وبین التعالیم الدینیة والشعبیة، ساقه إلى التفکیر فی دراسة وقراءة قصائد االمتنبی المتعلقة بالمعاییر النفسیة الإیجابیة. یمتاز علم النفس الإیجابی بمبادئ وقواعد أساسیة. ویرى علماء النفس الإیجابیون، أن البشر لدیه فضائل وقدرات ومواهب. «الفضیلة هی أحد أکثر المواضیع التی تم نقاشها بعمق فی تاریخ الفکر الإنسانی ونظریة المعرفة الإنسانیة. ویرى أرسطو أن الفضیلة تکمن فی الذات الإنسانیة.» (محمد علیزاده ، 1394ش: 100)

یشیر علم النفس الإیجابی على وجه التحدید إلى الفضائل الست باعتبارها فضائل عامة شاملة وهی «الشجاعة، والحکمة، والاعتدال، والتعالی، والسمو، والعدالة والإنسانیة.» (المصدر نفسه: 100)

بمعنى آخر، فإن الفضائل المذکورة هی سمات متأصلة فی البشر، وکل المواهب والقدرات تنبثق عنها. بعبارة أخرى، «إن القدرات تتفرع عن مجموعة من السمات الشخصیة التی نقیس علیها القیم الأخلاقیة. على سبیل المثال، تعدّ الانطوائیة والانفتاحیة من الصفات التی تفتقد لأیة معیاریة أخلاقیة، ولکن فی المقابل، نرى أن الشفقة والمودة والعمل الجماعی لها قیمة أخلاقیة.» (المصدر نفسه: 100) کما أن للفضائل فئات مختلفة على النحو التالی:

-        الحکمة تشمل؛ الابداع، حب الاستطلاع، الشجاعة، وحب التعلم واتساع النظر.

       - الشجاعة تشمل؛ الثقة بالنفس، الاستقامة، الکمال والحیویة.

- حب النوع (الإنسانیة) تشمل؛ الحب والعطف والذکاء الاجتماعی.

- السعی لتحقیق العدالة، بما فی ذلک احترام المواطنة والحیادیة فی القیادة.

- الاعتدال ینطوی على التسامح والشفقة والتواضع والعفة والحذر والانضباط فی إنجاز الأعمال.

- السمو والروحانیة یشمل معرفة تقییم الجمال والمشاهد الإجلالیة، والامتنان والأمل والتفاؤل والظرافة والروحانیة. (کار، 1385ش: 117)

یلاحظ أن التفاؤل یدخل ضمن فئة "السمو والروحانیة" من الفضیلة وستتم دراسته فی هذا المقال تحت عنوان "التفاؤل فی مدائح المتنبی على أساس اتجاه سلیجمن النفسی".

ضرورة البحث

نظراً لضرورة إنجاز وتطویر دراسات متعددة التخصصات، من جهة وتأسیس علم النفس الإیجابی وعلاقته بالتعالیم والمعتقدات الشعبیة والدینیة، من جهة أخرى، فإن معالجة النقاط المشترکة فی الأدب وعلم النفس الإیجابی یمکن أن یوسع نطاق البحوث متعددة التخصصات. وقد دُرس الأدباء و حیاتهم و أدبهم طوال القرون المتمادیة من زوایا مختلفة عرفها العلماء طوال سنوات طویلة من العلوم الشکلیة الفنیة إلى المعارف المضمونیة الموضوعیة حتى أصبح المداخل إلى دراسة الأدب مداخل متکررة دون إبداع أو بأقلّ ابتکار وإبداع. فهذه الدراسة تحاول تسلیط ضوء جدید وتعریف مدخل حدیث للباحثین فی سبیل تطویر دراسات متعددة التخصصات.

 

خلفیة البحث

تم إجراء عدد قلیل من الدراسات على ضوء علم النفس الایجابی فی الأدب الفارسی. امّا فی الأدب العربی فلم نعثر علی دراسة جدیر بالذکر. ولکن حول علم النفس الإیجابی، کان هناک العدید من الأبحاث، مثل "الازدهار" لمارتن سلیجمن، "الدافع والإثارة" بقلـم مارشال ریو، "علم النفس الإیجابی" بقلم آلان کار. وفیما یخص الشاعر المتنبی،  رکّز البحث على دیوانه، وبما أن دیوانه یمتاز بقدرة فنیة ومضامین عالیة ومعبّرة، فقد حظی باهتمام کبیر من النقاد والأدباء والکتّاب، وقد أنجز العدید من الأعمال حول المتنبی ودیوان أشعاره.

 

أسئلة البحث

عرف المتنبی بأنّه شاعر فخور على نفسه معتزّ علیها غلب على شعره روح الفخر والحماس کما عرف بمدح الکبار لاسیما سیف الدولة والکافور. ودرس شعره شکلا و مضمونا دراسة کاملة. تعرّف الکاتب بالاتّجاه الجدید السیکلوجی المسّمى بعلم النفس الإیجابی أو السیکلوجیة الایجابیة التی یعدّ التفاؤل من إحدى محاورها الأساسیة. فتسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن الأسئلة التالیة: هل یشمل مدائح المتنبی التفاؤل من منظور تعریف علم النفس الإیجابی؟ وهل محتوى قصائد مدائحه یحتوی على تفاؤل من منظور علم النفس الإیجابی؟

 

فرضیة البحث

نظراً لما یمتلکه المتنبی من روح الثقة بالنفس العالیة، فجاءت فرضیة البحث هنا بناء على الاعتقاد بأن الشاعر متفائل جداً بالمستقبل وأن تحقیق رغباته متیّسرة دائماً، وهذا ما انعکس فی شعره بصورة جلیة. وروح الثقة والاعتزاز بالنفس فی الشاعر یجعله فی مقدمة أصحاب التفاؤل التبیینی الذی یقوم بانتساب النجاحات فی الحیاة إلى النفس والمقدرات الذاتیة النفسیة، کما یقوم بانتساب الهزائم فی مسار الحیاة إلى الأسباب الخارجة عن النفس.

 

منهج البحث

قد اعتمد البحث على دراسات المکتبة والمنهج الوصفی التحلیلی، مسلّطاً الضوء على مقارنة الشواهد الشعریة المستخرجة من دیوان المتنبی باتجاه علم النفس الإیجابی. فالکاتب جمع مادّته من طیات الکتب فی علم النفس و تسلیط ضوءها على أبیات المتنبی، ثمّ قام بالتحلیل الوصفی لها و الاستنتاج منها.

التفاؤل فی مدائح المتنبی فی ضوء اتجاه سلیجمن النفسی

 یرى سلیجمن، أن «الأمل والتفاؤل یحددان التوقعات والأحداث الإیجابیة والشعور بأن المساعی والتخطیط یوفران العدید من الفرص التی تؤدی إلى السعادة والاستقامة والحیاة الهادفة. بمعنى آخر، إن الأمل والتفاؤل بالمستقبل والتوجه نحوه، یعبّران عن الحالة المعرفیة للعمل والمثابرة نحو المستقبل.» (محمد علیزاده، 1394ش: 109)

«التفاؤل عادة عبارة عن نتیجة لرؤیة الکأس الممتلئ ... إن مبدأ رؤیة المتفائلین تؤکد لنا تکرار عبارة متفائلة مثل "کل یوم أنا فی تحسّن"، و"سأحقق الهدف دائما". وهذه تشکل جزءاً من علامات التفاؤل، لأن التفاؤل شیء أعمق من ذلک. لقد بحثت خلال 20 عاماً فی هذا المجال أسس التفاؤل التی اکتشفها الباحثون، فتوصلت إلى أن أساس التفاؤل لیس فی تکرار الکلمات الإیجابیة أو مجرد التفکیر بالنجاح ولکن فی أسلوب التفکیر الواضح فی الأسباب.» (سلیجمن، 1379ش: 77)

کان التفاؤل موضوعاً ذا أهمیة کبیرة للشعراء ونقاد الأدب العربی، التفتوا إلیه بشکل ملحوظ. وقصائد المتنی لم تکن حافلة بالتفاؤل  فحسب، بل تعکس النظرة التفاؤلیة للمتنبی نظراً للاهتمام الخاص الذی یولیه الشاعر  لصفات الممدوح الحمیدة، بعبارة أخرى، إن المدح الصادق یعتمد فی جوهره على التفاؤل. لذلک، کلما وجدت قصیدة شعر أثنى فیها المتنبی على الآخرین، یمکن أن تجد فیها التفاؤل.

قبل معالجة التفاؤل فی الشعر المتنبی، نشیر أولاً إلى شواهد شعریة قدیمة تحمل روح التفاؤل والأمل. من جملة هذه الأشعار نشیر إلى بیت للشاعر الصعلوک عروة بن الورد الذی لم یفقد الأمل على الرغم من صعوبات الحیاة.

فسِر فی بلاد الله والتَمِسِ الغنى         تعِش ذا یسار أو تموت فتعذرا

 (ابن سکیت، 1926م: 191)

إنه یرى أن الموت أمر لا مفرّ منه ویقتع به، لذلک ینادی بالأمل والتفاؤل ویدعو إلى السیر فی الأرض حتى الوصول إلى مرحلة الغنى. فی مکان آخر یقول:

 فلا أنا ممّا جرت الحرب مشتک      و لا أنا ممّا أحدثَ الدهر جازع

                                                     (المصدر نفسه: 179)

ومن شعراء الصعالیک أیضاً یمکن أن نشیر إلى الشاعر تأبّط شرّاً الذی یتشکّى من صعوبات الدهر ومتاعب الحیاة، ولکن هذه المصاعب لا تحدّ من التفکیر بالأهداف وطرق الوصول إلیه وتحقیقه، بل یرى الحیاة جاریة ویقول:

قلیل التشکّی لِلمهمِّ  یصیبه           کثیر الهوی شتّى النوی و المسالک

                                                    (تأبط شرا، 1984م: 151)

وکان التفاؤل فی الشعر العربی المعاصر موضع اهتمام کبیر، وظهر فی شعر إیلیا أبوماضی وسائر الشعراء حیث کان موضع اهتمام النقاد والأدباء ولکن نطاق البحث لا یتسع فیه ولا یقتضیه.

 

1-التفاؤل الطبیعی (الفطری)

ینقسم التفاؤل إلى نوعین من وجهة نظر علماء النفس الإیجابی. التفاؤل الطبیعی أو الفطری والتفاؤل التبیینی. «التفاؤل الطبیعی أو الفطری هو توقع عام بأن الحوادث الجیدة ستحدث فی المستقبل أکثر من الأحداث السیئة ... ویستمر المتفائلون فی متابعة أهدافهم السامیة والعمل من خلال استراتیجیات خاصة بالتأقلم المؤثر والفعال، یقومون بتعدیل أنفسهم وتنظیم مزاجهم الشخصی حتى یتمکنوا من تحقیق أهدافهم.» (کار، 1385ش: 170)

وقد عبّر شعر المتنبی عن هذا النوع من التفاؤل بشکل عام، وغالبا ما توجد دلالات لهذا النوع من التفاؤل فی شعر المتنبی الذی یعتمد على التأقلم المؤثر وتعدیل الحالات النفسیة وتخلّص الفکر والنفس من العقد والأفکار السیئة. یقول المتنبی فی هذا الاتجاه:

      لو کانَ سکنایَ فیهِ منقصةٌ         لم یکن الدّرُ ساکنَ الصدفِ

                                                      (المتنبی، 1368ش: 439)

فی هذا البیت، یخلص الشاعر من أی مأزق نفسی وفکری، وفی نظرة إلى المستقبل بنظرة تفاؤلیة رغم أنه عائم فی المشاکل فیبطل جمیع العوامل المزعجة والعائقة داخلیة  کانت أو خارجیة. ویقتنع بالوضع الحالی ویتعامل معه بفعالیة. و یقول الشاعر فی مکان آخر:

ما أنا منهمُ بالعیشِ فیهم         ولکن معدنُ الذهبِ الرغامُ

                                  (المتنبی، 1386ش: 191)

فی هذا المقطع، یختار الشاعر أیضاً طریقة فعالة للتعامل مع حالاته النفسیة، ویخلّص نفسه من کل الحوادث والحالات المتشائمة التی تحیط به وتستولی على حیاته بنظرة عامة وحکیمة. نجد هذا المعنى فی البیت التالی أیضاً:

فإن تفق الأنامُ وأنتَ منهم     فإنَّ المسکَ بعضُ دمِ الغزالِ

(المصدر نفسه:154)

فهو یضع الیأس والتشاؤم جانباً وبنظرة تفاؤلیة یجتاز مرحلة عدم تجاوب الظروف والناس. وهذا لا یجعله فی موقف ضعف وعجز وإنما یتأقلم مع الظروف الصعبة ویقتنع بها بشکل فعال ومؤثر.

یرى سلیجمن أن مجرد التفکیر بعمق فی الأسباب والعلل واعتبارها واضحة بیّنة بدل اعتبارها عویصة غامضة، یؤدی إلى التفاؤل ویبعث الأمل فی النفس. ویؤدی هذا التفکیر المتعمّق والمتجذر فی اکتشاف الأسباب، إلى تحرّر فکر الشاعر وتهدئة نفسیته من أی حدث تتوالد عنه أفکار تشاؤمیة.

وفی بیت آخر یجعل الشاعر الحوادث المتشائمة سهلة ومقبولة، مما یمهّد الطریق نحو المستقبل، ویجعل المستقبل أکثر إشراقاً والوصول إلیه میسوراً وسهلاً فیقول:

بذا قضتِ الأیامُ ما بینَ أهلِها      مصائبُ قومٍ عند قوم فوائدُ

(المتنبی، 1382ش: 580)

هذا النوع من الموقف المتفائل والإیجابی، قد أثبته العدید من الناس من خلال تجاربهم المتعددة فی الحیاة الیومیة. کأن المتنبی تعلّم أنه فی خضم المصائب والمتاعب، هناک فوائد فی المستقبل على المرء أن بنتبه إلیها ولا یتجاهلها، ولا ییأس من المستقبل بل قد اجتاز جمیع المآزق والمتاعب بروح تفاؤلیة رحبة متطلّعاً إلى مستقبل مشرق متألّق.

بالإضافة إلى الأمثلة المذکورة آنفاً، فإن النظرة التفاؤلیة والاستنباط العقلانی یتسم أحیاناً بلونٍ اجتماعی، کما فی النص أدناه، جیث یدعو إلى التفاؤل فی مواجهة بعض الأفکار السیئة التشاؤمیة وتدعو بشکل غیر مباشر إلى الإنصاف والعدل. ویمزج الواقعیة بالتفاؤل ویقول:

وما کل بمعذور ببخل     ولا کل على بخل یلام

(المصدر نفسه: 193)

فهو لا یغتفر لثری بخیل، ولا یقبل اتهام أی فقیر بالبخل وإلقاء اللوم علیه. ویدعو الشاعر فی هذا البیت الذی تحوّل إلى أحد الأمثال العربیة إلى تعدیل الحالات النفسیة والتلاحم الفعال والمؤثر مع الظروف.

وأحیاناً یظهر التفاؤل الفطری والطبیعی بفلسفة تعبّر عن عدم استمرار کل من الارتیاح والاکتئاب، وعدم الجدوى من الحزن والکآبة فی دیوان المتنبی:

لا تَلْقَ دهرَک الّا غیرَ مُکْترثٍ           مادام یَصْحَبُ فی روحِک البدنُ

فما یدوم سرورٌ ما سُرِرْت به            ولا یَردُّ علیک الفائتَ الحزنُ

                                             (المصدر نفسه: 364)

یجتاز الشاعر بسهولة المرارة والحلاوة ومواطن الفرح والحزن لتحقیق أهدافه معتمداً على التفاؤل الطبیعی أو الفطری. ولا تمنعه تلک الأحداث من هدفه وغایته فی شیء.

توجد أیضاً فی الأبیات التالیة المساعی الرامیة إلى تحقیق الأهداف والمآرب، والتحکم فی النفس، والتصالح والتوصل إلى تعدیل السلوک لتحقیق الرغبات، وتجاوز المشاعر العادیة والعابرة التی تعبّر جمیعها عن تواجد روح تفاؤلیة فی نفسیة الشاعر.

 

غنیٌّ عن الأوطانِ لا یَستَفزُّنی            إلى بلدٍ سافرتُ عنه إیابُ

وعن ذَمْلانِ العیسِ إنْ سامَحَتْ به      وإلا ففی أکوارِهنَّ عقابُ

وأصْدى فلا أُبدی إلى الماء حاجةً      وللشمس فوق الیَعْملاتِ لُعابُ

وللسِّرِ منّی موضعٌ لا ینالهُ              ندیمٌ ولا یُفْضی إلیه شرابُ

وللخَودِ منّی ساعةٌ  ثمّ بیْننا           فلاةٌ إلی غیرِ اللقاء تجابُ

وما العشقُ الّا غِرّةٌ وطماعةٌ          یُعرِّضُ قلبٌ نفسَه فیُصابُ

وغیرُ فؤادی للغوانی رمیّهٌ             وغیرُ بنانی للزجاج رکابُ

                                                  (المتنبی، 1382ش: 423-427)

لقد ترک الشاعر الوطن سعیاً إلى تحقیق رغباته، یمتطی مرکباً مذلّلاً الصعاب والعقبات وإذا لم یسعفه الدهر فی الوصول إلى غایته لا یدخل الیأس قلبه ولا یتشاءم أبداً، ولکنه یحلّق فی السماء کالنسر الشامخ غیر متشائم ولا عاثر. ومن هنا تأتی السیطرة على الوضعیة الصادمة التی تؤدی إلى المقاومة والمناعة ضد الاستسلام والتفاؤل والخلاص. ولا یمنعه شیء فی هذا الطریق الوعر بل یزداد قوة وقدرة على مواجهة التحدیات مهما کانت أنواعها ویزوّده التفاؤل بطاقة العمل لمدّة أطول وبذل جهد أکبر انطلاقاً من ثقته بجدوى العمل لتحقیق الهدف والغایة المنشودة. فمرافقة الغانیة الفاتنة لا تفسد علیه أمره فی طلب أمنیاته وتحقیق طموحاته بل یتخلّى عنها بکل هوادة ویخطو خطواته نحو الهدف والعایة غیر متوان ولا متهاون. فهو لیس بمحب یملک الحبیب قلبه ولا المجون والقدح والنبیذ یسلب عقله وفکره. یتحکم الشاعر بشکل کامل فی حالاته، ولتحقیق أهدافه یتحمّل الغربة ویقتنع بالصعوبات والعقبات متخلّیاً عن کل الملذّات. تراه یتماشى مع الظروف الصادمة باعتبارها استراتیجیة أساسیة لتحقیق الغایة. فإذا تم تغییر ما یجول بداخلک من حوارات لابد أن تصل إلى نتائج مذهلة.

ویقترب الشاعر هنا من وجهة نظر سلیجمن القائلة "أنا متفائل دائماً بمستقبلی" ویقول:

           أرى لی بقربی منک عینا قریرةً       وإن کان قرباً بالبعاد یشابُ

                                                              (المصدر نفسه: 438)

 

إنه یأمل فی الحصول على التقرّب ولقاء الحبیب فی الوقت الذی یمتزج القرب بالبعد، ویرى ذلک قرّة عین له.

 

2- التفاؤل التبیینی (الخارجی)

 ینسب الشخص فی هذا النوع من التفاؤل المشاکل و المجرّبات النفسیة وعللها إلى اسباب خاصة عابرة خارجة عن النفس وفقا للحالات السائدة على النفس. أمّا المتشائمون فإنّهم یبیّنون المشاکل والمجرّبات السلبیة النفسیة بانتساب العلل إلى أسباب ثابتة عامة کفشل شخصی. فعلى سبیل المثال إنّ المتفاءل عند فشله فی الامتحان لا یتّهم نفسه و لا یلومها بل یتّهم أسئلة کانت غیر صحیحة أو یتّهم صالة تمنع ترکیز الأفکار عند الامتحان. أمّا المتشائم ینسب الفشل إلى عدم أهلیته للدخول فی الجامعات أو ینسبه إلى فقد المواهب النفسیة عنده. (کار، 1385ش: 172) فمن علامات الأشخاص المتفائلین أنهم لا یرون أسباب الفشل فی داخل أنفسهم ولکن خارج نطاق أنفسهم. یُطلق على هذا النوع من التفاؤل التفاؤل التبیینی، وبناءً على التفاؤل التبیینی، یبحث الشخص عن أسباب التجارب السلبیة والحوادث الصادمة فی خارج نفسه. (کار، 1385ش: 172)

 وللتفاؤل دور کبیر فی مجال تربیة الأطفال تربیة راقیة تعطی لهم ثقة و اعتزازا لها. وانتساب النجاح فی الحیاة إلى أسباب نفسیة عامة ثابتة أو انتساب الفشل إلى أسباب خاصة عابرة خارجة عن النفس تجعل الأسرة أسوة حسنة للأطفال فی حیاتهم. فالمتفائلون هم من أسر تدرکون فشلهم و تنسبونها إلى اسباب خارجة عن أنفسهم لا على أسباب نفسیة داخلیة. (نفس المصدر: 174)

 وللتفاؤل علاقة بتأجیل الرضا الناتج عن المصالح القصیرة المدى فی الحیاة رجاء للحصول على الأهداف البعیدة المدى. لأنّ المتفائلین یعتقدون على أنّ الأهداف البعیدة فی متناول الأیدی. فعلم دراسات المستقبل والماضی والدراسات حوله یدلّ على أنّ أصحاب أسلوب التفاؤل التبیینی عند مواجهة مشاکل الحیاة و ضغوطها أقلّ إصابة بالکآبة النفسیة والوهن الجسمی بالنسیة إلى الأخرین. (نفس المصدر: 174)

  یعتقد المتنبی أیضاً أنه فی کثیر من الحالات، حتى عندما یکون سبب الفشل داخلیاً نوعاً ما، فإنه یربطه بعوامل خارجیة وعوامل أخرى غیر نفسه بمهارة کبیرة. بعبارة أخرى، فی حال الشعور بالضعف والعجز فی مظهره یعزو نقاط الضعف والعجز إلى مظهره، مبرّراً نفسه من تلک نقاط الضعف ویقول:

جلا اللونُ عن لونٍ هَدى کلَّ مسلکٍ       کما انجابَ عن ضوءِ النهارِ الضبابُ

وفی الجسمِ نفسٌ لا تشیبُ بشَیبةٍ           ولو أنّ ما فی الوجهِ منه حرابُ

لها ظفرٌ إن کَلّ ظفرٌ أعِدّه                  ونابٌ إذا لم یبقَ فی الفمِ نابُ

یُغیّر منّی الدهرُ ما شاءَ غیرَها               وأبلغُ أقصى العمرِ وهی کعابُ

(المتنبی، 1382ش: 420-422)

یرى الشاعر نفسه قادراً على تحقیق غرضه، وعلى الرغم من أن أعراض الشیخوخة ظهرت علیه ولکنه یصور نفسه بمظهرین؛ إحداها ظاهرة فی شخصه کهیئة وصورة والأخرى تعبّر عن نفسه. وهو لا یعزو نقاط ضعفه وعجزه إلى نفسه، ویعتبر الأهداف إنما تتحقق بالتفاؤل والثقة بالنفس، وإنما یعزو نقاط ضعفه وعجزه إلى مظهره فحسب. من خلال التفاؤل التبیینی، فیعتبر أسباب الفشل تأتی من خارج نفسه ولیست نابعة عن نفسه.

وبالتالی، إذا رأى أن فترة حیاته تدنو إلى المشیب  والشیخوخة، فهو یرى نفسه شاباً أکثر حیویاً، ویرى أن شبابه الداخلی لم یطله الزمن. ویعدّ هذا التفاؤل الداخلی إزاء نفسه أحد عناصر التفاؤل التبیینی.

وفی الأبیات التالیة، یشیر الشاعر أیضاً إلى هذا التفاؤل التبیینی بشکل آخر حیث یقول:

یَهونُ عَلى مِثلی إِذا رامَ حاجَةً     وُقوعُ العَوالی دونَها وَالقَواضِبِ

کَثیرُ حَیاةِ المَرءِ مِثلُ قَلیلِها         یَزولُ وَباقی عَیشِهِ مِثلُ ذاهِبِ

إِلَیکِ فَإِنّی لَستُ مِمَّن إِذا اِتَّقى     عِضاضَ الأَفاعی نامَ فَوقَ العَقارِبِ

(المصدر نفسه: 345–344)

یرى الشاعر العقبات والمتاعب تنزل علیه مثل الرماح والسیوف من الخارج، لکنه متفائل لما یمتلک من قدرة وإرادة قویین للوصول إلى أهدافه. إنه لا یرى أی صعوبة فی قبول الصعاب وهو فی طریقه إلى تحقیق مآربه. ویأتی بالحجة التفاؤلیة فی البیت الثانی، قائلاً إن العمر الطویل کالعمر القصیر، وباقی العمر سیمرّ کما مرّت سنینه فی الماضی، لا فرق بینهما. فتفاؤله بنفسه الذاتیة فی مواجهة الشدائد واضحة تماماً فی هذه الأبیات، حیث یرى الصعاب والأحداث الصادمة عوامل خارجیة لا تمت أی صلة بنفسه وشخصه.

فی المقطع التالی أیضاً یعزو الشاعر أسباب الفشل إلى عوامل خارجیة:

لقد لعبَ البَیْنُ المُشِتُّ بها وبی        وزوّدَنی فی السیرِ ما زوّدَ الضِّبا

(المصدر نفسه: 158-160)

یصور الشاعر المتنبی حالة فشله ویعتبرها فعلا من أفعال الزمن وناتجة عن غدر الزمن وخیانته التی ترکت ید الشاعر فی حالة عجز حالت دون لقائه الحبیب ولم تترک له سوى الحیرة والدهشة والخوف.

 

النتیجة

کما مضى فإنّ التشاؤم هو النظر فی الحیاة من منظر ضیّق یحبس الأفکار ممّا یزید الإنسان یأسا وضجرا وألما ویخوّفه من الفشل فیغلق أبواب المستقبل أمامه و یجرّه إلى حیاة ملیئة من الخوف الدائم والیأس المتواصل والقلق المستمر. فعندما یترک علماء النفس الکشف عن الصفات السامیة المکوّنة فی نفس الإنسان ویتناولون البحث عن الأمراض ومعالجتها فقط فإنّهم لایغوصون إلّا فی بحر من نقصان وظلام نفسیّ وبذلک یمکن القول إنّ علم النفس الباحث عن الأمراض والمعالج لها هو فی الواقع علم النفس المتشائم لا یخرجه من التشاؤم إلا توسیع المجال أمامه باستخدام الرؤیة المتفائلة. فالتفاؤل هو ترک النظر فی الحیاة من منظر ضیّق ممّا یؤدّی إلى فسح المجال أمام الإنسان بکشف المواهب والقوى الکامنة فی نفسه لیجعله قویّا نشیطا ویخرجه من تحت الحواجز الوهمیة غیر الواقعیة التی أوجدتها تشاؤم الأفکار. فالتفاؤل یضیئ المستقبل أمام الإنسان ویثیره إلى الأمام. فعلم النفس الإیجابی خلافا لنظیره السلبی یقوم بعلاج الأمراض النفسیة إلى جانب إبراز المقدرات الکامنة فی النفس وتوضیحها وتقویة العواطف الایجابیة. ومن العواطف الایجابیة التی تتجذّر فی المستقبل هو التفاؤل بقسمیه التفاؤل الفطری والتفاؤل التبیینی. فالتفاؤل الفطری فی الحقیقة تفاؤل منفعل یرى الإنسان به کلّ شیء فی المستقبل إیجابیا. أمّا التفاؤل التبیینی فهو تفاؤل فعّال یُنسَب به النجاح إلى الأسباب الداخلیة النفسیة کما ینسب الفشل إلى أسباب خارجة عن النفس.

وترک الشاعر فی دیوانه العدید من علامات التفاؤل، فأثناء معالجته للتفاؤل الطبیعی أو الفطری قد عبّر المتنبی عن هذا النوع من التفاؤل بشکل عام، وغالبا ما توجد دلالات لهذا النوع من التفاؤل فی شعر المتنبی الذی یعتمد على التأقلم المؤثر وتعدیل الحالات النفسیة وتخلّص الفکر والنفس من العقد والأفکار السیئة بطریقة فعالة للتعامل مع حالاته النفسیة، ویخلّص نفسه من کل الأحداث والحالات المتشائمة التی تحیط به وتستولی على حیاته بنظرة عامة وحکیمة. وهناک أیضا العدید من الأبیات والقصائد عبّرت فی طیّاتها عن التفاؤل التبیینی. ثم إن الاعتزاز والثقة بالنفس من الأمور التی کثیراً ما نشاهده فی قصائده وهی تعتبر فی ذاتها نماذج واضحة للتفاؤل التبیینی، حیث لا یرى نفسه عاجزاً ولا مرتبکاً فی طریقه إلى تحقیق أهدافه وعندما لا یصل إلى الغایة لا یجد لفشله عاملاً إلا فی خارج نفسه ولا ینسى أبداّ ما تحمل نفسه من تفاؤل ذاتی قائم بنفسه مؤکداً علیه بصورة مباشرة.

ابن سکیت. (1926م).  شرح دیوان عروة بن الورد العبسی. الجزائر: جولز کربونل.

 البرقوقی، عبد الرحمن. (1368ش). شرح دیوان المتنبی. ط1. قم: امیر.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (1986م). شرح دیوان المتنبی. بیروت: دار الکتب العربی.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (1382ش). شرح دیوان المتنبی. ترجمة علیرضا منوچهریان. ط1. همدان: نور علم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (1387ش). شرح دیوان المتنبی. ترجمة علیرضا منوچهریان. ط1. تهران: زوار.

ریو، مارشال. (1380ش). انگیزش و هیجان. ترجمة یحیی سید محمدی. طهران: ویرایش.

علی ذوالفقار، شاکر. (1984م). تأَبط شراً  وأخباره. بیروت: دار الغرب الإسلامی.

کار، آلان. (1385ش). روانشناسی مثبت. ترجمة حسن پاشا شریفی. ط1. طهران: سخن.

کریمی، رامین. (1389ش). مارتین سلیگمن. ط1. طهران: دایره للنشر.

مگیار-موئی، جینا. ال. (1391). فنون روانشناسی مثبتگرا. ترجمة فرید براتی سده. ط1. طهران: رشد.

محمد علیزاده، ناهید و همکاران. (1394ش). اعتیاد از نگاه روانشناسی مثبت گرا. ط1. طهران: سیمای دانش.

معروف، یحیى. (1392ش). «دراسة نقدیة لدوافع التشاؤم بالغراب بین الفارسیة و العربیة». مجلة إضاءات نقدیة فی الأدبین العربیة و الفارسیة. السنة الثالثة. العدد 10. صص153-133.

یدالله پور، محمدهادی و همکاران. (1392ش). «بررسی تطبیقی بهبود کیفیت زندگی از منظر اسلام و روانشناسان مثبتگرا». مجله دین و سلامت. السنة الأولى. العدد1. صص 83-72.