فضاء المقهى فی الروایتین الفارسیة والعربیة؛ أحمد محمود وعبدالرحمن منیف نموذجاً

نوع المستند: علمی پژوهشی

المؤلفون

أستاذ مساعد فی الأدب العربی بجامعة طهران، کلیة فارابی للکلیات، قم، إیران.

المستخلص

تحاول هذه الدراسة إلقاء الضوء على فضاء المقهى فی روایات أحمد محمود وعبدالرحمن منیف. وإذا کان الفضاء بشکل عام محایثاً للعالم تنتظم فیه الکائنات والأشیاء والأفعال، ومن ثمّ معیاراً لقیاس الوعی والعلائق الوجودیة والاجتماعیة والثقافیة، فیتمیّز المقهى فی النصوص المدروسة بکونه "مختزلاً" لهذا التحایث والمعیاریة، وهذا ما یبرّر اختیاره لدراسة مقارنة تهدف إلى فتح نافذة للحوار بین المجتمعین الإیرانی والعربی بغیة ترسیخ قیم الانفتاح والتعایش والتعددیة، کما یبرر اختیار الکاتبین بوصفهما مهتماً بهذا الفضاء النصی، وکذلک مهتماً بتلک القیم التی تؤمن بها الدراسة. ویهتمّ الروائیان بالمقهى اهتماماً بالغاً، خاصة فی روایات "الجیران" (همسایه ها) و"قصة مدینة" (داستان یک شهر) و"الأرض المحروقة" (زمین سوخته) لأحمد محمود، وخماسیة "مدن الملح" وروایة "أرض السواد" لعبدالرحمن منیف. وتعتمد الدراسة إنجازات المدرستین الأمیرکیة، والسلافیة للدراسات المقارنة اللتین ترکِّزان على نقاط التشابه والاختلاف بین الأعمال الأدبیّة من ناحیة، وعلى العلاقة بین الأدب ومیادین المعرفة الأخرى من ناحیة أخرى. وقسّمنا الدراسة إلى: 1) موقع المقهى ودوره النصّی. 2) المقهى  والتراث. 3) المقهى والتاریخ. وقد تراءى لنا من خلال الدراسة أنّ المقهى یضطلع بدور فنّی ومعرفیّ بامتیاز، إذ نستطیع القول بأنّه من أهمّ المکوّنات الروائیّة التی تساعد الکاتبین فی إیصال رسالتهما الجمالیّة والمعرفیّة إلى المتلّقی من خلال موقعه الطوبوغرافی أوّلاً و علاقته بالتراث والتاریخ.

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

The space of coffeehouse in Persian and Arabic novels: Ahmad Mahmood and Abd al-Rahman Munif

المؤلفون [English]

  • Yadollah Malayeri
  • Mojtaba Omranipour
Assistant Professor, Department of Arabic Language and Literature, Farabi Pardis, Tehran University, Qom, Iran
المستخلص [English]

This study examines coffeehouse as a fictional space in the novels of Ahmad Mahmood, and Abd al-Rahman Munif. If space, on the one hand, is equal to the world, situation of entities, things and deeds, and on the other hand, a scale to measure knowledge and ontological, sociological and cultural relations, the coffeehouse in the examined novels in this study is extract of this equality and scale. This focus on coffeehouse for the comparative study with the aim of opening a window for the dialogue between Iran and Arab world as well as to establish improvement of coexistence and multilateralism and justifies choose of the two writers, for their attention to the coffeehouse and values this study seeks. specially in Mahmood's novels hamsāyehā (neigbours), dāstāne yek shahr (the tale of one city) and zamine sukhte (burned earth), and Abd al-rahmān Munif's penta-volume modon al-milḥ (cities of salt), and triple novel of arḍ al-sawwād. This comparative study benefitted from achievements of two American and Russian literary schools that focus on similarities and inconsistencies of literary works and relationship between literature and other spheres of knowledge. This study has three section: 'coffeehouse: location and textual function'; 'coffeehouse and tradition' and 'coffeehouse and history'. At the end, reaches to the result that this space has considerable artistic and cognitive role in the examined novels and is one of the most important constituents of the story that helps writers via knowing its location and its relation to the history and tradition in the text, to convey aesthetic and epistemological messages to the reader.

الكلمات الرئيسية [English]

  • Ahmad Mahmood
  • Abd Al-Rahman Munif
  • Persian novel
  • Arabic novel
  • Space
  • Coffeehouse

إنّ الروایة الحدیثة، خاصة منذ بالزاک، قد جعلت من المکان أو الفضاء الروائی مکوناً حکائیاً بالمعنى الدقیق للکلمة، وفی هذا الاتجاه سارت الشعریة الجدیدة للفضاء السردی. إن الفضاء السردی، مثل مکونات السرد الأخرى، لا یوجد إلا من خلال اللغة، فهو فضاء لفظی أو ورقی بامتیاز، إذا استعرنا مصطلح رولان بارت عن الشخصیة بقوله عنها "کائنات ورقیة". ویختلف الفضاء السردی بشکل عام والفضاء الروائی بشکل خاص عن الفضاءات الخاصة بالسینما والمسرح، أی عن کل الأماکن التی ندرکها بالبصر أو السمع، إنه فضاء لا یوجد سوى من خلال الکلمات المطبوعة، ولذلک فهو یتشکل موضوعاً للفکر الذی یخلقه الروائی بجمیع أجزائه، ویحمّله طابعاً مطابقاً لطبیعة الفنون الجمیلة ولمبدأ المکان نفسه. (بحراوی، 1990م: 27)

وإذا کان الفضاء بشکل عام «محایثاً للعالم تنتظم فیه الکائنات والأشیاء والأفعال، معیاراً لقیاس الوعی والعلائق والترتیبات الوجودیة والاجتماعیة والثقافیة» (نجم، 2000م: 5)، فیتمیز المقهى فی النصوص الروائیة بکونه "مختزلاً" لهذا التحایث والمعیاریة، بالإضافة إلى ذلک، فإنّ الطابع المفارق للمقهى  یخوّله أداء دور مهم فی النص الروائی، وهو النص التحدی/المفارقة منذ نشوئها، والروایة هی الشکل الأدبی الذی یعکس تماماً التوجه الفردانی والمجدّد، أما الأشکال الأدبیة السابقة فقد عکست النزعة السائدة لثقفافاتها واعتبرت الانسجام مع الممارسة التقلیدیة أعظم محک للحقیقة. (واط، 1997م: 18) والطابع المفارق للمقهى کأحد الأمکنة التراثیة فی الثقافة الشرقیة، فیعبّر عنه الدکتور حسن بحراوی فی مجال حدیثه عن فضاء المقهى فی الروایة المغربیة بقوله عن الوظیفة الأصلیة لهذا الفضاء، «من حیث هو مکان لتصریف الفراغ وإمداد الفرد بمزید من قوة الاحتمال لمواجهة رتابة الحیاة الیومیة. ومن هنا أیضاً یمکن أن نفسّر حرص بعض الکتّاب على تصویر المقهى من جوانب وزوایا معیّنة للتأکید على ذلک الطابع المفارق الذی یجعل منها فضاء تخیّم علیه عناصر متناقضة لا یمکنها أن تأتلف أو تجتمع خارج دائرة المقهى.» (بحراوی، 1990م: 93)

وتسعى هذه الدراسة إلى تسلیط الضوء على فضاء المقهى فی روایتی "مدن الملح" (1984 ـ 1989) و"أرض السواد" (1999) للروائی العربی عبدالرحمن منیف، وروایات "الجیران" (1974) و"قصّة مدینة" (1981) و"الأرض المحروقة" (1982) للروائی الإیرانی أحمد محمود. واخترنا هذه الروایات بعد مسح شاملٍ لأعمال الکاتبین الروائیة تمخّضت عنه المحاورُ الثلاثة لهذه الدراسة، والتی هی: (1) "موقع المقهى ودوره النصّی"، (2) "المقهى والتراث"، (3) "المقهى والتاریخ". ویرجع سببُ اختیار المقهى موضوعاً للدراسة إلى الموقعین الجمالیّ والمعرفیّ لهذا المکان الروائی  فی الروایات المدروسة، فیتمیّز المقهى فی هذه النصوص بکونه "مختزلاً" للتحایث والمعیاریة التی تحدث عنهما الدکتور حسن نجمی فی مجال علاقة الفضاء المتخیّل بالمعیش، وهذا ما یبرّر اختیاره لدراسة مقارنة تهدف إلى فتح نافذة للحوار بین المجتمعین الإیرانی والعربی بغیة ترسیخ قیم الانفتاح والتعایش والتعددیة فی منطقة تعانی من الانغلاق والتقاتل والاستبداد، کما یبرر اختیار الکاتبین بوصفهما مهتماً بهذا الفضاء النصی، وکذلک مهتماً بتلک القیم التی تؤمن الدراسة بها ساعیة إلى ترسیخها. وبإمکاننا ـ لو ضممنا صوتنا إلى صوت المفکّر العربی فیصل دراج، فعمّمنا کلمة یقولها عن منیف ـ أن نقول إنّ الکاتبین أرادا أن یکونا مثقفین یدافعان عن «قیم عادلة أزلیة فی أزمنة متحوّلة، مرتکناً إلى سلاح بسیط قوامه الکلمات، والمتخیل المرن المراوغ»، (جماعة من الباحثین، 2009م: 14) ومن دوافع اختیار الکاتبین أیضاً حیاتُهما فی فترةٍ زمنیةٍ واحدةٍ (بدایة ثلاثینیات القرن الماضی حتى 2004 تاریخ وفاتهما)، وموقعُهما الهامّ على خارطتی الروایتین الفارسیة[1] والعربیة، مما یرشّحهما لتمثیل الروایتین فی هذه الدراسة المقارنة.

 وقد اعتمدت الدراسة إنجازات المدرستین الأمیرکیة والسلافیة للدراسات المقارنة اللتین ترکِّزان على نقاط التشابه والاختلاف بین الأعمال الأدبیّة من ناحیة، وعلى العلاقة بین الأدب ومیادین المعرفة الأخرى من ناحیة أخرى، کما تقرّبان الدرس المقارن من الدراسة النقدیة عبر تحویله إلى منهج للتذوّق الأدبی (السید، 2001م: 28-33؛ جیرمونسکی، 2004م: 11) ویتراءى لنا أنّ استخدام هذا المنهج فی الدراسات الأدبیة المقارنة یسهم فی ترسیخ الحوار الذی یجب أن یتأسّس على التعددیة المبنیة على الاعتراف بالآخر، بکیانه المستقل وخصوصیاته الفکریة والثقافیة؛ ولا شکّ فی أنّ لمعرفة نقاط التشابه والاختلاف بین "الذات" و"الآخر" ـ التی هی من المرتکزات الأساسیة للمدرستین الأمیرکیة والسلافیة فی الأدب المقارن ـ دوراً أساسیاً فی الإجابة عن سؤال الهویة الملحّ وفی الاعتراف بالآخر، الذی عبر العلاقة به تتعیّن هویة الذات. (غلیون، 2000م: 48)

 

أسئلة البحث

تحاول هذه الدراسة الإجابة عن الأسئلة الآتیة:

ـ کیف رسم الکاتبان أحمد محمود وعبدالرحمن منیف المقهى فی روایاتهما المدروسة؟

 ـ ما هی نقاط الالتقاء والافتراق فی رسمهما للمقهى بوصفه فضاء روائیاً مهماً فی نصوصهما السردیة؟

 

فرضیات البحث

إذا أخذنا بموقف جولیا کریستیفا عن الفضاء الجغرافی حین ترفض جعل الفضاء منفصلاً عن دلالته الحضاریة (لحمیدانی، 1993: 54)، فستطیع الافتراض بأن المقهى، وهو من أهم الأفضیة فی النصین المحمودی والمنیفی، سوف یقوم بوصفه مکوناً أساسیاً للنص السردی بدور مصیری فی هیکلة النصوص المدروسة، وتَبنْیُنها، ومن ثمّ ربط الجمالی السردی الروائی فیها بالمعرفی السیاسی الاجتماعی. کما نتوقع أن یکون الکاتبان قد استخدما هذا الفضاء ببنیته المنبعثة من تزاوج ثقافات مختلفة مکاناً لائقاً للحوار، وکذلک للتعبیر عما یعانی منه المجتمعان الإیرانی والعربی من هموم وهواجس یشترکان فیها أو یختلفان، کما یشترک فی رسمها الکاتبان أو یختلفان.

 

خلفیة البحث

حسب معلومات الباحثَینِ، إنّ هذه الدراسة هی أوّل دراسة مقارنة تتناول المقهى فی الروایتین الفارسیة والعربیة، بید أن هناک دراسة للناقد العراقی یاسین النصیر، معنونة بـ"فضاء المقهى والناس" تشمل دراسة معرفیة جمالیة للمقهى بشکل عام والمقاهی العراقیة بشکل خاصّ، کما أنّ هناک مقالاً للناقدة السوریة ماجدة حمود بعنوان "جمالیات المکان فی روایة عبد الرحمن منیف: أرض السواد"، یتناول المکان فی روایة أرض السواد دون الترکیز على المقهى، کما أن هناک، کتاباً لأحد الباحثین صدر عام 2016م عن منشورات دار الطلیعة ببیروت، عنوانُه "الجیران فی شرق المتوسط"، والکتاب لا یشمل هذا البحث، مع أنه یدرس عالم الکاتبین الروائی درساً مقارناً.

موجز عن حیاة الکاتبین

قبل الولوج فی صلب الموضوع نشیر بإیجاز إلى حیاة الکاتبین وأهمّ أعمالهما:

وُلد الروائی الإیرانی (أحمد محمود) فی مدینة (أهواز) جنوب غربیّ (إیران) عام 1931م وعاش فی هذه المدینة حتى عام 1965م حیث غادرها إلى (طهران)؛ وأقام فی العاصمة الإیرانیة إلى أن أسلم الروح عام 2004م. لـ (محمود) عدّة مجموعات قصصیة وعدد من السیناریوهات، أما روایاته، فهی: "الجیران"(1974م) و"قصّة مدینة" (1981م) و"الأرض المحروقة" (1982م) و"مدار درجة الصفر" (1994م) و "الإنسان الحی" (1998م) و"العودة" (2003م) و"شجرة تین المعابد" (2004م).

 وأبصر (منیف) النور عام 1933م فی (عَمّان) من والدة بغدادیة ووالد نجدیّ، وبقی فی هذه المدینة حتى عام 1953م عندما أنهى دراسته الثانویة. وتنقّل الکاتب بین عدّة دول عربیة وغیر عربیة حتى وافته المنیّة عام 2004م فی (دمشق). من أهمّ أعمال (منیف) غیر الروائیة "الکاتب والمنفى" و"الدیمقراطیة أولاً..الدیمقراطیة دائماً" و"لوعة الغیاب" و"رحلة الضوء" و"سیرة مدینة: عمّان فی الأربعینات"، أما روایاته، فهی "الأشجار واغتیال مرزوق" (1973م) و"قصة حب مجوسیة" (1974م) و"شرق المتوسط" (1975م) و"حین ترکنا الجسر" (1976م) و"النهایات" (1977م) و"سباق المسافات الطویلة" (1979م) وخماسیة "مدن الملح" (1984م ـ 1989م) و"الآن.. هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى" (1991م) و"أرض السواد" (1999م) و"أم النذور" (2005م)، کما کتب روایة "عالم بلا خرائط" (1982م) بالاشتراک مع (جبرا إبراهیم جبرا)، وللکاتب عدد من المجموعات القصصیة.[2]

فضاء المقهى

تندرج دراسة المقهى ضمن إطار دراسة المکان أو الفضاء، والمکان رکیزة من الرکائز الأساسیّة لنظریة الأدب، فهو لم یعد مجرّد خلفیّة تقع فیها الأحداث الدرامیّة، کما لم یعد معادلاً کنائیاً للشخصیات الروائیة (جماعة من الباحثین، 1988م: 3)، إنّها عنصر فنّی ودلالیّ من عناصر الخطاب الروائی. وإنّ المقهى من الأمکنة التی تسمّیها الباحثة (سلمى مبارک) بـ"المکان الیومی"، وتعرّفه بـ «المکان الذی یتطرق إلیه السّردُ مخاطباً تجربة القارئ أو المتفرج وخبرته بالمکان المعیش، معتمدا على تلک الخبرة بشکل من الأشکال کقاعدة لخلق حساسیة مشترکة بین الشخصیة الفنیة والمتلقی.» (مبارک، 2002م: 306) ویقوم المقهى فی بعض الروایات ـ حسب قول بحراوی ـ بتأطیر لحظات العطالة والممارسة المشبوهة التی تنغمس فیها الشخصیات الروائیة، کلما وجدت نفسها على هامش الحیاة الاجتماعیة الهادرة، ویصبح مسرحاً للعدید من الممارسات المنحرفة، سواء کانت دعارة أم قماراً أم تجارة مخدرات أم مجرد عطالة فکریة مزمنة (بحراوی، 1990م: 91)، لکنّ المقهى فی روایات أحمد محمود وعبدالرحمن منیف یؤدّی إلى جانب دوره الفنّی  دوراً معرفیّاً مهمّاً، یخالف الدور الذی أشار إلیه بحراوی، فنستطیع القول إنّه یقترب من المقهى الذی یقول عنه الروائی المصری جمال الغیطانی: «إنّ المقهى نموذج مصغّر لعالمنا الذی یضجّ بکل ما تحتویه دنیانا» (جیرار، 1991م: 16)، ذلک أنّ المقاهی المنیفیة والمحمودیة منابر سیاسیة ـ ثقافیة بامتیاز، تعادل أهمیتُها الرسالتین التنویریتین اللتین ترید روایات الکاتبین إیصالها إلى المتلقی.

وسوف تحاول هذه الدراسة رصدَ دلالات المقهى والدور الذی یضطلع به فی الروایات المدروسة، فقسّمت الدراسة، انطلاقاً من الدور الفنّی والمعرفیّ الذی یضطلع به المقهى، إلى الفقرات التالیة:

أولاًـ المقهى بین الموقع والدور النصّی:

تکشف لنا نظرة متأنیّة إلى موقع المقهى أو طوبوغرافیته فی روایات الکاتبین العلاقة الوطیدةَ بین موقع هذا المکان والدور الجمالیّ والمعرفیّ الذی یضطلع به على مستوى الخطاب الروائی، کأنّ هناک إرادة واعیة فی اختیار هذا المکان للتعبیر الفنیّ عن واقع المجتمعین العربی والإیرانی؛ ویبدو هذا اختیاراً سلیماً برأینا، فالمقهى رمز "المدینة الشرقیة" ونبضها، کما نفهم من کلام (منیف) عن بغداد التی أصبحت رمز الحضارتین الشرقیة والإسلامیة فی عصور ازدهارهما وانحطاطهما وسقوطهما، یقول (منیف): «المقاهی فی بغداد مدارس وأحزاب، أدب وطرب، مستویات وطقوس ... بکلمة واحدة: بغداد هی المقاهی»(بغدادی، 1998م: 12-13)، وتتجلى رمزیة المقهى أکثر فأکثر فی روایات الکاتبین، سواء أکان المقهى بقوة ماضیه أم لا، هذا لا یهمّنا، فالمهمّ أنّ هذا الرمز سوف یبقى شامخاً فی أذهاننا بفعل الخیال الأدبی، کما سنتلمّس فی الروایات المدروسة.

ونعایش فی روایة "الجیران" لـ (محمود) أجواء النضال السلمی للشعب الإیرانی من أجل تأمیم النفط بزعامة الدکتور مصدّق فی أوائل خمسینیات القرن العشرین. ویعدّ "مقهى أمان آقا" المکانَ الرئیسَ لتغطیة أحداث هذه الحرکة فی الروایة، ونرى المکان الذی یقع فیه هذا المقهى یناسب الدور الذی یضطلع به فی النصّ، فهذا المقهى فی مفرق البندر، والمفرق قریب من المضخّة الثالثة، (محمود، 1357ش: 105)  فیستطیع المتلقی أن یرى مع الراوی ـ الشخصیّة من خلف نافذة المقهى حقلاً من حقول النفط المهمّة: «... السماء ظاهرة من خلف نافذة المقهى. ملأت الغیومُ المتقطّعة السماء ... أصبح الیوم بارداً جدّاً. للبرد حرقة الشتاء. یتمنّى المرء أن یذهب إلى مقربة شُعَل الغاز، التی تبدو وکأنّها انفجرت من باطن الأرض، وتلتفّ کالتنین زئرة.» (المصدر السابق: 91)

إنّ قرابة المقهى من الحقل النفطی وتموقعه فی الطریق المنتهی إلى إحدى أهمّ المرافئ النفطیة فی جنوب غرب (إیران)، تمکِّنان هذا المکانَ والراویَ المتواجد فیه أغلب الأحیان من تغطیة أحداث مهمة متعلقة بحرکة تأمیم النفط الإیرانی، الذی أصبح الشغل الشاغل للشارع الإیرانی فی أربعینیات القرن المنصرم (موحد، 1378ش: 74)، فلا شکّ أنّ هذا الموقع یشدّ من أزر المقهى فی قیامه بمهمّته النصّیة التی أخذها على عاتقه، وهی تغطیة أحداث التأمیم، ونضال الشعب الإیرانی بقیادة المفکِّر الإصلاحی (الدکتور محمد مصدّق) معمار تأمیم النفط الإیرانی ورمز الوطنیة الإیرانیة فی العصر الحدیث.

وتسرد روایة "قصّة مدینة" لـ (أحمد محمود) قصّة (إیران) بعد الانقلاب العسکری عام 1953م، والذی أطاح بحکومة (الدکتور مصدّق) الدیمقراطیة. ویعرض لنا الراوی فی هذه الروایة عبر المقهى رکودَ مدینة نائیةٍ (سلیمانی، 1381ش: 69) مدینة (لنگه)؛ ویمثـِّل هذا الرکودُ حالة (إیران) بعد ذلک الانقلاب. نرى فی المقبوس الآتی أنّ موقع المقهى الجغرافی ینسجم ودوره النصّی فی الروایة: «...امتدّ ضوءُ مصابیح (مقهى آهَنْ)، التی أُشعِلتْ أخیراً، إلى سفح التلّ. نتسلّق الطریقَ المتعرّج والترابی للتلّ ... تأتی ریح ناعمة من جانب البحر ... البحر واضحٌ من أعلى التلّ. جثمت المدینة فی ظلمة الغروب الشاحبة...»(محمود، 1382ش: 82) ونفهم من المقبوس أنّ (مقهى آهن)، الذی یعرف أیضاً بـ "مقهى التلّ" لوقوعه على  تلٍّ، مشرفٌ على البحر والمدینة. وتکمن أهمیّة هذا الإشراف فی کون البحر والمدینة من أهمّ الأمکنة التی تضطلع بدور هامٍّ فی صیاغة نصّ "قصّة مدینة"، فتشهد المدینة (لنگه) أحداثاً کبیرة وصغیرة کثیرة، کما أنّ البحر هو المکان الذی تُرمَى (شریفة) فیه لیُرجعها إلى الشاطئ، بعد أن یقتلها شقیقها (علی) فیما یسمّى بـ"جریمة شرف"، کما أنّ المهرّبین الذین قتلوا (علی) جاؤوا من البحر، بعد أن استفزّهم کثیراً نتیجة تدهوره النفسی الناتج عن اقترافه جریمة قتل شقیقته، وهاتان الشخصیتان من أهمّ شخصیّات الروایة، ومدینة (لنگه) و(علی) و(شریفة) رموزٌ تکشف للمتلقی مدى القمع الذی یمارسه المجتمع المتخلف والسلطة المستبدّة ضدّ الإنسان.

وحین ننتقل إلى النصّ المنیفیّ نتلمّس أیضاً رمزیة َالمقهى وعلاقة موقعه بدوره النصّی، فموقع "قهوة الشطّ" فی "أرض السواد" یمکِّنها من أن تکون من أکثر الأمکنة حضوراً وتأثیراً فی الروایة (حمود، 2004م: 141): «قد یکون صوب الکرخ أکثر ارتفاعاً من الرصافة، وهو بالتأکید کذلک، لکن الأکثر أهمیة، أن قهوة الشط هی الأکثر ارتفاعاً من کل ما حولها... وربما تبدو لکثیرین أنها تماثل السرای والبالیوز وقصر الوالی...» (منیف، 2002م، ج1: 291) ومهّد (منیف) بقوله إنّ صوب الکرخ أکثر ارتفاعاً من صوب الرصافة التی فیها السرای (قصر الوالی) والبالیوز (قنصلیة بریطانیا) لأن یقول إنّ "قهوة الشط" یماثلهما فی القوة، وهذا ما نراه فی النصّ، حیث إنّ وقوف الشعب المتمثّل فی رواد "قهوة الشطّ" إلى جانب الوالی (داود باشا) یمکِّنه من الوقوف فی وجه الإنکلیز ودحرهم، إذن یناسب موقعُ المقهى الدورَ الذی یعلّقه الروائی على الوجدان الشعبی والحکمة المتوارثة، التی تجسد الماضی والحاضر، وتستطیع أن تصنع المستقبل (حمود، 2004م: 141) ؛ فـ"قهوة الشط" رمزُ قوة الشعب العراقی، ورمز نضاله الوطنی ضدّ الاستعمار!

أمّا "مقهى زیدان" فی "مدن الملح" فهو مأوى معارضی "السلطنة الهدیبیّة"، من أمثال (شمران العتیبی) وأبنائه و(صالح الرشدان)، ومنبرٌ لهم، ویقترب هذا المکان من "سوق الحلال" الذی یمثـّل "مکاناً ألیفاً"، بقدر ما یبتعد عن القصور التی تعدّها الشخصیاتُ "أمکنة معادیة". (باشلار، 2006م: 30-31) ونکتشف من خلال المقبوس الآتی أنّ موقع هذا المقهى یعبّر بوضوح عن کونه مقرّاً لمعارضی السلطة المستبدّة التی تسعى إلى تزویر التاریخ والجغرافیا فی (موران): «وبقدر ما کان مقهى زیدان قریباً من المکان الذی کان فیه سوق الحلال، کان بعیداً عن قصر الروض ثم عن قصر الغدیر، لأن شمران یعتبر أن العوج من الثور الکبیر ولذلک لا یرید أن یرى السلطان أو أن یسمع أخباره، وکأنه بهذه الطریقة من التجاهل یعبّر عن احتقاره، أو یرید أن یعاقبه، فهو السبب فی هذا البلاء الذی حل بموران!» (منیف، 2003م، ج2: 375) ونلاحظ  تبلورَ موقف الشخصیة الشعبیة المعارضة (شمران) من السلطة المستبدّة من خلال اختیارها للمقهى الذی یقابل الأماکن السلطویة فی النصّ المنیفی، ولا تکتفی الشخصیة بذلک بل تختار مقهى بعیداً عن تلک الأماکن المعادیة، احتقاراً وعقاباً لصاحبها!

ویتبیّن لنا اتفاقُ الکاتبین على جعل طوبوغرافیة المقهى مدخلاً للموقع النصّی الذی یحتله هذا المکان على مستوى الخطاب الروائی، مع اختلافهما فی أنّ (محمود) یقدّم جغرافیا المقهى بطریقة لا یکتشف المتلقی أهمیّته فی النصّ ومدى ملاءمته مع بنیة الخطاب إلاّ بعد الإلمام بالروایة ککلّ، فی حین أنّ (منیف) خاصّة فی "مقهى زیدان" و"قهوة الشط" یقدّم المقهى بطریقةٍ نکتشف من خلال الوصف وحده دورَ هذا المکان فی النصّ، خاصّة حین یکون معارضاً للسلطة (مقهى زیدان) أو مشابهاً لها فی الجبروت والقوة (قهوة الشط). ویرجع هذا الاختلافُ إلى أهمیّةِ المکان بوصفه مکاناً لدى (محمود)، وبوصفه إناءً للفکرة لدى (منیف) من ناحیةٍ، کما یرجع إلى علاقة (منیف) بالفنّ التشکیلی، خاصّة الرسم، وعلاقة (محمود) بالفن السابع[3]من ناحیة أخرى، فکأنّ (منیف) یقدّم دفعة واحدة لوحة کاملة للمقهى، فی حین نتلمّس فی النصّ المحمودی وکأنّ الکاتبَ یقدّم للمتلقی ـ طیلة عملیة السرد ـ شریطاً سینمائیاً عن المقهى، فنرى أنّ هذا المکان یتشکل بصفته کلّا منسجما عبر عملیة التلقی ومن خلال الفعل ((action والحوار اللذین هما من أهمّ مکوّنات العمل السینمائی.[4]

ثانیاًـ المقهى والتراث:

یرى الناقد العراقی (یاسین النصیر)، فی دراسته عن المقهى، أنّه من «الأماکن القدیمة التی لا تفقد الصلة بمکوناتها ولا تقف حائلاً دون الجدید» (النصیر، 2000م: 178)؛ فلیس مستغرباً أن یختار الروائیان العربیّ والإیرانی هذا المکان للحوار بین القدیم والجدید، لیمسی المقهى رمزاً لعملیة الحوار التی من المطلوب أن تلتقی حول طاولتها المستدیرة جمیعُ مکوّنات التراث الحضاری الشرقی بالإنجازات الحضاریة الحدیثة، وتتحقق هذه العملیة ـ هنا ـ فی حوار الروایة مع المکوّنات التراثیّة للحضارة الشرقیّة. وبما أنّ هذه الدراسة لا تسعى إلى الإلمام بکلّ جوانب استلهام التراث، الذی هو "مجموعة من الأشکال الکلامیة أو السلوکیة انحدرت إلینا من الأجیال السابقة" (العروی، 2009م: 156)، فحاولنا أن نتوقّف عند جانبین مهمّین یشترک فیهما الکاتبان (محمود) و(منیف)، وهما المثلُ الشعبی والفنّ التراثی، ومن خلال هذین المکوّنین التراثیین نرى حوار "الجدید" الذی هو الروایة مع "القدیم" الذی هو الموروث.

 

المثل الشعبی

یستخدم الکاتبان کثیراً المثلَ الشعبی فی مقاهیهما التی هی نبض الشارع فی النصّ من أجل خلق مناخ شعبیٍّ مستمدّ من التراث؛ لأنّ المثل "أحد العناصر الأساسیة التی تعکس النفسیة أو النظرة إلى الحیاة" (منیف، 2001م: 215)، فإنّه ـ حسب قول الباحثة (نبیلة إبراهیم) ـ قولٌ قصیرٌ مشبعٌ بالذکاء والحکمة یهدف إلى ربط الأفکار ربطاً قویاً متماسکاً، ممّا یجعله قادراً على تصویر مفارقات الحیاة، (أبواللیل، 2008م: 344) التی أصبح المقهى نبضها فی الروایات المدروسة.

فی "مدن الملح"، تقطع حکومة الانقلاب التی یرأسها (فنر) ید (صالح الرشدان) الیمنى، وتسجن أبناء (شمران العتیبی) المکنّى بـ (أبو نمر). ویتعاطف الثانی فی "مقهى زیدان" مع الأوّل بإیراد المثل الشعبی الشهیر الذی یقول:"إذا عمّت المصیبة هانت"، ثمّ یعلّق على قمع السلطة النفطیّة بمثل شعبی آخر متکهّناً بنهایة سلطة تنتهج سبیل القمع فی التعامل مع المعارضة:

« ــ ومثل جعفر الطیار، یا أبو نمر، إذا راحت الیمنى الثانیة متینة وتدق زین!

رد شمران بیأس:

ـ إذا عمّت المصیبة هانت، یا صالح.

ـ وبعد قلیل وکأنه یخاطب نفسه:

ـ أول الغضب جنون وآخره ندم، ونعیش ونشوف وبعدها نسولف، أو اللی یجون عقبنا یسولفون!» (منیف، 2003م، ج2: 599)

ونعایش عبر المقبوس  تکهّن الشخصیّةِ بنهایة السلطة المستبدة التی ترى فی القمع آلیة فاعلة للتعامل مع معارضیها، فترى هذه الشخصیة فی ذلک القمع "غضباً" یؤدّی فی النهایة إلى "الجنون" و"الندم"، کما یقول المثل، فتستنتج من خلال المثل حتمیة انهیار السلطة التی تعتمد أسباب الجنون بدلاً من تتبنّیها آلیات التفکیر العقلانی . أمّا فی "قهوة الشط" فی روایة "أرض السواد"، فیعبّر (عبد الله غبیشان) عن شوقه لمجیء (داود باشا) إلى الحُکم من خلال المثل المشهور الذی هو "لا حیاة لمن...": «أصواتنا انبحّت واحنا نصیح داود، لکن لا حیاة لمن تنادی...» (منف،2002م، ج1: 90) ونتلمّس عبر المقبوسین السابقین صیرورة المقهى رمزاً للمنبر النقدی الذی یدین الروائیُ من خلاله السلطة المستبدّة التی لا تهمّها مصالح شعبها، کما یرّحب بالحاکم الذی یهمّه مصالح هذا الشعب، کما نرى لدى (داود باشا) فی النصّ المنیفی. ویتراءى لنا نجاحُ الکاتب فی اختیار هذا المکان/الرمز، فینسجم المقهى، وهو مکان شعبی بامتیاز، مع عملیة نقدیة تهدف إلى الدفاع عن الشعب، کما أنّ المثل الشعبی یناسب هذه العملیة وذلک المکان الشعبی! 

وحین ننتقل إلى النصّ المحمودی نرى أنّ الشخصیّات الروائیّة فی المقاهی تستخدم فی کلامها الکثیر من الأمثال الشعبیّة، وإن بدا لنا أنّ استخدام هذه "الأقوال الموجزة الحکیمة" (أبو اللیل، 2008م: 344) فی المقاهی المنیفیة أکثر من استخدامها فی المقاهی المحمودیة، ولعل مردّ هذا الاختلاف بین الکاتبین إلى أنّ روایتی (منیف) المدروستین تحکیان عن أحداث أقدم من الأحداث التی تسردها روایات (محمود)؛ فإنّ "أرض السواد" تحفر فی تاریخ القرن التاسع عشر و"مدن الملح" تحفر فی تاریخ النصف الأوّل من القرن العشرین، فی حین أنّ (محمود) یتناول تاریخ (إیران) منذ منتصف القرن العشرین.

ونرى فی "مقهى أمان آقا" فی "الجیران" لـ (محمود) أنّ (ناصر دَوانی)، الذی رجع من الکویت، یقول لـ (الأسطة حداد) الذی یرید أن یغادر إلى الکویت للعمل: «... بعد وصولک اذهب مباشرة إلى مقهى الشط... هو معروف مثل بقرة جبهتها بیضاء...» (محمود، 1357ش: 64) ویدلّ المثل "معروفة مِثل بقرة جبهتها بیضاء" على أنّ کلّ الناس یعرفون مکان "مقهى الشط"، لأنّه مکان مشهور جدّاً، فـ "البقرة ذات الجبهة البیضاء" رمز الشهرة القریبة من العُری والانکشاف فی الثقافة الفارسیة. کما نرى فی "الأرض المحروقة"، التی تحکی أحداث الأشهر الأولى من الحرب الإیرانیة ـ العراقیة، استخدامَ بائع یستغلّ ظروف الحرب ویرفع الأسعار للمثل الشعبی "وَضَعَ تاجَ الورد على رأسی"، وذلک حین تستدعیه لجنة من "اللجان الثوریّة"، لیعبّر عن تذمّره لهذا الاستدعاء، ویستخدم هذا المثل حین یرید أحد أن یقول ساخراً: إنّ فلاناً قدّم لی خدمة جلیلة!

«ـ لا شیء أخی، وضعتْ على رأسی تاج الورد!

ـ ماذا یعنی، یا (کَلْ شعبان)، وضعتْ على رأسک تاج الورد؟...

ـ أخذتْ علیّ عهداً، کی لا أرفع الأسعار مرّة أخرى!» (محمود، 1382ش: 213)

ونتلمّس عبر المقبوسات السابقة مسعى الکاتبین إلى جعل شخصیاتهما تعبّرـ بإیجازـ عمّا یجول فی صدرها من خلال المثل الشعبی الذی یحتوی على معنى یتناول التجربة والفکرة فی الصمیم، ویرجع إلى اهتمام روحی واحد. (أبواللیل، 2008م : 344)

 

الفنّ التراثی

المقصود بالفنّ التراثی ـ هناـ الفنّ الذی یستند إلى مرجعیّة تراثیّة. ویقدّم الکاتبان فی المقاهی فنّاً تشکیلیاً یستلهم التراث الشرقی، ویناسب هذا الفنّ التراثیُ الرسالةَ َالتی یرید النصّان إیصالها إلى المتلقی. ونرى فی روایة "أرض السواد" أنّ النحّات (ذنون الحاج حسین) یتحدّث عن طریقته فی صنع تماثیل «تحاکی التی کان یُعثر علیها أثناء التنقیب، خاصة فی أور.» (منیف، 2002م: ج2: 131) ویقول (ذنون) فی "قهوة الشطّ": «... من الفجر إلى أن تغیب الشمس، اشتغل بالطین، بالخشب، بالحجر. والأشکال التی طلعت من بین إیدی ما یسویها بشر. چبیرة، زغیرة، شی مفخور وشی ملون، أما الخشب یا أبو حقی، فصار بین إیدی یحکی ویبکی... وإذا تعبت من الخشب، أشوف الحجر بوجهی ینادینی، یقول لی: إنت وین؟ أرید أشتعل، أرید أطیر، وما أفشله ولا أخلیه ینتظر، أقع به دق، وکل دقة یا جماعة الخیر کأنها العتابا، وحدها تغنی وترقص... .» (المصدر السابق، ج3: 140)

ونرى أنّ الشخصیّة تتحدّث عن أسلوبها فی النحت، وعلاقتها بأعمالها النحتیّة ذات المرجع التراثیّ، الذی هو اللقى الأثریّة المکتشفة فی (أور)، حسب النصّ الروائیّ. ویبرز هذا اللونُ من الفنّ التراثی بروزاً لافتاً فی"أرض السواد"، فیترجم الکاتب علاقته بالفنّ التشکیلی من خلال خلق شخصیة (ذنون الحاج حسین). وأبرز أعمال (ذنون) النحتیة ـ على مستوى النصّ ـ ذلک الذی یُهدیه النحات لـ (سیفو المحمود) إحدى أهمّ الشخصیّات الروائیة التی لها علاقات حمیمة مع عائلة ( الحاج صالح العلو) التی تصبح ـ بعد أن استشهد ابنه (بدری) نتیجة اتخاذه موقفاً سیاسیاً مستقلاً ـ محورَ ما یمکن تسمیّته "جبهة شعبیّة" لمؤازرة (داود باشا) فی حرکته الإصلاحیة المناهضة للاستعمار. ویصف الراوی کلی المعرفة التمثالَ المذکور بأنّه «عبارة عن شخص یرفع یده الیسرى فوق جبینه، فی محاولة لاتقاء الشمس، وکأنه یحدّق إلى نقطة بعیدة فی الأفق.»(المصدر السابق، ج3: 139) ویمکن القول إنّ هذا التمثال یرمز إلى مواجهة الاستعمار الإنکلیزی، کما یرمز إلى نظرة طموح للمستقبل. وکان الإنکلیز یفتخرون بأنّ الشمس لا تغرب فی إمبراطوریتهم، فلعل الشمس  هنا تشیر إلى الاستعمار الإنکلیزی، کما ترمز محاولة اتقائها إلى محاولة اتقاء الإنکلیز، أمّا التحدیق فی نقطةٍ بعیدةٍ فی الأفق، فیمکن أن یدلّ على نظرة متأمّلة تطمح إلى المستقبل، کما أنّ صنع التماثیل ـ ومن بینها التمثال المذکورـ من "غضار دجلة" یدلّ على وطنیّة حرکة (داود باشا) الإصلاحیة فی العراق.

وحین ننتقل إلى النصّ المحمودی، فنجد أنّ الراوی ـ الشخصیّة فی "قصّة مدینة" یقدّم لنا ثلاث لوحاتٍ تحاور تراث الحضارتین الإسلامیة والفارسیة، ویمسّ جمیعُها القمعَ السیاسی والاجتماعی الذی عاناه الشعب الإیرانی وخاصّة مثقفوه بعد الانقلاب العسکری عام 1953م. إنّ هذه اللوحات معلّقة فی المقهى الذی توقفت عنده شاحنة عسکریة تنقل الراوی (خالد) ورفاقه المناضلین المعتقلین إلى مَنْفاهُم فی مدینة (لنگه) النائیة، جنوب (إیران). أول هذه اللوحات "لوحة مجنون". (محمود،  1382ش: 574) وإذا کانت قصّة (لیلى ومجنون) فی التراث الإسلامی تعبیراً عن الظلم الاجتماعی الذی یمارسه نظامٌ قبلی قدیم ضدّ العاشقین، فإنّ استخدام هذه اللوحة التشکیلیّة التی أعادت خلق تلک القصّة القدیمة فی سیاق جدید، تعبّر عن الظلم السیاسی الذی مُورس ضدّ المثقفین  المعارضین للاستبداد والاستعمار، خاصّة الطاقات الشابّة التی یرمز الراوی إلى وأدها من خلال استعانته بأسطورة إیرانیة قدیمة، هی أسطورة "مصارعة (رُسْتَمْ) و(سُهْرابْ)". (المصدر السابق: 575) أعاد الکاتب خلق هذه اللوحة روائیاً لیرسم قتل المشروع الإیرانی الشابّ المتمثل فی حرکة (مصدّق) الوطنیّة على یدی مشروع سلطوی "أبویّ". أمّا اللوحة الثالثة التی یطلعنا علیها الراوی فی المقهى نفسه هی لوحة "خیام کربلاء أو اغتراب الحسین" (المصدر السابق: 557) ویُسجَّل للروائی أنّه تمکـّن من خلال اللوحات الثلاث السابقة أن یُظهر للمتلقی روحَ الثقافة الإیرانیة بعد الإسلام، والتی تتکوّن من التراثین الإیرانی والإسلامی، کما تمکـّن من رسم المثلّث المحرّم فی الشرق، وهو مثلّث الجنس و الدین والسیاسة، کما رسم القمعَ الذی یُذیقه المجتمعُ والسلطة الشرقیان لکلّ من تقرّب من هذا المثلّث، وفی کلتا الحالتین تبرز أهمیة المقهى ورمزیته کحاضنةٍ لتلک الدلالات.

ویشترک الکاتبان فی استلهام التراث من أجل تقدیم فنّ یربط الماضی بالحاضر والمستقبل عبر المقهى، هذا المکان الذی نرى فیه هذه الأزمنة الثلاثة (النصیر، 2000م: 164)، ویختلفان فی أنّ (محمود) الذی یولی تفاصیل الأمکنة أهمیّة کبیرة ـ إذ «یخلق عالماً کاملاً فی فضاء محدود»(اسفندیاری، 1372ش: 43) ـ یقدّم لنا المقهى باللوحات المعلّقة على جدرانه، وهذه من میزات المقاهی الشعبیّة الشرقیّة، فی حین أنّ (منیف) الذی لا یهمّه المکان الجغرافی وتحدیده ـ إذ یغیّب المکان فی کثیر من روایاته أو یشفّره ـ فإنّه یقدّم لنا الفنّ التراثی من خلال استقدام النحات (ذنون) إلى "قهوة الشط"، فنسمع فی المقهى کلام الشخصیّة عن طریقتها فی النحت. إذن یصبح المقهى ـ هنا ـ نموذجاً لطریقة خلق الکاتبین الفضاءَ الروائی فی روایاتهما.   

 

ثالثاً ـ المقهى والتاریخ:

إنّ العلاقة بین الکتابتین التاریخیّة والروائیّة علاقة فی غایة التعقید، ومردّ هذا التعقید إلى تطوّر دائم لهذین النوعین من الکتابة السردیّة، الأمرُ الذی مهّد لتغیّر الحدود بینهما على الدوام. (Nunning, 1998: 848) وتأخذ هذه العلاقة منحى خاصّاً، عندما یأخذ التاریخ طابعاً سلطویاً، وذلک حین یرتکن إلى مقولتین سلطویتین، هما الانتصار والهزیمة، ففی هذه الحالة یُنْتَج التاریخُ «ویُعاد إنتاجه فی مؤسسات سلطویة، لا تقتصر فی الرقابة حاذفة ما لا ترید ومبررة ما تشاء وترغب. وبداهة، فإن ثنائیة النصر والهزیمة، وهی سلطویة المنظور والغایات، تقضی، لزوماً، إلى تاریخیْن متعالقیْن متنافییْن، یحدّث أحدهما عن منتصر جدیر بنصره  ویسرد ثانیهما سیرة مهزوم لا یلیق النصر به.» (دراج، 2004م: 82)، وهنا یبرز دورُ الروایة والروائیین فی مجتمعات مثل المجتمعین العربی والإیرانی، اللذین یرى مثقفُهما ـ والروائی مثقفٌ بامتیاز ـ نفسَه فی مصافّ المهزومین، بل المسحوقین.

ومن هذا المنطلق یعظم دورُ النصّ الأدبی فی إنتاج حقیقةٍ لم یستطع التاریخ الرسمی الکشف عنها بسبب انخراطه فی المجرى المؤسّسی للسلطة.[5] (رشید، 2005م: 185) وهذا ما یراه المتأمّل فی مسیرتی (محمود) و(منیف) الروائیتین، فقد سعى الکاتبان إلى الکشف عما لم یستطع التاریخ استخراجه (المرجع السابق: 153) ـ حسب قول (ریکور) ـ فیحاول (منیف) کتابة «تاریخ الذین لا تاریخ لهم، تاریخ الفقراء والمسحوقین، والذین یحلمون بعالم أفضل» (منیف، 2001م: 45) فی حین یسعى (محمود) إلى إعطاء وجهة نظره فی التاریخ الإیرانی المعاصر من خلال منح التضاریس الاجتماعیة لهذا التاریخ قالباً شعریاً. (سلیمانی، 1381ش: 70) وما یساعد الکاتبین فی أطروحتیهما التاریخیتین هو اختیار المقهى، لکونه المنبر الأصلی للتاریخ الموازی للتاریخ الرسمی فی النصّ الشرقیّ الشعبیّ المتمثّل فی السیر والحکایات الشعبیّة بشکل عامّ، إذ کانت المقاهی الشعبیّة بمدن المشرق الکبیرة تشکّل المقر الرئیس لرواة السیر الشعبیّة، التی لا تختلف جوهریاً عن کتابة الأحداث التاریخیة بواسطة "العلماء" و"النخبة"، مع أنّ "النخبة" نظروا إلى هذه الملاحم والأساطیر الشعبیة ـ لفترة طویلة ـ نظرة الرفض والتحقیر باعتبارها مجموعة من "الاختلاقات" التی تشوّه "الحقیقة التاریخیة" (هرتزوج، 2005م: 242 و 243)، هذا من ناحیة، أمّا من ناحیة أخرى، فإذا قبلنا أنّ الشارع هو نهرُ المدینة الذی تجری فیه سفن الحیاة الیومیة محملة بأشیاء الماضی، والمکانُ الذی تتجاذب فیه الآراء والمواقف والأهواء، کما هو المکان الذی تجتمع فیه أزمنة المدینة وتواریخها وصراعاتها، فعندئذٍ یجب أن نعترف بأنّ المقهى، وهو أحد النوافذ الراسیة على الضفاف والمشرعة أبوابه على الشارع، من أکثر الأمکنة تأثراً بما یحدث فی المدینة. (النصیر، 2000م: 164-165) من هنا تأتی أهمیّة اختیار الکاتبین لهذا المکان لیکون المنبر الذی یُساءَل عبره التاریخُ لطرح قراءة جدیدة عنه.

وتتحوّل "مقهى أمان آقا" فی روایة "الجیران" إلى مرکز مهمٍّ لأنصار التأمیم، خاصّة شاغلی قطاع النفط، الذین أضربوا عن العمل ضغطاً على الشرکة الإنکلیزیة التی کانت لها نصیب الأسد من النفط الإیرانی لإجبارها على التمکین لما یریده أنصار التأمیم: «حین یُفتح البابُ تهجم الریاحُ على المقهى مثل الکرابیج. لم أر للیوم أن یفتح البابُ ویغلق بهذه الکثرة. وصلت الآن الشاحنة الحادیة عشرة. یختلف الیوم کثیراً عن الأیام الأخرى. لا یرید السائقون المغادرة أبداً. قد جاؤوا وجلسوا واستقرّوا وهم یشربون الشای والنراجیل ویدخّنون السجائر ... على صدور السائقین ومساعدیهم جمیعاً أشرطة بیضاء: نعم لتأمیم النفط.» (محمود،  1357ش: 131) ونعایش عبر المقبوس مشهداً من مشاهد  النضال الوطنی الإیرانی بقیادة (الدکتور مصدّق) ـ حسب الروایة ـ من أجل تأمیم النفط، وتحاول الروایة عبر مثل هذه المشاهد، وبالأخصّ عبر المقهى، الترکیز على الدور الأساسی لـ (مصدّق) وأنصاره "الوطنیین"[6] فی التأمیم، الأمر الذی حاول التاریخ الرسمی التقلیل من شأنه أو انتسابه إلى الآخرین، بعد انقلاب آب 1953 العسکری.[7]

کما نتلمّس  فی "مقهى التلّ" فی "قصّة مدینة" عبر لغة الرمز خضوعَ (إیران) أمام العسکریین المتحالفین مع الأجانب، نتیجة غفلة شعبها وجهلهم: «إنّ أضلاع النقیب (مرادی) عریضة جداً. شَمّر ثوبه عن ساعدیه. على ساعده الأیمن، وُشّمتْ حیّة کبیرة باللون الأحمر. التفّت الحیّة على بقرة ضخمة. فم البقرة مفتوح، وقد انثنت رکبتها.» (محمود،  1382ش: 114) ویکشف لنا الکاتب  من خلال وصفه لـ (مرادی)، رمز العسکری الفاسد فی الروایة، عن غیاب الوطنیّة لدى بعض العسکریین ودورهم الآثم فی انقلاب آب، کما یشیر إلى جهل الناس الذین خضعوا لسلطة العسکریین والأجانب، بتعبیر آخر إنّ الأضلاع العریضة تدلّ، فی العرف الفارسی، إلى افتقار الحمیّة، وهذا ما حدث لشریحة من الجیش الإیرانی حین انقلبت بدعم أجنبی على حکومة (مصدّق) الوطنیّة الدیمقراطیّة. بالإضافة إلى دور العسکریین فی الانقلاب العسکری الذی أشیر إلیها ـ فی المقبوس ـ بـ "الحیّة الحمراء"، فلم تفت الکاتبَ الإشارةُ المشفّرة إلى دور الجهل المستشری فی البلاد فی نجاح ذلک الانقلاب، وهذا ما ترمز إلیه "البقرةُ الضخمة المهزومة" التی تدلّ ـ فی إحدى دلالاتها ـ فی الثقافة الإیرانیة على الجهل، فالبقرة هنا رمزٌ لبلد شَلّ الجهلُ الکثیرَ من طاقاته وأفشل الکثیرَ من حرکاته الإصلاحیّة والتغییریة، وهذا کلام یؤیّده کلام شخصیّة عسکریّة أخرى فی الروایة ذاتها حین یخاطب الراویَ المناضلَ المنفیَ قائلاً: «...أنت تظنّ أنّ الناس یفهمون؟ هل یلیق بهذا الشعب أن یدمّر الإنسانُ حیاته من أجله؟» (المصدر السابق: 112)

وترسم روایة "الأرض المحروقة" لـ (محمود) الأشهر الأولى من الحرب التی فرضت على البلدین الجارین (إیران) و(العراق)، کما ترسم الشعبین الإیرانی والعراقی ضحیّتین لتلک الحرب على حدّ سواء. (محمود، 1382شb: 199-200) ویصبح "مقهى مهدی پاپَتی" Papati فی هذه الروایة أهمَّ موقع للراوی لسرد أحداث الحرب والأحداث التی تقع فی مدینة (أهواز) وما حولها. ونرى فی المقبوس الآتی کیف یمسی هذا المقهى مرکزاً إعلامیّاً یُخبر المتلقیَ بکیفیة بدء الحرب: «.. ثمّ یبدأ أحد المسؤولین الحکومیین الحدیث بهدوء...  یطلب أحد الشبّان من (مهدی پاپتی) أن یرفع صوت المذیاع... یقول المسؤول الحکومی إنّ العراق انتهک اتفاقیة الجزائر، والیوم ... هاجمت الطائرات العراقیّة وطننا وقصفت مطارات (تبریز) و(همدان) و(دِزْفول) و(أهواز) وأیضاً مطار (مِهْرْآباد) فی (طهران).» (المصدر السابق: 20) ویبدو لنا من خلال اعتماد الراوی على نشرة الأخبار الرسمیة للإذاعة الحکومیة ثقة (محمود) ـ ولو کانت هذه الثقة نسبیة کما نرى فی الروایة ـ بالحکومة الإیرانیة فی بدایة الحرب، التی هی زمن الحکایة والسرد. ونرى مثل هذه الثقة بالحکومة والإعلام التابع لها لدى الکاتب حین یعید خلق المراحل التاریخیة المعروفة باتساع رقعة الحریات مثل فترة حکم (مصدّق) کما نرى فی "الجیران"، کما تتجلى ثقة رواد المقهى بذلک الإعلام، وهذا واضح من طلبهم رفع صوت المذیاع! ولا شکّ أنّ منح هذه الثقة من جانب الکاتب لمراحل تاریخیة نادرة فیها هامش نسبی للحریات، ینطوی على نقدٍ ضمنی لغیرها من المراحل التاریخیة!  

وحین ننتقل إلى "مقهى أبو سعد الحلوانی" فی"مدن الملح"، نرى أنّ هذا المقهى المنیفی یشبه کثیراً "مقهى أمان آقا" فی "الجیران"، فیصبح الأول ـ مثل الثانی الذی أصبح معقلاً للمضربین عن العمل ـ مأوى ومرکزاً للعمّال العرب الذین أضربوا عن العمل فی شرکة النفط الأمیرکیة، وذلک حین سَرّحت هذه الشرکة بعض العمّال، ونرى فی المقبوس أنّ صاحب المقهى "أسبت"، مثل الکثیرین من أهل (حران)، تضامناً مع العمال المضربین: «ـ صار لی خمس .. ست سنین أسقی أهل حران، والیوم، إذا أراد أهل حران أن یشربوا فهذه هی العدة: کل شیء موجود: الشای، السکر، القهوة... المهم أن یشمر کم واحد منکم، لأن أبو سعد الیوم مُسبت، أی بالعربی: مضرب.» (منیف، 2003م، ج1: 586) وأصبح المقهى فی المشهد  وفی الروایة ککلّ رمزاً للاحتجاج على "التغییر السلبی" الذی اجتاح الصحراء العربیة باکتشاف النفط؛ فهناک انسجام تامّ بین دور المقهى ورسالة النصّ المنیفی فی "مدن الملح"، التی هی صرخة فضح ورفض وتندید لهذا التغییر.

کما وقف "مقهى أبو سعد" إلى جانب العمّال المعارضین لسیاسات الأمریکیین وعملائهم فی "مدن الملح"، دعمت "قهوة الشط" فی "أرض السواد" الوالی (داود باشا) فی وقفته الشجاعة فی وجه الاستعمار الإنکلیزی، وهذا ما یعبّر عنه (الأسطة عواد)، صاحب "قهوة الشط"، حین یعلن من خلال المقبوس الآتی عن تضامن هذا المقهى مع جنود الباشا الذین استقرّوا مع "طوبهم" فی الکرخ حیث تقع "قهوة الشط"،  وحصل ذلک حین أمر (داود باشا) بنقل أحد المدافع إلى جانب الکرخ ووضعه مقابل البالیوز تماماً (منیف، 2002م، ج3: 275)، ردّاً على توجیه مدافع البالیوز نحو السرای، ویقول (الأسطة عواد) لجنود الوالی (داود باشا): «قهوتکم والشای حسابها واصل، والجماعة فی قهوة الشط یقولون: هذا أضعف الإیمان...» (المصدر السابق، ج3: 280)

 إذن اتخذ الکاتبان المقاهی منابر لـ"اکتشاف تاریخیة النصّ الأدبی"(رشید،2005م: 153) -حسب قول (هنری میتران) ـ فتمکنا من جعل روایاتهما الحافرة فی التاریخ صورةً حقیقة للمجتمعین الإیرانی والعربی فی واقعهما التاریخی، ونجحا فی ذلک حین اختارا المقاهی الشعبیّة، التی هی نبض المجتمع، لصیاغة تاریخ ینقض التاریخ الرسمی أو یوازیه، مُتیحیْن للمتلقی إمکانیّة قراءة مختلفة عمّا یقرؤه فی التواریخ الرسمیّة.

النتیجة

ونستنتج فی ضوء ما تقدّم أنّ المقهى لیس مجرّد خلفیّة لأحداث الروایات المدروسة أو مسرحاً لعرض شخصیّاتها، إنّه مکوّن أساسیّ من مکوّنات هذه الروایات، لیس فقط لأنّه یساعد المکوّنات الأخرى على الظهور والتجلّی ـ وهذا شیء مهمّ ـ بل لأنّه یصبح الأمّ التی تحتضن توأم "الجمالیّ" و"المعرفیّ" فی الروایة، وترضعهما مقوّمات الشکل والمضمون اللذین بفضلهما تستطیع الکتابة أن تحلّق فی سماء الروایة ونقدها. وعایشنا فتحَ هذه الأمّ / المقهى حضنها لکلّ المقوّمات الجمالیّة والمعرفیّة فی روایات (عبدالرحمن منیف) و(أحمد محمود). وصار المقهى موجِّهاً للخطاب الروائی بموقعه الجغرافی، کما أصبح مأوى للتراث المتمثّل ـ فی الدراسة ـ فی المثل الشعبی والفنّ التراثی من ناحیّة، وأمسى منبراً لطرح قضایا معرفیّة جلیلة مثل التاریخ والعلاقة بالآخر الغربی من ناحیّة أخرى، فطرح الکاتبان المهجوسان بهموم المجتمعین الإیرانی والعربی ـ هذین الجزأین الأساسیین من الحضارتین الشرقیّة والإسلامیّة ـ رؤیتهما الخاصّة عن التاریخ والآخر الغربی المستعمر من خلال المقهى، هذا المکان الذی یمثِّل المنبر الأصلی الشعبیّ الموازی للمنابر الرسمیّة فی النصّ الشرقیّ.

ونسجّل للکاتبین، فی نهایة المطاف، اختیارهما للمقهى لطرح بعض القضایا السیاسیّة والاجتماعیّة التی عانت منها ـ وما تزال ـ المجتمعات الشرقیّة بشکل عامّ والمجتمعین العربی والإیرانی بشکل خاصّ. وأتاح لنا هذا الاختیار الفنّی الرائع فتحَ أفق جدید  للحوار بین المجتمعین فی یوم نشعر فیه بأنّ الشرخ یزداد بینهما رغم جمیع المشترکات الدینیة والثقافیة والتاریخیة والجغرافیة التی من المفترض أن تبنی جسراً بینهما!



[1]ـ عن موقع (أحمد محمود) على خارطة الروایة الفارسیة تکفینا الإشارة إلى أنّ ثلاثا من روایاته، وهی "الجیران" و"مدار درجة الصفر" و"شجرة تین المعابد"، اختیرت ـ فی المهرجانات المختلفة ـ کأفضل روایات فارسیة فی أعوام 1974 و1995 و 2001م. (للمزید انظر: أحمد محمود، " گفتگو با احمد محمود نویسنده رمان مدار صفر درجه بهترین رمان ایرانی سال 1372"، گردون، س 5، ش 41، مرداد ماه 1373، وأیضاً: وترانه صانعی، "گزارشی از مراسم به خاک سپاری احمد محمود"، چیستا، س 20، ش 2 و3، ش ردیف 192 و193، آبان وآذر 1381)

[2] ـ صدرت روایة "أم النذور" ومجموعات الکاتب القصصیة بعد وفاته.

[3]ـ للمزید عن علاقة (منیف) بالفنّ التشکیلی راجع مقدمة الفنان التشکیلی (مروان قصاب باشی) على کتاب (عبد الرحمن منیف، سیرة مدینة: عَمّان فی الأربعینات، بیروت: المؤسسة العربیة للدراسات و النشر والدار البیضاء: المرکز الثقافی العربی، ط 3، 2006)، وللاطلاع على علاقة (محمود) بفنّ السینما راجع: (خسرو باقری،"گفت وگویی با احمد محمود"، چیستا، س 20، ش 4 و5، ش ردیف 194 و195، دی وبهمن 1381)، کما یذکر أنّ الکاتب الإیرانی کتب مجموعة من السیناریوهات ومن أهمّها "الساحة الترابیة" (میدان خاکی) و "الأوّلاد الکرام" (پسران والا) اللتان تعالجان هموماً سیاسیة للمجتمع الإیرانی عبر لغةٍ ساخرةٍ جدّاً.

[4]ـ للاطلاع على تقنیات فنّی السینما و الرسم راجع: (هنری آجیل، علم جمال السینما، ترجمة: إبراهیم العریس، دمشق: منشورات وزارة الثقافة ـ المؤسسة العامة للسینما، سلسلة الفن السّابع، ع 86، 2005)، و(لیندا سیجر، القواعد العلمیة والفنیة لکتابة النصوص الدرامیة السینمائیة والتلفزیونیة والمسرحیة، ترجمة: أدیب خضور، دمشق: سلسلة المکتبة الإعلامیة، ع 34، 2008)، و(مولر، جی . إی  وفرانک ایلغر، مئة عام من الرسم الحدیث، ترجمة: فخری خلیل، مراجعة: جبرا ابراهیم جبرا، بغداد: دار المأمون، د.ط، 1988)، و(الآن باونیس، الفنّ الأوربی الحدیث، ترجمة: فخری خلیل، بغداد: دار المأمون،[د. ط]، 1990)

[5] ـ أمینة رشید، "سردیة التاریخ وتاریخیة النص الأدبی"، فصول، ع 67، صیف ـ خریف 2005، ص185، بتصرّف. للمزید عن علاقة الروایة بالتاریخ، بالإضافة إلى المراجع المعتمدة فی هذه الدراسة، راجع) فرانسوا ریفاز، "کتابة التاریخ بین فن السرد والعلوم الدقیقة"، ترجمة: باتسی جمال الدین، فصول، ع 67، صیف ـ خریف 2005)، و(کاتارینا میلیتش، "تغییرات التاریخ أو کتاب الضحک والنسیان"، ترجمة: أمل الصبان، فصول، ع 67، صیف ـ خریف 2005).

[6] ـ یطلق وصفُ "الوطنی" ـ وأیضاً "الوطنی ـ المذهبی" ـ على أنصار (د. محمد مصدّق).

[7] ـ للمزید عن حرکة تأمیم النفط الإیرانی راجع (محمد علی موحد، خواب آشفته نفت: دکتر مصدق ونهضت ملی ایران، تهران: نشر کارنامه، 1378)، و(یرواند آبراهامیان، ایران بین دو انقلاب، ترجمة: کاظم فیروزمند ودیگران، تهران: نشر مرکز، چ8، 1383) و(محمد بسته نگار، "دشمنان مصدق یا مخالفان حاکمیت ملت ایران"، نامه، ش 25، مرداد 1382)، و(دکتر پرویز ورجاوند، "مصدق، جبهه ملی مبارزه جبهه ای"، نامه، ش 25، نیمه مرداد 1382).

أ‌.        الکتب:

 آبراهامیان، یرواند. (1383ش). ایران بین دو انقلاب. ترجمة: کاظم فیروزمند ودیگران. چ8. تهران: نشر مرکز.

 آجیل، هنری. (2005م). علم جمال السینما. ترجمة: إبراهیم العریس. دمشق: وزارة الثقافة ـ المؤسسة العامة للسینما. سلسلة الفن السّابع. ع 86.

باشلار، غاستون. (2006م). جمالیات المکان. ترجمة: غالب هلسا. ط6. بیروت: مجد (المؤسسة الجامعیة للدراسات والنشر والتوزیع).

باونیس، الآن. (1990م). الفنّ الأوربی الحدیث. ترجمة: فخری خلیل. د.ط. بغداد: دار المأمون.

بحراوی، حسن. (1990م). بنیة الشکل الروائی. ط1. بیروت والدار البیضاء: المرکز الثقافی العربی.

بغدادی، عباس. (1998م). بغداد فی العشرینات. ط1. بیروت: المؤسسة العربیة للدراسات والنشر.

جماعة من الباحثین. (1988م). جمالیات المکان. ط2. الدار البیضاء: عیون المقالات.

جماعة من الباحثین. (2009م). عبدالرحمن منیف2008. ط1. بیروت: المؤسسة العربیة للدراسات والنشر، والمرکز الثقافی العربی.

 جورج لیمیر، جیرار. (1991م). مقاهی الشرق. تقدیم: جمال الغیطانی. ترجمة: محمد عبد المنعم جلال. القاهرة: مؤسسة أخبار الیوم، سلسلة کتاب الیوم، ع 320.

جیرمونسکی، فیکتور مکسیموفیتش. (2004م). علم الأدب المقارن شرق غرب. ترجمة: غسان مرتضى. ط1. حمص: لانا.

حجازی، مصطفى. (1986م). التخلف الاجتماعی: مدخل إلى سیکولوجیة الإنسان المقهور. ط4. بیروت: معهد الإنماء العربی.

 دراج، فیصل. (2004م). الروایة وتأویل التاریخ: نظریة الروایة والروایة العربیة. ط1. الدار البیضاء: المرکز الثقافی العربی.

خاتمی، محمد.(2001م). الدین والفکر فی فخ الاستبداد. تعریب : ثریا محمد على وعلاء عبدالعزیز السباعی. القاهرة: مکتبة الشرق، ط 1، 2001.

الخطیب، محمد کامل. (1999م). قضیة المرأة. دمشق: وزارة الثقافة.

سیجر، لیندا. (2008م). القواعد العلمیة والفنیة لکتابة النصوص الدرامیة السینمائیة والتلفزیونیة والمسرحیة. ترجمة: أدیب خضور. دمشق: سلسلة المکتبة الإعلامیة، ع 34.

السیّد، غسّان. (2001م). الحریة الوجودیة بین الفکر والواقع. ط2. دمشق: دار الرحاب.

لحمدانی حمید. (1993م). بنیة النص السردی. ط2. بیروت والدار البیضاء: المرکز الثقافی العربی.

محمود، احمد. (1382شa). داستان یک شهر. چ6. تهران: معین.

محمود، احمد.( 1382شb). زمین سوخته. چ 6. تهران: معین .

محمود، احمد. (1375ش). همسایه ها. چ 3. تهران: امیر کبیر.

منیف، عبدالرحمن. (2002م). أرض السواد (ثلاثة أجزاء). ط3. بیروت: المؤسسة العربیة للدراسات والنشر والدار البیضاء: المرکز الثقافی العربی.

منیف، عبدالرحمن. (2003م). مدن الملح (خماسیة). ط10. بیروت: المؤسسة العربیة للدراسات والنشر والدار البیضاء: المرکز الثقافی العربی.

منیف، عبد الرحمن. (2001م). الکاتب والمنفى. ط3. بیروت: المؤسسة العربیة للدراسات والنشر، والدار البیضاء: المرکز الثقافی العربی.

مهاجرانی، عطاء الله. (1386ش). اسلام وغرب. تهران: اطلاعات.

موحد، محمد علی. (1378ش). خواب آشفته نفت: دکتر مصدق ونهضت ملی ایران. چ1. تهران: نشر کارنامه.

مولر، جی . إی  وفرانک ایلغر. (1988م). مئة عام من الرسم الحدیث. ترجمة: فخری خلیل. بغداد: دارالمأمون.

 نجمی، حسن. (2000م). شعریة الفضاء السردی. ط1. بیروت والدار البیضاء: المرکز الثقافی العربی.

هلسا، غالب. (1989م). المکان فی الروایة العربیة. ط1. دمشق: دار ابن هانئ.

واط، إیان. (1997م). نشوء الروایة. ترجمة: ثائر دیب. ط1. القاهرة: دار شرقیات.

بـ. الدوریات:

أبو اللیل، خالد. (2008م). «نبیلة إبراهیم ودراسة الأدب الشعبی». مجلة فصول، العدد 72. صص 134-145.

اسفندیاری، هاله. (1372ش).«احمد محمود واین همه دنیا!». ترجمه: برزو نایت. مجله کلک. ش 39.صص40-45.

بسته­نگار، محمد. (1382ش). «دشمنان مصدق یا مخالفان حاکمیت ملت ایران». نامه، ش 25. صص25-30.

حمود، ماجدة. (2004م). «جمالیات المکان فی روایة عبدالرحمن منیف أرض السواد». المعرفة. السنة 43. العدد 490. صص 128-150.

رشید، أمینة. (2005م). «سردیة التاریخ وتاریخیة النص الأدبی». مجلة فصول. العدد 67. صص180-200.

 

ریفاز، فرانسوا.(2005م). «کتابة التاریخ بین فن السرد والعلوم الدقیقة». ترجمة: باتسی جمال الدین. فصول. العدد 67.

سلیمانی، بلقیس. (1381ش). «در حضور تاریخ». کتاب ماه ادبیات وفلسفه. سال 6. شماره 3. پیاپی 63 ـ 64. صص 68-75.

صانعی،  ترانه. (1381ش). «گزارشی از مراسم به خاک سپاری احمد محمود». مجله چیستا. سال 20. شماره 2 و3.

العروی، عبد الله. (2009م). «قضیة التراث والانبعاث الحضاری فی الوطن العربی». الحداثة. السنة 16. العدد 119 ـ 120. صص 150-160.

مبارک، سلمى. (2002م). «فی شاعریة المکان: المدینة فی الأدب والسینما». مجلة فصول. العدد 59 . صص 306-315.

محمود، احمد. (1373ش). «گفتگو با احمد محمود نویسنده رمان مدار صفر درجه بهترین رمان ایرانی سال 1372». مجله گردون. سال 5. شماره 41.

میلیتش، کاتارینا. (2005م). «تغییرات التاریخ أو کتاب الضحک والنسیان». ترجمة: أمل الصبان. مجلة فصول. العدد 67.

النصیر، یاسین.(2000م). «فضاء المقهى والناس». مجلة أبواب. العدد 26. صص 161-186.

هرتزوج، توماس. (2005م). «السیر الشعبیة العربیة بین کتابة التاریخ والروایة». ترجمة: باتسی جمال الدین. مجلة فصول. العدد 67. صص 240-257.

ورجاوند، پرویز. (1382ش). «مصدق. جبهه ملی مبارزه جبهه ای». مجله نامه. شماره 25.

المراجع الأجنبیة:

Schellinger, Paul [Editor] (1998). Encyclopedia of THE NOVEL, Volume 1, Chicago, London: FD.