مقاربة أسلوبیة فی قصیدة "مَلحَمَة الصُّمُود" لسمیر العُمَری

نوع المستند: علمی پژوهشی

المؤلف

أستاذ مساعد فی اللغة العربیة وآدابها بجامعة الشهید تشمران، أهواز، ایران

المستخلص

تُعَدُّ الأسلوبیة من المناهج النقدیة واللسانیة التی تتناول دراسة النصوص الشعریة فی شتی المستویات کالفونیمات، والإیقاع والحقول الدلالیة والصور الشعریة للعثور علی الدلالات ورصد الملامح الأسلوبیة فی النصّ، فهی طریقة الشاعر فی تشکیل المادة اللغویة. یستهدف البحث دراسة السمات الأسلوبیة فی شعر الشاعر الفلسطینی الحدیث - سمیر العُمَری- عبر قصیدته "ملحمة الصمود". تمّ إعداد هذا البحث وفق المنهج الأسلوبی ثمّ الوصفی التحلیلی للعثور علی نماذج الصور الأسلوبیة فی القصیدة والإبانة عن قصدیة الشاعر فی توظیفها. حاول الشاعر عبر توظیف هذه الصور الأسلوبیة إضفاء نمط من أنماط الجمال والتأثیر علی بنیة القصیدة الحدیثة. وأخیرًا خلص البحث إلی أنّ الشاعر أراد من خلال استخدام هذه الأنماط الأسلوبیة التعبیر عن العواطف والمشاعر المکبوتة التی ترأسها القضیة الفلسطینیة لیجعلها قضیة إنسانیة تشمل کلّ أبناء البشر علی مرّ العصور. من أهمّ المظاهر الأسلوبیة المدروسة فی هذا البحث المستوی الصوتی والإیقاعی والترکیبی والدلالی والصورة الشعریة.
تُعَدُّ الأسلوبیة من المناهج النقدیة واللسانیة التی تتناول دراسة النصوص الشعریة فی شتی المستویات کالفونیمات، والإیقاع والحقول الدلالیة والصور الشعریة للعثور علی الدلالات ورصد الملامح الأسلوبیة فی النصّ، فهی طریقة الشاعر فی تشکیل المادة اللغویة. یستهدف البحث دراسة السمات الأسلوبیة فی شعر الشاعر الفلسطینی الحدیث - سمیر العُمَری- عبر قصیدته "ملحمة الصمود". تمّ إعداد هذا البحث وفق المنهج الأسلوبی ثمّ الوصفی التحلیلی للعثور علی نماذج الصور الأسلوبیة فی القصیدة والإبانة عن قصدیة الشاعر فی توظیفها. حاول الشاعر عبر توظیف هذه الصور الأسلوبیة إضفاء نمط من أنماط الجمال والتأثیر علی بنیة القصیدة الحدیثة. وأخیرًا خلص البحث إلی أنّ الشاعر أراد من خلال استخدام هذه الأنماط الأسلوبیة التعبیر عن العواطف والمشاعر المکبوتة التی ترأسها القضیة الفلسطینیة لیجعلها قضیة إنسانیة تشمل کلّ أبناء البشر علی مرّ العصور. من أهمّ المظاهر الأسلوبیة المدروسة فی هذا البحث المستوی الصوتی والإیقاعی والترکیبی والدلالی والصورة الشعریة.

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

Structural Analysis of the Ode “Malhamat Al-somood” Written by Samir Al-omri

المؤلف [English]

  • Abbas Yadollahi Farsani
Assistant Professor at Chamran University, Ahvaz, Iran
المستخلص [English]

Structuralism is one of the critical and linguistic methods which deal with analyzing literary texts in different levels including phonetics, tone, and semantic aspect of odes and poetic figures to achieve meaning and to seek their structural signs. In fact, structuralism is the poet’s method to build linguistic material. The present study deals with analysis of structural features in the ode “Malhamat Alsomood” in the poem of Samir Al-omri who is a resistance poet of Palestine. The study is firstly conducted through a structuralism method followed by applying an analitico-descriptive method with the aim to capture some samples of structural aspects from the mentioned ode as well as revealing the poet’s aim from their usage. While using these structural aspects, a poet attempts to increase the aesthetic features and effects of his ode  Finally, the paper has reached to the conclusion that the poet has intended to express his suppressed emotions and feelings related to the subject matter of Palestine to picture the subject of Palestine as a general humanistic subject. Among the most important structural manifestations analyzed herein, we can refer to vocal and rhythm levels, combination and semantic levels and poetic forms.

الكلمات الرئيسية [English]

  • Structuralism
  • Audience
  • Contemporary Poetry of Palestine
  • Zionist Regime

یکتظّ النقد الأدبی الحدیث بکثیر من المناهج النقدیة التی تأثّرت بمعظم التیّارات الفکریة والنقدیة الجدیدة من البنیویة والتفکیکیة والهرمینوطیقیة إلی أن اجتاحت المنهج الأسلوبی. لا ریب أنّ هذا المنهج النقدی یعنی النصّ الأدبی من الجانب الدلالی والموضوعی والبنیوی والجمالی. فمن هذه الملاحظة، یُعَدُّ المنهج الأسلوبی من المناهج النقدیة التی تهتمّ بدراسة النصوص الأدبیة عبر مستویاتها الدلالیة المختلفة وتحلیل أسالیبها للکشف عن خبایا النصوص. إذن، فالأسلوبیة من المناهج النقدیة الحدیثة التی تهتمّ بفحوی النصوص والکشف عن رسالتها من خلال تحلیل العناصر الأدبیة والروافد الفکریة معتمدة علی مصدرین هامّین هما اللغة والبلاغة. ولا ریب أنّ المقاربة الأسلوبیة للنصوص الأدبیة تمثّل تلک المرحلة المتطورة فی الدراسات النقدیة والبلاغیة التی تقوم علی التوزیع والاختیار للألفاظ عبر خارطة النصّ الشعری. وانطلاقًا من هذا الموقف، تُعَدُّ هذه المقارنات الأسلوبیة للنصوص الأدبیة ضربًا من ضروب التحلیل النقدی الذی ینبنی علی الکشف عن مواطن القوّة والجمال للنتاج الأدبیّ للإبانة عن مفاهیم جدیدة ضمن النصوص الأدبیة.

تهتمّ الأسلوبیة من هذا المنطلق بمعالجة النصوص الأدبیة من خلال التحلیل اللغوی من أجل العثور علی الأبعاد والخبایا النفسیة والقیم الفنیة الموظّفة لدی کل شاعر حیث تبحث عن الخصائص التعبیریة والشعریة التی ینطوی علیها الخطاب الشعری وتحدید السّمات اللغویة التی تضافر الشاعر لیحوّل نصَّه الشعری من القالب الإخباری إلی نظام ذات تأثیر جمالی لدی المتلقی. من ثمّ تتجاوز الدراسات الأسلوبیة فی معظم الأحیان معالجة الأنماط الترکیبیة المختلفة ووظیفتها ضمن نظام اللغة من أجل دراسة الإطار العامّ للخطاب الأدبی وبواعثه لدی کلّ شاعر. یتّضح عبر فهم الأسلوبیة وإمعان النظر فیها أنّ مهمّتها تعود إلی الإبانة عن الأسس والأنظمة اللغویة التی تؤدّی دورًا بارزًا فی تکوین الخطاب الأدبیّ المتمیّز والکشف عن الوحدات اللغویة ودورها فی اتّساق النصّ وتماسکه.

الأمر الذی یتّضح لکل قارئ أو باحث ضمن الدراسات الأسلوبیة أنّها تستفید کثیرًا من علم الدلالة، لأنّها خطوة متمیزة ولبنة هامّة فی فهم النصّ الأدبیّ شعرًا کان أو نثرًا، کما یقوم هذا العلم - أعنی الدلالة- بتحلیل المکونات الداخلیة والخارجیة للنص المبدع، ذلک لأنّ النصّ یتحرّک ضمن الدلالة ولا شیء یقوی علی ضبط هذه الدلالات وتحدید مواقفها أو رسمها وبنائها قدر ما یقوی الأسلوب علیه، ومن هنا نری قیمة علم الدّلالة بالنّسبة للتّحلیل الأسلوبی حیث لا غنی للمحلّل عنه. (السد، 2010م: 48)

یتمیّز الشعر الفلسطینی الحدیث بتوظیف الأنماط التعبیریة والأسلوبیة التی تمثّل هموم الإنسان الفلسطینی المشرد، وفی هذه الورقة البحثیة سنحاول التعرف إلی أبرز أنماط الأسلوبیة المختلفة ودورها فی إثراء اللغة الشعریة وتخصیبها وتجسید هموم الشاعر الإنسانیة والقومیة ومدی فاعلیة لغته الشعریة والشعوریة فی الکشف عن هذه الحنکة الأدبیة. تحاول هذه الدراسة تسلیط الضوء علی أهمّ المظاهر الأسلوبیة فی القصیدة المعنونة "ملحمة الصمود" عثورًا علی أبرز النتائج التی تفصح عن مدی توفیق الشاعر ونجاجه فی التفاعل مع الانفعالات الروحیة والنفسیة من خلال القضیة الفلسطینیة. ومن أهمّ هذه الأنماط الأسلوبیة عبر خارطة هذه القصیدة ما یلی: المستوی الصوتی والإیقاعی والترکیبی والدلالی، وأخیرًا معالجة أبرز الصور الشعریة وأکثرها توظیفًا ضمن هذا النص المبدع.

منهج البحث

تمّ إعداد هذا البحث وفق المنهج الأسلوبی أولًا، معتمدًا علی المنهج الوصفی التحلیلی ثانیًا من أجل تحلیل المظاهر الأسلوبیة وتمظهراتها ضمن النص الشعری وکیفیة توظیف هذه المظاهر الأسلوبیة لإضفاء الدلالة والجمال علی النص المبدع.  

أسئلة البحث

یحاول البحث الإجابة عن الأسئلة المطروحة ومنها ما یلی:

1- کیف تعامل الشاعر عبر الأنماط الأسلوبیة مع القضایا الإنسانیة المحیطة به؟

2- ما هی أبرز مظاهر الأسلوبیة لدی "سمیر العمری"؟

3- ما العلاقة بین توظیف المظاهر الأسلوبیة فی القصیدة وإنتاج الدلالة وتمثیل المواقف الشعریة والشعوریة لدی الشاعر؟

4- ما دور إفرازات هذه الأنماط الأسلوبیة ومدی فاعلیتها فی تخصیب المنجز الشعری وتجسید التجربة الشعریة والمقدرة اللغویة؟

فرضیات البحث

1- من المفترض فی هذا البحث أنّ الشاعر اتخذ المستویات الأسلوبیة أداة مطواعة للتعبیر عمّا خامر کیانه من مشاعر وأحاسیس دفینة تجاه ما اعتصر نفسه من دخائل وهواجس روحیة ونفسیة.

2- هناﻙ فرضیة أخری تساعدنا علی سبر أغوار النص الشعری وهی أنّ توظیف مظاهر الأسلوبیة ضمن خارطة النص الشعری یمثّل الصلات الوطیدة بین الرؤیة والتشکیل حیث استخدمها الشاعر لتجسید الأهداف المرسومة والمقصودة خدمةً لبنیة النص الرؤیویة وإنتاجًا لوظیفة جمالیة تتواشج مع وظیفة إنسانیة کبری.

3- من الفرضیات المطروحة فی هذا البحث أنّ الشاعر عمد إلی توظیف هذه الأنماط الأسلوبیة للتعبیر عن مدی تفاعله مع القضیة الفلسطینیة مع أنّه کان یعیش بین أبناء الوطن ویقاسی ما یقاسون. ومن ثمّ نستطیع القول إنّ توظیف هذه الأنماط التعبیریة کانت مقصودًا ومدروسًا من قبله إثراءً للغة الشعریة وتجسیدًا للتجربة الشعریة والشعوریة معًا.

4- من المفترض عبر البحث أنّ الشاعر اتخذ هذه الإفرازات الأسلوبیة أداة طیعة للتعبیر عن الانتماء القومی والإنسانی ومساهمة أبناء الوطن المحتلّ فی تصویر هذه المشاهد المأساویة، فمن ثمّ حاول عبرها تشحین اللغة بطاقات إیحائیة تزید النصّ الشعری المبدع قوة وجمالًا.

خلفیة البحث

لم یعثر الکاتب فی المواقع الإلکترونیة أو المجلات العلمیة المحکّمة علی شیء من البحوث والدراسات التی تمّ نشرها فیما یمتّ بصلة إلی تحلیل المعطیات الأدبیة لهذا الشاعر الفلسطینی الحدیث، فلا یبعد إذا قلتُ إنّ هذه الدراسة مستقلة وقائمة بذاتها وفریدة فی نوعها حیث تحاول تسلیط الأضواء وإضاءة ما یکمن وراء الأسطر الشعریة من مقاصد ومواقف شعریة وشعوریة فی شعر هذا الشاعر الفلسطینی المعاصر. إذن، فالشاعر یرید عبر التقنیات التعبیریة مشاطرة کافّة أبناء البشر علی مرّ العصور فی الأفراح والأتراح. ومن ثمّ اتخذ هذه المستویات الأسلوبیة بمثابة أداة ناجعة وفعّالة لإثارة ما انتابه من هموم وهواجس للتنفیس عن المکروب وترسیم المستقبل المضیء للأمة الإسلامیة والعربیة.

هناک بحوث منشورة تمتّ بصلة إلی حقل الدراسة الأسلوبیة للنصوص الشعریة، منها ما یلی:

أسلوبیة التعبیر اللغوی فی شعر سمیح القاسم. رسالة الماجستیر. شلیم امحمد. جامعة قاصدی مرباح. ورقلة. 2015م-2014م. حاول الکاتب عبر هذه الدراسة الکشف عن أهمّ السّمات الأسلوبیة فی قصائد الشاعر المعنونة (لا أستأذن أحدًا) لتحلیل الأسالیب التعبیریة التی سلکها الشاعر لبناء خطابه الشعری ورصد الوقائع التعبیریة والمثیرات الأسلوبیة التی ساهمت فی خلق التفاعل بین الشاعر والمخاطب ضمن هذه المدونة الشعریة. أسلوبیة القصیدة الحداثیة فی شعر ناصر لوحیشی قصیدة براءة وسنابل أنموذجًا. إبراهیمی راضیة وسحاری مریم. رسالة الماجستیر. جامعة یحی فارس. المدیة. 2015م-2014م. حاولت الکاتبتان ضمن هذه الدراسة تبیین أهمّ السمات التعبیریة التی تؤثّر فی إثراء الخطاب الشعری لدی الشاعر الجزائری الحدیث وما تلعب هذه الأنماط التعبیریة فی اتساق الکلام وترابطه من جانبی البلاغی والدلالی.

 تجلیات مقدسیّة فی الشعر الفلسطینی المعاصر؛ دراسة أسلوبیة. إبراهیم نمر موسی. مجلة جامعة الشارقة للعلوم الإنسانیة والاجتماعیة. مج10، العدد 2، 2013م، صص314-293. حاول الکاتب عبر هذا البحث الإفصاح عن مکانة القدس الروحیة والعاطفیة فی نفوس المسلمین حیث اعتبرها محورًا من محاور الکون. لقد جسّد الشعراء صورة هذه المدینة عبر إنتاجاتهم الأدبیة ضمن ثلاث محاور: الإشراق النورانی، الذاکرة الجمعیة، والأمّ والحبّ، فمن هذا المنطلق صارت القدس رمزًا شعریًا وعاطفیًّا لدیهم.

 المکوّن الأسلوبی فی شعر محمود درویش؛ مقاربة أسلوبیة سیاقیة فی قصیدة عاشق من فلسطین. طاطة بن قرماز. جامعة حسیبة بن بوعلی. شلف. مجلة الأکادیمیة للدراسات الاجتماعیة والإنسانیة. العدد 19، 2018م. صص76-63. حاول الباحث ضمن الدراسة إقامة الصلات بین الأسالیب التعبیریة ومدی مساهمتها فی إثراء اللغة الشعریة وترسیم السمات العاطفیة والروحیة للشاعر وما ساقه مساق توظیف نمط خاصّ من الأنماط التعبیریة.

دراسة أسلوبیة فی قصیدة "وردة علی جبین القدس" للشاعر الفلسطینی هارون هاشم الرشید. فائزه پسندی ومحسن سیفی وأمیرحسین رسول­نیا. مجلة اللغة العربیة وآدابها. جامعة قم. السنة 12. العدد2. 1438ه. تناول الباحثون فی هذه الدراسة الوافیة أهمّ ملامح الأسلوبیة وتأثیرها فی الإبداع الشعری وتخصیب الحصیلة الشعریة التی تمثّل تجربة الشاعر الإبداعیة ومدی مقدرته اللغویة والأدبیة فی توظیف هذه الأسالیب التعبیریة والتقنیات البیانیة.

 قصیدة "رقیّة" لفدوی طوقان: دراسة فنیة أسلوبیة. زاهرة توفیق أبوکشک. مجلة دراسات العلوم الإنسانیة والاجتماعیة. جامعة الأردن. مج46. العدد 1. ملحق2 . 2019م. صص332-319. قامت هذه الدراسة علی مقاربة النصّ الشعری فی القصیدة المعنونة "رقیّة" مرتکزة علی المنهج الفنی والأسلوبی فی تحلیلها التطبیقی للقصیدة. فالرؤیة التی تصوّرها الشاعرة تستثمر فی الکشف عن خبایا القصّ الیومیّ لمعاناة المرأة الفلسطینیة ومن هنا صارت المقاومة خطابًا کبیرًا ومکثّفة عند الشاعرة. قد أغنت الشاعرة نصّها الشعری بمکوّنات نصیة من حدث وحوار وزمان و... وما یحدث بین کلّ ذلک من صراع وتوتّر. وقف الکاتب فی هذا البحث عند محورین مهمّین وهما استحضار التراث بشقّیه الدینیّ والأدبیّ ودور التّکرار فی إبراز المواقف والحالات الشعوریة.

أوّل ما یتمیّز به بحثنا الراهن أنّه جدید فی نوعه وفرید فی ذاته حیث لم یتناول الباحثون دراسة شعر هذا الشاعر المناضل إلی الآن خاصّة من منظور الأسلوبیة، فیُعَدُّ هذا البحث الخطوة الأولی فی تسلیط الضوء علی المنجز الشعری وکشف خبایاه.

أمّا أهمّ المواضیع الأخری التی ینطوی علیها هذا البحث فتشتمل علی المحاور التالیة حیث لم تتطرّق إلیها کافّة هذه البحوث المذکور أعلاها: إقامة الصلة بین المنهج الأسلوبی والنقد الأدبی الحدیث ومدی مساهمة النقد الحداثی فی التعبیر عن مواقف الشاعر الانفعالیة والنفسیة والروحیة خاصّة فی البیئة الفلسطینیة التی تعانی الاحتلال الأجنبی منذ فترة بعیدة، ثمّ الإبانة عن أهمّ الصور الشعریة ودورها فی التعبیر عن مکنونات الشاعر والکشف عن الأسباب والعوامل التی ساقت الشاعر الفلسطینی مساق توظیف نمط خاص من التقنیات التعبیریة والأسلوبیة حیث نجد الشاعر الفلسطینی ینزاح عن اللغة المألوفة والمعهودة فی استخدام هذه الأنماط التعبیریة، وأخیرًا دور الحروف بنوعیها المجهورة والمهموسة ومدی مساهمتهما فی التعبیر عن الغرض المراد لدی الشاعر المناضل.

الأسلوبیة من منظور اللغة والمصطلح

تُعتَبَرُ الأسلوبیةُ من المصطلحات اللسانیة التی ضربت جذورها فی المعجم اللغوی العربی وإذا أمعنا النظر فی النقد الأدبی القدیم نجد أنّ علماء اللغة لم یکونوا بعیدین عن هذا المصطلح وعرفوها بأسرها إلاّ أنها وردت فی دراساتهم ضمن المسمیات المختلفة. یتبلور لنا عند محاولة الکشف عن معنی الأسلوب اللغوی أنّه مادة ( س ل ب) وردت عند الزمخشری بمعنی الأخذ حیث یقول: سلبه ثوبه وهو سلیب، وأخذ سلب القتیل وأسلاب القتلی ولبست الثکلی السلاب وهو الحداد وسلکتُ أسلوب فلان: طریقته ویقال للمتکبّر: أنفه فی أسلوب إذا لم یلتفت یمنة ولا یسرة. (الزمخشری، 1998م: مادة سلب)

ومن المعلوم خلال ما عبّر عنه الزمخشری أنّ الأسلوب یرادف الطریق والمنهج، کما ذهب ابن منظور فی لسان العرب إلی أنّ «الأسلوب یقال للسّطر من النخیل وکلّ طریق ممتدّ فهو أسلوب وقال: الأسلوب الطریق والوجه والمذهب.»­ (ابن­منظور، لاتا: مادة سلب)، فالأسلوب عند ابن منظور یشتمل علی معنی الطریق والاستقامة الواضحة کما یدلّ علی طریقة لکل فرد من أبناء البشر فی الکتابة والقول. ولکل فرد من الأفراد أسلوب ومنهج یختصّ به حیث لا یتجاوز الآخرین.

أمّا المراد بالأسلوبیة من جهة المصطلح فإنّها «المنوال الذی تُنسَجُ فیه التراکیبُ أو القالب الذی یفرغ فیه.» (ابن خلدون، 2005م: 522) من هنا یتّضح لنا أنّ الأسلوب هو الصورة والبناء الترکیبی الذی یفهمه المتلقّی من أسس التراکیب الواردة ضمن النصّ المبدع وبهذا یعتبر ابن خلدون الأسلوبیة صورة من صور التعبیر البیانی الذی ینهجه الشاعر أو الکاتب عبر طریقة غیر عفویّة وذهنیة حیث یدقّق النظر فی اختیار الألفاظ والتراکیب اللغویة للتّأثیر فی المتلقّی.

من النقّاد المعاصرین من ذهب إلی أنّ الأسلوب «طریقة الکتابة، أو طریقة الإنشاء، أو طریقة اختیار الألفاظ وتألیفها للتعبیر بها عن المعانی قصد الإیضاح والتأثیر.» (شایب، 1966م: 44)، بناء علی هذا، فالأسلوب أو الأسلوبیة طریقة ینهجها الإنسان فی الکتابة والتعبیر عن المعنی وذلک لما یخلق من تأثیر فی نفسیة المخاطب وإیضاح الفکرة.

أثارت قضیة الأسلوبیة جدالًا مریرًا بین النقاد والدارسین حیث لم یوافقوا علی تعریف شاف ومحدد لهذا المصطلح، ومنهم من ذهب إلی أنّ الأسلوبیة «علم وصفی یبحث الخصائص والسمات التی تمیز النصّ الأدبی بطریق التحلیل الموضوعی لأثر الأدبی الذی تمحور حول الدراسة الأسلوبیة.» (المسدی، 1982م: 34) یتبیّن لنا عبر إمعان النظر فی النظریات المختلفة حول الأسلوبیة ودورها فی الکشف عن النص الأدبی أنّ البحث الأسلوبی فی معظم الأحیان یتّخذ المعطی الأدبی بمثابة مدخل رئیسی للتحلیل، فمن هذا المنطلق «تتّفق کلّ الاتجاهات الأسلوبیة علی أنّ المدخل فی أیّة دراسة أسلوبیة ینبغی أن یکون لغویًا، فالأسلوبیة تعنی دراسة النص الخطاب الأدبی من منطلق لغوی.» (طحان، 1981م: 116)

صلة الأسلوبیة بالنقد الأدبی

تُوجَدُ فی الدراسات الأسلوبیة علاقات وطیدة بین الأسلوبیة والنقد الأدبی، فإنهما متشابکان یهمّان بالتحلیل والتفسیر وسبر أغوار النتاج الأدبی ومن هنا یشترکان فی مجال دراسة الأدب والنصوص الأدبیة المبدعة، إلاّ أنّ الأسلوبیة تقوم بتحلیل النصوص بغضّ النظر عمّا أثّر فی تکوینها ونشأتها من ظروف سیاسیة واجتماعیة واقتصادیة وإلخ ... فمجال عمل الأسلوبیة ینحصر فی النص، أمّا النقد فلا یغفل فی أثناء القائمة أصلاً علی النص الأدبی فی ترکیباته اللغویة للکشف عن قیمتها الجمالیة. (أبوالعدوس، 2007م: 54) وانطلاقًا من هذا الموقف، یتناول الأسلوب دراسة النص نسقیًا والنقد یعالج النصّ من منظور التراکیب والصور والأخیلة. فالناقد یرکّز اهتمامه ویکرّس جهوده فی عملیة النقد علی دراسة النصّ من جهة العناصر الداخلیة وفحصها نسقیًا متّجهًا نحو الاهتمام بالمکوّنات التی تنجرّ إلی تکوین النصّ.

لا ریب أنّ النقد یُعَدُّ معیارًا ومقیاسًا للأدب، ویحاول الإلمام بکافّة المؤثّرات الخارجیة فی عملیة التکوین، ومن هذه الناحیة یتمهّد له السبیل لاستثمار النزعة الأسلوبیة لتحلیل النصّ المبدع لیتّخذها رافدًا هامًّا من الروافد الفکریة والثّریّة فی عملیة التحلیل والتفسیر. تعمل الأسلوبیة فی مجال النقد الأدبی علی کشف المکوّنات اللغویة المنسقة وتربط عملیة التحلیل والتفسیر ببواعث وأسباب خارجیة ساهمت فی نشأة النص وخلقه، وهی «مهمّة متروکة للنقد فی ربطه الأدب بالقیمة وفی استنباطه مجموعة من المبادئ التی یقیس بها أعمالاً تختلف فی طبیعتها من الجودة والرداءة.» (عبدالمطلب، 1994م: 352)

نستنتج من خلال العلاقة بین الأسلوبیة والنقد أنّ الأسلوبیة تعمتد فی معظم الأحیان علی نظام اللغة وقواعدها حیث تتّسم هذه الدراسة بالضیق وعدم الاتّساع، بینما تُعَدُّ الدراسة النقدیة للغة خطوة ومرحلة ثانیة حیث تصیر العلاقة بینهما سطحیة دون أی تعمیق، فالأسلوبیة «أضحت مغایرة للنقد الأدبی ولکنّها لیست هادمة له أو وریثة، وعلّة ذلک أنّ اهتمامها لایتجاوز لغة النصّ فوجهتها فی المقام الأول وجهة لغویة، وأمّا النقد فاللغة عنده هی إحدی العناصر المکونة للأثر الأدبی.» (سلیمان، 2004م: 37)

نبذة عن الشاعر

یُعتَبَرُ الدکتور "سمیر العُمَری" أحد شعراء العرب الذی یمازج بین الأسلوب وحداثة المضمون وهو مفکّر عربی ذو همّ إنسانی ممتدّ وله جهود رائدة فی النهوض بالمشهد الأدبی ورعایة الإبداع وصقل المواهب. استطاع الشاعر عبر المعطیات الأدبیة أن یربط بین التجربة الشعریة والحالة الشعوریة مما یجعل المتلقّی أن یتعامل معه تفاعلًا قویًّا.

وُلِدَ الشاعر عام 1964م فی قطاع غزّة وهاجر وأسرته إلی "السوید" عام 1998م ویحمل الجنسیة الفلسطینیة. یرأس الشاعر حالیاً الاتحاد العالمی للإبداع الفکری والأدبی وهی منظمة ثقافیة عالمیة تسعی لبناء جسور التواصل الثقافی مع الآخرین وتقدیم الهویة الثقافیة الإسلامیة کمنتج حضاری راقٍ ومساهمٍ. یُعتَبَرُ أیضًا رئیس تحریر لمجلة "الواحة" الثقافیة الصادرة عن رابطة الواحة الثقافیة. أصدر الشاعر دیوانین شعریین معنونین "کفّ وإزمیل" و"شُرفة الوجدان" حیث یتمحوران حول التجربة الشعریة والشعوریة معًا خاصة فیما أصاب الشعب الفلسطینی المضطهد من تقتیل وتشرید وتعذیب وتهجیر قسری، إذ حاول الشاعر عبرهما تجسید همومه ومعاناته النفسیة والروحیة تجاه جرائم الحرب ضدّ الشعب الفلسطینی المقهور.

 

نبذة عن قصیدة ملحمة الصّمود

تُعَدُّ هذه القصیدة النضالیة من أبرز القصائد الحماسیة للشاعر حیث حاول عبرها تصویر ما حلّ بالشعب الفلسطینی المقهور من غصب واحتلال وإراقة دماء الأبریاء من أطفال وشیوخ ونساء وترسیم الممارسات الإرهابیة والمجازر البشعة التی قام بها الکیان الصهیونی فی فلسطین المحتلّة. تمّ نشر هذه القصیدة الغراء فی دیوان الشاعر المعنون "کفٌّ وإزمیل". یتضح للقارئ عبر إمعان النظر فی تضاعیف هذه المجموعة الشعریة أنّها تتمیّز بصدق التعبیر ورهافة الإحساس وثراء التجربة الشعریة التی تکسب هذا المنجز الشعری مصداقیة لدی السامع أو المتلقّی.

 

مقاربة أسلوبیة لقصیدة "ملحمة الصمود"

المستوی الصوتی

اهتمّت الأسلوبیة بالمستوی الصوتی ودوره فی إنتاج المعنی اهتمامًا کبیرًا وذلک لما لقیه علم الأصوات من مکانة مرموقة فی ضوء علم  اللغة الحدیث. لا ریب أنّ الصوت یخلق أثرًا کبیرًا علی المتلقی ویثیر فی کیانه هیجانًا وردّة فعل تجاه ما ورد فی النصّ أو القصیدة من أفکار ومواقف. فدراسة الأصوات فی خارطة النص الشعری تُعَدُّ بوّابة للدخول فی عالم النصّ الأدبی والغوص فی عالمه الداخلی. من ثمّ نتناول دراسة الأصوات ضمن هذه القصیدة تبیینًا لطبیعة الأصوات وعلاقتها بالعناصر اللغویة والمظاهر الأسلوبیة الأخری.

 یُعتَبَرُ الصوت عنصرًا أساسیًا وهامًا فی نظام اللغة، إذ تتّضح قیمة الأصوات من خلال ما تکشف عن المعنی والدلالة وهی أصغر وحدة فی إطار اللغة، ذلک لأنّ الصوت «عرض یخرج مع النفس مستطیلًا حتی یعرض له فی الحلق والفم والشفتین مقاطع تثنیه عن امتداده واستطالته، فیُسَمَّی المقطع العارض له حرف.» (ابن جنی، 1954م: 6)

الأصوات المجهورة

من أکثر الأصوات تردادًا فی هذه القصیدة، الأصوات المجهورة التی تدلّ علی القوّة والشدة، فالمراد بهذا النمط من الأصوات تلک الأصوات التی تخلق حرکة عند الخروج من الوترین الصوتیین حیث «علماء الأصوات اللغویة یسمّون هذه العملیة بجهر الصوت والأصوات اللغویة تصدر بهذه الطریقة أی بطریقة ذبذبة الوترین الصوتیین فی الحنجرة تُسَمَّی أصواتًا مجهورة، فالصوت المجهور هو الذی یهتزّ معه الوتران الصوتیان.» (أنیس، 1961م: 21) تنطوی هذه الأصوات فی اللغة العربیة علی ثلاثة عشر حرفًا وهی: ب، ج، د، ذ، ز، ر، ض، ظ، ع، غ، ل، م، ن ویضاف إلیها أصوات اللین.

طبعًا لا یتّسع لنا المجال لمعالجة کافّة هذه الأصوات المجهورة وفی هذه العجالة یشار إلی أکثرها ورودًا فی نصّ القصیدة. وقد توزّعت کما یبیّنه الجدول التالی:

الصوت

عدد التواتر

العین

25

الغین

17

الهمزة

21

الباء

15

اللام

32

النون

44

الدال

34

الجیم

16

ذال

14

ز

8

ر

7

ض

6

ظ

4

 

نلاحظ من خلال هذا الجدول أنّ الحروف المجهورة من أکثر الحروف توظیفًا ضمن خارطة النصّ الشعری لما له من تأثیر واضح فی التعبیر عن التجربة الشعریة والشعوریة للشاعر المقاوم. الذی یتمثّل لنا خلال هذه القصیدة أنّ الشاعر حاول عبرها ترسیم إدانة الممارسات الإجرامیة للکیان الصهیونی ضدّ الشعب الفلسطینی العزّل وتصویر ما حلّ بهم من قتل ودمار وإراقة دماء الأبریاء. أراد الشاعر فی هذه القصیدة المعنونة "ملحمة الصّمود" تصویر ذلک الصبر الحاسم والعزم الراسخ والمثابرة النموذجیة لهذا الشعب المضطهد تجاه الکیان الصهیونی المدجّج  رغم کل الحصار والقصف واغتصاب الأموال.

تبیّن لنا عبر هذه القصیدة أنّ صوت (اللام) و(النون) من أکثر الحروف توظیفًا فی القصیدة حیث تدلّان علی الأمل والوجع والمرارة. کما أنّ اللام تعبّر عن معنی الألم والأنین وتحمل فی طیّاتها معنی عدم الاستسلام والرضوح من خلال الاقتران بألفاظ (الإباء، العلاء، اللُّجج، لیث، و...)، وأیضًا نجد هذا المعنی لحرف النّون ضمن هذه المفردات (نار، نصر، نهار، سنابل، نوائب، عرین و...).

یدلّ انتقاء هذه الأحرف المتلاحمة مع المواقف النفسیة علی الجذور القدیمة فی اللغة العربیة لاختیار هذه الأحرف عند الشاعر العربی، لأنّ العرب «یجعلون الحرف الأضعف والألین والأخفض والأسهل والأهمس لما هو أدنی وأقلّ وأخفی عملًا وصوتًا، ویجعلون الحرف الأقوی والأشدّ والأظهر والأجهر لما هو أقوی عملًا وأعظم حسنًا.» (الرافعی، 1974م: 107) بناء علی ذلک، أکثر الشعراء المحدثون من توظیف هذین الحرفین - أعنی اللام و النون- لما وجدوا فیهما من انحراف عن التعبیر عمّا خامرهم من مشاعر وأحاسیس تنسجم مع الواقع المحیط بهم، فاعتمدوا علی توظیفهما بکثرة فی قصائدهم لتجسید ما ألمّ بهم من واقع وتصویر ما هو مرجوّ ومطلوب لیصبح واقعًا معاشًا، فظلّ هذان الحرفان متنفسین کبیرین یضافرانهم علی التعبیر عن الواقع ومختلجاتهم والتصریح عن مکنوناتهم ومشاعرهم تجاه الواقع المعیش، فلم یجد هذا الشاعر متنفسه، إلّا عبر إیراد الحروف المجهورة لکثرة دلالاتها القویة والعمیقة لانسجامها مع المعانی التی تمّ تمثیلها ضمن خارطة النصّ الشعری لیخلق إیقاعًا موسیقیًا تستسیغه الأذن فیهیج مشاعر المتلقّی تجاه القضیة أو القضایا المطروحة فی النص المبدع. (نورالدین، 1996م: 79)

نلاحظ أنّ الأصوات المجهورة خاصّة اللام والنون ضمن خارطة النصّ الشعری تعبّر عن معنی الألم والوجع والحزن الناتج عن الاحتلال الأجنبی للوطن الأمّ.

إذن، فاللام والنّون تدلّان علی التفائل بحیاة أفضل بعد هذا التدمیر والتهجیر والتقتیل ولاتزال شمس الانتصار تبزغ فی فضاء الوطن المقهور وسوف تبدّد الظلام الدامس.

إنّ المتأمّل فی امتداد هذه شبکة النصّ الشعری یجد أنّ هیمنة النون واللام فیها تجسّد ذلک الصراع المحتدم الذی ینتاب الشاعر المقاوم وتحیط بذاته الشاعرة وتمثّل نمطًا کبیرًا من الصراع بین الأمل والألم، بین الواقع المعیش المزری والواقع المأمول والمطلوب الذی سوف یتبلور وإن طال به الزمن.

وظّف الشاعر هذه الأصوات فی موقف یعبّر فیه عن تلک المواقف الشعریة والشعوریة لیمثّل عبرها تلک التجربة الذاتیة التی تعتصر نفسه وتثیر خلجانه الروحی، فلم یجد للتعبیر عنها سوی هذه الأحرف المجهورة لتوصیل الرسالة والغرض إلی المتلقی لیساهمه فی الآلام والأوجاع، ومن ثمّ اتّخذها متنفّسًا یخفّف من آلامه وأحزانه، فجاءت هذه الأحرف مفعمة بالمرارة والحرقة الروحیة، لأنّها تنبع من قلب أحرقه الاحتلال والاغتصاب والتهجیر. من أقلّ الأصوات استخدامًا فی القصیدة (الضّاد والظّاء) والسبب یعود إلی أنّ کلا منهما یحتاج إلی مجهود قلیل فی النطق به ولذلک لم یکثر الشاعر من توظیفهما. ولعلّ قلّة التوظیف تعود إلی استسلام الحکام العرب وبعض الدول الإسلامیة أمام سطوة الکیان الصهیونی عثورًا علی مصالحهم الشخصیة وترویج فکرة تطبیع العلاقات مع الکیان الصهیونی. وهذا یعنی أنّ (الضاد والضاء) تعبّر عن معنی التماسک والتلاحم والتضامن علی خلاف ما ذهبت إلیه الدول العربیة والإسلامیة.

 

الحروف المهموسة

لاحظنا مسبقًا أنّ الشاعر عمد إلی توظیف الحروف المجهورة تعبیرًا عمّا خامره من مواقف روحیة ونفسیة خلقتها قضایا مختلفة خاصّة ما یمتّ بصلة إلی قضیة الاحتلال الأجنبی لفلسطین، مسقط رأسه، فقام بتوظیف الأحروف التی تمثّل هذه الحالة المأساویة أکثر تمثیل. استعمل الشاعر المقاوم الأحرف المهموسة أیضًا کأداة تناسب تلک المواقف الشعریة وصارت هذه الحروف وسیلة مطواعًا تخدم المواقف الرؤیویة للقصیدة.

المراد بالهمس هو ملمح صوتی یتمیز باللیونة فی طبیعته وتکوینه، وفیه ملمح من الحزن وأحیانًا علی العکس من الجهر، فلا اهتزاز معه للأوتار الصوتیة، فالصوت المهموس هو الذی لا یهتزّ معه الوتران الصوتیان، ولا سُمِعَ لها رنین حین النطق به والصوت المهموس بهذا المفهوم کلّ صوت تمّ إخفاؤه فیه لیونة یجری النفس مع الحرف لضعف الاعتماد علیه. (أنیس، السابق: 20)

إنّ المتمعّن فی هذه القصیدة یجد ضربًا من التوظیف الدقیق لهذه الحروف المهموسة التی تناسب الموقف والأزمة الروحیة التی اعتصرت نفس الشاعر وأثارت أحاسیسه وعواطفه الدفینة. یمثّل هذا الجدول أکثر الحروف المهموسة دورانًا فی هذه القصیدة:

الصوت

عدد التواتر

التاء

56

الحاء

39

السین

27

ث

6

خ

12

ش

20

ص

11

ط

8

ف

10

ق

9

الکاف

8

الهاء

5

نلاحظ عبر إمعان النظر فی ثنایا هذه القصیدة أنّ توظیف هذه الحروف تتلاحم والموقف الشعری والشعوری. کما نشاهد خلال هذا الجدول أنّ التاء من أکثر الحروف ورودًا فی القصیدة وهی ما جاءت فی المفردات التالیة (الانعتاق، البطولة، التراب، البیت، التوت، التِّبر و...). لا ریب أنّ کثرة الورود لهذه الأصوات المهموسة تعمّق الدلالة والتمطیط عبر خارطة النص الشعری مما تجسّد تلک المواقف المتأزمة والمأساویة لدی الشاعر حیث تنسجم مع ثیمة الحزن والألم وتمثّل تلک المشاهد المأساویة والمحزنة للوطن المعیق.

یحیل بنا توظیف الحاء فی القصیدة نحو ترسیم تلک العلاقات الوطیدة والمتشابکة بین الصوت ومعناه النفسی الذی ورد خلال ألفاظ (الحماقة، الحقد، الحِمَم، البحر، الجراح، الحروب، الحصار، الأرواح...). فلا ریب أنّ هذه الحروف کلَّها توحی بالإعتاق والحریة التی جعلها الشاعر ملجأ ینفّس به عن آهاته ومکنوناته فنثرها فی ثنایا قصیدته لیضفی علیها ضربًا من السلاسة والخفّة التی تحمل فی طیّاتها دعوة إلی التغییر ونفض الغبار عن الماضی فی محاولة لصنع غد أفضل تشرق فیه شمس الإسلام علی المظلوم، وتصان فیه الحقوق. (خمیس، 2009م:  26)

نلاحظ أنّ توظیف السین عبر القصیدة التی تکررت 27مرّة واضحة فی النصّ الشعری ومنه ما ورد فی کلمات (استمرأ، السُّبل، الأنفاس، السیف، السلاح، السنین، الکأس و...). یدلّ هذا الحرف فی کیان الشاعر المتأزّم علی ترسیم بسمات الأمل والرجاء نحو المستقبل المشرق للشعب المقهور، فضلًا عن الوظیفة الإیقاعیة التی تنمّ عن عمق الشعور الإیمانی بمستقبل أفضل وأعلی.

إذا قمنا بالمقارنة بین الحروف المجهورة والمهموسة عبر هذه المقطوعة الشعریة نجد أنّ الحروف المجهورة جاءت أکثر توظیفاً بالنسبة إلی المهموسة وهذا یدلّ علی أنَّ القصیدة المعنونة "ملحمة الصمود" لا تصوّر لنا حالة الهدوء والاطمئنان لدی الشاعر المقاوم، بل جاءت هذه الحروف لتعبّر عن الرفض والتمرد والمواقف الثوریة وترسیم الحقیقة المأساویة للشعب الفلسطینی العزّل وما یعیشه هذا الشعب من ظروف تعسة ومأساویة.

 

المستوی الإیقاعی

تُعَدُّ البنیة الموسیقیة من أهمّ جوانب التجربة الشعریة، إذ «تنساب أنغامها فی وجدان الشاعر ألحانًا ذات دلالة، وتصقل موهبته النغمیة وتوقظ لدیه التلوین الإیقاعی الذی یستخدمه وتخلق فیه الإحساس بجرس الکلمة ونبرة اللفظ وتطبع أذنه بطابع الانتقاء والاختیار.» (أنیس، 1981م: 34) حاول الشاعر الفلسطینی الحدیث تحویل الإنتاجات الأدبیة إلی نغمات وترانیم تعبّر بصورة واضحة عن الثورة والنضال والغضب ضد العدو الشرس. إذن، فالحرکة الموسیقیة ضمن خارطة النص الشعری تنمّ عن تموج الذات الشاعرة والهدف الرئیس من عملیة تکوین الموسیقی، فلیست الموسیقی سوی مشاعر الشاعر وأحاسیسه التی تعمل علی إیجاد شعور یتلاحم مع معنی النص الشعری.

الموسیقی الخارجیة

تلعب الموسیقی الخارجیة دورًا بارزًا ومحوریًا فی صناعة موسیقی الشعر وهی التی یُرادُ بها «موسیقی الشعر التقلیدیة وحتی تلک الحدیثة المتمثّلة فی قصیدة التفعیلة التی کانت تعتمد علی جرس الموسیقی الخارجیة وعلی توالی الوحدات الموسیقیة أو النغمیة، ویدخل فی هذا الباب الأوزان العروضیة التقلیدیة وهی التی بقیت لمدة طویلة فی إطار إیقاعی للشعر وما یرتبط بها من القوافی وزحافات.» (الغرفی، 2000م: 67)

إنّ المتأمّل فی هذه القصیدة یجد أنّها تمّ إنشادها علی بحر الکامل لما فیه من تجاوب مع المتلقی لیجعل الشاعر رسالة واضحة مع الآخرین. هذا الاختیار للوزن العروضی من قبل الشاعر یُعَدُّ میزة أسلوبیة بارزة فی هذه القصیدة التی تعمّق الدلالة.

یقول الشاعر المقاوم فی مستهلّ هذه القصیدة:

 

بکَ لا بغیرک للإباءِ یُشارُ

 

وبمثل کفّک تُکتبُ الأقدارُ
(العمری، 2015م: 148)

نلاحظ عبر هذه القصیدة أنّ القصیدة جرت علی بحر الکامل وتفعیلاته هی (متفاعلن متفاعلن‌ متفاعلن‌ /متفاعلن‌ متفاعلن‌ متفاعلن، ستّ مرّات)‌، أمّا الزحافات فی هذا البیت فهی علّة القطع فی ضرب القصیدة، أی إنّ کلّ أضاریب القصیدة مقطوعة. هناک زحاف الإضمار الذی أصاب التفعیلة الأخیرة فی البیت. یُرادُ بالإضمار تسکین المتحرّک الثانی فی التفعیلة، فتصبح متفاعلن شبیهة بمستفعلن. ومن هنا یأتی الوزن العروضی للبیت علی الوجه التالی: متفاعلن متفاعلن متفاعل/ متفاعلن متفاعلن متفاعل أو مستفعل.

یبعث تلک الحرکة التی تلائم مع فعالیات شعر المقاومة والنهضة وتضفی علیها ضربًا من ضروب القوة والانسجام والحیویة. لقد رمی الشاعر عبر هذا السطر الشعری إلی تکرار الحرف (الکاف) لیجانس بین هذا الحرف المتکرر ورویّ القصیدة حرف الرّاء (وهی حرف انحباسی مجهور ذات الرنین الهادئ لما فیها من قدرة علی تحمل السکون والظهور)، وهذا مما یخلق فی النفس نمطًا من التلاحم بین الشعر والمواقف النفسیة، فضلًا عن تکوین الانسجام الإیقاعی والالتحام الصوتی حیث یحیط إیقاع الثورة والغضب بخارطة النصّ الشعری. حاول الشاعر هنا أن یزاوج بین حرفی الراء والکاف وهما حرفان مهموسان یشحّنان النص الشعری بالقوة الإیقاعیة التی تضفی علی النصّ سمة الجمال والتأثیر إیقاعًا زاخرًا بالدلالة مما جعل الشاعر یساهم المتلقی فی خلق الوجدان المشترک وإشراکه فی تحدید معالم النصّ وجعله یشعر بحالته المأساویة. فهذه التجربة الإیقاعیة لدی الشاعر جعلته یستثمر کلّ طاقاته الإبداعیة والدلالیة والنغمیة لتوصیل الرسالة إلی المتلقی.

الموسیقی الداخلیة

تنبع الموسیقی الداخلیة من التجربة الشعریة وهی التی تضفی علی شبکة النص الشعری سمة الجمال والعذوبة التی تتمیز بین أسلوب  الشاعر والآخرین وتجسّد مقدرته اللغویة فی اختیار الألفاظ وانتقائها. من أهمّ مظاهر الموسیقی الداخلیة الجناس والتکرار اللذین یلعبان دورًا بارزًا فی بلورة الموسیقی والدلالة.

الجناس

یُعَدُّ الجناس من المحسنات البدیعیة التی عمد الشعراء والکتاب إلی توظیفه ضمن کلامهم حیث یضفی علی المعطیات الأدبیة نمطًا من الرونق والجمال خاصة عندما تمّ توظیفه فی المکان اللائق به.

من نماذج الجناس فی هذه القصیدة ما یلی:

 

قد أغلقوا سبلَ الفضاء وأطلقوا

وطغوا فما بشرٌ ولا حجرٌ نجا

ووقفتَ أنتَ وفی فؤادک غَزَّةٌ

والحقدُ مِقصلةُ الضمیر فإن طغی
ووقفتَ أنتَ وفی فؤادک غَزّةُ

 

حممَ القضاء وسیقت الأعذارُ
                            (نفسه: 148)
منهم ولا شجرٌ ولا أطیارُ
                            (نفسه: 149)

وعلی جبینکَ عِزّةٌ وفخارُ
                            (نفسه: 150)
قَدَّ الرشادَ وقدَّسَ زئیرُ
وعلی جبینک عِزّةٌ وفخارُ
                           (نفسه:  154)

نلاحظ أنّ الشاعر یجانس بین الألفاط (الفضاء والقضاء، بشرٌ وحجرٌ، وغَزّة وعِزّة مرّتین، قدَّ وقدَّسَ)، وذلک لما فی الجناس من وقع علی ذات المتلقی أو السامع حیث نجد الشاعر یلتجأ إلی توظیف هذه التقنیة لتأکید الدلالة وزیادة الحسّ الإیقاعی للقصیدة ویحاول عبر الجناس أن یضفی علی نصّ القصیدة القیمة الصوتیة کما نراه یحرص علی القیمة الدلالیة والبلاغیة للألفاظ عبر النص الإبداعی. نری عبر القصیدة أنّ حرکة الإیقاع المفعمة بالنضال والثورة تطغی علی النص المبدع مما یجعل الجانب المأساوی للنص طاغیًا. فالنصّ یتمتع بالحرکة والدینامیکیة والنشاط وهذا مما یخلق نمطًا من الموسیقی التی تحدث تأثیرًا نفسیًا مشابهًا للأوزان العروضیة وبنیة الإیقاع فی کیان المتلقّی.

هذا الموضع مما یعکس الحالة المأساویة والثوریة المحیطة بالشاعر والتی یخلق شوقًا جارفاً للانتصار والرجاء وینمّ عن مقدرة رصیده اللغوی وثراء زاده المعجمی مما یمنحه فرصة مؤاتیة لانتقاء الألفاظ المناسبة للمقام الذی یجد فیه نصیبًا من العناء والألم.

التکرار

تُعَدُّ تقنیة التکرار من التقنیات المؤثرة فی تشکیل الإیقاع الداخلی وقد ذهب معظم النقّاد البلاغیین إلی أنّ التکرار إنّما یُؤتَی به للتوکید وهو «أن یکرّر المتکلم اللفظة الواحدة لتأکید الوصف، أو المدح أو الذمّ أو التهویل أو الوعید.» (یوسف، 1989م: 154)

لقد عمد الشاعر الفلسطینی الحدیث إلی توظیف هذه التقنیة لترسیخ المواقف الذاتیة والتجربة الشعریة والشعوریة فی کیان المتلقی، فمن ثمّ اتخذ التکرار أداة طیعة ومطواعًا لتوصیل فکرة المقاومة والصمود، ومن هنا تسهم أعظم إسهام فی بناء القصیدة الفلسطینیة دلالیًا وإیقاعیًا وتکوین السمات الأسلوبیة لها. إذن، لا یتّسع لنا المجال لمعالجة کافة أنماط التکرار من تکرار الکلمة والعبارة والجملة والضمیر بصورة کاملة ... فی هذه العجالة، ومن ثمّ نتناول أهمّها وأبرزها ضمن هذه القصیدة بصورة عابرة وموجزة، لأنّ هذا الموضوع یستحقّ دراسة کاملة ووافیة تکشف عن حقیقة التکرار ودوره الدلالی فی التعبیر عن المراد.

تکرار الحرف

تبلورت ظاهرة التکرار بمستویاته المختلفة من تکرار الحرف والاسم والجملة لیصبح أداة جمالیة تخدم التعبیر عن مواقف الشاعر وقصدیته فی توظیف هذا النمط الأسلوبی، إذ له دور هامّ فی إنتاج دلالیة سیاقیة عمیقة حیث حاول الشاعر عبر استخدامه تکوین سیاقات شعریة تجعله قادرة علی تجسید تجربته والإفصاح عن همومه وأفکاره.

المراد بالتکرار هنا، تکرار الحرف بأنواعه المختلفة کحروف الجرّ والنصب والجزم و ... لما له من دور مهمّ فی خلق بنیة النصّ وتماسکه من جانب، وتکوین البنیة الإیقاعیة التی تشدّ انتباه المتلقّی وتسترعیه من جانب آخر، ومن ثمّ ذهب بعض النقّاد إلی أنّ لتکرار الحرف مزیّة سمعیة ترجع إلی عنصر الموسیقی، ومزیّة فکریة ترجع إلی المعنی. (السید، 1407ق: 9)

من نماذج تکرار الحرف ما ورد فی القصیدة:

جاءوک من برٍّ ومن بحرٍ ومن

ورأیتَ لا سیفًا یذبُّ ولا خطی
بأنَّ جذرک فی ترابک راسخُ

 

جوٍّ کما الغربانُ فوقک طاروا
                (العمری، 2015م: 149)
تسعی ولا قومًا لنصرک ثاروا
لا السیلُ یقلعُه ولا الإعصارُ
                              (نفسه: 115)

نلاحظ من خلال هذه المقطوعة الشعریة أنّ الشاعر عمد إلی تکرار الحرفین (مِن الجارّة ثلاث مرّات ولا النافیة خمس مرّات). من الواضح فی الأسس النحویة أنّ حرف مِن (الجارّة) ولا (النافیة) یدلّان علی نقطة الانطلاق والنفی حیث یشکّلان ههنا فی ذهن المتلقّی شمول القصف والإحاطة العامّة بأبناء فلسطین من غارات عدوانیة قام بها الکیان الصهیونی وعدم الاستسلام والرضوح أمام سطوة العدو. یحدث تکرار الحرف نمطًا من خلق الاتّساق بین تراکیب النصّ الشعری والانسجام بین معانیه، وهذا الضرب من التکرار یؤدّی إلی جرّ الاسم المتبوع نحویًّا، أمّا وظیفة حروف الجرّ دلالیًّا فتنطوی علی تکثیف الانکسارات التی انتابت نفسیة الشاعر وتصویر ما حلّ به من خیبة زعزعت آماله وکیانه. معلوم أنّ هذا النمط من التکرار لم یرد دون وعی من الشاعر، بل کان الشاعر یقصد إلیه لتکوین صیاغة جدیدة للقصیدة لیستطیع من خلالها إثارة انتباه المتلقّی، لأنّ التکرار الحرفی «صیغة خطابیة رامیة إلی تکوین الرسالة الشعریة بممیزات صوتیة مثیرة، هدفها إشراک المتلقّی فی عملیة التواصل الفنّی.» (شاکر قاسم، 2010م: 166)

یتقصّد الشاعر المبدع تقنیة التکرار من وعی تامّ حیث فرضتها طبیعة التجربة الشعریة ومن هنا کان لوجودها أهمیة قصوی فی النهوض بالإیقاع تعبیرًا عن التجریب والتجدید. من المعلوم خلال المقطوعة أنّ الشاعر استطاع عبر عملیة التّکرار التعبیر عن همومه النفسیة والهواجس المکنونة التی اعتصرت نفسه إثر قضیة الاحتلال وما یعقبها من قتل وتشرید واعتداء علی الحقوق وإراقة الدماء.

 

 

تکرار الکلمة

لکلّ کلمة داخل النسیج الشعری وظیفة دلالیة محددة، فإذا تکررت تسترعی الانتباه وتلفت الأنظار لما لها من شدّ الانتباه داخل النص. فی الواقع تشکّل الکلمة «المصدر الأول من مصادر الشعراء والتی تتشکّل من صوت معزول أو من جملة من الأصوات المرکبة الموزّعة داخل السطر الشعری أو القصیدة بشکل أفقی أو رأسی، وهذه الأصوات تتوحّد فی بنائها وتأثیرها، سواء أ کانت حرفًا أم کلمة ذات صفات ثابتة کالأسماء، أو ذات طبیعة متغیرة تفرضها طبیعة السیاق کالفعل.» (شرتح، 2010م: 493)

من نماذج تکرار الکلمة فی المقطوعة:

 

وأبیتَ أن یطأ العرینَ من افتری

یا مَن بکی اللاهون نزفک دافقًا
یا مَن سقانا العزَّ کأسَ کرامةٍ

 

إنَّ اللیوثَ علی العرین تَغارُ
                               (نفسه: 147)
فأبیتَ إلا أن یصونَ وقارُ
من بعد أن ظمئت بنا الأعمارُ
                           (نفسه: 150)

یستثمر الشاعر فی هذه الأسطر الشعریة الطاقات التعبیریة والکامنة لتقنیة التکرار لیتّخذها أداة ناجعة للتعبیر عمّا خامره من هواجس ودفائن تمثّل حنکته الشعریة والشعوریة، فمن هنا قام بتکریر المفردات النصیة الموحیة والمشحنة بالإیحاء (العرین، یا مَن مرّتین) حیث یؤدّی هذا التکرار إلی تکوین وظیفة تعبیریة وإیحائیة ضمن بنیة القصیدة کما تحدث «إیقاعًا صوتیًا یشارﻙ فی موسیقیة الشعر، لأنّ تکرار الکلمة یعنی نمطًا تتردد فیه وحداته الصوتیة.» (ضالع، 2002م: 76) هنا یسهم التکرار فی تأدیة الغرض المرتبط بالمعنی العامّ للنصّ الوارد فیه، فضلًا عن دوره فی إتمام الإیقاع. بذلک یصبح التکرار مفتاحًا نستطیع من خلاله الولوج إلی عالم نفسیة الشاعر، إذ یستقطب التکرار وعی القارئ ویشدّ انتباهه لما ورد فی النصّ من مواقف أراد الشاعر توصیلها إلی المتلقّی.

تکرار الجملة

یُعَدُّ هذا النمط من التکرار من أکثر أشکال التکرار شیوعًا ورواجًا فی الشعر العربی القدیم والحدیث، فإذا کان تکرار الحرف وتردیده ضمن بنیة القصیدة یمنحها نغمًا وجرسًا ینعکسان علی الحرکة الإیقاعیة للقصیدة، فإنّ التکرار للجملة لا یمنح القصیدة النغم فقط، بل یمنحها امتدادًا وتنامیًا وانتشارًا فی قالب انفعالی متصاعد ناتج عن تکرار العنصر الواحد. (حرکات، 2008م: 136) سجّل هذا النوع من التکرار حضوره فی القصیدة لینمّ عن الحالة النفسیة التی یعیشها الشاعر، إذ تؤدّی الجملة المکرّرة إلی «رفع مستوی الشعور فی القصیدة إلی درجة غیر عادیة تغنی الشاعر عن الإفصاح المباشر وتصل القارئ بمدی کثافة الذروة العاطفیة عنده.» (السید، السابق: 298)

ومن نماذج تکرار الجملة ما ورد فی المقطوعة:

 

 

یرمونَ لایُلوونَ لا یسعی بهم
ورأیتُ لا سیفًا یذبُّ ولا خطی

فرّت قلوبُ الناظرین مهابةً

 

إلاّ الدّمارُ الفجُّ والإضرارُ           
تسعی ولا قومًا لنصرک ثاروا
                (العمری، 2015م: 150)

ممّا رأیتَ وما رآک فرارُ
                                  (نفسه)                        

یدلّ توظیف الجملة بشقّیها الماضی والمضارع ضمن المقطوعة الشعریة علی مدی اهتمام الشاعر بفکّ شفرات القصیدة حیث حاول أن یتعانق مجموعة من المواقف النفسیة والفکریة والشعوریة، فهذا یمثّل القیمة الأسلوبیة فی تعامله مع قضیة الزمان فی الإفصاح عن التوتّر النفسی والانفعال العاطفی. إذن هذا النمط من التکرار یُعَدُّ تعبیرًا عن الانفعال الذی یرافق التعبیر عن الحالة الوجدانیة المنتابة مما یخلق إیقاعًا داخلیًا ینبّه حاسّة السمع لدی المتلقّی.

تدلّ هذه التقنیة التعبیریة علی الحرکة والنموّ والانطلاق والتوثُّب بحیث تشکّل بناء درامیًّا ساهم فی التعبیر عن الحالة النفسیة التی یعیشها الشاعر. فالقصیدة بشکل عامّ تکشف عن خیبة الشاعر وآلامه الموزعة بین حالتی السخط والضیاع ویجسّد علی نحو بارع الشعور بالانکسار المنطوی علی الأمل. یظهر لنا من خلال الأسطر الشعریة أنّ الشاعر یصرخ بقوّة وبکلّ کیانه تجاه ما حلّ بغزّةَ من قتل وحرب واعتداء وطغیان ویصوّر تلک المجازر التی اقترفها الکیان الصهیونی وحلفاؤه فی غزّة علی مرأی العالم وهذا الأمر مما یعمّق آلامه وصرخاته التی یردّدها لیسمع الناس فی أنحاء العالم عبر إیقاعات موسیقیة متوالیة، وبناءات لغویة تتراوح بین الکلمة والعبارة مما جعلته یلجأ إلی أنماط أسلوبیة ولغویة متنوعة تؤدّی إلی تجسید آلامه وأحزانه وکلّ ما یدور فی کیانه من حیرة واضطراب وهموم نفسیة لیخلق من خلالها «شعورًا بالتسارع والاستمراریة ویؤکّد إرادة التحدی للشعب الفلسطینی المقاوم.» (باقری وآخرون، 1395ﻫ:  106) جاء هذا التکرار حاملًا فی تضاعیفه أبعادًا إیحائیة وإنسانیة تتلاحم مع الموقف الذی یعیشه الشاعر وهو الشعور بالانتصار وقهر الأعداء، ومن ثمّ نری أنّ التکرار یمکّن وعیه من تفجیر الطاقات الکامنة فی هذه التقنیة واقتناص ما وراءها من دلالات مثیرة لإثارة المتلقّی وتوجیه ذهنه نحو الصورة المستحضرة لخلق التوافق الشعوری بین الشاعر المبدع والمتلقّی.

المستوی الترکیبی

تُعتَبَرُ الجملة (الفعلیة والاسمیة) هی اللبنة الأولی التی تنبنی علیها دراسة النص وقیلَ المراد من الجملة «ترادف الکلام، والأصحّ أعمّ، لعدم الشرط بالإفادة فإن صدرت بالاسم فهی اسمیة وإن صدرت بالفعل فهی فعلیة، أو ظرف أو مجرور فظرفیة.» (السیوطی، 1998م:  48)

إنّ الممعن فی هذه القصیدة یلاحظ أنّ الشاعر فی معظم الأحیان عمد إلی توظیف الجملة الفعلیة (129مرّة) أکثر من الجملة الاسمیة (85 مرّة)، سواء کان فعلها ماضیًا أو مضارعًا وهذا یعود إلی ما یحمله النصّ من رغبة فی الحرکة عبر الزمن، فالشاعر لا یحبّ السکون والوقوف، کما یتطلب الزمن الحاضر الحضور والتواتر وهذا یمثّل أزمة الشاعر التی تتمثّل ضمن تجربته الشعریة. هکذا استطاع تجسید رؤیاه الشعریة ویصل الماضی بالزمن الحاضر لیجعل من هذه التجربة وسیلة ناجعة للإبانة عن تجربة إنسانیة أوسع محورها الإنسان الفلسطینی المشرّد المطالب بالکرامة والحریة والهویة المسلوبة.

وردت الجملة الفعلیة فی هذه القصیدة أکثر من مئة مرّة لما فیها من ارتباط وثیق وکبیر بین الأحداث والوقائع فی المجتمع الفلسطینی من جانب ومشاعر الشاعر وعواطفه الدفینة من جانب آخر حیث جعلته الجمل الفعلیة أکثر قدرة علی التعبیر عن المکنونات القلبیة والدخائل النفسیة وتجسید الصراع النفسی المتمثل فی الآلام والأوجاع.

نجد الشاعر فی بعض الأسطر الشعریة یأتی بأکثر من فعلین وهذا یدلّ علی اهتمام الشاعر بالجمل الفعلیة التی تمثل قضیة الاحتلال الأجنبی وما أصاب الناس من مصائب ونوائب شتّی.

من نماذج قوله فی هذا المجال:

 

رموا صواریخ الجنون بخدعةٍ
من أسّسَ البیت الأبی علی الهدی

 

غارت بها الأنفاسُ حین أغاروا
وطغی الرَّدی فالبیتُ لا ینهارُ
                  (العمری، السابق: 151)

إذا تأمّلنا فی القصیدة نجد أنّ الشاعر المقاوم قام بالمقارنة بین الماضی المجید والحاضر البائس وما یتّسم به من الرکود والتقهقر والرجعیة، ومن ثم نلاحظ أنّ بنیة النص تتجاذبها الجملة الفعلیة الدالّة علی الحرکیة والدعوة والانعتاق من القیود. تدلّ کثرة الجمل الفعلیة فی النصّ علی تجدّد الرغبة فی إدانة هذه الظروف التعسة التی تجسّد هشاشة الفکر والتفریق بین أبناء فلسطین. ومن ثمّ لم یأت توظیف هذا النمط من الجملة بشکل عفویّ ولاشعوریّ، بل دقیق ومحسوب، إذ وَفّقَ الشاعر من خلاله تصویر الوظیفة الجمالیة والدلالیة عبر الجملة التی یتعامل الشاعر معها بوعی عالٍ ورؤیة عمیقة وإحساس مرهف.

نموذج آخر:

 

إذ أسلموک إلی العدوّ وقد رجوا

 

أن یسحقوک من الوجودِ فباروا
                           (نفسه، 153)

لا ریب أنّ لجوء الشاعر إلی توظیف الجملة الفعلیة یدلّ علی رغبته فی نقل مواقفه بصورة حیویة تمثّل الحرکیة والتجدّد محاولًا بذلک إضفاء نمط من أنماط الطابع الخطابی علی نصّ القصیدة بحیث یسهم فی نقل المخاطب إلی فضاء القصیدة حتی یشارکه فی تکوین الدلالات ومعایشة التجربة الوجدانیة والروحیة للشاعر. یتّضح أنّ التراکیب الفعلیة تُکسِبُ الکلام دلالات خاصّة فی السیاق الشعری، فنحن «إذا أخذنا القیمة المعنویة العامّة للفعل، فإنّنا نجدها تنبعث من کونه کلمة یدخل فیها عنصر الزمن والحدث ... لأنّ عنصر الزمن داخل فی الفعل فهو ینبعث فی الذهن عند النطق بالفعل.» (درویش، لاتا: 151) کما استخدم الشاعر ضمن هذه القصیدة کثیرًا من الأفعال الماضیة للتعبیر المباشر الذی یتمیّز بالأسلوب التقریری وهذا ناجم عن طبیعة لغة الشاعر التی تتّجه نحو المباشرة، فهو دومًا یحاول تصویر الواقع المعیش بکلّ تفاصیلها کأنّها وقعت فی الزمن الحاضر. إذن، فالشاعر أراد من خلال هذه التراکیب التعبیر عن مدی شعوره بتعقّد الأمور وتدهور الظروف المعیشة ورغبته فی تمثیل هذا الإحساس فی إطار لغوی یسهم فی توصیل المواقف والنظرات ودفع المخاطب نحو المشارکة فی الأحداث والوقائع ومعایشة الهواجس التی تستحوذ علیه، وتمتلکه الثورة ضدّ الواقع المتردی.

الانزیاح الترکیبی

یتبلور هذا النمط من العدول أو الانزیاح ضمن العلاقات الموجودة بین المدلولات اللغویة فی ترکیب واحد، أو فی مجموعة من التراکیب، فکل ترکیب خرج عن النمط المألوف والمعهود یشکّل نوعًا من الانزیاح الذی یتعلّق بالتراکیب النصیة ضمن المقطوعة الشعریة. المراد بالانزیاح الترکیبی تلک «الانحرافات الترکیبیة التی تتّصل بالسلسلة السیاقیة الخطیة للإشارات اللغویة عندما تخرج علی قواعد النظم والترکیب مثل الاختلاف فی ترکیب الکلمات.» (ویس، 2005م: 56)

من نماذج هذا العدول ما ورد فی القصیدة:

قد أغلقوا سبل الفضاء وأطلقوا

قدروا لهم دعمَ الحلیف وقدّروا

 

حِممَ القضاء وسیقت الأعذارُ
                (العمری، 2015م: 156)

أن لیس تمضی لیلةٌ ونهارُ
                            (نفسه: 157)

حاول الشاعر عبر هذه الأسطر الشعریة إذابة الفواصل والهوّة بین العناصر الأدبیة والروافد الفکریة التی تضافره علی نقل المعنی المراد لیجعل النصّ الشعری ککیان واحد منسجم، فنراه یعمد إلی خرق المألوف فی اللغة المعیاریة لیسوق القارئ نحو تجاوز البنیة السطحیة إلی البنیة العمیقة للنص الشعری. عمد الشاعر خلال الأسطر الشعریة المذکور أعلاها إلی توظیف بعض المفردات التی تُعَدُّ لوناً من ألوان الخروج عن المعهود، منها ما قام فیه بحذف الفاعل فی الفعل المجهول (سیقت) ثمّ فی الشطر التالی حذف اسم الفعل الناقص (لیس).

یتمثّل لنا عبر التأمّل فی هذه المقطوعة أنّ الشاعر عمد إلی کسر النظام السائد فی التعامل مع اللغة وانتهاک النمط التعبیری المألوف. فمن الواضح أنّ الشاعر أراد من توظیف تقنیة الانزیاح تجسید الأبعاد الفنیة التی تختفی وراء مثل هذه الاستخدامات التعبیریة التی تتجاوز حدود ما هو مألوف. لا ریب أنّ فکرة الصمود والمقاومة وترسیم ما حلّ بالشعب الفلسطینی المقاوم من مجازر بشعة وممارسات إجرامیة وإجراءات شنیعة من أهمّ الدافع والحوافز التی ساقت الشاعر مساق انتهاک النظام السائد للغة. ومن ثمّ لم تکن ظاهرة الانزیاح الدلالی مجرد ظاهرة أسلوبیة فقط، بل أصبح ضرباً من ضروب إبداعیة تتضمّن علی أبعاد دلالیة وإیحائیة.

الحذف

یُعَدُّ الحذف من أکثر الظواهر الأسلوبیة شیوعاً واستعمالاً فی إطار اللغة وهذا یعود إلی دوره الهامّ فی تشکیل بنیة الخطاب مما یجعل النصّ أکثر تماسکاً واتساقاً. یستشفّ الحذف فی الدراسات الأسلوبیة علاقة من علاقات الاتساق المعجمیة النحویة داخل النصّ، «وتتکوّن بافتراض عنصر غیر ظاهر فی النصّ، یهتدی المتلقّی إلی تقدیره اعتماداً علی نصّ سابق مرتبط به، وهذا یعنی أنّ الحذف عادة علاقة قبلیة، لأنّه فی معظم الأمثلة یوجد العنصر المحذوف المفترض فی النصّ السابق أو الجملة السابقة.» (الداودی، 2010م: 51)

من نماذجه فی القصیدة:

 

واللیلُ مهما طالَ زالَ وإن دجا

ظنّوک یومَ سغبتَ أنّک خائرُ

 

وتساقطت عن تُوتِه الأسرارُ
             (العمری، 2015م: 152)

وقضوا بذلک یومَ طالَ حِصارُ
                         (نفسه، 151)

نلاحظ من خلال هذه المقطوعة أنّها تتضمّن علی ظاهرة الحذف الأسلوبیة حیث قام الشاعر بحذف جواب الشرط فی الشطر الأوّل لفعل الشرط (دجا)، إذ لکل شرط جواب مذکوراً  أم محذوفاً، وفی الشطر الثانی عمد إلی حذف المفعول­به الثانی للفعل (ظنّ) حیث جاء مکانَه (أنَّ وصلتها) لتکون سدَّ مسدّ للمفعول­به الثانی. لم یُحدِث الحذف فی بنیة القصیدة أیّ التباس فی عملیة فهم المعنی حیث یستطیع المتلقّی أن یقدّر المحذوف، ومن هنا جاء هذا الحذف متماشیًا مع البنیة الإیقاعیة، فضلًا عن کونه میزة مثیرة من جمالیات الأسلوب فی الحصیلة الإبداعیة لدی الشاعر، فالشاعر المتمیّز هو الذی یترک للمتلقّی مساحة للمشارکة ضمن النصّ المبدع.

بذلک یتمّ حسن السبک للتأثیر فی نفسیة المتلقّی لکی یستخدم آلیاته القرائیة لإفراغ هذه الفجوة عبر استحضار القوی الذهنیة للربط بین مکونات القصیدة وعناصرها الفنیة. لا ریب أنّ هذه التقنیة الأسلوبیة تضافر علی تماسک النصّ واتّساقه، إذ ساعدت الشاعر علی التعبیر عن الهواجس والمکنونات القلبیة فی جمل قلیلة هادفة مقصودة، وعلی قلّتها القلیلة استطاع عبرها إیصال رسالته إلی المتلقی الذی یرید سبر أغوار النص. نجد الشاعر عبر عملیة الحذف یجنح إلی تکثیف الدلالة وتمطیط المعنی عبر الاکتفاء بالألفاظ القلیلة والعبارات الموجزة ملتجأً إلی تخزین المعانی فی إطار یتّسم بالإیجاز غیر المخلّ لیضفی علی خارطة النصّ الشعری نمطاً من اللون الجمالی والإبداع الفنی لیزاوج من خلال الحذف بین عمق الدلالة وطلاوة النظم الشعری.

 

التقدیم والتأخیر

ارتبطت ظاهرة التقدیم والتأخیر بالشعر العربی منذ نشأته ونالت اهتمامًا کبیرًا من قبل النقّاد، فذهب عبدالقاهر الجرجانی إلی أنّ التقدیم والتأخیر «باب کثیر الفوائد، جمّ المحاسن، واسع التصرّف، بعید الغایة، لا یزال یفترّ لک عن بدیعه، ویُفضی بک إلی لطیفه ولاتزال تری شعرًا یروقک مسمعه، ویلطُفُ لدیک موقعه ثمّ تنظر فتجد سبب أن راقک ولَطُفَ عندک، أن قُدِّمَ فیه شیءٌ وحُوِّلَ اللفظُ من مکان إلی مکان.» (الجرجانی، 1987م: 106)

لا ریب أنّ هذا التحوّل فی الألفاظ عبر الوحدات اللغویة ینطوی علی غرض ما یفرضه السیاق والذوق الأدبی ومن هنا «یمثّل التقدیم والتأخیر واحدًا من أبرز مظاهر العدول فی الترکیب اللغوی لیحقّق غرضًا نفسیًّا ودلالیًّا یقوم بوظیفة جمالیة باعتباره ملمحًا أسلوبیًا خاصًّا، ویتمّ عن طریق کسر العلاقة المألوفة بین المسند والمسند­إلیه، وفی الجملة لیضعها فی سیاق جدید وعلاقة ممیّزة.» (الحسنی، 2004م: 233)

من نماذجه فی القصیدة:

 

وعلی ملامحک البطولةُ فُصِّلت

فردًا وقفتَ وحولک الأشرارُ

 

ما أوجزت فی وصفها الأسفارُ
               (العمری، السابق: 153)

ودمًا نزفتَ وما أجارک جارُ
                                (نفسه)

نلاحظ من خلال هذه الأسطر الشعریة أنّ الشاعر عمد إلی توظیف تقنیة التقدیم والتأخیر التعبیریة لما فیها من لفت انتباه المتلقّی وما یضفی علی خارطة النصّ الشعری من جمال ورونق. نری فی الشطر الأوّل قدّم شبه الجملة (وعلی ملامحک) علی الفعل المبنی للمجهول (فُصِّلَت) وفی الشطر الثانی قدّم الحالَ (فردًا) علی صاحبها (ضمیر المتکلم فی الفعل وقفتَ)، والخبر (حولَک) علی المبتدأ (الأشرارُ)، والمفعول­به (دمًا) علی الفعل المتعدّی (نزفتَ)، والمفعول­به (ضمیر المخاطب الکاف) علی الفعل الماضی (أجارَ).

یتبیّن لنا عبر امتداد شبکة النصّ الشعری أنّ الشاعر عدل عن الترتیب الأصلی للکلام وقدّم بعض الوحدات والمفردات علی الأخری لیخرج الکلام عن الإطار العادی والمألوف خلافًا لما یتواجد فی النحو العربی من قواعد وأسس. من الواضح أنّ هذا العدول عن النمط المعهود یُعَدُّ میزة جمالیة لا تتحصّل إلاّ عبر هذا المکانیزم والغرض المراد منه التخصیص والعنایة بأمر المتقدّم وشدّ الانتباه وجذب المتلقّی لما فی هذا الأمر من قیم کامنة تعتصر نفسیة الشاعر. من الواضح عبر هذا النصّ الشعری أنّ هذه التقنیة التعبیریة لم تظهر ضمن النصّ المبدع عفویّة ولا عشوائیة، بل کانت مقصودة ومدروسة من قبل الشاعر لیتّخذها أداة ناجعة للتعبیر عمّا خامره من هواجس ودخائل لا تستطیع اللغة المألوفة والمعهودة التعبیر عنها إلاّ من خلال کسر الرتابة وهدم اللغة المعیاریة.

 

النفی

یفید النفی فی طیّاته معنی الطرد والإخراج والإبعاد لما یکرهه الإنسان بما یدلّ علی معنی الرفض فی عزّة وإباء. عمد الشاعر المناضل إلی توظیف أدوات النفی ضمن بنیة القصیدة لتصویر الممارسات الإجرامیة والمجازر البشعة التی قام بها الکیان الصهیونی من جانب، والتعبیر عن فکرة الانتماء إلی الوطن الأمّ والالتصاق بأرضه والانغراس فیها من جانب آخر. وظّف الشاعر هذه الأدوات لإیضاح موقفه العامّ تجاه ما یجری فی فلسطین من وقائع مرّة وأحداث مثیرة للغضب، ومما تثبت ذلک کثرة استخدامه للنفی فی الموضوعات التی تمتّ بصلة وطیدة إلی قضیة الاحتلال والوطن المقهور وقضایاه التی تحتاج إلی مناضلین ومجاهدین یقفون موقف النضال والثورة وعدم الاستسلام أمام العدوّ الکاشح والحقود.

من نماذج النفی فی القصیدة:

 

وطغوا فما بشرٌ ولا حجرٌ نجا

 

منهم و شجرٌ ولا أطیارُ
                (العمری، السابق: 149)                               

أملت حالة انعدام الأمن والاستقرار التی عاشها الشاعر نمطًا محدّدًا من الترکیب الشعری الذی یتأرجح معظمه بین إثبات الذات ومواجهة العدو الصهیونی. فصار النفی أداة لإثبات الهویّة والبحث عن الکینونة. عمد الشاعر إلی توظیف أدوات النفی (لا النافیة مرّتین وما النفیة مرّة) ضمن هذا النص المبدع.

تدلّ هذه المقطوعة علی عمومیة الممارسات الإجرامیة للعدو المحتلّ وما قام به من قتل وتشرید لأبناء المجتمع الفلسطینی حیث لم یذر ولم یترک أیّ شیء إلاّ دمّره وأباده من الوجود. مع کل هذه المصائب والویلات لاتزال القدس الشریفة ضربت جذورها فی القدم ووقفت راسخة وصامدة أمام هذه الجهود الإجرامیة، لأنّها علی ثقة بأنّ الله جلّ وعلا سیکتب لها التوفیق والنجاح.

نموذج آخر:

وبأنّ جذرک فی ترابک راسخُ              لا السیلُ یقلعُه ولا الإعصارُ

(نفسه)

الشاعر کان ولا یزال علی وعی وتبصیر بأنّ المستقبل مضیء وسیمرّ الشعب الفلسطینی بهذه العقبة الکؤود بمزید من التوفیق. عمد إلی توظیف أدوات النفی (لا مرّتین) لیثبت أنّ هذه الممارسات الإجرامیة لم ولن تؤثّر شیئًا فی إرادة هذا الشعب المناضل لتحقیق الطموحات والتطلّعات، فلن یستسلم أبدًا والطریق الوحید للانتصار هو المقاومة والصمود. لم یکن توظیف النفی ضمن بنیة القصیدة مجرد مفهوم مرجعی عبّر عنها الشاعر، بل أصبح الأساس الذی ینطلق منه الإبداع والتمیّز.

 

المستوی الدلالی

تُعَدُّ الدراسة الدلالیة من أهمّ التقنیات الحدیثة التی تُسَلِّطُ الأضواء علی دراسة النصّ دراسة وافیة وتنمّ عن فحوی النص وتمهّد السبیل للولوج إلی عالم النص المبدع. تمتّع علم الدلالة بتعاریف مختلفة ولم یذکر علماء اللغة تعریفًا وافیًا ودقیقًا لهذا المصطلح، إلّا أنهم ذهبوا إلی أنَّ علم الدلالة «دراسة المعنی أو العلم الذی یدرس المعنی أو ذلک الفرع من علم اللغة الذی یتناول نظریة المعنی أو ذلک الفرع الذی یدرس الشروط الواجب توافرها فی الرمز حتی یکون قادرًا علی حمل المعنی.» (مختار عمر، 1998م: 11)

الحقول الدلالیة

یُرادُ بالحقل الدلالی مجموعة من المفردات والألفاظ التی یمتّ معناها بصلة وثیقة إلی مفهوم محدّد داخل خارطة النصّ المبدع أو مجموعة من الوحدات المعجمیة ترتبط تقابلها من المفاهیم تندرج کلها تحت مفهوم کلی یجمعها، أو هو کما عرفها "أولمان" قطاع متکامل من المادة اللغویة یعبّر عن مجال معین من الخبرة. (نفسه: 79)

إنّ المتأمّل فی القصیدة المعنونة "ملحمة الصمود" یجد أنها تکتظّ بفکرة الثبات والمثابرة والمقاومة من أجل البقا والحیاة والتعبیر عن الانتماء القومی والإسلامی ومحاولة الذبّ عن مسقط الرأس وأرض الآباء، فمن الطبیعی فی النظرة الأولی للنصّ الشعری أن یجسّد هذه الفکرة وما فیها من قیم سامیة لثقافة المقاومة.

إذا تأمّلنا فی القصیدة نجد أنّها فی طیّاتها تشتمل علی المفردات والألفاظ التی تمتّ بصلة وثیقة إلی حیاة الشعب الفلسطینی المقهور، لأنّهم­ شاهدوا هذه الأحداث المرّة أمام أعینهم، من هذه الألفاظ الدلالیة (القصف، النار، الدمار، الحقد، المساجد، المدارس، الإغارة، الطائرات، الصواریخ، الغربان، تتار و...). نلاحظ أنّ هذه المفردات تؤدّی دورًا هامًّا ومحوریًا فی تجسید ما قاسی هذا الشعب المضطهد من مرارة التهجیر والتدمیر والتعسف. کما نشاهد عبر خارطة النصّ الشعری معجمًا یحتوی علی الموجودات (کالأرض، السماء، القدس، السنابل، الجحفل، اللیوث، السیل، الإعصار، الفسفور). ثمّ نجد عدّة مفردات تمثّل النعوت (النزف، الغیظ، اللهیب، الخدعة، اللجّة، الزاهرة، البهاء و. . . ). من المعلوم أنّ هذه الصفات هی التی تصوّر القدس الشریفة لما فیها من مظاهر الحرمان والتعسف والغشم. تنمّ هذه المفردات فی طیّاتها عن مدی التوتّر والأزمة التی یعیشها الشاعر حیث یدلّ اختیار هذه الألفاظ وتکثیف حضورها ضمن النصّ المبدع علی القلق الذاتی الذی یسوق الشاعر مساق البحث عن مفردة تناسب الفکرة تعبیرًا عن عواطفه وأحاسیسه وهذا مما یمنح المفردات سمة أسلوبیة متمیزة تسهم فی إیحاء المعنی.

إنّ الممعن فی هذه القصیدة یجد أنّ الحقل الدلالی للألفاظ والمفردات تتعلق فی معظمها بفکرة المقاومة والصبر علی الآلام والأوجاع حیث ظهرت فی القصیدة واضحة جلیة ومتناسبة مع العنوان والفکرة المرکزیة للقصیدة. لا ریب أنّ توظیف هذه المفردات کان مدروسًا ومقصودًا من قبل الشاعر لتوصیل الفکرة والمواقف الشعریة والشعوریة إلی المتلقّی لمساهمته فی الفکر والمواقف وصولًا إلی خلق الوجدان المشترک. ومن ثمّ صارت القصیدة عاملًا هامًّا لتحریک السامع عاطفیًا واستثارته ذهنیًا للتفاعل مع القضایا الجاریة فی القدس المبارکة. هکذا نجد الشاعر یستثمر الطاقات الإبداعیة والتعبیریة لتصویر أهمّ قضیة إنسانیة فی العالم الإنسانی وما یمنحها من طابع تأثیری للمتلقّی فی إطار ملمح أسلوبی جدید. ذلک لأنّ التجدیدات اللغویة فی الخطاب الشعری تصور المواقف الفکریة العریضة ضمن النصّ المبدع إثراء للدلالة وتکثیفًا للمعنی المراد حیث «تجذب الکلمة الجدیدة المتلقّی باعتبارها صورة قویة وتداعیًا غیر متوقع، وإنّها تؤثر فی إحساسنا تأثیرًا أقوی من القوالب الشائعة.» (العبد، 1988م: 93)

نلاحظ عبر هذه القصیدة أنّ الشاعر اتّکأ فی معظم الأحیان علی حرکیة الکلمة لما تنتجه من دلالات إیحائیة فی التعبیر عن المعنی الوجدانی الذی خامر کیانه واعتصر نفسه حیث مهّدت السبیل لامتلاء القصیدة بجوّ مشحون من الظلال الإیحائیة والصور المعنویة. فالشاعر یحاول دومًا أن تنتقل دلالة القصیدة من جوّ معنوی إلی جوّ حسّی یعتمد علی الواقع وترسیم ما حلّ به من عواطف وظروف مأساویة تمثّل تفکیره وملکته الإبداعیة من جانب، وتمنح النصّ خلقًا وإبداعًا وحیویة لتخلق فی کیان المتلقّی رؤیة عمیقة من جانب آخر.

أما الحقول الدلالیة التی تنطوی علیها هذه القصیدة نحصرها فی أربعة محاور أساسیة تمثّل مجمل الألفاظ المهیمنة علی بنیة القصیدة وهی الطبیعة، المکان، الحرب، الإنسان.

حقل الطبیعة

حاول هذا الشاعر الفلسطینی عبر توظیف العناصر الطبیعیة التعبیر عن الانغراس فی الوطن الأمّ وشدة الاتصال به وترسیخ الانتماء إلیه. انطلاقًا من هذا الموقف، نستطیع القول إنّ ألفاظ الحقل الطبیعی جاءت مصورة لمظاهر الحرمان والاغتراب النفسی ضمن القصیدة. لم یقصد الشاعر عبر استخدام هذا الحقل التعبیر عن الغناء الرومانسی، بل قام بتوظیفها لخدمة القصیدة الرؤیویة وهی البعد الثوری فی کافة أبعادها الوطنیة والقومیة والإنسانیة.

من نماذجه هذا الحقل ما یقول:

والریحُ إن عَصَفت بغیظِ زفیرها    تبقَ الصخورُ وتمَّحِ الآثارُ

(العمری، السابق: 152)

من خلال هذا البیت نلاحظ أنّ فکرة المثابرة والصمود تجاه العدو الشرس ساقت الشاعر مساق توظیف نمط خاصّ من الحقول الدلالیة للطبیعة تأثیرًا فی المتلقّی لإشراکه فی الفکرة الرامیة إلیها وشدّ انتباهه. نراه یتخد هذا الحقل بمثابة مادة ثریة یغرف منها مواقفه ووجهات نظره ویسقط علیها کل ما یدور فی ذهنه من عواطف ومشاعر الخوف والقلق والاضطراب.

عمد خلال البیت إلی توظیف مفردتی (الریح والصخور) حیث أراد بالریح العدوّ الشرس الذی یقتحم البلد من کل صوب وفجّ، والصخور الشعب الفلسطینی المناضل والمثابر. ذهب الشاعر إلی أنّ الریح ستزول إن طال بها الزمن وأمّا الصخور فکانت ولاتزال صامدة راسخة تجاه الریاح.

نجد الشاعر یعمد إلی توظیف ألفاظ الطبیعة للإبانة عن همومه النفسیة والمشاعر المرهفة إدانةً للعدو المحتلّ وتصویرًا للمقاساة والمکابدة الروحیة. تمّ توظیف هذا الحقل تبعًا للمواقف الشعوریة التی حاول الشاعر التعبیر عنها. هکذا یعمل الشاعر الفلسطینی علی إحیاء الألفاظ وإلباسها ثوبًا قشیبًا یحاول عبره التفاعل الخلّاق مع الواقع المعیش والمتردی.

حقل المکان

تُوجَدُ علاقات متشابکة بین المکان والشعر العربی منذ الأزمنة البعیدة التی تجذّرت فی کیان الشاعر حیث نری عنصر المکان حاضرًا بکلّ مستویاته الدلالیة والمواقف الفکریة لدیه وتحوّل بذلک «جزءًا من الثقافة التی یتعاطاها القوم ویثیر ذکره فی أذهانهم أمورًا لا تنفصل عمّا خبروه عنه أو سمعوه، مما أصبح ملامسًا لقوی الإحساس والمشاعر عندهم وهو تاریخ متّصل تتناقله الأجیال وتعید صیاغته علی نحو من استلهام التراث المتجدّد فی روح المجتمع ... إلی الحدّ الذی یصبح معه أحد مقوّمات حیاتهم علی المستوی المعنوی بخاصة.» (المنصوری، 1992م: 11)

من نماذج الحقل المکانی فی القصیدة:

قصفوا المساجد والمدارس والربی     حتّی تمزّقَ فی الدیار دمارُ

(العمری، 2015م: 149)

استثمر الشاعر فی هذا البیت تلک الطاقات التعبیریة لمفردتی (المساجد والمدارس) لما لهما من تأثیر فی ترسیم التدمیر والممارسات الإجرامیة من قبل الکیان الصهیونی. لا ریب أنّ تشبّث الشاعر بالوطن والصمود عبر الحقل المکانی یدلّ علی تشبّثه ببقایا الذات الضائعة التی تبحث عن التعلق بالهویة ووجدان الخلاص من المقاساة النفسیة والروحیة من أجل إعادة تکوین النفس من جدید یستند إلی حقیقة ضربت جذورها فی الإیدیولوجیة العمیقة. یمکن القول إنّ لجوء الشاعر إلی هذا النمط من الحقل واستخدام عناصره راجع إلی طبیعة العلاقة الجدلیة بین المکان والزمان، هذه العلاقة الجدلیة التی مبعثها الضغط المسلّط علی مشاعر الشاعر المبدع. (عبدالمطلب، 1995م: 58) ولیس المکان إلا تعبیرًا عن مکنونات الشاعر وهواجسه الذهنیة خاصة مأساة الوطن والإنسان.

حقل الحرب

لا نبعد إذا قلنا إنّ هذا الحقل من أهمّ الحقول الدلالیة التی فرضت حضورها المکثّف فی الشعر الفلسطینی ومردّ ذلک یعود إلی البعد الوجدانی والنفسی الذی عاناه الشعب الفلسطینی المقهور. هذا الحقل مما ینطوی علی عناصر تشکّل الجوانب الرؤیویة الوجودیة علی ساحة الشعر الفلسطینی الحدیث. حاول هذا الشاعر المناضل نقل تجربته الشعوریة من العالم الوجدانی إلی الواقع المعاش فی إطار لغة تتسم بالإبداع والتمیّز.

من نماذج حقل الحرب فی القصیدة:

 

إن کان بالفُسفور ضاء مزمجرًا    فالقهرُ لا تعنو له الأحرارُ

(العمری، السابق: 152)

واستمرأ العادون قصفک حارقًا    بشواظهم فصمدتَ وهی النّارُ

(نفسه: 155)

عبر هذه المقطوعة نلاحظ الشاعر یرسم مشاهد الحرب والتدمیر والتقتیل فیها لیجعل المتلقّی من خلالها معایشة الأحداث وکأنّه شاهد عیان. حاول الشاعر عبر توظیف المفردات الحربیة (الفسفور، القصف، الشواظ، النار) التعبیر عن الهمّ الفلسطینی إزاء قضیة الاحتلال والتهجیر القسری وهکذا نجد عبر هذه القصیدة أصوات الرصاص ودوی المدافع والقنابل ومشاهد مروعة من جثث القتلی.

حقل الإنسان

یشکّل توظیف الحقل الإنسانی ضمن القصیدة بمستویات الألفاظ المختلفة ملمحًا بارزًا من الملامح الأسلوبیة لدی الشاعر حیث لا یمکننا تجاوز دلالاته التی یوحی بها. إنّ أهمّ میزة یتمیز بها الإنسان أنّه کائن له مواهب یتمتع بها عبر القرون والعصور مثل الحریة وتقریر المصیر وحقّ الحیاة الهادئة و ...، إلاّ أنّ الإنسان الذی افترش مساحة واسعة من القصیدة الفلسطینیة الحدیثة لا یتمتع بمثل هذه النعم الإلهیة ولا یجد فی البیئة سوی التقتیل وإراقة الدماء والتهجیر. بناء علی ذلک، یستخدم الشاعر الألفاظ الإنسانیة لتمثیل ذلک الأسلوب المثیر للانتباه وذلک من خلال توظیف الإنسان بکیفیة لا توحی بأنّه کائن ناطق، بل یعتمد فی کثیر من الأحیان إلی تصویره فی هیئة من هیئاته أو غرض من أغراضه. (الطرابلسی، 1981م: 71)

من نماذج حقل الإنسان فی القصیدة:

 

یا من بکی اللاهون نزفک دافقًا     فأبیتَ إلا أن یصون وقارُ

(نفسه: 148)

لکنّ عینک والمَنونّ محدِّقٌ          قرّت بما وعدَ الوری القهّارُ

(نفسه: 150)

من خلال هذه المقطوعة عمد الشاعر إلی توظیف المفردات التی تصوّر أفضل تصویر کلّ ما حلّ بالإنسان الفلسطینی المشرد والمغترب من کوارث وفجائع حیث قام بتوظیف مفردتی (النزف والعین) لما فیهما من دواعی الحزن والانتصار. فالنزف فی طیاته یدلّ علی الإراقة والتقتیل من قبل العدو الشرس والعین فی الشطر الثانی تعبّر عمّا ینتظره هذا الإنسان المناضل من التوفیقات والنصرة الإلهیة لتقرّ عینه بذلک.

 

الصورة الشعریة

تُعَدُّ الصورة الشعریة من أهمّ المرتکزات والروافد الفکریة التی تضافر علی إثراء الدلالة وتمطیط المعنی الدلالی للقصیدة التی یحتاج إلیها کل شاعر فی بناء القصیدة. الأمر الذی لا شکّ فیه أنّ الصورة الشعریة من أهمّ الوسائل التعبیریة الناجعة التی تفوق اللغة التعبیریة المباشرة، إذ تمثّل فی معظم الأحیان المواقف الشعریة والذاتیة لدی الشاعر. من النقاد من ذهب إلی أنّ الصورة الشعریة «الجوهر الثابت والدائم فی الشعر قد تتغیر مفاهیم الشعر ونظریاته، فتتغیر بالتالی مفاهیم الصورة الشعریة ونظریاتها، ولکن الاهتمام بها یظلّ قائمًا ما دام هناک شعراء یبدعون ونقاد یحاولون تحلیل ما أبدعوه وإدراکه والحکم علیه.» (عصفور، 1973م: 8)  

حاول الشاعر عبر توظیف الصور الفنیة تصویر البراعة الفنیة والمهارة اللغویة فی توظیف المفردات الدلالیة حیث تُعَدُّ هذه الصور الشعریة أداة ناجعة للتعبیر عن الحالة النفسیة والروحیة التی یعانیها الشاعر إزاء موقف معین.

 التشبیه

یُعَدُّ التشبیه من الوسائل والأدوات التعبیریة التی تجسّد براعة الشاعر ومقدرته الفنیة حیث یتّخذه الشاعر أداة تعبیریة طیعة لإضفاء نمط من الجمال علی خارطة النصّ الشعری ونقل التجربة الذاتیة المعاشة فی فلسطین المحتلّة.

التشبیه صفة الشیء بما قاربه وشاکله، من جهة واحدة لا من جمیع الجهات لأنه لو ناسبه مناسبة کلیة لکان إیّاه. (القیروانی، 1963م: 268) انطلاقًا من هذا الموقف، استثمر الشاعر طاقات التشبیه الإبداعیة لتقریب المعنی إلی ذهن المتلقی فضلًا عن الوظیفة الجمالیة للتشبیه فی بناء القصیدة الحدیثة. إنّ الملاحظ فی هذه القصیدة یجد أنّ الشاعر استفاد مرّتین من التشبیه ضمن القصیدة والتجأ فی معظم الأحیان إلی الصور الشعریة الأخری کالاستعارة والکنایة ومستویاتها المختلفة. من نماذج التشبیه فی القصیدة:

 

لججٌ من الموت الزّؤامِ وسطوةٌ              بالطائرات ولیس ثَمَّ قرارُ

(العمری، 2015م: 149)

استثمر الشاعر الطاقات التعبیریة والبیانیة التی توافرت فی تقنیة التشبیه لیمنح اللغة الشعریة مجالات أوسع للتعبیر عن الانفعالات والهواجس والمواقف الشعریة والشعوریة تجاه قضیة الاحتلال والاعتداء علی الوطن المسلوب. شبّه الشاعر المناضل فی هذا البیت کثرة القتلی والجرحی إثر القصف الجوی بکثرة المیاه الزاخرة فی البحر، وأراد من خلال التشبیه جذب انتباه المتلقّی لما یقوم به الکیان الصهیونی من قتل الأبریاء من نساء وأطفال شیوخ إثر القصف والتدمیر بغیة تهوید القدس. تعبّر لغة الشاعر الشعریة عن سعة دلالاتها المعجمیة لتصیر لغة مثیرة ومؤثّرة تستفزّ وعی المتلقّی حیث یحاول عبر التشبیه ممارسة السلطة علی القارئ. نلاحظ عبر الشطر المذکور أنّ المفردات النصیة والوحدات اللغویة تعانقت بالبیت الشعری لتضیف قوّة علی معنی التشبیه وتزیده تأثیرًا وجمالًا لتخدم الصورة التشبیهیة التی أراد الشاعر عبرها التأثیر فی المخاطب. تمّ توظیف تقنیة التشبیه التعبیریة من قبل الشاعر لما فیه من قدرة فائقة علی تقریب المعنی إلی ذهن المتلقّی وشدّة علاقته بالفهم. فالتشبیه یساعد الشاعر علی منح امتدادات دلالیة لبنیة القصیدة ویُکسِبُ الکلامَ قدرةً إبداعیة متمیزة فی التعامل مع الواقع من جانب، ومع المفردات المعجمیة ضمن النص المبدع من جانب آخر.

نموذج آخر:

 

جاءوک من بَرٍّ ومن بحرٍ ومن      جوٍّ کما الغربانُ فوقک طاروا

(نفسه: 149)

نلاحظ عبر هذا البیت أنّ الشاعر یشبّه طائرات الکیان الصهیونی بالغربان التی تقتحم الناس من کلّ صوب وفجّ. تمّ استخدام هذا النمط من التشبیه من قبل الشاعر لیصدم بفکرة تنسجم بحقٍّ مع ما یجری فی المجتمع الفلسطینی، إذ اتّجه الشاعر من خلال التشبیه نحو ترسیم الواقع المعیش والمتدهور. فصارت الغربان معادلًا موضوعیًا لما عاناه الشاعر من آلام نفسیة وروحیة تکشف عن حالة من الصراع النفسی الحادّ. یتبلور للقارئ عمق المأساة الإنسانیة واضحةً حیث تکتسب مساحة  کبیرة من التأثیر فی نفسیة المخاطب.

حاول الشاعر عبر توظیف التشبیه أن یتجاوز مجال الرؤیة البصریة رغم ما تخلقه المشاهد الحسیة من آثار نفسیة علی المخاطب. بناء علی هذا، اتخذه الشاعر المقاوم أداة طیعة للتخلص من رتابة القول العادی والمألوف لیصبح لدیه حافزًا من حوافز الإبداع والتخییل. من ثمّ، أکّدت الدراسات النقدیة الحدیثة علی أنّ «الهدف من التشبیه هو نقل الأثر النفسی للمشبّه من وجدان الشاعر إلی وجدان القارئ.» (ناصف، 1981م: 44) فصار التشبیه أداة مؤثّرة فی إخراج الخفیّ مخرج الجلیّ وجعل البعید قریبًا مما یزید المعنی رفعة ووضوحًا.

الاستعارة

تُعَدُّ الاستعارة نمطًا من أنماط التشبیه وضربًا من التمثیل، والتشبیه قیاس والقیاس یجری فیما تعیه القلوب وتدرکه العقول وتستفتی فیه الأفهام والأذهان ولا الأسماع والآذان، بعبارة أخری فإنّ الاستعارة أسلوب من الکلام یکون فیه اللفظ المستعمل فی غیر ما وُضِعَ له لعلاقة المشابهة بین المعنی الحقیقی والمعنی المجازی وهی لا تزید عن التشبیه إلا بحذف المستعار له. (الجرجانی، لاتا: 27) فالذی لا ریب فیه أنّ الاستعارة تؤدّی دورًا بارزًا فی بلورة الجمال الفنی والإبانة عن مکنونات النصّ المبدع عبر التنسیق الداخلی بین مفردات النص، فیحدث ضمنها مفارقة دلالیة تثیر شعور المتلقّی ودهشته لمخالفتها لما یصبو إلیه المتلقّی.

إذا أمعنا النظر فی ثنایا هذه القصیدة نجد أنّ بنیة الاستعارة تتجاوز الوحدة اللغویة، إذ تکشف عملیة النقل الدلالی للمفردات عن مستواها المعجمی إلی مستواها الوظیفی، ومن ثمّ یتخذ الشاعر الاستعارة ظاهرة أسلوبیة وسمة من سمات إبداعه الشعری الذی یخلق طاقاته الإبداعیة واللغویة حیث جعلته یسوق المعنی المعنوی مساق المحسوس الملموس الذی یقرّب المعنی ویؤکده ویسیطره علی نصه الشعری.

تنقسم الاستعارة إلی التصریحیة وهی التی صُرِّحَ فیها بلفظ المشبه، والمکنیة أو بالکنایة وهی ما حُذِفَ فیه المشبه به ورُمِزَ له بشیء من لوازمه. الاستعارة بالکنایة أکثر تردادًا فی هذه القصیدة بالنسبة إلی القسم الأول حیث تعطی القصیدة صورة فنیة قویة.

من نماذج ما ورد فی القصیدة:

وعلی مَدارک فی انعتاقک للعُلا           تقفو الشموسُ وتتبعُ الأقمارُ

(العمری، السابق: 148)

یتبیّن لنا من خلال هذا البیت أنّ الشاعر عمد إلی توظیف تقنیة الاستعارة التعبیریة لما تساعده علی خلق أجواء جدیدة ورحبة أمام المتلقی حیث تجعله قادرة علی الإبانة عن الواقع وما یعیشه من الأزمة الروحیة والتوتّر النفسی. فنراه یصوّر الشمس والقمر کإنسان یحتذی ویسیر ویمشی، ثمّ حذف الإنسان ورمز إلیه بشیء من لوازمه وهی المشی والسیر علی الأقدام. نلاحظ عبر هذه الاستعارة أنّ الشاعر حاول ضمن توظیفها أن یعطی خارطة النص الشعری دلالات نفسیة وروحیة عمیقة خامرت کیانه وأثارت فی نفسیته لواعج الشوق إلی الوطن الأمّ والأرض المسلوبة.

نموذج آخر:

رکبوا جناحَ الریحِ وهی غریرةٌ        وغدوا عن الآفاق وهی غبارُ

(نفسه: 149)

عمد الشاعر فی هذا البیت إلی توظیف (جناح الریح) حیث شبّه الریحَ بطائر ذی جناح، ثمّ حذف الطائر ورمز إلیه بشیء من لوازمه وهی الجناح. لم یعمد الشاعر إلی توظیف هذه المکونة اللغویة بصورة مباشرة، بل أراد من خلال ذلک تکثیف المعنی الذی یجعله قادرًا علی التعبیر الأقوی عن اللفظ العادی مما ساقه مساق توظیف دلالات وإیحاءات جمیلة، وإقامة الصلة بین طرفی التشبیه والاستعارة مما یضفی علی النص الشعری ضربًا من التوسّع الدلالی والمرونة. الأمر الذی لا شک فیه أنّ الشاعر أراد من خلال توظیف الاستعارة أن یخلّص النصّ من السطحیة والعادیة لیجعله أکثر عمقًا ودلالة عبر بثّ الحیاة والدینامیکیة فی الصور الشعریة والنجاة من الإطناب والإسهاب فی الکلام ونقل المعنی من الإطار الضیق إلی الدلالة الواسعة.

من النماذج الأخری للاستعارة:

ورموا صواریخ الجنونِ بخُدعةٍ    غارت بها الأنفاسُ حین أغاروا

(نفسه: 149)

شبّه الشاعر الصواریخ بإنسان ثمّ حذفه ورمز إلیه بشیء من لوازمه ألا وهی الجنون. لا نبعد إذا قلنا إنّ لغة الشاعر الشعریة لغة استعاریة فکان مغرمًا بخرق أنظمة اللغة وعلاقاتها وخرق النظام الإشاری للکلمات بغیة إضفاء سمة التأثیر والجمال علی النصّ الشعری. فالصاروخ لا یعمل إلاّ فی التدمیر والتهدیم وهکذا یفعل الکیان الصهیونی علی الکرة الأرضیة من أجل البقا والتشبّث بالحیاة. لا ریب أنّ حالة الشاعر الانفعالیة والروحیة قادته إلی اصطناع هذه الصورة الاستعاریة ومن هنا نستنتج أنّ البعد النفسی المحیط بالشاعر یؤثّر فی تشکیل هذا الإطار الأسلوبی الخاص.

نموذج آخر:                         

نارٌ کأنَّ الحقدَ سجّر سیلَها         والغیظَ ألهبَ ما أغلَّ أُوارُ

(نفسه: 148)

نراه فی هذا البیت یسند الفعلین (سَجَّرَ وأَلهَبَ) إلی الحقد والغیظ اللذین یُعَدّانِ من السمات الإنسانیة، فمن ثمّ حذف الإنسان ورمز بشیء من لوازمه وهی التسجیر والإلهاب. قام الشاعر بأنسنة الصفات وتشخیصها التی تساعده علی إقامة الصلات الوثیقة بین الماضی والراهن والانسجام بین التجربة الشعریة والتجربة الجماعیة لیدفع المخاطب إلی إعادة القراءة للعثور علی الدلالة المطلوبة وتوسیع الرؤیة الفنیة التی تُکسب العمل الإبداعی فنیته وجدته التی تجذب المتلقّی وتأسره.

مثال آخر:

دهتک أحوالٌ وحسبک مِحنةً   لولا الیقینُ لَطاشت الأفکارُ
                                                               (نفسه: 149)

نجد الشاعر فی هذا البیت یسند معنی الطیش إلی الأفکار، إذ لا تطیش الأفکار ولایصیبها الطیش والحمق، بل یصیب الإنسان، فأراد من خلال الاستعارة إثبات هذه الصفة للعدو المحتلّ. یتّضح لنا فی البیت أنّ الشاعر حاول عبر تقنیة الاستعارة التعبیریة ترسیم تلک الممارسات الإجرامیة والمجازر البشعة للکیان الصهیونی وما قام به من مؤامرات ودسائس بحقّ أبناء فلسطین. أراد الشاعر عبر نصّه الشعری أن یخرج قضیة الاحتلال وتلک الممارسات الإجرامیة من الإطار القومیّ الضیق لیجعلها فی إطار عالمی عامّ لیصیر الاحتلال والتقتیل قضیة إنسانیة تمسّ قلوب البشر علی مستوی الکرة الأرضیة.

نموذج آخر:

فنهضتَ تحملُ من نوائب بأسهم     ما لا یطیقُ الجحفلُ الجرّارُ
                                                            (نفسه: 150) 

 أسند  الشاعر معنی عدم الإطاقة إلی الجحفل. کل هذه الإسنادات من السمات الإنسانیة ومن خلالها حاول عبر النصّ المبدع التعبیر عن عواطفه ومشاعره الدفینة وترسیم الواقع المزری والمحزن لأبناء فلسطین وما عاشوه من واقع مأساوی مزری. کان توظیف الاستعارة لدیه استجابة لتصویر تلک التجربة الواقعیة المعیشة وما أحاط بها من أحداث وصراعات متتالیة ومتابعة، فجاءت مصورةً لطبیعة هذه الرؤیة الشعریة. أفادت الاستعارة تعمیق فکرة المثابرة ودیمومة الحیاة عبر امتداد الزمان والمکان فی زمن یکون الشعب المقهور أشدّ حاجة إلی المساعدة والنهوض والحرکة.  

الکنایة

تُکمَنُ أهمیة الکنایة فی السمو بالمعنی والارتفاع بشعور المتلقی إلی مستوی أرفع من التصویر الإیحائی الذی لا یثیر فی الکیان سوی الأخیلة، بل تتسرب فی ذاتیة المخاطب وتثیر ردّ فعله تجاه الأحاسیس والعواطف، ثمّ یفاجئه بما یستر هذا المعطی من إشارات ورموز دفینة. تُعَدُّ الکنایة من التقنیات التعبیریة التی اتخذها الشاعر وسیلة تعبیریة للاستکثار للألفاظ التی تقصر عن أداء المعانی. فالکنایة تمکّن الشاعر من التعبیر عن مشاعره وأحاسیسه الدفینة بطریق غیر مباشر وتکسب الکلام معادلات لغویة وفکریة وعاطفیة جدیدة تفسح مجال التعبیر للشاعر.

المراد بالکنایة التلمیح للشیء وتفادی التصریح به وأراد علماء البلاغی بها «أن یرید المتکلم إثبات معنی من المعانی فلا یذکره باللفظ الموضوع له فی اللغة، ولکن یلجأ إلی معنی هو ردفه فی الوجود، فیومئ إلیه ویجعله دلیلًا علیه.» (الحموی، 1991م: 263)

تُعتَبَرُ الکنایة من الأنماط التعبیریة المستجابة للعفویة والخاضعة للسجیة، لأنّها لم تتمتع بالأرکان علی خلاف التشبیه والاستعارة، فمن ثمّ تقوم علی الاحتمال المعنوی للکلمة حیث تدلّ علی معنینین أحدهما قریب والآخر بعید. بناء علی ذلک یمکن التلاعب بالألفاظ ضمن الکنایة باعتبار هذین المعنیین.

لا ریب أنّ غایة الشاعر من توظیف الکنایة غیر المماثلة والتشبیه وتختلف الکنایة من هذا المنظور اللغوی والمعنوی عن التشبیه والاستعارة، ولا یمکن العثور علیها إلا عبر الإطار اللفظی الوارد فی الکلام.

استخدم الشاعر بعض التراکیب اللفظیة فی إطار تقنیة الکتابة التی تتمیز ببراعة التعبیر والوضوح والشفافیة والابتعاد عن الغموض، ومن نماذجها ما یقول:

بک لا بغیرک للإباء یشارُ     وبمثل کفّک تُکتبُ الأقدارُ

(العمری، 2015م: 148)

یتبیّن لنا أنّ الشاعر عمد إلی توظیف الکنایة لخلق التصاویر الموحیة التی تجعل الشاعر یتفاعل مع المتلقّی ویستحضر فی کیانه تلک المواقف والصور التی خامرت ذاته المبدعة. یحاول الشاعر فی هذا البیت تثبیت الصمود (کنایة عن الصفة) والثبات للمتلقّی الذی هو إنسان فلسطینی معذّب ومشرّد. یلتجأ الشاعر عبر استخدام الکنایة إلی رصد صفة الخلود والاستمراریة للبلد وتجسید هذه الصفة وتقریبها من ذهن المتلقّی رغم کراهیة العدو الغاشم، لیثبت أنّ الدوام والبقا إنّما کتب لهذا الشعب الصمود ولیس للعدو المعیق نهایة سوی التدمیر والفنا. تکسب هذه الصورة الکنائیة مسحة جمالیة وأسلوبیة بارزة تؤثّر فی المتلقّی وتشحّذ کوامنه نحو الثیمة الواردة فی القصیدة وتجعله یتفاعل مع النصّ.

نموذج آخر:

وأبیتَ أن یطأ العرین مَن افتری    إنَّ اللیوث علی العرین تَغارُ

(نفسه: 150)

نلاحظ فی هذا الشطر من القصیدة أنّ الشاعر یکنّی عن الوطن والمناضل أو الثائر بلفظتی العرین واللیوث (کنایة عن الموصوف)، فالمناضلون بوصفهم أسودًا شجعانًا یذبّون عن الأجمة ألاّ وهی الوطن ولم ولن یتنازلوا عنه قید أنملة. تکتظّ هذه الصورة الکنائیة بالإیحاء والدلالة عبر هذه مسحة المقاومة والصمود التی تفوح رائحتها من النص الشعری. الذی لا ریب فیه أنّ توظیف الشاعر للکنایة إنّما کان استجابةً لغایات محدّدة ومعلومة، حیث اتخذها أداة مطواعًا للإبداع الذی یطعّم به نصوصه ویکثّف به التصویر والدلالة ویثری المعنی الذی حاول المتلقی عبر عملیة القراءة أن یتعامل مع النصّ الشعری. نلاحظ أنّ الشاعر قام بتوظیف الکنایة للتعبیر عن الصمود والأنفة والتجلّد والإقدام.

مثال آخر:

مِن کلّ مَن رکب الحماقةَ صهوةً    والغدرَ نهجًا باللسان یُثارُ

(نفسه: 152)

کنّی الشاعر فی هذا الشطر عن الحماقة والجهل للعدو الصهیونی بهذه العبارة (من رکب صهوة الحماقة- کنایة عن الصفة)، رغبة منه فی إخصاب العمل الأدبی وإظهار مهارته فی توظیف المفردات النصیة وتقلیبها وقدرته الفنیة فی تشکیل الصور الأسلوبیة مما یجذب انتباه المتلقّی. هنا ظهرت قدرة الشاعر علی التوظیف الأسلوبی المناسب للإفصاح عن المواقف الشعریة والإلحاح علی جوهر حنکته الشعریة والشعوریة معًا. فامتازت هذه الصورة الأسلوبیة بإثارة مشاعر المتلقی وأحاسیسه عبر انتهاک اللغة المعیاریة.

مثال آخر:

وعلمتَ أنَّ عری الأخوّة أخلفت    وبغیر کفّک لا یقالُ عِثارُ

(نفسه: 154)

أراد بالعبارة (عری الأخوّة أخلفت) کنایة عن الدول العربیة والإسلامیة التی تخلّت عن نصرة هذا الشعب المقهور وقامت بتطبیع العلاقات مع الکیان الصهیونی وخانت طموحات هذا الشعب النبیل، ویصوّر للقارئ الحاضر المثقل بالخیانة والغدر والشعور بالانکسار. تدلّ هذه الصورة الکنائیة علی تخلّی هذه الدول عن رسالتها الحقیقیة وتفضیل تطبیع العلاقات علی المقاومة والکفاح.

نموذج آخر:

ورأیتَ لا سیفًا یذبُّ ولا خُطی   تسعی ولا قومًا لنصرک ثاروا
                                                                 (نفسه: 150)

یستخدم العبارة (لا سیفًا یذبّ ولا خطی تسعی) کنایة عن إثبات صفة الخیانة والغدر لبعض الأمم الإسلامیة والعربیة تجاه هذا الشعب المضطهد وما حلّ بالشعب من مؤامرات ودسائس تفرّده فی ساحة الحرب للإفصاح عن التمزّق والسقوط الذی تعانیه الأمة الإسلامیة والعربیة. تدلّ هذه الصور اللغویة المشبعة بالدلالات النفسیة علی إثارة داخلیة عاطفیة فی نفسیة المخاطب.

حاول الشاعر عبر توظیف الکنایة بصورة عامة عبر النص المبدع التعبیر عن حالة إنسانیة مأساویة والمأزق الوجودی الفظیع الذی أصیب به الشعب الفلسطینی إثر جرائم الحرب من قبل الکیان الصهیونی. استثمر الشاعر المقاوم هذه الصور الکنائیة للنهوض بالتجارب الإبداعیة والتفاعل مع وجدان الشعب وصارت هذه التقنیة اللغویة من أهمّ أداة طیعة لتصویر ما حلّ بالشعب الفلسطینی من ظلم وتعسّف لتنمّ عن تلک المعانی والدلالات التی تتماهی مع معاناة الشعب الفلسطینی لیتحدّث عن معاناة أبنائه.

 

النتیجة

توصّل البحث أخیرًا إلی نتائج هامّة ومنها ما یلی:

1- یُعَدُّ التعبیر عن الأحاسیس والمشاعر الصادقة والمتدفقة من أهمّ السمات التی میزت هذه القصیدة المعنونة "ملحمة الصمود" والقصیدة هی الشاعر نفسه فی الإبانة عن العواطف والمواقف النفسیة والروحیة التی تتجلی فی لغته الشعریة، فلا نبعد إذا قلنا إنّا لا نجد انفصالًا ومفارقة بین شخصیة الشاعر ونصه المبدع.

2- اقتربت هذه القصیدة من لغة الخطاب العامّ لاکتنازها بالصور الأسلوبیة التی تمیّزت بالتأثیر فی المتلقّی ومساهمته فی المواقف الشعوریة والنفسیة وفاعلیة المفردات اللغویة وکثافة التعبیر خاصة فی الصور التی تستهدف تعمیق الدلالة الشعریة وتشحین الوظیفة المعنویة للمفردات الدلالیة ضمن النص الشعری لتمکن المتلقّی من إدراک الأغراض المرسومة.

3- تبین لنا عبر هذا البحث أنّ للأسلوبیة أهمیة کبری ودورًا یُذکَرُ فی تسلیط الأضواء علی تحلیل المتلقّی للقصیدة، لأنّها بمثابة مفتاح للولوج إلی عالم النص الشعری.

4- لاحظنا أنّ الشاعر یبذل کلّ ما فی کیانه من طاقات فنیة وإبداعیة للبحث عن الوزن العروضی الملائم لمواقفه الشعریة فی إطار موسیقی حیّ ونابض، ومن ثمّ یستثمر کل إمکانیات اللغة والموسیقی من أجل تحقیق هذا الهدف المنشود.

5- یتّضح لنا عبر تدقیق النظر فی القصیدة أنّ الشاعر ینهل الصورة الأسلوبیة من الواقع المزری والمشین به، ومن ثمّ حاول عبر توظیف هذه المظاهر الأسلوبیة إثراء الدلالة وفضح العدو الشرس ودسائسه ضدّ الشعب الفلسطینی العزّل.

6- یدلّ توظیف الأصوات من المجهور والمهموس علی محاولة الشاعر لتنفیس المشاعر والأحاسیس حیث تضاربت إیحاءاتها حسب السیاق والمنحی الوجدانی، فکانت هذه الأصوات أداة للتعبیر عن خدمة القصیدة الرؤیویة والثورة والغضب. وذلک جری مجری طبیعة اللغة التی یخلقها التعبیر وهی لغة التحدی والصمود.

7- الصور الشعریة الموظّفة ضمن القصیدة من الدوال الرئیسة التی تلعب دورًا هامًا فی تحدید المحور الأساس لبنیة القصیدة، من هنا یفهم القارئ أنّ ما رمی إلیه الشاعر ضمن الصور الشعریة کان بمثابة مفتاح لما انغلق من شفرات النصّ التی تجعله یتجاوز فضاء النصّ. لا ریب أنّ الشاعر اتخذ هذه الصور الشعریة أداة للتعبیر عن الهواجس التی انتابت نفسه المثقلة بالآلام دلالة علی ما أصاب فلسطین وأبناءها من قبل العدو الصهیونی، فقامت بدور کبیر فی شدّ انتباه المخاطب وتجسید مقدرة الشاعر اللغویة والفنیة.

أنیس، إبراهیم. (1961م). الأصوات اللغویة. القاهرة: دار الطباعة الحدیثة.

ابن منظور، جمال الدین محمد بن مکرم. (لاتا). لسان العرب. بیروت: دار صادر.

ابن خلدون، عبدالرحمن بن محمد. (2005م). المقدمة. ضبطه محمد السکندری. بیروت: دار الکتاب الغربی.

ابن جنّی، أبوالفتح عثمان. (1945م). سرّ صناعة الإعراب. مصر: دار المصطفی البابلی الحلبی.

أبوالعدوس، یوسف. (2007م). الأسلوبیة الرؤیة والتطبیق. ط1. بیروت: دار المسیرة للنشر والتوزیع والطباعة.

الحموی، ابن حجة. (1991م). خزانة الأدب ونهایة الأرب. شرح عصام شعیتو. بیروت: دار ومکتبة الهلال.

حرکات، مصطفی. (2008م). نظریة الإیقاع، الشعر العربی بین اللغة والموسیقی. الجزائر: دار الآفاق للنشر والتوزیع.

الحسنی، راشد بن هاشل. (2004م). البنی الأسلوبیة فی النصّ الشعری دراسة تطبیقیة. لندن: دار الحکمة.

الجرجانی، عبدالقاهر. (لاتا). أسرار البلاغة فی علم البیان، ط2. بیروت: دار المعرفة.

ــــــــ. (1987م). دلائل الإعجاز. تحقیق محمود محمد شاکر. بیروت: دار المعارف.

الداودی، زاهر مرهون. (2010م). الترابط النصی بین الشعر والنثر. الأردن: دار جریر.

درویش، أحمد. (لاتا). دراسة الأسلوب بین المعاصر والتراث. القاهرة: دار غریب للطباعة والنشر والتوزیع.

الرافعی، مصطفی صادق. (1974م). تاریخ آداب العرب. ط4. بیروت: دار الکتاب العربی.

الزمخشری، جار الله أبوالقاسم محمود بن عمر. (1998م). الکشاف. تحقیق عادل أحمد عبد الموجود وعلی محمد معوض. الریاض: مکتبة العبیکان.

السد، نورالدین. (2010م). الأسلوبیة وتحلیل الخطاب. الجزائر: دار الهومة.

السید، عزالدین علی. (1407ه). التکرار بین المثیر والتأثیر. بیروت: عالم الکتب.

شاکر قاسم، مقداد محمد. (2010م). البنیة الإیقاعیة فی شعر الجواهری. العراق: دار دجلة.

سلیمان، فتح الله أحمد. (2004م). الأسلوبیة مدخل نظری ودراسة تطبیقیة. مصر: دار العربیة للکتاب والنشر.

السیوطی، جلال­الدین عبدالرحمن بن أبی­بکر. (1998م). همع الهوامع فی شرح جمع الجوامع. تحقیق أحمد شمس الدین. بیروت: دار الکتب العلمیة.

شایب، أحمد. (1966م). الأسلوب دراسة بلاغیة تحلیلیة. القاهرة: مکتبة النهضة المصریة.

شرتح، عصام. (2010م). جمالیة التکرار فی الشعر السوری. ط1. دمشق: دار رند للطباعة والنشر والتوزیع.

الطرابلسی، محمد الهادی. (1981م). خصائص الأسلوب. تونس: منشورات الجامعة التونسیة.

ضالع، محمد صالح. (2002م). الأسلوبیة الصوتیة. القاهرة: دار غریب للنشر والتوزیع.

طحان، ریمون. (1981م). الألسنیة العربیة. ط2. بیروت: دار الکتاب اللبنانیین.

عبدالمطلب، محمد. (1994م). البلاغة والأسلوبیة. ط1. القاهرة: الشرکة المصریة العالمیة للنشر.

عصفور، جابر. (1973م). الصورة الفنیة فی التراث النقدی والبلاغی. القاهرة: دار الثقافة العربیة.

العبد، محمد. (1988م). إبداع الدلالة فی الشعر الجاهلی مدخل لغوی أسلوبی. مصر: دار المعارف.

عبدالمطلب، محمد. (1995م). قراءات أسلوبیة فی الشعر الحدیث. دمشق: الهیئة المصریة العامّة للکتاب.

العمری، سمیر. (2015م). کفّ وإزمیل. ط1. القدس: دار الجندی للنشر والتوزیع.

الغرفی، حسن. (2000م). حرکة الإیقاع فی الشعر العربی المعاصر. ط1. مصر: الشرکة العالمیة للکتاب.

القیروانی، أبوالحسن ابن­رشیق. (1963م). العمدة فی محاسن الشعر وآدابه. ط2. تحقیق محمد­ محی­الدین عبدالحمید. مصر: مطبعة السعادة.

المسدی، عبدالسلام. (1982م). الأسلوب والأسلوبیة. ط2. القاهرة: دار العربیة للکتاب.

المنصوری، جریدی. (1992م). شاعریة المکان. السعودیة: دار العلم للطباعة والنشر.

مختار عمر، أحمد. (1998م). علم الدلالة. ط5. مصر: عالم الکتب.

ناصف، مصطفی. (1981م). الصورة الأدبیة. ط2. بیروت: دار الأندلس.

نورالدین، عصام. (1996م). علم وظائف الأصوات اللغویة. ط1. بیروت: دار الفکر اللبنانی.

ویس، أحمد محمد. (2005م). الانزیاح من منظور الدراسات الأسلوبیة. ط1. بیروت: مجد المؤسسة الجامعیة للدراسات والنشر والتوزیع.

یوسف، حسنی عبدالجلیل. (1989م). موسیقی الشعر العربی دراسة فنیة وعروضیة. القاهرة: الهیئة المصریة العامة للکتاب.

الدوریات العلمیة

باقری، بهنام وعلی سلیمی. (1395ﻫ، 2016م). «عناصر الإیقاع ودلالاته فی قصیدة الانتفاضة لسمیح القاسم». فصلیة إضاءات نقدیة فی الأدبین العربی والفارسی. السنة السادسة. العدد الثالث والعشرون. صص109-75.

 

الرسائل الجامعیة

خمیس، توفیق. (2009م). البنیة اللغویة فی شعر حسین زیدان (دیوان قصائد من الأوراس إلی القدس نموذجًا). جامعة الحاج لخضر. باتنة.