الأدب المقارن والنقد الأدبی: العلاقة أو المنازعة؟ (دراسة وتحلیل)

نوع المستند: علمی پژوهشی

المؤلفون

أستاذ مشارک فی اللغة العربیة وآدابها بجامعة الرازی، کرمانشاه، إیران

المستخلص

إنّ لکلّ مدرسة من مدارس الأدب المقارن ذات اتجاهات أدبیة؛ موقفها الخاصّ تجاه النقد الأدبی. فبینما تکرّس المدرسة الفرنسیة للأدب المقارن على دراسة العلاقات التاریخیة للآثار الأدبیة فی ضوء رصد التأثیر المتبادل بینهما من دون اهتمام بقضایا النقد والجمالیات الأدبیة عبر دراساتها. فی الحقیقة؛ زبدة قولهم هی أنّ الباحثین فی الأدب المقارن لیسوا نقاداً والنقاد لیسوا من المقارنین. أمّا المدرسة الأمریکیة فی الأدب المقارن، التی بدأت مع المحاضرة التی ألقاها "رینیه ویلیک"، فإنّها تعدّ کنقطة انطلاقة لاحتکاک الأدب المقارن بالنقد الأدبی والتوفیق بین مناهج الأدب المقارن والنقد الأدبی ثم الدمج بین مناهج الأدب المقارن والنقد الأدبی بحیث یکمل بعضهما البعض. وفی السیاق ذاته إنّ من أبرز خصائص المدرسة الأمریکیة للأدب المقارن، أنّها تعیر أهمیة قصوى للجمالیات الفنیة المنضویة تحت النصوص الأدبیة وخلاصة قولهم هی؛ أنّ الأدب المقارن والنقد الأدبی أمران متداخلان لدرجة یمکننا اعتبارهما وجهین لعملة واحدة. وأما هذا البحث فإنّه یحاول واعتمادا على المنهج الوصفی التحلیلی، دراسة کیفیة تفاعل المدارس الأدبیة للأدب المقارن مع مسارات النقد. ومن أهمّ النتائج التی تفیدها هذه المقالة هو أن بین المدارس الأدبیة للأدب المقارن ولاسیما المدارس الأمریکیة والألمانیة والسلافیة منها وبین النقد الأدبی علاقة عضویة أو بنیویة. وبناء على ذلک نستطیع القول إنّ دراسة النماذج الأدبیة الراقیة وبمعزل عن النظر فی الأبعاد الجمالیة والاتجاهات الأدبیة الکامنة فیها تعدّ عملیة مبتورة غیر مکتملة. آخذاً بنظر الاعتبار إنّ المدرسة الأمریکیة للنقد تتطرق أثناء دراستها إلى بحث جمالیات النص الأدبی کمهمّة أساسیة من مهامها الأدبیة.

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

الأدب المقارن والنقد الأدبی: العلاقة أو المنازعة؟ (دراسة وتحلیل)

المؤلفون [English]

  • Toraj Zeinivand
  • Jahangir Amiri
Associate Professor of Arabic Language and Literature at Razi University, Kermanshah, Iran
المستخلص [English]

إنّ لکلّ مدرسة من مدارس الأدب المقارن ذات اتجاهات أدبیة؛ موقفها الخاصّ تجاه النقد الأدبی. فبینما تکرّس المدرسة الفرنسیة للأدب المقارن على دراسة العلاقات التاریخیة للآثار الأدبیة فی ضوء رصد التأثیر المتبادل بینهما من دون اهتمام بقضایا النقد والجمالیات الأدبیة عبر دراساتها. فی الحقیقة؛ زبدة قولهم هی أنّ الباحثین فی الأدب المقارن لیسوا نقاداً والنقاد لیسوا من المقارنین. أمّا المدرسة الأمریکیة فی الأدب المقارن، التی بدأت مع المحاضرة التی ألقاها "رینیه ویلیک"، فإنّها تعدّ کنقطة انطلاقة لاحتکاک الأدب المقارن بالنقد الأدبی والتوفیق بین مناهج الأدب المقارن والنقد الأدبی ثم الدمج بین مناهج الأدب المقارن والنقد الأدبی بحیث یکمل بعضهما البعض. وفی السیاق ذاته إنّ من أبرز خصائص المدرسة الأمریکیة للأدب المقارن، أنّها تعیر أهمیة قصوى للجمالیات الفنیة المنضویة تحت النصوص الأدبیة وخلاصة قولهم هی؛ أنّ الأدب المقارن والنقد الأدبی أمران متداخلان لدرجة یمکننا اعتبارهما وجهین لعملة واحدة. وأما هذا البحث فإنّه یحاول واعتمادا على المنهج الوصفی التحلیلی، دراسة کیفیة تفاعل المدارس الأدبیة للأدب المقارن مع مسارات النقد. ومن أهمّ النتائج التی تفیدها هذه المقالة هو أن بین المدارس الأدبیة للأدب المقارن ولاسیما المدارس الأمریکیة والألمانیة والسلافیة منها وبین النقد الأدبی علاقة عضویة أو بنیویة. وبناء على ذلک نستطیع القول إنّ دراسة النماذج الأدبیة الراقیة وبمعزل عن النظر فی الأبعاد الجمالیة والاتجاهات الأدبیة الکامنة فیها تعدّ عملیة مبتورة غیر مکتملة. آخذاً بنظر الاعتبار إنّ المدرسة الأمریکیة للنقد تتطرق أثناء دراستها إلى بحث جمالیات النص الأدبی کمهمّة أساسیة من مهامها الأدبیة.

الكلمات الرئيسية [English]

  • الأدب المقارن
  • النقد الأدبی
  • مدارس الأدب المقارن
  • المدرسة الفرنسیة
  • المدرسة الأمریکیة
  • رینیه ویلیک

    مع أنّ أرسطاطالیس (أرسطو) هو أوّل من وضع أصول الإبداع الأدبی ودوّنها وأسس معاییر لتقسیم الآثار الأدبیة إلاّ أنّ نشوء أوّل مدرسة فی الأدب المقارن لا یعود تاریخه إلی أبعد من قرنین مع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ عملیة المقارنة تکون متزامنة مع نشوء الإنسان علی وجه الأرض. (أنوشیروانی، 1391ش: 117)

    یُعدّ الأدب المقارن والنقد الأدبی آلیتین‌ أساسیتین توّظفان لدراسة الآثار الأدبیة لشعوب العالم. الأدب المقارن یطمح إلی رصد وجوه التلاقی بین الآداب واللّغات والثقافات کما أنّ النقد الأدبی ینزع إلی الکشف عن مکامن الضّعف والقوّة فی النصوص الأدبیة وتقییم جوانبها الفنّیة وأبعادها الجمالیة بینما کانت الدّراسات المعنیة بالنقد الأدبی فی القرن التاسع عشر آخذة بالتزاید، تولّدت مدرسة (المدرسة الفرنسیة) جعلت الکشف عن الصّلات التاریخیة الّتی تربط بین آداب الشّعوب فی قمة أولویاتها دون أن تعنی بالأبعاد الجمالیة والنقدیة. فما إن دخلنا المنتصف الثانی من القرن العشرین حتّی واجهنا الآراء الّتی اقترحها "رینیه ویلیک". والنّظریات الّتی طرحها "ویلیک" تعتبر الحجر الأساس للمدرسة الّتی سمیّت فیما بعد بالمدرسة الأمریکیة؛کظاهرة عالمیة والتی وجّهت نقداً مریراً لاذعاً تجاه المدرسة الفرنسیة التّی تحبس آداب الشّعوب فی دهالیز العلاقات التاریخیّة هادفة إلی الإفراج عن الآداب من زنزانة الرؤیة الفرنسیة ومنحها حالة من الانطلاق والانفتاح النّاجمین عن الحوار البنّاء والتفاعل الجادّ فیما بینها. ظلّت النزعة الأمریکیة فی النقد تزداد اتساعاً وشیوعاً حتی هیمنت علی الرّؤیة الفرنسیة. فتوجّهت الدراسات الأدبیة صوب الجمالیات الأدبیة والنقد الأدبی بعد أن کانت منحصرة فی الجوانب الهامشیة والأجنبیة عن الأدب کالتأثیر المتبادل ومصادر الإلهام والصلات التاریخیة. وهکذا أخذ الأدب المقارن یکتسی طابعاً نقدّیاً أکثر فأکثر وأصبحت المیزات الفنیّة للأثر وجمالیاتة البلاغیة موضع اهتمام الباحثین ومحطّ أنظار الدارسین. (زینی‌وند، 1392ش: 21)

 وزد علی ذلک؛ أنّ العلاقة بین الأدب المقارن والنقد الأدبی فی المدرستین السلافیة والألمانیة لها مکانة مرموقة بحیث نستطیع أن نعدّ هاتین المدرستین من العوامل الأساسیة والمؤثرة فی ازدهار هذا التلاقی والاتصال بین الأدب المقارن والنقد الأدبی.

أسئلة البحث

   وأمّا أهّم التساؤلات الّتی یتمحور حولها هذا البحث والتی  نحن نرید العثور علیها فهی، کالتالی:

1- ما هی همزة الوصل بین الأدب المقارن والنقد الأدبی؟

2- ما هی أوجه التلاقی والتباین بین الأدب المقارن والنقد الأدبی؟

3- ما هی الآراء الرئیسة للمدارس الأدبیة فی الأدب المقارن تجاه النقد الأدبی وما هی وجوه اشتراکها وافتراقها؟

    والفرضیة التی بُنی علی أساسها صرح هذا المقال هی أنّ مدارس الأدب المقارن کافّة تحرّض علی توثیق التلاحق والترابط بین آداب الشعوب بغضّ النظر عمّا بین هذه المذاهب النقدیة من وجوه التلاقی والتباین. إلّا أنّ للمدرسة الأمریکیة اهتماماً أکثر بالنقد الأدبی وجمالیات الأدب بحیث تعتبر هذه القضایا من أهّم میزات الاتجاه الأمریکی فی الأدب المقارن. والعلاقة الوطیدة التی تربط بین النزعة الأمریکیة والنقد الأدبی تعطینا القناعة بأنّهما وجهان لعملة واحدة.

خلفیة البحث

    أمّا فیما یتعّلق بسوابق البحث فلابدّ من الإشارة إلی بعض من عملوا فی مجال الأدب المقارن ومنهم: رینیه ویلیک وأنوشروانی وساجدی وعبود والخطیب. فقد درس هولآء وغیرهم کثیرون جوانب عدیدة للأدب المقارن وعلاقته بالنقد الأدبی. وممّا یمیّز هذا البحث المتواضع عن غیره أنّه یحمل فی طیّاته معلومات مبدئیة هامّة تعتبر مدخلا أو نافذة یطلّ القارئ الکریم من خلالها علی أحداث وتطورات مصیریة شهدها الأدب المقارن عبر المدارس الأدبیة.

لم تنجز لحد الآن دراسة عمیقة تقوم بالبحث عن العلاقة بین الأدب المقارن والنقد الأدبی إلا أنّ هناک عددا من الباحثین لقد اهتموا بدراسة بعض أبعاد الموضوع وزوایاه نخصّ منهم بالذکر: ویلیک (1389ش)؛ «أزمة الأدب المقارن». ویلیک ووارن (1372ش)؛ نظریة الأدب. انوشیروانی (1388ش)؛ «فلسفة ونظریة جدیدة فی الأدب المقارن».(نفسه) (1390ش)؛ «ضرورة التعرّف علی نظریات الأدب المقارن فی ایران».  نفسه.(1391ش)؛ «التطوّرات النظریة للأدب المقارن، فصلیة الأدب المقارن». عبود (1999م)؛ «الأدب المقارن؛ مشکلات وآفاق». زینی­وند (1392ش)؛ «الأدب المقارن (تعریفه، تطوره، اصوله ومناهجه)».

أمّا مقالة کتبت وباللغة الفارسیة حول الموضوع الّذی عالجناها فی هذا المقال فهی مقالة عنوانها؛ «تبیین چالشها وظرفیت­های رابطه نقد ونظریه ادبی وادبیات تطبیقی» لمسیح ذکاوت (1391) (العلاقة بین النقد والنظریة الأدبیة :و الأدب المقارن تحدّیات وفرص). وجدیر بالذکر أنّنا استفدنا کثیراً فی بحثنا هذا، من معطیات المقال الثمنیة. وثمة مقالة أخری بعنوان «التجربة السلافیة والأدب المقارن» للخضری (2008)؛ قام المؤلّف فی مقالته هذه بدراسة المدرسة الروسیة من مختلف جوانبها کما درس کیفیة العلاقة بینها وبین النقد الأدبی ومقالة أخری عنوانها «نظریة التلقی فی النقد الأدبی والأدب المقارن» لبروینی وشکری (1392) لقد اهتمّ الکاتبان فی مقالتهما بدراسة الصلات النظریة والنقدیة وما یربطهما مدرستین مشهورتین (الفرنسیة والأمریکیة) بالأدب المقارن والنقد الأدبی.

البحث والتحلیل

الأدب المقارن والنقد الأدبی

 العلاقة بین الأدب المقارن والنقد الأدبی یتمّ دراستها فی حقول ثلاثة هی؛ التعاریف والأهمیّة والأهداف المشترکة بینهما؛

وقبل کلّ شیء لابدّ من الانتباه الی أنّ التواصل بین الأدب المقارن ونظریة النقد الأدبی المعاصر یبدو أمرا محتملاً لا جدال فیه؛ فبلغ الاحتکاک بینهما حدّاً جعل بعض أصحاب الفنّ یعتبرونهما شیئا واحدا، الفصل الأول من کتاب الأدب المقارن: الموضوع وإشکالیة البحث (1969) تألیف أوفن آلدریج یدرس نظریة والنقد الأدبی؛ وبعبارة أخری إن آلدریج صنّفه فرعا من فروع الأدب المقارن وفی السیاق المتّصل؛ أکّد فرانسوا یوست علی أن الأدب المقارن هو النقد الأدبی نفسه. (ذکاوت، 1391ش: 106)

ولیس من قبیل الصّدفة أن الکثیر من متخصّصی الأدب المقارن ینشطون فی مجال النقد والنظریة الأدبیة فی آن واحد ومن هؤلاء الأخصائیین؛ «رینِه ویلیک» من روّاد النقد الحدیث وکذلک جایا تری جاکراورتی اسبیواک وادوارد سعید وجودیث باتلر ودومان وارسیلیا خبز وجان میشل وغیرهم کثیرون (المصدر نفسه: 106-107) فی الحقیقة، تحدید الأدب المقارن یتطلّب الترکیز علی الحدود اللّغویة والثقافیة والقومیة أو الحدود القائمة بین الفروع الجامعیة. وهذه هی السمة التی کانت تتسم بها نظریة النقد الأدبی لحقبة طویلة علی غرار الدراسات البینیة للأدب والتاریخ وعلم الاجتماع وعلم­النفس والفلسفة و... . (المصدر نفسه: 107)

أضف علی ذلک؛ أن الاجتیاز الآراء الأدبیة واللّغویة والقومیة والعمل علی تطبیقها فی المناطق الجدیدة تبادر إلی الأذهان التعریف الذی اقترجه دیفید دمراش للأدب المقارن علما أنّ الأدب العالمی فی منظار دمراش عبارة عن مجموعة من الآثار الأدبیة الذائعة وراء الحدود الجغرافیة عبر الترجمة أو بلغاتها الأصلیة. (المصدر نفسه: 158)

وأما فیما یتعلق بأهمیة وغایة النقد الأدبی والأدب المقارن فیمکن القول إن لهما أهمیّة وغایة تخطنا حدود الأقوام والثقافات ما جعل الأقوام بأجمعها تعترف بهما فی أجواء من التفاهم والتعاطی ثم أنّهما تتجاوزان الحدود الصناعیة وتکسبان الشعوب السّعة فی التفکیر والرؤیة. ویمکن اعتبار کلّ واحد منها مرآة تعکس الآخر بوضوح وإنّ کلّاً منها یدعو إلی الاحتکاک بین الرؤی والتفاعل بین الثقافات فی انفتاح مع التشدّد علی الحفاظ علی الهویات المحلّیة وتسودها هویة بین الفرعیة (المصدر نفسه: 109)

لاجدال فی أنّه لا یمکن التعّرف علی ظاهرة علمیة أو أدبیة إلاّ بعد التعّرف علی المدارس الأدبیة التی تنتمی إلیها تلک الظاهرة الأدبیة ولذلک بات من الصّعب جدّاً فهم التطورات التی شهدتها دراسات الأدب المقارن دون النظر إلی الآراء الحدیثة والمدارس الفکریة. (أنوشیروانی، 1390ش: 17) لم یتفق الباحثون بعد، علی التعریف بالأدب المقارن تعریفاً دقیقاً. ربّما ما طرحه المنّظر الشهیر "رینیه ویلیک" کالتعریف بالأدب المقارن هو أدقّ وأقصر ما اقترحه باحث بهذا الصدد حیث یقول: «الأدب المقارن هواتّجاه أدبی جدید یدرس العلاقات الأدبیة التی تجمع بین مختلف الأقوام.» (ویلیک ووارن، 1373: 19)

نستنتج مما مضی أنّ معرفة الأدب المقارن والنقد الأدبی وما بینهما من علاقة فی هذه الحقول الثلاثة لهما دور مفصلی للکشف عن نقاط التلاقی أو الافتراق ودراستهما وبما أنّ الإلمام بالأدب المقارن ومفاهیمه یتطلّب منّا رسم ‌خّط سیر التطور الّذی مّرت به هذه الظّواهر الأدبیة فلذا نبدأ بالمراحل التی تخطّتها مدارس الأدب المقارن بادئین بالمدرسة الفرنسیة:

المدرسة الفرنسیة للأدب المقارن

   هذه المدرسة تکاد تکون هی الّتی أسّست دعائم الأدب المقارن وأصولها لأوّل مرّة؛ من منظار هذه المدرسة لایتمّ عملیة تبادل النماذج الأدبیة بین الشّعوب عن طریق الصّدفة وبطریقة عشوائیة. بل ثمة علاقة تاریخیّة تعمل وفق النظام العلّی. من هنا یجب علی الباحث فی مجال الأدب المقارن البحث عن صلات تجمع بین الأدبین والتی تمّهد الطریق للتبادل الأدبی بینهما ومن هذه الصلات، المترجمون وصالات الفنّ الأدبیة والسّیاح وغیر ذلک من التقنیات التی تسّهل عملیة الجذب والعطاء بین الآداب. (جمال الدین، 1389ش: 15) یمکن اعتبار کتاب "الأدب المقارن"، "غویارد"[1] (1951) وهو أستاذ فی جامعة السوربون والمقدّمة الّتی وضعها فیه أستاذه "جان ماری کاریا"[2]من طلائع الکتب التی تّم تألیفها حول الأدب المقارن وباللغة الفرنسیة. فقد کان للکتاب دور ریادیّ فی تحدید معالم المدرسة الفرنسیة فی الأدب المقارن. ممّا صّرح به "جان ماری" فی مقدمة الکتاب أنّ المقارنة أو المفاضلة بین النماذج الأدبیة لیس من أولویات الأدب المقارن بل تکمن الأهمیة القصوی فی صلب دراسة الخیوط الفکریة والأدبیة المشترکة بین الشّعوب. (أنوشیروانی، 1391ش: 75) بلغ الاتجاه الفرنسی فی الأدب المقارن فی أبان القرن العشرین ذروته ولا یمکن إغفال دور جامعة السوربون فی ازدهار وتنمیة المدرسة الفرنسیة. فقد طوّر علماؤها مبادئ المدرسة ووضعوا النقاط علی الحروف. (جمال الدین، 1389ش: 16) سبق أن أشرنا أنّ المیزة التی تمیّز المدرسة الفرنسیة أنّها ترید إزاحة الستار عن المصادر التی تستوحی منها الشعوب والأمم نتاجاتها الأدبیة. إلا أنّ المعطیات الأدبیة نفسها لا تحظی بأهمیّة بالغة لدی أتباع المدرسة الفرنسیة طالما تتّجه أنظارهم نحو قضایا خارجة عن نطاق الأدب. (شرکت‌ مقدم، 1388ش: 9) بناءً علی ما مضی لم تجعل المدرسة الفرنسیة المقارنة بین الآثار الأدبیة هاجسها الأوّل وغایتها المنشودة بل تعتبر هذه المدرسة عملیة المقارنة نقطة انطلاقة لجولة أدبیة استکشافیة تفضی فی نهایة المطاف إلی التوصل إلی وجوه التلاقی والتباین بین شعوب العالم. ومغزی ذلک أنّ المقارنة فی أدبیات المدرسة الفرنسیة تستخدم کوسیلة لإفساح المجال للتبادل الثقافی والأدبی بین مختلف الأعراق واللغات؛ ممّا یکون مؤدّاه تقارب الرؤی وتبادل الأفکار وحوار الحضارات. (نظری منظم، 1389ش: 78) بالإضافة إلی ذلک أنّ الأدب المقارن بانتمائه الفرنسی لا یکترث بالنواحی الفنّیة للآثار الأدبیة ویصّب جلّ اهتمامه فی الجوانب الخارجیة للآثار والتأثیر المتبادل الذی یجری فی شرانقها جریان الدم فی العروق. (ویلیک ووارن، 1373ش: 43) کان مناصری المدرسة الفرنسیة یتعاطفون مع السیاسات الاستعماریة التی تمارسها وتنفّذها الحکومة الفرنسیة فی سائر البلاد انطلاقاً من مبدأ الدّمج بین الأدب والسیاسة. (أنوشیروانی، 1390ش: 17)

کان الأدباء التابعون للمنهج الفرنسی یساهمون الأنظمة الفرنسیة فی إیجاد الطرق التی یتمّ بها الخطط الاستعماریة دون الاعتناء بآداب البلدان المستعمرة. (الخطیب، 1999م: 42) والأدب الفرنسی یعتبر أغنی وأثری آداب العالم لدی أصحاب المدرسة الفرنسیة. فإنّه بمثابة العمود الفقری لسائر الآداب وله مکانة تسمو وتفوق آداب الشعوب برمتها إذ تکون هذه الآداب بما فیها الآداب الأروبیة أقماراً تحوم حول فلک الأدب الفرنسی. والنزعة الغالبة فی المدرسة الفرنسیة التی دامت حتّی أواسط القرن العشرین بقیت نزعة خارجیة لا تتوغّل فی صمیم الآداب بل ظلّت دراساتها أول قضایا تبقی خارج نطاق الأدب کمصادر الإلهام المؤثّرة علی الآداب والمراحل التاریخیّة التی اجتازتها الآداب والأسباب الکامنة وراء تبادل الآداب وتلاقیها. (أنوشیروانی، 1390ش: 21)

 تعرّضت المدرسة الفرنسیة للأدب المقارن فی المنتصف الثانی من القرن العشرین لانتقادات لاذعة من داخل فرنسا ومن خارجها. فقد سمّاها البعض بمدرسة قدیمة الطراز کما دعاها البعض مدرسة متخلّفة تعجز عن مواکبة العصر ومتطلباته. وکان فی رأس المنتقدین إیتامبیل[3] الّذی سددّ سهام نقده صوب "غویارد" من أعلام المدرسة الفرنسیة حیث اتهّمة بالعصبیة والانغلاق علی الذات کما طالب فی الوقت ذاته الباحثین بالعودة إلی أدب المشرق الأقصی والاهتمام بعلوم البلاغة ومزاولة ترجمة الآداب لما فی هذه العملیة من الأهمیة البالغة فی تبادل الآداب علی الصعید العالمی. ونستنبط من آراء "ایتامبیل" الجریئة أنّه ینتمی إلی مدرسة خاصة من الأدب المقارن تخلط بین المنهج التاریخی والنقدی کلیهما. کما نستنتج أیضاً أنّ موالی المدرسة الفرنسیة لا یرمون أساساً إلی المقارنة بین النّصوص الأدبیة طالما یعتبرونها خارج نطاق الأدب المقارن. (الخطیب، 1999م: 52)

نستشفّ ممّا أسلفنا تواً أنّ الأدیب المنخرط فی المدرسة الفرنسیة لا یورّط نفسه فی وطأة التنقیب عن الأثر الأدبی مثلما یفعله الطبیب الشرعی بالجثة بل یکتفی بإلقاء نظرة خارجیة علی الأثر. ومردّ ذلک أنّ الباحث فی المدرسة الفرنسیة لایهمّه من الأثر قضایا فنّیة أو نقدیة أو ما شابه ذلک بقدر ما تهمّه الصلات التاریخیة بین الآثار الأدبیة وتسلّط الأضواء علی التأثیر المتبادل بینها ومصادر نشوئها. (زینی‌وند، 1392ش: 97)

المدرسة الأمریکیة والنقد الأدبی

   یُعدّ جارلز تشونشی شاکفورد[4] أوّل من وضع اللّبنة الأولی لنظریة الأدب المقارن فی الجامعات الأمریکیة. وتلاه جارلز، غیلی[5] الّذی کان أستاذاً محاضراً لحصّة الأدب المقارن سنة 1889م کما دشّن عام 1912م منبر الأدب المقارن فی جامعة "میشیغن" وتعهّد آرتور ریموند مارش عام 1890م تدریس هذه المادة فی جامعة "هورورد" الأمریکیة. (جمال الدین، 1389ش: 184) وربما یُعدّ تأسیس الجمعیة الدولیة للأدب المقارن عام 1954م انعطافاً هاماً فی تاریخ الأدب المقارن فی أمریکا. وفی العام ذاته نشر فردریک ودیوید مالونی بالمشارکة کتاباً فی مضمار الأدب المقارن عنوانه "الأدب المقارن أصوله ومناهجه" یحمل فی ثنایاه ما لدیهما من أفکار ورؤی. زد علی ذلک، أنّ المنظّر والناقد الکبیرین "رینیه ویلیک" درس فی مقال له وبأسلوب متمهّل ورصین مفهوم الأدب المقارن عند اللغات الأروبیة.

    ممّا حثّ "ویلیک" علی اقتراح تعریف جامع ودقیق للأدب المقارن أنّ هذا المصطلح کما صّرح به "ویلیک" نفسُه قبل أربعین عاماً أصبح عرضة للمزید من سوء الفهم والتفسیر الخاطی‌ء بحیث لم یکن هنالک بُدٌّ من البتّ قبل کل شیء فی مفهوم محدّد وواضح ومضبوط له. (أنوشیروانی، 1391ش: 156) أعلن "ویلیک" فی مقاله المعنون بــ «أزمة الأدب المقارن» (1958م) معارضته للاتجاه الفرنسی للأدب المقارن. ذلک لأنه کان یری المدرسة الفرنسیة المنبثقة عن التیار الشکلانی السائد علی القرن التاسع عشر خطراً علی تیّار النقد الأدبی. والسبب یکمن فی أنّ المدرسة الشکلانیة تمیل إلی استخدام مناهج العلوم التجریبیة فی النقد الأدبی. کان "ویلیک" ینتقد المدرسة الفرنسیة مراراً وتکراراً لأنّها حسب رأیه صرفت نظرها عن الأدب والجمالیة والفنّ واستقطبت اهتمامها فی قضایا هامشیة لا تمتّ إلی الأدب المحض بصلة. وهکذا وضع "ویلیک" أسس مدرسة جدیدة فی الأدب المقارن اشتهرت بالمدرسة الأمریکیة. هذه المدرسة تعتبر الأدب ظاهرة عالمیة منسوجة بنسج الخیال شأن سائر المنتجات الفنّیة کالنحت والعمارة والموسیقی والمسرحیة والفیلم وغیرها من الفنون التشکیلیة. واتّسعت المدرسة الأمریکیة شیئاً فشئیاً اتّساعاً واسعاً وأصبحت آراء ونظریات "ویلیک" من مرجعّیات التفکیر الأمریکی فی الأدب والفنّ. ومازالت أفکاره تُعتبر مدرسة تنشر العلم والثقافة ومنارة تشع النور والأدب. وازدهرت الرؤیة الأمریکیة للأدب وترعرعت حتی انتزعت الصّدارة من المدرسة الفرنسیة. وما یستفزّ اهتمام الدارس التابع للمدرسة الأمریکیة هو ما یختصّ بالجوانب الفنّیة والنقد الأدبی من الأثر خلافاً لما رأیناه فی النزعة الفرنسیة للأدب المقارن حیث لاتأبه بجمالیات الأثر طالما تجد ضالّتها المنشودة فی مجالات أخری. لا یفوتنا القول بأنّ بعض السائرین علی المنهج الأمریکی استدرجوا الأدب المقارن ضمن دراسات ثقافیة ونحوا به منحیً ثقافیاً بینما ینظر أصحاب المدرسة الفرنسیة إلی الأدب المقارن نظرة تاریخیة ما یعکس نقطة الخلاف بین المدرستین بوضوح تام.

   هنری ریماک[6] من أبرز دعاة المدرسة الأمریکیة عرّف الأدب المقارن تعریفاً مقتضباً مثیراً للاهتمام قائلاً: «المقصود بالأدب المقارن هو المقارنة بین أدب بلد أو قوم مع أدب بلد أو قوم آخر...» وقد یکون معناه المقارنة بین الأدب وسائر الحقول المعرفیة. (الخطیب، 1999م: 5) ولـ"آلدریج" من أتباع التیار الأمریکی رأی آخر بهذا الشأن حیث  یؤکّد علی دراسة النصوص الأدبیة وتحلیل جوهرها تحلیلا جمالیا. (انظر: حسان، 1983م: 17-11)

یمنح الأدیب المقارن الدارسین نظرة شاملة واسعة یتطلّعون بها إلی ما هو أبعد من الحدود القومیة والجغرافیة والتاریخیة ویبحثون بها عن مکامن القوّة ومصادر الإلهام ومواقف الفضیلة. وبیت القصید فی ذلک أنّ الأدب المقارن هو أداة یوّظفها الدارس المقارن لاقتناص الظواهر الأدبیة الکامنة فی صلب النماذج الأدبیة. بناءً علی ذلک أنّ منّظری المدرسة الأمریکیة للأدب المقارن لم یعتبروا مسألة التأثیر المتبادل بین الآثار الأدبیة شرطاً لازماً لإجراء المقارنة بینها خلافاً لِما ما نراه فی المدرسة الفرنسیة. (نظری منظم، 1389ش: 211) ولقد مرّ سابقاً أنّ الداعمین للمدرسة الأمریکیة متّقفون علی أنّ دراسات الأدب المقارن یجب أن تنصبّ فی خانة الجمالیات الخفیّة فی النصوص الأدبیة لکی تنساق عملیة المقارنة الأدبیة صوب النقد الأدبی.

المدرسة الروسیة (أروبا شرقیة)

   یمکن اعتبار "مارکس" و"أنغلز"[7] من روّاد هذه المدرسة؛کان الرجلان یزعمان الحزب الشّیوعی ویدوّنان مواثیقه واضعَین نصب أعینهما خلق حالة من التّضامن والتّماسک المادّی والمعنوی بین شعوب العالم. وکان الزعیمان الروسیان یعتبران الإبداعات والابتکارات التی تنبعث عن المفکّرین والمثقفین ثروة کبیرة وکنزاً ثمیناً للشعوب. وکان الأدب العالمی فی رأیهما یعنی الأدب المکوّن والناجم عن آداب الشعوب المتعدّدة. جدیر بالذکر أنّ الأدب العالمی فی منظور الزعیمین الروسیین هو الذی یتطابق علی مقالة "غوتة"[8] حیث قال إنّ الأدب العالمی هو الذی یتمتع بالمعاییر الجمالیة علی المستوی العالمی. (أنوشیروانی، 1390ش: 217) وُضعت أصول المدرسة الروسیة لأول مرّة فی مهرجان للکتّاب السوفیتیین سنة 1934م. قامت رکائز هذه المدرسة علی قوائم مدرسة الواقعیة الاشتراکیة. لقد تزامن ظهور المدرسة الروسیة للأدب فی البلاد الاشتراکیة نهایة التیارات الأدبیة المنتمیة إلی مدرسة الرمزیة. باتت فی نهایة المطاف مدرسة الواقعیة الاشتراکیة التی تستمدّ من الواقع الاجتماعی أدباً رسمّیاً وسائداً فی تلک البلاد. بما أنّ التیار الاشتراکی کان یسعی جاهداً لإزالة النظام الطّبقی فی العالم کلّه، لم یعبأ بالقضایا الفردیة أو القومیة ذلک لأنّ القضایا الاجتماعیة استأثرت بکافّة نشاطاته واتّجاهاته. من أهمّ مبادئ هذا التیار أنّ الأدب من شأنه أن یعکس ما یجری علی الساحة الاجتماعیة کمرآة صافیة. ومن هذا المنطلق تتشابه الأوضاع الأدبیة فی البیئات التی تسودها ظروف سیاسیة واجتماعیة مماثلة. (جمال الدین، 1389ش: 22)

 أما النقد الأدبی فی المدرسة الروسیة فینبعث من منطلق أنّ الأدب بکلّ مکوّناته هو نقطة ارتکاز لرصید المجتمع. فبالتالی أول خطوة یتخطّاها الأدب المقارن والنقد الأدبی دراسة وتحلیل الظروف الاجتماعیة والسیاسیة التی تقولبت فی قوالب الأدب المختلفة. والأدب المقارن فی المدرسة الروسیة هو أدب بمفهومه الشامل الذی یُعنی بدراسة الأشکال المنوّعة من الأدب. فی ضوء الدراسات التاریخیة والثقافیة «علم یدرس تطور الآداب القومیة فی إطار الأدب العالمی الذی یوحد الشرق والغرب، وهو ینطلق من وحدة السیاق التاریخی لتطور آداب الشعوب وبعبارة أخری، ینطلق من مبادئ الأخوة والتعاون بین الشعوب فی مسیرة عملیة التقدم والتطور التاریخیین فیما یخصّ القضایا الثقافیة، ولاسیما الأدبیة منها.» (جیرمونسکی، 2004م: 50)

علی أیّة حال، بما أنّ هذه المدرسة ترکّز علی دور الظروف الاجتماعیة والاقتصادیة فی إنتاج الأعمال الأدبیة فنراها کأنّهما تهمل العمل الأدبی والعناصر الجمالیة: «أبرز ما یؤخذ علیها أنّ البحث فی وجوه التشابه فی البنی التحتیة أو القاعده للمجتمعین- أی الظروف الاجتماعیة والاقتصادیة - یقود إلی إهمال العمل الأدبی نفسه ویتم الترکیز علی العمل الأدبی وبیان میزاته الفنیة وتهتمّ بالعناصر الخارجیة من المؤشرات الاجتماعیة أو الاقتصادیة.» (خضری، 2008م: 27)

فی الحقیقة؛ إنّ أصحاب هذه المدرسة  لایهملون دور النقد الأدبی فی تقییم الآثار الأدبیة بل «لا تصل فی التقلید المقارنی الیومی إلی مستوی المدرستین الفرنسیة والأمریکیة، إلا أنها تعدّ تجربة أدبیة جدیدة ونافعة لروسیا والبلدان الأوروبیة الشرقیة، التی تسعی لتطویر بعض مناهج النقد الأدبی من خلال اهتمامهما الخاص بالأدب العالمی وسعیهما الحثیث إلی توحید الشرق والغرب... .» (نفسه: 33)

فلهذا أنّ المدرسة السلافیة (الروسیة) حیث تؤکدّ علی توسیع العلاقة بین الأدب والعلوم الاجتماعیة والاقتصادیة والأخری من الدراسات النقدیة الحدیثة کأنها تحاول الکشف عن زوایا العلاقة المتعدّدة بین الأدب (النقد) والدراسات الاجتماعیة والثقافیة «وإن کانت المدرسة الفرنسیة مدرسة تاریخیة والمدرسة الأمریکیة مدرسة جمالیة، فالمدرسة السلافیة هی مدرسة نقدیة، مبنیة علی الدّعامتین الفلسفیة والعلمیة.» (علوش، 1987م: 133)

 

المدرسة الآلمانیة

    الأدب المقارن کان یُصنّف فی ألمانیا فی حقل مباحث تاریخ الأدب. وأول من شدّد علی ضرورة وأهمیة الأدب المقارن فی الأبحاث الجامعیة  هو الأدیب الألمانی "کسبر دانیال مورهوف". ولقد شهدت ألمانیا فی أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر حرکة أدبیة تحمل معها معالم من الأدب المقارن حیث کانت تبحث فی شتی الآداب العالمیة.

    کان الشاعر الذائع الصیت "غوتة" یقود هذا التیار الذی یمثّل الأدب العالمی؛ وابتکر غوتة فکرة التواصل بین الآداب الأروبیة وسائر الشعوب وهکذا لقی الأدب المقارن فی العقد السادس من القرن العشرین ترحیباً حارّاً لدی الأوساط الأدبیة الألمانیة. شکلّ فریق من الناقدین الألمان فی أواخر القرن المنصرم جمعیة أدبیة فی مدینة "کنستانس" حیث عکفوا فیها علی قضیة علم التأویل. وبناءً علی نظریة التأویل أنّ النصوص الأدبیة لیس لها معان ثابتة ومعینّة، بل المخاطب هو الذی یستنطق ویستجلی النصّ حسبما یفهمه. لذا لیس المخاطب مجرّد القارئ أو المستهلک للنص (إذا جاز التعبیر) طالما یقوم بدور المفسّر أو المستنبط للنّص. (جمال الدین، 1385ش: 23) علی أیّة حال إنّ الغایة التی ترمی إلیها نظریة التأویل هی الاستشراف علی عملیة فهم النصوص الأدبیة واستیعابها حیث یتحوّل النص الصّامت إثرها إلی النّص الناطق فی ضوء مختلف الظروف الاجتماعیة والتاریخیة. وما یمّیز هذا التیار الأدبی عن غیره أنّه لا یعتبر النصّ مدار البحث الأدبی علی غرار المدارس الأمریکیة والفرنسیة بل المدار هو المخاطب المتلقّی الذی یفسّر النصّ طبقاً لرواسبه الفکریة وسوابقه الأدبیة.

علاوة علی ذلک؛ فإنّ نظریة التلّقی یعدّ همزة وصل بین النقد الأدبی والأدب المقارن؛ هذه النظریة بنزعتیهما المعروفتین الفرنسیة والأمریکیة فی الأدب المقارن، وفّرت أرضیة خصبة فی مجال دراسات التلّقی کما أنّهما نفحت روحاً جدیدة فی جسد المدرستین المذکورتین؛ علی سبیل المثال ولا الحصر، أوّل بادرة من بوادر تأثر المدرسة الفرنسیة بنظریة التلّقی یسبق عملیة التأثیر نظراً إلی أنّ النصّ الأدبی یتم تلّقیه أوّلاً ومن ثمّ یترک أثره. أو فی المدرسة الأمریکیة یعدّ تلقّی النص الأدبی فی مختلف البیئات الثقافیة من القواسم المشترکة بین نظریة التلقّی والأدب المقارن. (انظر: بروینی وشکری، 1392ش: 33-37)

    نستشفّ من خلال ما أوردناه سابقاً أنّه من الصّعب جدّاً إن لم یکن من المستحیل الإجابة علی هذا السؤال: «المنازعة أو المساهمة؟»؛ ذلک لأنّه تختلف الإجابة من مدرسة لأخری ومن اتّجاه لآخر وذلک طبقاً للأسس النّظریة والتّوجیهات التّطبیقیة لدی کلّ مدرسة أواتّجاه. المدرسة الفرنسیّة ابتعدت عن الأسس النّقدیة أثناء دراساتها الأدبیة المقارنة إذ حبستها فی قضایا التأثیر والعوامل الخارجیة؛ وأمّا المدرسة الأمریکیّة فتقرّبنا من فهم جوهر النّصوص الأدبیة بقدر ما تبعدنا عنه المدرسة الفرنسیة. وذلک من خلال تأکیدها علی الجمالیات الفنیة والمعنویة بتوظیفها النّظریات النّقدیة الحدیثة. إنّ الأدب المقارن الّذی یهتمّ بدراسات التّأثیر والتأثّر یکتفی بتأریخ العلاقات الخارجیة للأدب ولایتطرّق إلی الجوانب والأبعاد الجمالیة والأدبیة: أمّا الأمور الجمالیة والفنیّة، فإنّها تبقی مهمّشة ومهملة لدیها إذ تصبّ هذه المدرسة کما أسلفنا مسبقاً معظم جهودها فی قضایا لا یمکن اعتبارها من العناصر الأساسیة للأدب إنّ علاقة الأدب المقارن بالنّقد الأدبی تبدو من هذا المنظور علاقة تقسیم الأعمال والوظایف، فلکلّ من المنهجین مساره المحدّد الّذی تفککّت تخومه بدقّة: فعلماء الأدب المقارن لیسوا نقاداً والنّقاد لیسوا مقارنین.

    وما یفصل الأدب المقارن عن النّقد الأدبی لایقتصر علی حدود ونطاق کلّ منهما، بل یشمل المنهجیة والأسلوبیة أیضاً. للنقد الأدبی أسالیبه فی عملیة المقارنة وللأدب المقارن، أیضاً، طرائقه الّتی تختلف اختلافاً جوهریاً عن طرائق النّقد الأدبی. فمنهجیة الأدب المقارن، منهجیة تأریخیة تجریبیة، تتمثّل فی جمع الوثائق والأدلّة والوسائط وکلّ ما یبرهن بصورة ملموسة ومحموسة علی وجود علاقات التأثیر والتأثر المتبادل بین النماذج الأدبیة للأقوام. (عبود، 1999م: 28-29) إنّ الخلفیة الحقیقیة لذلک الصّدام الّذی جری بین الاتّجاه التأریخیّ (الفرنسیّ) فی الأدب المقارن وبین النّقد الجدید الّذی مثّله "رینیه ویلیک"1، ترجع فی حقیقة الأمر إلی ذلک التحوّل الجذری فی الأنموذج (paradigmawechsel) الّذی شهده النّقد الأدبی والدّراسات الأدبیة فی أوائل هذا القرن، ألا وهو التحوّل فی مقارنة النّصوص الأدبیة من المکوّنات الخارجیة إلی المکوّنات الدّاخلیة. إنّه التحوّل الّذی بدأه "الشّکلانیون الرّوس" وواصله أصحاب النقّد الجدید والبنیویة والاتّجاهات ما بعد البنیویة وقد شکلّ هذا التطوّر منعطفاً حاداً فی تأریخ الفکر النّقدی فی العالم. فقد نقل نقطة ثقل الدّرس النّقدی من العلاقات الخارجیة للعمل الأدبی (أی: علاقاته بشخصیة الأدیب وسیرته وعلاقته بالبیئة الاجتماعیة والثقافیة...) إلی العلاقات الدّخلیة للعمل الأدبی (أی: إلی البنیة الفکریة والفنیّة والجمالیة). (نفسه) فهکذا صار النّقد الأدبی إحدی المکوّنات الأساسیة لتطویر الأدب المقارن حیث ینظر إلی الأدب من منظار البنی الداخلیة والخارجیة معاً دون أن یحصر نفسه فیما تنطوی علیه الأعمال من المؤثّرات الدّاخلیة أو الخارجیة فقط.

مهما یکن من أمر؛ فإن مناهج الأدب المقارن ومجالات البحث فیه تختلف عن مناهج النقد الأدب الأدبی لکن الأدب المقارن یستعین النقد للوقوف علی دراسه القیم الجمالیة والإبداعات الفنیّة والتیارات الفکریة والاتجاهات الأدبیة والصیاغات الفنیة لتأتی ثمرة البحث عمیقة وغزیرة. (انظر: www.alfaseeh.com)

 

 

الهوامش

   1. هو أبرز ممثلی الاتجاه النّقدی الّذی یعرف بالنّقد الجدید؛ فقد عکف رینیه ویلیک علی دراسات التأثیر والتأثّر وأسسها الفلسفیة والنظریة وتطبیقاتها ودورها، وذلک فی محاضرة تاریخیة ألقاها عام 1958م فی المؤتمر الثانی للرابطة الدّولیة للأدب المقارن الّذی انعقد فی جامعه "تشابل-هیل" الأمریکیة. لقد وجّه ویلیک إلی دراسات التأثیر وإلی المدرسة الفرنسیة التقلیدیة فی الأدب المقارن نقداً لاذعاً لامثیل له فی حدّتة، ونسف أسس تلک المدرسة ومرتکزاتها. من الإشکالیات التی أوردها ویلیک علیها أنّها من النّاحیة النّظریة مثقّلة بأعباء فلسفات القرن التاسع عشر، کالنزوع إلی الرؤیة التاریخیة نحو الأدب وأنّها تتعامل مع النّصوص الأدبیة بصورة خارجیة، وبمنأی عن أدبیتها، ولاتتعامل مع الأبعاد الداخلیة لتلک النّصوص، أی مع جوهرها الفنّی والجمالی (عبود، 1999م: 28-29).

 

النتیجة

    - اتّضح ممّا سبق أنّ لکلّ مدرسة من مدارس الأدب المقارن أمام تیّار النقد الأدبی أسلوب یختلف من مدرسة إلی أخری. اختلافاً جوهرّیاً إلاّ أنّ الدراسات تفید بأنّ الأدب المقارن بمختلف اتجاهاته ومناحیه لا یکون بمعزل عن النقد الأدبی بل یکاد یکون جزءً لا یتجّزأ منه ویمکن اعتبارهما وجهین مختلفین لعُملة واحدة یوظّفهما الأدیب والناقد کآلیات فنّیة بنّاءة لدراسة ومقارنة الآداب العالمیة لاستخلاص القواسم المشترکة والجمالیات الفنّیة والدلالیة منها. یمکن القول إنّ کلّ باحث أو ناقد یقوم بدراسة وتحلیل الآثار الأدبیة لشعوب العالم ینطوی عمله ضمن نطاق الأدب المقارن والنقد الأدبی.

   - الغایة القصوی التی ترمیها المدرسة الفرنسیة هی التواصل إلی وجوه التلاقی والتباین بین النماذج الأدبیة. فلیس المقارنة فی هذه المدرسة سوی بدایة للانطلاق فی رحلة استکشافیة تنتهی فی نهایة المطاف إلی معرفة وجوه التأثیر المتبادل بین الآثار الأدبیة.

   - تهتمّ المدرسة الأمریکیة بالجوانب الفنّیة والنقد الأدبی من الأثر راصدة وجوه التشابه والتباین بین الأثرین بغضّ النظر عمّا بینهما من التأثیر المتبادل وما یخرج عن نطاق القضایا الفنّیة والجمالیة.

   - أجمع أصحاب المدرسة الأمریکیة علی أنّ دراسات الأدب المقارن یجب أن تنصبّ فی خانة الجمالیات المختبئة فی النصوص الأدبیة حتی تقترب عملیة المقارنة الأدبیة من النقد الأدبی.

   - المدرسة الروسیة تعتبر الأدب مرآة صافیة وصادقة تعکس ما یطرأ علی الساحة الاجتماعیة والسیاسیة ویمکن اعتباره أیضاً نقطه ارتکاز المجتمع حیث إنّه بمثابة القالب الذی یتقولب به کلّ قضیة تحدث فی حیاة المجتمع. وبناءً علی ذلک لا یمکن دراسة الأدب ونقده بمعزل عن الأحداث السیاسیة والاجتماعیة التی تحتکّ بساحة المجتمع طالما یعتبر الأدب حصیلة عملیة التمازج والتزاوج بین هذه الأحداث. آداب الأقوام المتعّددة تکاد تکون کنزاً ثمیناً وثروة هائلة للشعوب من منظار المدرسة الروسیة للأدب المقارن.

   - أرست المدرسة الألمانیة للنقد دعائمها علی نظریة "التأویل" وبناءً علی هذه النظریة إنّ النص الأدبی لیس له معان ثابتة ومعینّة. هذه الرؤیة تسمح للقارئ أن یستفسر ویستنطق النّص کما یفهمه هو ولیس کما أراده الکاتب. ولذلک لیس الحجر الأساس فی النموذج الأدبی هو الکاتب أو الأدیب علی غرار سائر المدارس الأدبیة بل هو القارئ أو المخاطب الذی یفسّر النصّ حسب رواسبه الفکریة وخلفیاته المعرفیة.

   - للإجابة علی السؤال المطروح فی هذا البحث وهو «هل ثمة منازعة أو مساهمة؟» فنقول: تختلف بین مدارس الأدب المقارن والنقد الأدبی من مدرسة إلی أخری فبینما کرّست المدرسة الفرنسیة جهودها علی قضایا خارجة عن النقد والأدب تتوغّل المدرسة الأمریکیة فی صمیم النص لدراسة ما یتعلّق بجوهر النص وجمالیاته الأدبیة ودلالاته الفکریة.

  - مهما یکن من أمر فإنّ المدرسة الأمریکیة فی النقد شکّلت انعطافاً هاماً فی مضمار البحوث النقدیة حیث إنّه غیرّت مسار النقد من الترکیز علی قضایا هامشة إلی رصد العناصر التی تتعلّق بجوهر النص والبُنی الأدبیة والجمالیة وإذاً نستطیع القول إنّ بین هذه المدرسة والنقد الأدبی مساهمة جادَّة غیر مسبوقة.



[1] .M.F.Guyard

[2] .g.M.carre

[3] . Rene Etiembel. Rene Etiembel

[4]. Charlz chanshi shakford

[5]. Charlz gili

[6]. Rene wellek, the crisis of Comparative Lirterature”.

[7] . H.Remak

[8] . A.Owen Aldridge

    انوشیروانی، علی‌رضا. (1388ش). «فلسفة ونظریة جدیدة فی الأدب المقارن». فصلیة الأدب المقارن. السنة الثانیة. العدد8. صص 10- 7.

    ـــــــــ (1390ش). «ضرورة التعرّف علی نظریات الأدب المقارن فی ایران». فصلیة الأدب المقارن معهد اللغة والأدب الفارسی. السنة الأولی. العدد1. صص 38- 8.

    ـــــــــ (1391ش). «التطوّرات النظریة للأدب المقارن»، فصلیة الأدب المقارن. معهد اللغة والأدب الفارسی. السنة الثالثة. العدد2. صص7- 3.

بروینی، خلیل وشکری، مسعود. (1392). «نظریة التلقّی فی النقد الأدبی والأدب المقارن». فصلیة الأدب المقارن. معهد اللغة والأدب الفارسی، العدد 4/2، صص 39-21. 

حسان، عبدالحکیم. (1983). «الأدب المقارن بین المفهومین الفرنسی والأمریکی». الفصول. القاهرة. الجزء الأول. المجلد الثالث، صص17-11.

 جمال الدین، محمّد السعید. (1389ش). دراسات فی الأدب المقارن (دراسات فی الأدبین العربی والفارسی). ترجمه سعید حسام­پور وحسین کیانی. ط 1. شیراز: جامعة الشیراز.

جیرمونسکی، فیکتورمکسیموفیتش. (2004). علم الأدب المقارن شرق وغرب، ترجمة غسان مرتضی، حمص. لانا.

خضری، حیدر. (2008). «التجربة السلافیة والدرس المقارن للأدب». مجلة الجمعیة العلمیة الإیرانیة للغة العربیة وآدابها، العدد 10، صص 37-19.

ذکاوت، مسیح. (1391ش). «العلاقة بین النقد والنظریة الأدبیة (دراسة فی تحدّیات وفرص)»، فصلیة بحوث فی اللغة والأدب المقارن، جامعة تربیت مدرس، العدد 4، صص 103-109.

   زینی­وند، تورج. (1392ش). الأدب المقارن (تعریفه، تطوره، أصوله ومناهجه). ط 1. طهران: نشر یار دانش.

   شرکت­مقدّم، صدیقه. (1388ش). «مدارس الأدب المقارن». فصلیة دراسات فی الأدب المقارن. السنة الثانیة. العدد12. صص۵۱-۷۱.

   عبود، عبده. (1999م). الأدب المقارن؛ مشکلات وآفاق، ط 1. دمشق: اتّحاد الکتاب العرب.

   نظری منظم، هادی. (1389ش). «الأدب المقارن: تعریفه ومجالات البحث فیه». فصلیة الأدب المقارن بجامعة شهید باهنر کرمان. السنة الأولی. العدد2. صص237- 221.

علوش، سعید. (1987). مدارس الأدب المقارن. دراسة منهجیة، بیروت: المرکز الثقافی العربی.

   ویلیک، رینیه. (1389ش). «أزمة الأدب المقارن». ترجمة سعید ارباب شیرانی. فصلیة الأدب المقارن. معهد اللغة والأدب الفارسی.السنة الأولی. العدد2. صص98- 85.

  ویلیک، رینیه ووارن، أوستین. (1372ش). نظریة الأدب. ترجمة ضیاء موحد وپرویز مهاجر. طهران: النشر العلمی والثقافی.