البدایة وعلاقتها بالتشکیل السردی فی روایة عندما تشیخ الذئاب لجمال ناجی

نوع المستند: علمی پژوهشی

المؤلفون

1 أستاذ اللغة العربیة وآدابها بجامعة العلامة الطباطبائی، طهران، إیران

2 طالب الدکتوراه فی اللغة العربیة و آدابها بجامعة العلامة الطباطبائی، طهران، إیران

المستخلص

إن افتتاح الروایة بوابة للولوج إلى عالم الروایة، فذلک قد یجعل بعض الروائیین ینسحبون عن کتابة الروایة، حیث إن التمهید الروائی یعتبر من أصعب الشؤون السردیة. فهو یجذب القارئ إلى عالم الروایة إذا کان أخّاذاً ومثیراً. إذن فللمشهد الأول للروایة دور کبیر فی تشجیع القارئ وتواصله مع النص؛ لإنه جسر واصل بین السارد والمتلقی. فتطمح هذه الدراسة إلى تسلیط الضوء على الافتتاح السردی حیث تقوم بدراسته على أساس المشهد الأول والتنقیب عن التقنیات التی وظفها السارد لتمهیدها. فرغم أن دراسة الافتتاح السردی أخذت حیزاً واسعاً من الدراسات الحدیثة عن الروایة ولکن هذا المضمار یتطلب جهداً أکثر للکشف عن أهمیة الافتتاح فی الروایة والتکریس على مکوناته. فالافتتاح السردی فی "روایة عندما تشیخ الذئاب" یتمتع بطاقات کامنة تهیب بنا إلى الترکیز علیه. فتکمن أهمیة هذه الدراسة فی أنها تحاول التطرق إلى الافتتاح الروائی ومکوناته فی هذه الروایة ثم الکشف عن مدى ارتباطه بکل الروایة ککیان متشابک وتشکیل سردی من المنظور البنیوی. إذن فتعنی الدراسة بالمشهد الأول من الافتتاح وتشدّ الانتباه إلى العلاقة بینه وبین الروایة بأسلوب توصیفی تارة ونقدی تحلیلی تارة أخرى. فتخلص الدراسة إلى أن السارد فی هذه الروایة استخدم التقنیات التی تسیطر على الروایة الحدیثة ویجعل الشخصیات فی ذروة الاهتمام لتمثیل عالم ملیئ بالمفارقات ووظف تقنیة تعدد الأصوات للابتعاد عن الرتابة فی الروایة التقلیدیة.

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

Multiple Beginnings and its Relation to the Novel in the Story of “Endama Tashikh al-Zeab” by Jamal Naji

المؤلفون [English]

  • Reza Nazemian 1
  • Majid Bayati 2
1 Professor at Allameh Tabataba’I University, Tehran, Iran
2 Ph.D Student at Allameh Tabataba’I University, Tehran, Iran
المستخلص [English]

The beginning of the novel is the gateway to its world. So this may cause some novelists to stop writing their own novels; because starting a novel is one of the most difficult things about writing a story. The beginning of a story can guide the reader into its world, if it is engaging and encouraging. So the first scene of the story can play a huge role in encouraging the reader and communicating with the text; because the beginning of the story is the bridge between the novelist and the reader. This research intends to examine the beginning of the novel based on its initial scene and it focuses on the techniques that the novelist used in the beginning of his novel. Although research on the beginning of the novel has had a prominent place in contemporary research on the novel, this field requires more effort to show the importance of the novel's beginning and to pay attention to its constitutive elements. The beginning of the novel “Endama Tashikh al-Zeab” has special potentials that draw our attention to it. The importance of this research is that it attempts to pay attention to the beginning of the story and its elements and examine the extent of connection of novel's beginning with the novel itself as an interconnected system and a text in the structural perspective. Therefore, this study deals with the first scene of the novel and draws attention to the relationship between the novel and its beginning. The results of this study show that the narrator has used techniques in this novel that those techniques have overcome on the modern novel and he has put the characters at tipping point of his attention to show a world full of contradictions. The narrator uses a polyphonic technique in this novel to avoid the traditional monotony.

الكلمات الرئيسية [English]

  • Beginning of the story
  • Jordan Novel
  • Jamal Naji
  • Structuralist Criticism
  • Modern Novel

إن موضوع افتتاح الروایة فی نقد الروایة المعاصرة لفت انتباه کثیر من الدارسین فی هذا الحقل. فحاول نقاد الأدب دراسته نظراً إلى أنواعه المتعددة وکون البدایة الروائیة أحد العناصر الإستراتیجیة التی تنقل القارئ من العالم الخارجی للروایة إلى عالم متخیل عرضه الراوئی فی روایته. و«عادة ما ینوّس خطاب البدایة الروائیة بین عالمین أساسین: عالم واقعی یفترض أن یصوغه الروائی نصیاً وآخر تخییلی یسعى إلى تقدیمه للقراء، بحیث تتم عملیة "التجسیر" هذه من  خارج النص "العالم الواقعی" إلى داخل النص "العالم المتخیل".» (أشهبون، 2013م: 66)

فالبدایة الروائیة من القضایا الشائکة التی تتطلب دراسة أعمق لکشف ما تحمله من دلالات وإنارات على النص الروائی باعتبارها عتبة إستراتیجیة. أما نحن فیمکننا أن نزعم أن کتابة الروایة تعنی تماماً تشکیل البدایة الروائیة وبعبارة أخری أن مسألة الکتابة تساوی الاستهلال ولکن أی استهلال؟ «فالاستهلال البارع هو أن یکون مؤثراً مقبولاً جمیلاً وأخاذاً بحیث تکون هذه البدایة ذات علاقة مع عدة عناصر روائیة وتکون بینها وبین الهیکل الروائی صلة.» (ابراهیمی، 1378ش: 18) وکما یقول یاسین نصیر فی کتابه الاستهلال: «ما من شیء یحدث فیما بعد فی النص إلا وله نواة فی الاستهلال.» (النصیر، 2009م: 13)

وهناک سوأل یطفو على السطح حین نتناول البدایة الروائیة حول وظیفتها أی ما هی وظیفة البدایة الروائیة فی العمل السردی؟ یقول جون بیک فی کتابه عن طرق تحلیل الروایة: «تبدأ عملیة قراءة الروایة من صفحتها الأولى ویتم تحدید الخطوة التالیة حسب الردّ تجاه المشهد الأول للروایة. إذن تعرّفنا البدایة الروائیة على الموضوع والفکرة الرئیسة فی الروایة.» (بیک، 1366ش: 13) فهکذا تشکل البدایة الناجحة قوة تجذب القارئ وتجعله یستمرّ فی عملیة القراءة منذ تخاطبه الجملُ الأولى من الروایة. فالافتتاح البارع «بوابة تنفتح نحو حدیقة غناء فلابد للبدایة أن تخدم الهیکل الرئیس والعنصر الأصلی فی الروایة حتى یتوفّر إمکان براعة الاستهلال.» (ابراهیمی، 1378ش: 47)

ومن الواجب هنا الاعتراف بأن مسألة البدایة من حیث دراستها أصبحت شیئاً معلوماً ولکننا إذا تریثنا وأبحرنا فی خضم ما کتب عن الاستهلال فی الأدب السردی فنجد أن حقه لم یوفَ على القدر الذی یتطلبه الأمر. فرغم ما کتب عن حسن المطلع فی التراث وما قیل عنه فی الأدب السردی الحدیث تحت تسمیات مختلفة منها الاستهلال الروائی أو البدایة الروائیة، فإننا نرى أن البدایة لاتزال تُهیب بنا إلى بذل جهد أکبر من حیث أهمیتها فی الأدب السردی الحدیث وکم من کاتب اعتزل الکتابة والسرد بعد أن لم ینجح فی تشکیل بدایة لروایته. فالحق –کما نراه- أن الدراسات عن البدایة الروائیة رواحت الخطى ولاتزال ونجد أنها بحاجة إلى دراسات عمیقة أخرى تکشف عن مدى أهمیتها فی الروایة.

إن للمشهد الأول للروایة دوراً کبیراً فی تشجیع القارئ وتواصله مع النص، حیث إنه جسر واصل بین السارد والمتلقی. فإن کان الاستهلال أخاذاً فیستمرّ المتلقی فی القراءة وإن کان مملاً عادماً للعوامل التحریضیة، فالقارئ یرغب عنه. ومن هذه الرؤیة تهدف الدراسة هذه إلى تسلیط الضوء إلى أهمیة البدایة الروائیة التی قد نسمیها فی بعض مواقف من دراستنا "التجسیر الروائی".

فهذه الدراسة رسمت لنفسها خطة لتحلیل الروایة المعاصرة قد یفقدها النقد السردی المعاصر رغم کثرة الدراسات التی ألفت عن الروایة وبدایاتها. فأغلب البحوث مکبلة بالتنظیر أکثر من التطبیق وتتجاذب خیوط الحدیث عن أهمیة البدایة فی الروایة دون التعرض الحقیقی لتطبیق ما قالته عنها أو إنها تتحدث عن البدایة کأنها جزء متجزئ عن الروایة کهیکل نصی أو تتعرض لعدة مکونات أو تقنیات استعملها السارد فی استهلال روایته دون المساس بأسباب ذلک أو تبیین مدى علاقتها بالروایة کلها کبناء مترابط. فلذلک یجب أن «ندرس الاستهلال فی ضوء کلیة العمل الفنی، أی أن العمل الفنی هو الذی یولد استهلاله بعدما یکتمل بناء ومحتوى فی فکر الکاتب قبل الکتابة الفعلیة له.» (النصیر، 2009م: 16)

فلذلک یجب أن نقول تبییناً لما سنقوم به إن هذه الدراسة تهدف إلى التعرض لأهمیة البدایة الروائیة وسوف نحاول الکشف عن مدى القوة الکامنة للبدایة فی لفت انتباه القارئ والتلاحم النصیّ بین المکونات السردیة ومن ثمّ تشکیل نصّ سردی تحکمه علاقات ترابطیة وستکون عنایتنا فی هذه المهمة بالمشهد الأول فی الروایة حیث تعتبر البدایة عتبة لدخول عالم الروایة وننتهج هذا المنهج من منظور بنیوی أی سوف ننقب عن عنصر سردی بارز فی أول ما یواجه المتلقیَ فی الروایة ویمکن أن یکون ذلک العنصر هو الشخصیة أو الزمان أو المکان أو الحدث أو غیره من المکوّنات السردیة. والجدیر بالذّکر أن هذا النوع من النقد یصبّ اهتمامه على البدایة بشکل خاص وبیان کیفیة بسط المکونات المستحضرة فیها فی أنحاء الروایة. وإن اعتصمنا بهذا النقد الموضوعی لتمکنّا من الحکم على قدرات الروائیین وبراعتهم فی الافتتاح السردی والتمییز بین الغثّ والسمین بعیدین عن نقد انطباعی ذوقی!

ومن خلال قراءتنا للروایة عندما "تشیخ الذئاب" یتراءى لنا أن السارد وظّف تقنیة تعدد الأصوات لسبر أغوار الشخصیات وفحصهم فصحاً نفسیاً. «ویخص هذا اللون من الاستهلالات الأعمال الروائیة التی تتوازى فیها الشخصیات أو الأحداث، فتصبح روایتها هی الکیفیة البنائیة لها. کل شخصیة تروی کل الأحداث من وجهة نظرها.» (المصدر نفسه: 149) فالرّوایة المذکورة تتمتع بعناصر الروایة الحدیثة حیث توظیف الشخصیات وتسییر الحبکة. فالسارد تطرق لمسئلة شائکة فی الروایة وبدأ روایته کأنه یزوّد القارئ بمقدمة ونتیجة للروایة. فالناقد الفطن یرى فی التجسیر الذی رسمه السارد الأواصر الأولى التی تربط بین عناصر الروایة کلها کهیکل نصی. والقراءة المتأنیة للبدایة ترسم لنا الخطة العامة التی تقوم علیها الروایة فیمکن الحصول على الوشائج التی تجعل النص کیاناً متراصاً. فالتجسیر الروائی فی هذه الدراسة یعنی: أن نمهّد الروایة بحیث تکون بدایتها مقدمة لکل الروایة وتمهیداً یحتضن فیه نبذة من الروایة حتى یسترشد القارئ بها إلى ما یرید السارد قوله.

أسئلة البحث

یتسم النص الأدبی بالتلاحم والتضافر بین مکوناته وتسرد الروایة نظراً إلى مقوماتها الأصلیة لکی تنقل رسالة خاصة من السارد إلى المسرود له. فکل مکوّن سردی یمثّل دوره فی الروایة حتى تکون کبناء متراص. فلذلک یرکّز السارد فی افتتاحه على أحد مکوّنات الروایة أو بعض منها وفقاً للحبکة. فالبدایة السردیة هی الآصرة الأولى التی ترشد القارئ إلى عالم جدید وتمهد للولوج إلى ما سوف یسرده الراوی. فالتجسیر الرائع یرشدنا إلى ما تحتویه الروایة حسب ما یکتنفه من إثارة وهذه الإثارة تنشأ من الترکیز على عامل سردی وظّفه السارد منذ البدایة. والعبرة فی تحلیل المشهد الأول السردی هی أن السارد فی تمهیده للروایة یؤکد على مکوّن سردی أو أکثر ویجعله فی بؤرة سرده حسب ما ینوی بیانیه ونقله إلى المتلقی. ولذلک یرید هذا البحث القیام بنقد الروایة وفقاً للمشهد الأول للروایة مرکزاً على المکوّن الذی یبرز فی التجسیر بین السارد والقارئ من حیث العنایة بالدور الذی یلعبه ذلک فی النص کبناء سردی وینتهی إلى أن التجسیر السردی فی الروایة خطة راسمة یبنی السارد روایته علیها وعلى الناقد الحصیف أن یبدأ عملیة النقد حین یقرأ الافتتاح السردی ولأن نسلک هذا المنهج النقدی فعلینا طرح بعض الأسئلة منها:

1. کیف نقرأ البدایة فی الأدب السردی حتى نعثر على تصمیم الروایة الخاص بها؟

2. ماذا یعنی مصطلح التجسیر الروائی وما هی الإثارة التی استحضرها السارد فی التجسیر بحیث یکون ذلک الأمر المثیر خطةً تقوم علیها الروایة؟

فرضیات البحث

1. تبدأ عملیة القراءة منذ تواجه الواجهة السردیة القارئَ؛ لأن التّمهید السردی هو کل ما یؤسّس لتسییر الروایة حسب منظور السارد. فللعثور على تصمیم الروایة علینا الترکیز على المکوّن الذی یساعد السارد على سرده.

2. یعنی التجسیر الروائی عملیة التواصل والتشافع بین السارد والمسرود له وهو قوة کامنة لأسر القارئ وإخضاعه لمتابعة القراءة. إن الإثارة فی التجسیر تتستر بأحد العناصر السردیة. فإثارة النص التی یقصد السارد تطویرها فی أثناء الروایة یمکن أن تلخص فی الصراع أم الحدث أم الموضوع أم السیاق ونحوها. فالروائی نظراً إلى هذه القوة یقوم بتطویرها فی الروایة، فتکون البدایة خطة راسمة لکل الروایة.

سوابق البحث

1. کتاب "شیوه تحلیل رمان" (الطریق إلى تحلیل الروایة) (1366ش) لجون بیک الذی ترجمه أحمد صدارتی إلى الفارسیة. إن هذا الکتاب یشکل اللبنة الأولى لتحلیل استهلال الروایة فی الأدب الفارسی وإن کان الناقد یرمی إلى تحلیل نصوص سردیة من الأدب الإنجلیزی ولکن هذا الکتاب أسّس لمنهج نقدی فی النقد الفارسی قام به النقاد المتأخرون. أما الکتاب فهو یعتبر دلیلاً رائعاً لنقد الروایة ثم یقترح المؤلف لنا کیف نبدأ بتحلیلها. فتحلیل البدایة أحدى الطرق التی یمکننا من الولوج فی عالم الروایة. فالکتاب -کما یعرض نفسه- یبحث عن طرق لنقد الروایة. فالاعتناء بالاستهلال السردی ومکوّنات الروایة التی استمسک بها الروائی هو إحدى الطرق التی یمکن من خلالها القیام بنقد الروایة ثم الکشف عن التلاحم بین البدایة الروائیة کنواة لتشکیل النص وبین النص السردی بأکمله. فجون بیک ینظر إلى الروایة نظرة بنیویة ویحاول إلقاء الضوء علیها بعیداً عما حول النص من الضغوطات. فالجنوح إلى هذا المنهج النقدی فی الأدب الفارسی ینشأ من هذا الکتاب حیث قام بتطوّره النقاد المتأخرون کما یأتی.

2.کتاب "ساختار ومبانی ادبیات داستانی، براعت استهلال یا خوش آغازی در ادبیات داستانی" (بنیة الأدب السردی وأصولها، براعة الاستهلال وحسن المطلع فی الأدب السردی) (1378ش) للمؤلف نادر إبراهیمی. إن الکاتب أحال فی کتابه إلى أقوال جون بیک عن النقد للبدایة السردیة. یتناول الکتاب المشار إلیه نماذج من الأدب العالمی ونماذج من الأدب الفارسی ویهتمّ ببراعة الاستهلال فی الأدب السردی مبیناً أنواعه حیث ذکر حوالی 10 أنواع من الاستهلال للروایة. فالکاتب یحدد أنواعاً من البدایات السردیة نحو الاستهلال اللغوی والاستهلال السیاقی وغیرهما. والناقد یشیر إشارة عابرة إلى ما نحن بصدده ولکنه لم یعرج على تطبیق ما قاله حول البدایة والکشف عن ترابطها مع النص تطبیقاً کاملاً، بل هو کما قلنا یشیر إشارات خاطفة إلى هذا المنهج لنقد الروایة. أما المؤلف فیشیر إلى تقدّم جون بیک فی هذا النوع من النقد ویثمن جهوده فی إنارة سلک هذا المنهج. فنادر إبراهیمی کناقد بارع أمین یلمح إلى ما بذله جون بیک فی تمهید هذا النوع من النقد ویذکر نماذج ذکرها بیک فی کتابه دون أن یدعی لنفسه شیئاً ولکنّ فضل إبراهیمی یکمن فی تطویر هذا المنظور النقدی فی الأدب الفارسی وتسلیک الطریق لمن یأتی بعده. ویبقى تطبیقه لهذا المنهج تطبیقاً خاطفاً سریعاً رغم غزارة بحثه.

3. کتاب "گشودن رمان" (افتتاح الروایة) (1393ش) لمؤلفه حسین پاینده. إننا نعتقد أن هذا الکتاب تکملة للکتابین المذکورین آنفا أی کتاب جون بیک ونادر إبراهیمی، وإن لم یذکرهما الکاتب فی تألیفه، حیث قام بتحلیل المشهد الأول للروایة وفق عنصر بارز فیه وبیان الترابط النصی بین البدایة والروایة کلها. فهذا الکتاب یعتنی بتحلیل الروایات الفارسیة وفق ما تقدّم. وارتأی لنا أن الکتاب لم یأت بمنظر نقدی جدید کما یدعی صاحبه؛ لأن هذا المنظور موجود فی التراث ولکن بشکل مبعثر وکذلک یمکن العثور على الإشارات إلى هذا المنهج فی أقوال البنوییین نظریاً، ولکن نرى جون بیک ونادر إبراهیمی مطبقینِ لهذا المنهج قائمین بتطویر هذا المنظور النقدی، وإبراهیمی یراعی الأمانة فی تألیفه ولکن المؤلف فی الکتاب المذکور استلهم عنوان کتابه أی "گشودن رمان" من أقوال إبراهیمی حیث یشیر الأخیر فی أنحاء کتابه إلى مصطلح "گشایش داستان" وکذلک نلفی نماذج مذکورة من کتاب نادر إبراهیمی فی کتاب "گشودن رمان" دون أن یتعرض صاحبه لفضل تقدم جون بیک وإبراهیمی. فعنوان الکتاب ومنهجه مستلهمان من کتاب بیک وإبراهیمی ولو قلنا إن الکتاب لم یأتِ بجدید لظلمناه وصاحبه؛ لأن المؤلف قام بتحلیل نماذج جدیدة فی الأدب الفارسی وکذلک قام بتطبیق هذا المنظور النقدی تطبیقاً ممنهجاً یمکن أن یکون دلیلاً لمن یرید أن یقوم بهذا النوع من النقد للروایة.

أما فی النقد السردی العربی فبعد متابعتنا والخوض فیما أُلّف عن الرّوایة فلم نعثر على کتاب أو بحث اعتنى بـ"الافتتاح السردی" مثلما اعتنت به هذه الدراسات المکتوبة بالفارسیة وما سوف نقوم به فی هذه العجالة. فجلّ ما عمل فی هذا المجال هو إشارة إلى أهمیة البدایة الروائیة والکشف عن التقنیات التی یوظفها السارد فی سرده دون المساس بالعلاقة الترابطیة بین البدایة والنصّ الروائی والکشف عن الأسباب التی دعت السارد إلى الابتداء بالروایة نحو النمط الذی بدأ به روایته. فیما یلی إشارة إلى أهم ما ألّف فی هذا الحقل فی النقد العربی:

1. کتاب "البدایة فی النص الروائی" (1994م) لصدوق نورالدین. فالکاتب یتناول البدایة فی الروایة العربیة ولیست محاولته إلا أن تکون دراسة وجیزة للبدایة الروائیة دون تبیین الترابط النصی بینها وبین الروایة.

2. کتاب "البدایة والنهایة فی الروایة العربیة" (2013م) لعبدالملک أشهبون. یرمی الکتاب إلى تحلیل الرّوایات العربیة وفق بدایتها ونهایتها. فالناقد یقوم بتحلیل بدایة الروایة مستکشفاً العنصر البارز فیها محدداً أنواع البدایة وعلى سبیل المثال یتحدث الکتاب فی کتابه عن بدایات روائیة قصیرة وأخرى طویلة، والبدایة ومسألة استشراف المکان المتخیل، والبدایة ومسألة استرجاع الزمن الطفولی وغیرها من البدایات. والمهم عن هذا الکتاب أنه یشبه إلى درجة کبیرة بکتاب نادر إبراهیمی حیث یحدد أنواع البدایة وفی هذا الکتاب أیضا إشارات إلى الترابط بین البدایة والروایة ولکنه ترک الأمر دون التطبیق وتسلیط الضوء إلیه.

وثمة کتب قیمة وأبحاث أخرى اهتمت بقضیة البدایة فی الرّوایة لکنها لاتتجاوز فی دارستها للبدایة ما قامت بها الدراسات السالفة الذکر وأهم هذه الکتب وفقا لما یلی:

1. الاستهلال؛ فن البدایات فی النص الأدبی لیاسین النصیر.

2. البدایات ووظیفتها فی النص القصصی لصبری الحافظ.

3. مساهمة فی نمذجة الاستهلالات الروائیة لعبدالعالی بوطیب.

 

ملخص لروایة "عندما تشیخ الذئاب"

تتکوّن روایة "عندما تشیخ الذئاب" التی ترشّحت للقائمة القصیرة لجائزة بوکر العربیة عام (2010م) للروائی الأردنی الراحل جمال ناجی من 48 فصلاً. اتخذ السارد من العاصمة الأردنیة حیّزاً مکانیاً لأحداث روایته حیث یشیر إلى هذه العاصمة کمجتمع مصغّر للعالم العربی. فالرّوایة یشمل ردهة من الزمن الذی تتحول الشخصیات فیه إلى ذئاب بشریة تزداد شراسة عند کل صدام أو صراع. فالشخصیات هی رموز لعالم متسم بصفات خاصة. إن الروایة تسرد عالماً نسویاً ملیئاً بالصراعات. فإنها قصة امرأة ترید تصویر تجاربها التی خاضتها فی مثل هذه المجتمعات والتی تتحول فی نهایة المطاف إلى ذئب بشری. مع أن هناک شخصیات أخرى نسویة فی الروایة، ولکن سندس هی وحدها تبقى فی بؤرة الحوادث وهی تنوی تجربة عالم مکتظ بالتحدیات وبالرجال. إنها سندس فهی امرأة عربیة بقیت ضحیة للتقالید والطقوس الخرافیة التی تسود مجتمعها وهذه التقالید تعکّر زواجها الأول. وترى سندس - بعد أن توفی أبوها - نفسها وحیدة فی مجتمع حاصرته ذئاب ضاریة فتبحث عن رجل تحتمی به أمام هذا السّیل الجارف من الأحداث. فهی تسعى لتغییر حیاتها وإن ولجت کل طریق غیر شرعی ومحرم. فمن ثم تتحدى سندس مجتمعها بما فیه من الأعراف والقوانین الشرعیة. فالروایة کلها تسرد التناقضات الحاصلة بین مکوّنات المجتمع وهی کذلک حکایة عن استغلال بعض الأناس بمناصبهم الذین لن یبخلوا عن أی جهد لتصیفة الخصم وکل من یقف أمامهم. فرجل الدین والسیاسة الشیخ الجنزیر یمثل الطبقة المستمثرة لعقول الناس. ومن جهة أخرى الروایة تصویر للجدلیة بین التطور والتقلید وکذلک الروایة صورة للصراع بین الفکر التکفیری والفکر المتحرّر من القیود، اللذین یمثلهما بکر الطایل وعزمی الوجیه. إن هذه الروایة متعددة الأصوات أی أننا بإزاء شخصیات تتحدث عن نفسها وتروی ما تلاقیه من تحدیات. فالروایة فحص نفسی لکوامن الشخصیات. فالشخصیات المختلفة فی هذه الروایة عبارة عن سندس ورباح الوجیه وعزمی الوجیه والشیخ عبدالحمید الجنزیر وجبران وبکر الطایل والعقید رشید حمیدات. فالشخصیات رموز لشرائح خاصة تعیش المجتمع العربی. فمن ثمّ یمکن لنا أن نعتبر المکان الروائی مسرحاً عربیاً عاماً والحقیقیة أن الروائی یسرد لنا مصیر الإنسان العربی فی مثل هذه المجتمعات. إن روایة "عندما تشیخ الذئاب" تسعى لبیان الظروف الاجتماعیة والسیاسیة فی هذه البلاد، ولکن السارد بشکل عام یروی الظروف السائدة على البلاد العربیة برمتها. فإن الروایة ملئیة بالصراعات والأحداث التی تتسم بخرق التابوهات أی الخطوط الحمراء وهی تسرد استثمار السیاسیة والدین على أیدی طبقة محددة لتحصیل ما تشتهیه أنفسهم ومن ثم تعتنی الروایة بالطبقات الاجتماعیة الدنیا التی تنوی تغییر مکانتها ولکنها تکون فی نهایتها مکسورة مهمّشة کما کانت علیه من قبل.

إضاءة فی الافتتاح السردی فی روایة "عندما تشیخ الذئاب"

قبل أن ندخل فی نقد التجسیر فی الروایة فلنقرأ معاً هذه البدایة المثیرة والمعبرة!

«عزمی الوجیه أذلنی ثلاث مرات.

الأولى فی بیت والده الذی أغرم بی وتزوجنی. الثانیة یوم ضبطنی فی الغرفه الدخانیة فی دار الشیخ عبدالحمید الجنزیر. أما الثالثة فبعدهما بثلاثة عشر عاما؛ حین بلغت الثامنة والثلاثین من عمری.

هو الوحید الذی فعلها من بین کل الرجال الذین عرفتهم ولا أدری کیف استعذبت أذلاله لی! مع أن أباه رباح الوجیه زوجی الثانی وصبری أبوحصة زوجی الأول والثالث حاولا إخضاعی وإتباعی لإرادتیهما، لکنهما فشلا بشکل یثیر الشفقة، لیس لأننی غیر قابلة للاستجابة لشهوة السیطرة الذکوریة، إنما لأنهما لم یمتلکا سحر ترویضی وأسرار تذویب کتلتی، على الرغم من إحساسی بتململ تلک الکتلة التی أعترف الأن بأنها شکلت مبعث قلق وعذاب لی.

کان من الممکن أن یؤدی فشلهما معی إلى حزنی على الذکور ولولا سحر الإثارة والسطوة الغامضة التی یمتلکها عزمی الوجیه وقدرات الترویض التی تمیّز بها الشیخ عبدالحمید الجنزیر.

 ربما کنت بحاجة إلى من یکسرنی ویمرغ غروری. ألا یمکن أن تکون رغبتی فی الخضوع کامنة تحت قشرة هذا الغرور؟

عزمی هو الذی تمکن من مداهمة معاقلی وتحطیمها إلى حد أننی امتثلت لأوامره جمیعها دون النظر إلى النتائج التی لم أتوقع حدوثها.» (ناجی، 2010م: 7)

تنطلق هذه الروایة مع إقرارت سندس وسردها لما مر بها مع الشخصیات الرئیسة خاصة عزمی الوجیه والشیخ عبدالحمید الجنزیر. فالآصرة الأولى التی تدلّ على أن المتلقی یواجه تغییرات متعددة الأوجه للشخصیات تظهر فی بدایة التجسیر الروائی. فالنقاط الهامة التی تبرز جلیة فی البدایة تتخلص فی الدلالات التالیة:

أ. تبدأ الروایة بذکر أسماء بعض الشّخوص وسرد الأحداث التی ترویها سندس. فالإشارة إلى الشخصیات المتعددة تدلنا على أن الأحداث تکون ذات أوجه متعددة فیمکن العثور على هذه الدلالات عندما تقول سندس: «عزمی الوجیه أذلّنی ثلاث مرات. الأولى فی بیت والده الذی أغرم بی وتزوجنی. الثانیة یوم ضبطنی فی الغرفه الدخانیة فی دار الشیخ عبدالحمید الجنزیر. أما الثالثة فبعدهما بثلاثة عشر عاما؛ حین بلغت الثامنة والثلاثین من عمری» فکما نشاهد أن سندس تشیر إلى ثلاثة أحداث ذاکرة بعض الشخصیات مثل عزمی ورباح الوجیه والشیخ الجنزیر وکذلک نفسها.

ب. یمکن مشاهدة الإرهاصات الأولى إلى طابع خرق التابوهات المسیطر على الشخصیات فی الرّوایة منذ البدایة. فهذه الدلالات تکمن فی الجمل التی تنقلها سندس: «هو الوحید الذی فعلها من بین کل الرجال الذین عرفتهم ولاأدری کیف استعذبت أذلاله لی! مع أن أباه رباح الوجیه زوجی الثانی وصبری أبو حصة زوجی الأول والثالث حاولا إخضاعی وإتباعی لإرادتیهما» فیعدّ تعدّد الزواج والإشارة الأولیة إلى العلاقات المحرّمة مما یشیر إلى خرق التابوهات فی الروایة.

ج. إن عنصر المفاجأة مسیطر على أحداث الروایة ویعرفنا السارد منذ البدایة على أننا یجب علینا ألا نتوقّع نتائج منطقیة من أحداث الروایة. فسندس فی قولها «عزمی هو الذی تمکن من مداهمة معاقلی وتحطیمها إلى حد أننی امتثلت لأوامره جمیعها دون النظر إلى النتائج التی لم أتوقع حدوثها» تشیر إلى هذه السمة فی الروایة. فیما یلی توضیح وبیان للتقنیات التی استخدمها السارد فی تجسیره. فلعینا قراءته معا!

 

الحدث وخلق الشخصیات

إن الحدث وخلق الشخصیات هما عنصران مهمان للغایة لا فکاک بینهما فی الروایة. إن الحدث السردی لتطوره بحاجة إلى مقدمةٍ ونتیجةٍ تُفشیهما الشخصیة أثناء السرد. فلذلک یجب علینا القول عن أهمیة الحدث «إنه وسلیة للبوح بالشخصیة وإرخاء قضبتها حین عملها.» (براهنی، 1393ش: 217) ومن جهته یحتّم علینا مسألة الشخصیة والحدث فی الروایة وکذلک العلاقة الوثیقة بین هذین العنصرین السردیین أن نتحدث عن الترابط التقابلی بین هذین المکونین؛ بعبارة أخرى أن أی تغییر فی الحدث یجرّنا بالطبع إلى تحول فی الشخصیات والعکس صحیح کذلک. فمن ثم أی تغییر فی الشخصیات وبالتالی فی الحدث الروائی یسبب تغییر العناصر الروائیة کلها. یرتبط الحدث بالشخصیة فی الأعمال السردیة ارتباط العلة بالمعلول وعلی هذا فإن الرّوایة یساوی فعل "حدث" + فاعل "شخصیة". «الحدث إذن شیء هلامی إلی أن تشکله الشخصیة –بحسب حرکتها- نحو مسار محدد یهدف إلیه الکاتب.» (وادی، 1994م: 29) ویمکن تشبیه الشخصیة من حیث أهمیتها بالعمود الفقری الذی یؤدی کل خلل فیه إلى الشلل و«کل روایة لو تأملت، عمدتها الشخصیات، فدراستها هی الأساس.» (ستالونی، 2014م: 116) فأکرهت أهمیة الشخصیة الناقدین على أن یقولوا: «إن القصة فن الشخصیة.» (وادی، 1994م: 25) وخلاصة القول تقودنا إلى أن نقرّ بأن عدم تواجد الشخصیة فی الروایة یساوی عدم تواجد الحدث وفقدان العاطفة فیها.

فالمفروض علینا أن نقول إنه یجب أن نسترعی نقاطاً عدة منها: کیف یکون التأثیر الذی یترکه الحدث والشخصیة فی الذهن وإلى أی موقف اجتماعی تشیر إلیه الشخصیات؟ وإن أردنا إجابة قصیرة عن هذه الأسئلة، فنقول: «إن الشخصیات هی تمثیل محدد للأفراد فی موقف خاص ولها علاقة مباشرة بالبنیة الذهنیة والنفسیة للروائی وتعکس الحقائق الاجتماعیة والسیاسیة والاقتصادیة فی المجتمع الذی یعیشه.» (میر­صادقی، 1392ش: 47)

إن الأحداث المتسلسلة والمواقف التی تطرح فی الروایة هی تفضی إلى إنشاء العمل الروائی الذی یسمى "خطّ الروایة". إن الأحداث المتسلسلة أو العمل الروائی عادة ما تعتنی بأن أیّ حدثٍ سوف یجری فی الروایة ومن ثم تُظهر ما تقوله الشخصیات وما یدور فی خلدها وکذلک أیة نتیجة تسببها أفعال الشخصیات وأقوالها. والمهم عن خط الروایة هو أن «معظم الدور الذی یؤدیه العمل الروائی عبارة عن تبیین الإنشاء التدریجی للشخصیات والحبکة.» (المصدر نفسه: 465) أما ماهیة الخط الروائی أو العمل فإنه «یشتمل على کل معلومة تحفز الحبکة وتجعل التطورات الحدیثة فی العلاقات الإنسانیة أو الأحداث الجدیدة ذات معانٍ.» (هاوتورن، 1394ش: 95) وللقیام بنقد الروایة یتحتّم بنا أن نختار قسماً منها ویجب علینا أن نفتش منذ الوهلة الأولى عن تضاد یلفت انتباهنا. «إن الأحداث فی الروایة تتکون على أساس صراع ینشب بین قوتین متخاصمتین.» (پاینده، 1393ش: 95) تختلف رؤیة کلّ منهما عن الأخرى وکلّ منهما یهدف إلى التحدّی لرؤیة الأخرى تجاه الحیاة. «فإن کل إشارة إلى خلق الشخصیات یفضی إلى تطویر الروایة ویعرض کلّ حدث مطروح لحلّ مسألة الشخصیة معلومةً عنها تلقائیا.» (سناپور، 1394ش: 94)

ومن الملاحظ أن العنایة بالشخصیة فی التجسیر الروائی لا تتحمل أی عدم الاهتمام بها؛ لأن کل خلل فی خَلق الشخصیات یؤدی إلى تجسیر مملٍّ یمنع القارئ عن الاستمرار فی قراءة الروایة لا محالة. وهناک سؤال یطرح نفسه وهو أنه کیف یکمن للسارد أن یشکل التجسیر بینه وبین القارئ بحیث یسترعی انتباهه؟ فالجواب عبارة عن «أنه من الأفضل تقدیم الشخصیات فی قالب حدث وأثناء عمل حتى یتوفر تخزین الشخصیات فی الذهن بسهولة وبالتالی انجرار الفکر نحو ما تریده الشخصیات.» (سناپور، 1393ش: 141) والمهم فی خلق الشخصیات الروائیة أنه کیف یعرضها السارد وأننا ماذا نستشف من هولاء الأفراد.

فالروائی الراحل جمال ناجی اهتمّ بهذین العنصرین أی الشخصیة والحدث فی روایته "عندما تشیخ الذئاب". والطابع المسطیر على شخصیات ناجی هو تقدیمها فی صورة غیر مباشرة حیث نرى الشخصیات عبر أعمالهم دون النظر إلى الأوصاف الظاهریة وثمة نزوع للشخصیات إلى فعل الحرام. فکل هذه الطوابع تنجلی مذ یقوم السارد بالتجسیر.

إن تقنیة تعدد الأصوات وتجنب رتابة السرد التقلیدی تستعمل فی الروایة لإبراز السمات النفسیة للشخصیة ومکنوناتها حتى نتعرض لعلاقات متباینة بین کل شخصیة مع أخرى. المراد من التمسک بهذه التقنیة السردیة فی الروایة أن السارد ینوی سبر أغوار العالم النفسی للشخصیات وکشف الأسباب التی تحفزها على مثل هذه الردود الخارجیة. إن هناک تضاربا بین رؤى الشخصیات حیث نراها لا تتوانى عن فعل أی شیء وإن أوجب علیه الأمر القیام بتصفیة الخصم. فنجح السارد بأحسن طریقة فی تصویر هواجس الشخصیات ومکنونات قلبها؛ لأنها تعرض نفسیتها بلسانها فی کل فصل من الروایة وکما ذکر آنفاً أن التعرف على الشخصیات لا یتأتى من بیان الظواهر والسمات البارزة بل إن الروائی یستخدم تقنیة غیر مباشرة فی تقدیم الشخصیات، بعبارة أخرى إن القارئ یکشف الشخصیات عن طریق الأقوال والأفعال حتى یدرک ردودهم تجاه الأحداث والشخصیات المتخاصمة إدارکاً. فکل فصل للروایة یختص بشخصیة واحدة فکأنها تقف على مسرح ثم تروی حیاتها بلسانها وهذه التقنیة أی تعدد الأصوات فی الروایة تحولت إلى قوة أخاذة فی الروایة وشدّ انتباه المخاطب والمنع من الرتابة التقلیدیة السائدة فی الروایة. فالأحداث لا تخطو خطوات متناسقة بل هناک تذبذب فی الأحداث حسب شخصیة تخاطب المتلقی.

فالقارئ یعثر على رأس الخیط الأول الذی یربط بین الأحداث المفاجئة. فالإرهاصات الأولى من عنصر المفاجئة تلوح فی الأفق بعد المستهلّ المثیر الذی یسرده الرّوای حیث تذکر سندس السّمات الرّوحیة لعزمی وکلامه عن المکلیّة الاشتراکیة؛ لأن سندس ما کانت لتتوقّع مثل هذه التصریحات؛ لأنها عرفت أن لعزمی شخصیة ترفض مثل هذه المعتقدات التی تذکر الإنسان بشخص اشتراکی والاشتراکیة هی مدرسة سیاسیة تعنی «التحکّم بالاقتصاد والصناعة وکذلک هی مدرسة سیاسیة وحرکة تهدف إلى انشاء تنظیم جمعی للمجتمع حیث تنتفع العامة بهذا النظام الجمعی الذی تحکم الدّولة فیه على کافة التقنیات الصناعیة مثل المصانع ووسائل النقل والشوؤن المصرفیة.» (پازارگاد، لاتا: 110)

ولکن المسار السردی یکشف لنا فیما بعد أن عزمی الوجیه یبدو کأنه شخصیة یعتنق معتقدات دینیة أخذها من شیخه عبدالحمید الجنزیر الذی یرى أنه ما لیس من شریعة الله فهو کفر. فعنصر المفاجأة تطفو على السطح منذ البدایة. فالقارئ المرهف الحس حصیفه یدرک هذه الإشارات ویتراءى له أنه یجب علیه ألا یتوقع نتائج منطقیة وعادیة من هذه الأحداث. أما السارد فیشیر إلى الشخصیات الرئیسة فی تجسیر الروایة مثل عزمی الوجیه، ذلک الرجل الغامض والشیخ الجنزیر، ذلک الرجل المتمسک بالدین الذی یستغلّ کلّ حدث لنیل ما یشتهیه وذلک عبر بیان أحداث جرت لسندس مع تلک الشخصیات. فالسطور الأولى للمشهد الأول تمهید للتعرف على الشخصیات وخطة أولیة للأحداث المتتابعة التی ستکون حلقات متشابکة. ولیس تعرفنا على الشخصیات وفقاً لخصوصیاتهم الظاهرة بل السارد یقدم شخصیاته للقارئ عبر باقة من الأحداث فی کل الروایة.

أما ما نعرفه عن سندس ذات النزعة المیالة إلى کسر الحدود وتجاوز المحرمات فهو یتحصل على النمط التالی الذی نحصل علیه مما وصفته الشخصیات عنها. ومن أهم المسائل التی تطرح نفسه فی هذه الروایة أنه ما هو مدى مسألة الشخصیات وأی نهج فکری تنتهجها أثناء سرد الروایة. فسندس تبدو امرأة مناضلة لا تأبى من فعل أیّ شیء من أجل النّیل منها. تشیر سندس إلى زواج القاصرات فی مجتمعه ولکنها تتباهى بعدم زواجها وحصولها على الشهادة الثانویة منوّهةً إلى اشتغالها بقراءة الکتب. فموقف سندس فی هذه الروایة مناقض لموقف زوجها رباح الوجیه. فهو یمثّل الفکر التقلیدی الضیق الذی لا یرى إلا مصلحته کارهاً التطوّر.

أما موقف سندس فموقف نضالی للتقالید والأعراف. فثمة النضال والتحدی للتقالید السائدة على المجتمع تسطیر على شخصیة سندس التی تنفر عن فکرة تزویج القاصرات زواجاً مبکراً مستنکرة منع البنات من الدراسة. «...فقد صرتُ فی الخامسة والعشرین من عمری مع أن غالبیة فتیات الحی یتزوجن فی السادسة أو السابعة عشرة من أعمارهن. کنت أسلّی نفسی بقراءة بعض الکتب والمجلات التی خلفها أبی بعد موته، فقد حصلتُ على شهادة التوجیهی حین کنت فی الثامنة عشرة من عمری.» (ناجی، 2010م: 34)

طلاق سندس من صبری أبوحصة وتهامسات نساء الحی عن العلاقات المثیرة مع أزواجهن وتحرّش الرجال لها فی الزقاق وعیونهم الآثمة هو ما یکره سندس على التفکیر فی تغییر نمط حیاتها والاحتماء برجل یحرسها ویحفظها أمام هذا السیل الجارف من المصائب. فیعدّ کل هذا منطلقاً لحدوث تبدّل ما فی حیاة سندس.

الشخصیات

أ‌.        عزمی الوجیه

والحبکة فی هذه الروایة قائمة على أن تطوّر الأحداث یکشف عن ذات الشخصیات. والحقیقة أن تطویر الشخصیات یتمّ داخل الحبکة وهذا من سمات الرّوایات الحدیثة و«السبب الرئیسی الذی جعل القارئ یستمر فی تقلیب صفحات أیة روایة من الروایات تقریبا هو محاولة القارئ اکتشاف الحدث الذی سیحدث بعد ذلک.» (بلوک، 2009م: 121) ومن الممکن أن یمنح السارد تفسیر الوجوه المختلفة للشخصیة إلى المتلقی أی أن الأحداث ترسم على أن یدرک القارئ مفاهیم عدة ویکون الشخصیات مبهمة ما یمکن تسمیته "بالانفتاح فی الشخصیات" أی یتسنى لنا تعددیة التفسیر من الشخصیات فإنها لیست شخصیات نمطیة مسطحة خاضعة لقوانین الروایة التقلیدیة. إن شخصیة عزمی تتسم بهذه السمة أی أنها تنمو وتترعرع أثناء بسط الحبکة. ففی التجسیر الذی قدمه السارد منذ استهلّ الروایة نرى شخصیة ذات نزعة شیوعیة ولکن یقودنا تطور الحبکة ووقوع أحداث أخرى إلى شخصیة مختلفة عما رأینا فی البدایة. فیبدو عزمی شخصیة ذات نزوعات دینیة لا تعرف اللیونة والتی تشبه الشیوخ فی تعاملاتها وهذا منعطف هام یشکل انطلاقة جدیدة نحو إدراکات جدیدة لشخصیة عزمی.

تتطوّر الحبکة السردیة فی الروایة حین تذهب سندس إلى بیت عزمی ویدور حوار بینهما. لقد صرّحت سندس أن شخصیة عزمی طرأ علیها تبدل؛ لأنه کان یتحدّث عن الحرام الشرعی ولکنه هذا الخطاب غائب فی نطقه. إن علاقة زوج سندس أی صبری أبوحصة بعزمی تنشأ عنها أحداث جدیدة تؤثر فی حیاتهما. فبعد لقاء عزمی مع سندس یشتغل صبری کموظف عند عزمی الذی تطوّر شأنه وأصبح من أحد أصحاب الرأسمال فی البلاد. فیشتری عزمی بیتاً وسیارة لسندس ثم یستمرّان فی علاقتهما الغیر الشرعیة. یلوح التبدل الذی طرأ على شخصیة عزمی واعتراها حین تذهب سندس إلى بیته بعد أن طلّقها رباح الوجیه وهذا التبدل جذری. حین کان عزمی یعیش فی بیت أبیه فأبى عن اقتراف المعاصی بحجة الشرع ولکنه الآن یتحدث عن امتناع الحرام بحجة القانون. ولکن هذا اللقاء هو الذی یرتکب فیه عزمی وسندس ما تشتهیان. «قال لکنک تظلّین من المحارم على الرغم من أنه طلقک، ثم إن ما تریدینه مخالف للقانون. فحرکتُ أصابعی فوق رکبته وقلت بجرأة: هل أفهم من هذا أن مضاجعة امرأة من غیر المحارم جائزة؟» (ناجی، 2010م: 100)

تمهّد أقوال رباح الوجیه أبوعزمی لدلالات ثانویة على أصالة عزمی. بما أن سلوکات عزمی تختلف عنه فرباح یشکک فی نسبه کأنه وُلد من غیره! وهذه التصریحات لرباح اهتداء لمفاجأة کبرى فی الروایة تبهت القارئ. «...کانت مصرة على أنه مثله، مخلق منطق، کأنه مسحوب من ضلوع أجدادها هی، لا من صلب والده الذی هو أنا!.» (المصدر نفسه: 29)

إن جبران یشیر إشارة دقیقة إلى أن شخصیة عزمی تنمو شیئاً فشیئاً فی خضم الأحداث التی تجری فی الروایة وهذا یؤکد تأکیداً تاماً التقنیة التی تمسک بها السارد فی تقدیم الشخصیات جزئیاً وتسریب قسم من سماتها فی کل حدث وصراع: «مایعینی هنا هو عزمی ابن شقیقتی جلیلة. لکن، لأن حکایته لم تتکشف لی دفعة واحدة، إنما بالتقسیط غیر المریح، فأتسلسل بوقائعها حسب تتابع انکشافها لی، لا حسب تواریخ حدوثها، لأننی بالکاد أستطیع لملمة خیوطها.» (المصدر نفسه: 60)

ب‌.   الشیخ عبدالحمید الجنزیر

ومن الشخصیات التی تمثل حلقة وصل بین الشخصیات الأخرى الشیخ عبدالحمید الجنزیر وفی تعریف شخصیة الجنزیر نجد أن بیان التوجه الفکری یتم عبر وصف الشخصیة عن لسانها. فالشیخ الجنزیر یطلع علینا بأنه یکفّر الفکر الشیوعی المتمثل فی الاتحاد السوفیاتی آنذاک. فنحن بإزاء رجل دین متسم بسمات فکریة خاصة سیاسیة کانت أو اجتماعیة. فالشیخ الجنزیر بعد تکفیره للشیوعیة لا یخفی فرحه عن سقوط هذا التوجه الفکری. ومن جهة أخرى نراه شخصیة دینیة قد تشک نفسها فیما اعتقدت به وهذا ما ینص علیها الشیخ الجنزیر عندما یحکی مروره بزوجة رباح الوجیه أم عزمی الوجیه. «لما ذهبت إلى بیت أبیه بغیة مداواة أمه وطرد الجنی الذی یمتطی کتفیها حسب قولها، کنت فی حالة من السرور بسبب انهیار إمبراطوریة الکفر التی کانت تسمى الاتحاد السوفیاتی، وکانت توابعها من الجمهوریات تتفکک وتنفصل عن بعضها تباعاً کما أن لواصقها جفت وتآکلت.» (المصدر نفسه: 6)

إن الشیخ عبدالحمید شخصیة ماکرة مستثمرة لعقول الناس وهذه النزعة تتمثل فی حادثة طرد الجنی عن جلیلة أم عزمی عندما ذهب الجنزیر لتأدیة هذه المهمة. فیدعی الجنزیر التحدث مع الجنی ویزعم أنه قادر على طرده. فتنکشف سمات هذه الشخصیة فی هذه الحادثة حیث یشیر رباح إلى خبث الجنزیر ومکره: «دفعتُ له عشرة دنانیر مع أنی لم أصدق لعبته کلها. لکن أم عزمی شفیت من حالتها بعد أیام وما عادت تحکی عن الجنی.» (المصدر نفسه: 38)

یروی جبران الدلالات الأولى لدور الذی یلعبه الجنزیر فی الروایة ومدى ارتباطه بالأحداث التی تجری أثناء السرد. نرى فی تقریر جبران أن الشیخ عبدالحمید الجنزیر من الرجال الدین ولکن جبران یسرّ بأسرار هامة عن دور الجنزیر فی السیاسة وخوضه فی التواطؤات السیاسیة. إن شخصیة جبران شخصیة یساریة تدعم قضیة المرأة وترى أن فلسطین قضیة الأمة. ویبدو فی روایة جبران عن شخصیة عزمی والجنزیر أنهما تقاسما بینهما التبرعات التی قدمها المحسنون وأن الفساد المالی یتم تحت إشراف الشیخ عبدالحمید. یقول جبران: عندما رأى عزمی الشیخ الجنزیر فی الفندق وهو یحسب الأموال التی أخذها من المحسنین فهذا الأمر حطم لعزمی کل العقبات الأخلاقیة وجعله یجاوز کل القیم والمعاییر: «مصدر قلقی على عزمی، أن الکوابح التی کانت تصونه وتمنعه من الزلل والخطأ، انهارت بعد رؤیته ما فعل الجنزیر فی الفندق ومشارکته به فی مؤامرة المرکز، وصار قابلاً لأن یفعل ما هو أکبر من ذلک.» (المصدر نفسه: 113)

فشخصیة الجنزیر تمثّل الفکر التکفیری الذی یعانی منه الیوم العالم عامة والبلدان العربیة خاصة ما یبحث عن تصفیة الخصم والقوى المخالفة عبر التمسک بهذا الفکر الخطر. إن هذا التکفیر فی رأی عبدالحمید یصدق على الجنی والإنس عندما یقول: «الجنی لا یهزم أمام الإنس بیسر، وهذا ما جعله یعود إلیک غاضبا مستشیطاً، إنه جنی کافر وباغ، ولا یحق له أن یقرب بیوت المؤمنین من الإنس أو یتلف شیئا من محتویاتها دعیه لی.» (المصدر نفسه: 19)

هذا النوع من التصریحات تدلّ على أن الجنزیر اقتنع بفکرة أفرزت صراعاً مستمراً مع الأطراف. إن رجوع سندس إلى دار عبدالحمید الجنزیر تکشف خفایا شخصیته ویقود القارئ إلى استکناه خوالج ذهنه ویمهّد لسبر الکوامن النفسیة للبشر الذئبی. إن الوجه الآثم للجنزیر ینکشف عندما یصف بصراحة فتنة سندس له حین یقول إنه إذا لم یشاهدهما عزمی فی تلک الغرفة الدخانیة لأغوى سندس وحرضها على الطلاق من رباح زوجها والزواج منه. أما الجنزیر فیقرّ بأنه خطر على باله فعل الأمر الحرام عندما حضرت سندس إلى غرفته لتملس العلاج ولکنه استعاذ بالله! «... لم أر امرأة بمثل غوایة سندس التی لو لم یغضب عزمی یوم ضبطها فی داری لأقنعتُها بالتخلّی عن أبیه کی أتزوجها وهذا حق لا غضاضة فی فعلها صوناً لها من ارتکاب المعاصی... .» (المصدر نفسه: 67)

ج. رباح الوجیه

ویعدّ رباح الوجیه بلورة للفکر التقلیدی الذی یتحکم بعقول الناس فی المجتمع. فنرى أن النزعة الفوضویة تعبث إلى حد ما بتفکیره. فرباح رمز للجدلیة بین التقلید والحداثة. إنه یصارع مع العالم الخارجی ویسعى إلى فرض هیمنة التقلید على الحداثة وترجیح ثقله علیها حتى أنه اعتبر استعمال مندیل الورق والشوکة أموراً عبثیة: «أما استعمال الشوکة والسکین فتعقید للحیاة، لأن معدة الإنسان لا تمیز بین الأکل بالید أو الملعقة أو الشوکة التی جاءتنا من بلاد الأجانب، لکن الجهال ظنوها من عادتنا العربیة الأصیلة.» (المصدر نفسه: 26) یمکن فهم الدلالات الأولیة على ذات رباح ومن ثم العثور على حقیقة کبرى تتبین فی الروایة من سرد عدم إنجابه حیث تذکر سندس هذا الحدث: «أمی أیضا، أصرت على أن ننجب طفلاً وأقنعتنی بأنه سیسلینی ویعوضنی عما فاتنی. فکرتُ ووافقتُ بلا حماسة، لکننی لم أحمل على الرغم من مرور ثمانیة أشهر على زواجنا... .» (المصدر نفسه: 49) ولکن سندس تتفاجأ بعد مضیّ شهور من عدم حملها بحقیقة مدهشة حین تسمع من الاختصاصی أن رباح لا یمکنه الإنجاب بسبب العیب الخَلقی الذی یعانیه منذ الطفولة: «أسر لی ذلک الطبیب زوجک لا یستطیع الإنجاب ولکن وضعه الصحی الآن غیر مناسب لإعلامه بذلک. ثم سلمنی تقریراً طبیاً بعد أن شرح لی أموراً فاجأتنی.» (المصدر نفسه: 50)

تتکشف شخصیة رباح عبر تسییر الحبکة وتطویر الأحداث التی تعتری الروایة وهذا نفس أسلوب السارد فی کل شخصیة ینوی تقدیمها إلى القارئ. فشخصیة رباح تنمو فی الأحداث التی تجری لدى حضور الجنزیر. فعند انفتاح القارئ على الحبکة ووقوع الأحداث الجدیدة یبرز عیاناً أن رباح یعانی من مشکلة للإنجاب وهذه دلالة أخرى على الغموض الذی یکتنف شخصیة عزمی ویدعونا إلى غور أسبار هذه الشخصیة. إن شخصیة عزمی شخصیة معقّدة فی الروایة حیث لا نراه یتحدث عن نفسه کما تفعل الشخصیات کلها. فکل ما نعرف عن عزمی هو ما یقول عنه الشخصیات عند ذکر ما لاقاه من أحداث. فهذا الأسلوب وهذا التعقید فی تقدیم شخصیة عزمی یثیران القارئ على متابعة ما یجری له ویجعله شغوفاً إلى کشف مصیره.

واللافت للنظر فی الروایة هو أن عزمی الوجیه لا یتکلم عن نفسه وهو شخصیة مغمورة نحصل عنها على معلومة حیث تتکلم عنه شخصیات أخرى. ویبدو من هذا الأمر أن الراوی یتعمد فی إخفاء المعلومات حین یذکر ما یحدث لعزمی الوجیه ناویاً الإبهام والغموض اللذین یلاحقان عزمی إلى نهایة المطاف. فعزمی ابن غیر شرعی ولد من الحرام فلذلک نتعرّف علیه عندما یشتبک مع الآخرین فی الروایة.

د. بکر الطایل

إن شخصیة بکر الطایل شخصیة ذات نزوعات نقلیة وتتضارب آراؤها مع آراء عزمی الوجیه الذی یتسم بالنزعة العقلیة. أما مسألة جدلیة العقل والنقل فی الفکر الإسلامی فهی قدیمة متجددة. إن بکر الطایل یصف نقاشاً دار بین الشیخ عبد الحمید الجنزیر وبین عزمی حیث نقل حدیثاً عن الرسول صلی الله علیه وآله وسلم ورأى أن إسناد هذا الحدیث ضعیف بل اعتقد أن هذا لیس حدیثاً بل کلام أطلقه العرب: «عزمی هذا تجرأ فی واحدة من جلساتنا الأسبوعیة وقال للشیخ القول بأن الجوع کافر لیس حدیثاً شریفاً، إنما هو قول أطلقه العرب فی ظروف القحط والمحل ویحتاج بعض التفکیر والتکریر داخل العقل!.» (المصدر نفسه: 84)

الشیخ الجنزیر یؤکد فی أقواله على عامل العقل ودوره فی حیاة الإنسان ویعتقد أنه من یکتسب السیادة والقیادة إذا ملک نفسه. فوصف الجنزیر لعزمی الوجیه یبین نزعته العقلیة التی اعتنقها عزمی عندما یتحدث عن قدرة العقل فی تمالک البشر لنفسه: «من یقدر على بسط سیادته على نفسه وبدنه یصر سیداً للآخرین. سبحان الله. عزمی استطاع أن یتحکم بنفسه ویغذیها ویسیرها حسبما یشاء عقله الذی نما وأثمر قبل أوانه.» (المصدر نفسه: 104)

وتقابل شخصیة بکر الطایل کإنسان یعتنق النقل شخصیة عزمی العقلیة. فشخصیة بکر تدلّ على جدلیة العقل والنقل التی تدور بین الأوساط الدینیة. فتتمثل هذه الجدلیة بین العقل والنقل فی شخصیة بکر حین یصفه الشیخ الجنزیر. فیعثر القارئ على ملامح هذا التفکیر عند بکر الطایل حیث یتفوه بأقوال تدلّ على قناعته بالتعامل السلبی مع عزمی وتصفیته. فبکر الطایل یستشهد بأقوال النبی صلى الله علیه وآله وسلم مبرراً ما ینوی فعله بقتل عزمی: «وقبل أن أرد، قال أحدهم وهم یمسد لحیته السوداء "المهم، ما العمل" فانبرى له بکر الطایل "العمل؟ العمل موجود فی قول رسولنا صلوات الله وسلامه علیه، فحین سئل: أیکون بعد الخیر الذی حصلنا علیه شر یا رسول الله؟ قال نعم، قیل فبمن نعتصم؟ قال: بالسیف.» (المصدر نفسه: 108)

إن النزعة العقلیة لدى عزمی الوجیه تتأکد عندما تفتش الشرطة غرفته فی بیت أبیه وتعثر على عدد من الکتب الممنوعة التی یذکرها العقید رشید حمیدات منها کتاب "الحروب العقلیة واستفسار العقل فی الأزمات". العقید رشید حمیدات ضابط فی الشرطة وهو المسؤول عن إلقاء القبض على عزمی الوجیه. فهو عند مراجعته لدار رباح الوجیة أبی عزمی الذی أصابه الهرم یستعمل کلمة الجنزیر واستخدام هذه المفردة استعاری حیث إن الأواصر النهائیة تقدم للقارئ فی روایة العقید رشید حمیدات وبدأت ملاح انفتاح العقد تجلو بوضوح. واستخدام کلمة القفل الصدئ إشارة استعاریة کذلک إلى السر الذی یبحث عنه القارئ الحصیف منذ البدایة والآن آن الأوان لفتحه.

ه. جبران

تبدأ شخصیة جبران تتغیر عندما یرحل عن حیه القدیم المسمى بجبل الجوفة والانتقال إلى حی راق من أحیاء العاصمة الأردنیة. فهذا الانتقال والطفرة استعارة للتحول الذاتی الذی طرأ علیه. إن الرحلة من الحی القدیم استعارة لترک الأفکار والمعتقدات القدیمة والانتقال إلى الحی الجدید استعارة لاعتناقه بأفکار جدیدة حیث یهدی هذا الرحیل والتنقل من مکان إلى مکان آخر جبران إلى تغییر النزعات السیاسیة السابقة وعدم الاکتراث بالقضایا التی کانت فیما سبق تهمه کما أن احتلال اسرائیل لبیروت کقضیة عربیة لم یعُدْ یشکل هاجساً له. إن شخصیة جبران أیقونة للفکر المارکسی الذی سوف یتبدل بحیث یشارک الحکومة کوزیر. «والمدرسة المارکسیة عنوان للفلسفة الموضوعیة التی بناها الفیلسوف الألمانی کارل مارکس الذی أسس نظریة الفکر الشیوعی.» (پورشبانان، 1392ش: 772)

یتبین هذا التحول الفکری لدى جبران عندما یصف تنقله من الحی القدیم: «مضت أعوام طویلة على رحیلی عن جبل الجوفة. أذکر أننی قبل ذلک الرحیل، انتبهت إلى أمر لم أفکر به فی غمرة اهتمامی بالقضایا السیاسیة والطبقیة، إنه حریتی وحریة إسرتی الاجتماعیة التی لم تکن موضع اهتمام لدیّ، أرید أن أفعل ما یحلو لی ولأسرتی بعیداً عن تدخلات الآخرین وتقولاتهم.» (ناجی، 2010م: 86)

ما یجب ذکره فی ختام دراستنا عن الشخصیات والأحداث هو أن الأحداث لا تتقید بمنطق بسیط أی أن العمل الراوئی أو خط الروایة أو قیام العلاقات السببیة والمسببیة بین الأحداث وتسلسلها لا یتوفر بسهولة بل إن کل حدث مسبب عن حدث آخر تساهم فیه الشخصیات کلها. إنه یمکن تصنیف الشخصیات على أنها شخصیات أولیة ونامیة تتولد من رحمها شخصیات جدیدة ذات نزعة مختلفة عما کانت علیه من قبل. فالشخصیات فی الروایة تطرق على وتر خط الروایة وتؤثر على بسط الحبکة. إن تسلسل الأحداث فی هذه الروایة یقوم على أن کل شخصیة تسرد حادثة ما وتحمّل مسؤولیةَ سرد ما تبقى منها على الشخصیة الأخرى التی تلیها فی سرد الروایة. فتستمرّ الشخصیة التالیة فی سرد الأحداث التی بدأتها سابقتها. فعلى سبیل المثال یحکی بکر الطایل ماجرى فی حفلة زفاف أبی حصة من أخته عتاب وموته المفاجئ لیلة دخلتها ولکن دون التعرض إلى تفاصیل ما جرى تلک اللیلة؛ لأن الشخصیة التی تبدأ السرد لاعلم له فی الأساس عن تفاصیل ذلک الحدث ویأتی بیان ما جرى على لسان الشخصیة التی على علم من ذلک. فبکر الطایل یشکک فی اقتراح الجنزیر لزواج صبری أبو حصة من عتاب؛ لأن صبری لیس ممن تتلمذوا عند الجنزیر ولا یعرفه بکر معرفة تامة. أما الجنزیر فهو الذی یشیر إلى ملابسات زواج صبری من عتاب وموته لیلة الدخلة ویفتح أسرار الحدث و هذا ما یشیر إلیه بکر فی قوله: «وافق صبری وعتاب على أن یتزوجا عند التقائهما فی بیت الجنزیر بحضوری. لکننی شعرت أن صبری لم یکن متحمساً بما یکفی، کان أشبه بمخلوق سلبت أرادته. على الأغلب أن الجنزیر لحظ ذلک والعلم عند الله.» (المصدر نفسه: 150)

و. خرق التابوهات

یعادل مصطلح "تابو" فی العربیة معنى الحرام الذی یدلّ على معنیین مختلفین فی نفس الوقت وکما نعرف أن الحرام یدل على المقدس والخبیث والتابو یعنی الحذر من عمل یجب اجتنابه و"تابو" کلمة بولینیزیة و«بالنسبة لنا یتعشب معنى التابو إلى اتجاهین متعاکسین. یعنی لنا من جهة: مقدس، مبارک، ومن جهة أخرى: رهیب، خطیر، محظور، مدنس. وضد تابو فی البولنیزیة یسمى: نوا، أی اعتیادی، متاح للجمیع. بذلک یلتصق شیء مثل مفهوم احتیاط، کما أن التابو یعبر عن ذاته أساساً فی المحظورات والتقییدات وعبارتنا "المهابة القدسیة" تتطابق غالباً مع معنى التابو.» (فروید، 1983م: 44)

تنجلی الشخصیة المناضلة والمتجاوزة للخطوط الحمراء أو ما یسمی بالتابوهات لسندس أکثر حین تعترف نفسها أنها تقوم بإیذاء عزمی لعلها تکشف عما یختلج فی صدره وتزیل الغطاء عن أسراره حین کانت زوجة لأبی عزمی حیث تقول: «کان لابد لی من أفهم ما یفکر به هذا "العزمی" الذی یشبه صندوقاً مغلقاً فعمدتُ التحرش به وأحیانا مضایقته عله ینضح ما فی صدره لکنه لم یستجب.» (ناجی، 2010م: 49) ثم تقول سندس ما یکشف عن شخصیتها الطموحة: «فکرت فی أمر عزمی، قررت مدّ سلطامی إلیه لکن بطریقة مختلفة عن أبیه، لأنه مختلف عنه. استخدمت ذلک الغطاء المشروع العنایة به.» (المصدر نفسه: 50)

فیمکن مشاهدة أول ملامح لطابع خرق التابوهات والوقوف أمام الرسوم والتقالید حیث تعرفت سندس إلى الشیخ عبدالحمید الجنزیر. فهی لا تأذن زوجها للخروج من بیتها والذهاب إلى بیت الجنزیر لعلاج ما فیها من آلام، بینما طالبها الجنزیر بالاستفسار من زوجها للرجوع إلیه ولکنها فعلت ما فعلت وخرجت من دون الإذن. تظهر الشخصیة الکاسرة للحدود لسندس فی یوم لقائها مع الجنزیر فی غرفة دخانیة. تقول سندس حین ذهابها إلى بیت الجنزیر إن لها شخصیتین، شخصیة حقیقیة وأخرى شخصیة متجاوزة للحدود تشتهی فعل الحرام: «من الصعب أن أصف ما حدث لی تلک اللحظة، فقد تحولتُ إلى امرأتین فی وقت واحد لو حدثتنی أیة امرأة بذلک لما صدقتُها. لکن هذا ما حدث معی! فقد جلستُ على المقعد الطویل المغطى بجواعد الصوف وأنا أرقب ما یفعله بی بسندس الأخرى الملتصقة بالجدار... .» (المصدر نفسه: 80)

الشخصیة المناضلة لسندس وتحدیها للأعراف والطقوس وأفکارها التی تختلف عن سائر النساء ومیولاتها الخاصة تنجلی فی أقوال زوجها رباح حیث تخرج سندس من أربعة تصانیف یحددها رباح للنساء وتشکل تصنیفاً جدیداً خاصا لها «عندی قاعدة: النسوان أربعة أنواع، الأولى تسلم نفسها للرجل حباً به، والثانیة حیاء منه، الثالثة غصباً عنها، الرابعة عهراً منها. أنا متأکد من أن سندس لم تحبنی، لکنها کسرت القاعدة، فلم أعرف أی نوع من النسوان هی؟.» (المصدر نفسه: 39)

 

الصراع ودوره فی تجسیر الروایة وخلق الشخصیات

فالصراع فی هذه الروایة صراع مع النفس وصراع مع الآخر والاجتماع أی أن الشخصیات تتربى حیث علاقاتها التقابلیة التی تمارسها مع الآخرین أثناء الاشتباک معهم. فتکمن أهمیة الصراع فی أن «الصراع هو إعطاء النصوص إثارة وجاذبیة خاصة.» (أبومصطفى، 2015م: 165) فالسمة البارزة فی شخصیة الشیخ عبد الحمید الجنزیر هی صراعه مع الآخرین وآراؤه المختلفه عنهم. فهذا الصراع جلی عندما یسرد الجنزیر روایته عن عزمی. إن الشیخ الجنزیر حین یتحدث عن الکون والإنسان فیکشف لنا عن ذاته المتغلبة المیالة إلى هیمنة الآخرین حتى لاتشکل أفکارهم ومعتقداتهم مصدراً للقلق له. فالحقیقة أن شخصیة الجنزیر شخصیة متغلبة تشعر بصراع دائم من أطرافه قاصداً لجم الخصوم ثمّ تدمیر ما یهدد أفکاره الانتهازیة. «أثار سؤاله إعجاباً فی نفسی التی خاطبتنی: من الخیر أن تحنی الغصن وهوصغیر، أو تصححه وهو طری صغیر أیضا.» (ناجی، 2010م: 19)

تبین فیما سبق أن الصراع الدائر بین الشخصیات هو صراع خارجی أی صراع مع الآخر وکذلک صراع مع النفس. عبارة أخرى أن الشخصیات تواجه نفسها وتصارع العالم الذی یکتنف بها ویفضی هذا الصراع المتواصل الثنائی إلى محاولات للتغییر وحدوث تضارب للآراء بین القوى المتخاصمة. فهذا الصراع وهذه المخاصمة تبدأ منذ البدایة وتستمر مع تحریک الحبکة. أما صراع سندس مع ما حولها فیبدأ مع الأحداث التی تلت حفل زواجها مع صبری أبو حصة حیث تنکرت لها الحیاة ونغصت حفلة زفافها بسبب إطلاق الرصاص فی العرس ومن ثم عقائد أبیها الخرافیة التی سببت تعطیل الحفلة. «لم أغفر لأبی ما فعلها بی یومها، على الرغم من محاولاته إقناعی بأنه لم یقصد تخریب عرسی، ولامنعی من التمتع بشبابی مع صبری أبو حصة ولا الاحتفاظ بی حزناً على فراقی، إنما حرصاً على هیبة العروس فی أنا.» (المصدر نفسه: 10)

 

عنصر المفاجئة

تلک النتائج غیر المتوقعة التی ذکرها سندس فی مستهل الروایة وبیاننا أن هذا التجسیر فی حکم المقدمة والنتیجة تلوح أکثر فأکثر فی ختام الروایة. إن المفاجآت التی تکتنف النص وتباغت القارئ تلوا بعد أخرى تجری دائما أثناء حدث ما. فعلی سبیل المثال فی تحاور جبران وزوجته رابعة واتصال عزمی بخاله یقول جبران إنه ابن حلال؛ لأنهما کانا یتحاوران عن عزمی ففی ذلک الحین اتصل عزمی بخاله اتصالاّ هاتفیاً، لکن رابعة تصرح أنه یجب التشکیک فی أن عزمی ابن حلال: «نظرتُ إلى الاسم الذی ظهر على شاشة الجهاز، ترددت قلیلا وقلت: هذا عزمی، ابن حلال. فردّتْ بامتعاض "أشک فی أنه کذلک".» (المصدر نفسه: 197) إن رابعة زوجته جبران تزودنا آصرة أخرى عن سر جدید هام حیث تحذّر زوجها جبران من الاقتراب من عزمی؛ لأن الاقتراب منه قد یسیء جبران ویسرب سرا قد یکلفه ثمنا باهظاً: «...لا أرید لعزمی أن یقترب منک، وجوده بالقرب منک قد یکشف لک ما قد ینغص علیک حیاتک.» (المصدر نفسه: 197)

فرغم أن شخصیة رابعة تبدو شخصیة هامشیة فی الروایة إلا أنها تمتلک سرا یکشف عن حقیقة تهمّ عزمی وهذه الحقیقة لا تنکشف حتى بعد نهایة الروایة لأنها وحدها تعلم من هو أبو عزمی؟! فلذلک أعطیت تلک القلادة الثمینة. عرف عزمی هذه الحقیقة عندما زودته سندس بأوراق الفحص الطبی لرباح التی تثبت عدم إنجابه لکنه راوده الشک فی صدق أقوال سندس. أما الفحوص الطبیة التی أجراها هو بنفسه فأکدت هذه الحقیقة الصادمة وظهر له أن رباح لیس أباه. إن رؤوس الخیط الرئیسة التی تزود بها القارئ منذ التجسیر التمهیدی للروایة والنتائج غیر المتوقعة التی کانت تنتظره منذ البدایة تفاجئ المتلقی عند النهایة ما لم ینتظره.

فلم نکن نتوقع من شخصیة هامشیة فی الروایة أن یمتلک سرا یفتح العقدة منها. فالنهایة فی هذه الروایة مفتوحة أی أن السارد یشرک القارئ فی الاستنتاج ویجعله حراً طلیقاً لرسم نهایةٍ للروایة. «فیمکن اعتبار هذه الروایة من صنف الروایات التی تسعى للتهرب من بیان النتیجة وخرق القانون التشکیل للنهایات السردیة بل إنها تنقض التوازن البدائی للروایة وتتملص من بیان رسالة أو نتیجة واحدة. وما یقصده الروائیون الذین یسردون مثل هذه الروایات هو أنهم یحاولون إطلاق فکر القارئ لاختیار نهایة سردیة وینالون من أهمیتها قاصدین لفت انتباه المتلقی إلى المواقف السردیة أو الصراع أو التطورات التی تعتری النص السردی وفی النهایة.» (موسوی وآخرون، 1394ش: 136)

 

النتیجة

إذن فالنتائج التی تبینت من خلال هذه الدراسة کما یلی:

1. یعادل مصطلح التجسیر الروائی فی هذه الدراسة التسمیات التی تطلق على الافتتاح السردی مثل حسن المطلع والاستهلال ونحوهما. فحاولت الدراسة الجنوح عن التسمیات السابقة انطلاقاً من قناعتها بأن هذه الأسماء مشحونة بشحنة شعریة أکثر من النثر. فلذلک اقترحنا مصطلح التجسیر الروائی بدل الافتتاح والاستهلال وهذا المصلطلح ینبع من المنظور النقدی الذی تمسکت به الدراسة.

2. إن السارد فی روایة "عندما تشیخ الذئاب" یستمتع فی تجسیره السردی بالتقنیات المتوفرة فی الروایة الحدیثة. فهو فی تمهیده الروائی یجعل الأحداث والشخصیات فی بؤرة سرده ویقوم باستحضار هذین المکونین لحسم روایته. فالشخصیات فی هذا العمل السردی تمثل فکرة خاصة وتثیر حادثة لتسییر الحبکة فی الروایة. فهی تعرض عالماً متعدد الأصوات ملیئاً بالمفارقات.

3. إن هذه الروایة متعددة الشخصیات والأحداث والتعددیة فی الحدث والشخصیة تمکّن السارد من التهرب من الحدث الواحد أو أحادی الجانب حیث ترى فی عملیة السرد الشخصیات المختلفة التی تظهر فی الأحداث المختلفة التی تسیر الحبکة وهذا الموقف التشجیعی من سرد الروایة یلفت انتباه المسرود له ویجعله حریصاً على متابعة القراءة.

4. ظهر من خلال البحث أن الروائی بدأ روایته بتوظیف عنصر الشخصیة والحدث وهذا الاستهلال یتطابق تماماً مع الفحوى الذی یرید السارد إیصاله إلى المتلقی؛ لأنه نوى منذ عنونة الروایة أن یشیر إلى تبدل شخصیة الإنسان عندما تعتریه الشیخوخة.

إبراهیمی، نادر. (1378ش). ساختار و مبانی ادبیات داستانی 3 براعت استهلال یا خوش آغازی در ادبیات داستانی. طهران: پژوهشگاه فرهنگ و هنر اسلامی.

أبو مصطفى، أحمد محمود. (2015م). تداخل الأجناس الأدبیة فی القصیدة العراقیة. رسالة مقدمة لنیل درجة الدکتوراه. غزة: الجامعة الإسلامیة.

أشهبون، عبد الملک. (2013م). البدایة والنهایة فی الروایة العربیة. القاهرة: رؤیة للنشر والتوزیع.

براهنی، رضا. (1393ش). قصه نویسی. ط 4. طهران: مؤسسة انتشارات نگاه.

بلوک، لورنس. (2009م).کتابة الروایة من الحبکة إلى الطباعة. ترجمة صبری محمد حسن. مصر: دار الجمهوریة للصحافة.

بیک، جون. (1366ش). شیوه تحلیل رمان. ترجمة أحمد صدارتی. طهران: نشر مرکز.

پازارگاد، بهاء الدین. (لاتا). مکتب‌های سیاسی. طهران: اقبال.

پاینده، حسین. (1393 ش). گشودن رمان. ط2. طهران: مروارید.

پورشبانان، علیرضا. (1392ش). دانشنامه دنیای علم. طهران: آرایان.

سناپور، حسین. (1394ش). ده جستار داستان نویسی. ط3. طهران: نشر چشمه.

ستالونی، إیف. (2014م). الأجناس الأدبیة. ترجمة محمد الزکراوی. بیروت: المنظمة العربیة للترجمة.

فروید، سیجموند. (1983م). الطوطم والتابو. ترجمة بو علی یاسین. سوریا: دار الحوار للنشر والتوزیع.

موسوی، مریم. (1394ش). «فرجام­گریزی در داستان و فراداستان بر اساس نظریه توماشفسکی». مجلة ادبیات پارسی معاصر. السنة الخامسة. العدد 1. صص 125-137.

میرصادقی، جمال. (1393ش). شناخت داستان. طهران: مؤسسة انتشارات نگاه.

ناجی، جمال. (2010م). عندما تشیخ الذئاب. ط2. الجزائر: منشورات الاختلاف.

النصیر،یاسین. (2009م). الاستهلال فن البدایات فی النص الأدبی. دمشق: دار نینوى.

هاوتورن، جرمی. (1394ش). پیش درآمدی برشناخت داستان. ترجمة شاپور بهیان. طهران: نشر چشمه.

وادی، طه. (1994 م). دراسات فی نقد الروایة. ط 3. القاهرة: دار المعارف.