علاقة الشخصیة بالمکان المغلق والمفتوح وتشکیل الفضاء الروائی؛ حامل الوردة الأرجوانیة نموذجا

نوع المستند: علمی پژوهشی

المؤلفون

1 أستاذ فی اللغة العربیة وآدابها بجامعة الشهید بهشتی، طهران، ایران

2 خریجة ماجستیر فی اللغة العربیة وآدابها بجامعة الشهید بهشتی، طهران، ایران

المستخلص

الروایة کبناء تتشکّل من عناصر سردیة تدعمها ومن هذه العناصر عنصر المکان. هناک من اعتبره من الأعمدة الأساسیة فی الروایة ومنهم من اتخذه عنصراً فرعیاً یخدم باقی العناصر ویقوم بقیامها کالزمن والشخصیات وغیرها من العناصر. تناول هذا البحث المکان وتأثیره على الشخصیة فی روایة "حامل الوردة الأرجوانیة"للکاتب اللبنانی أنطوان الدویهی. ومن أهداف هذا المقال تبیین کیفیة تشکیل الفضاء الروائی عبر حرکة الشخصیات فی المکان وصراع التقاطبات الضدیة. وتمّ اختیار هذه الروایة کنموذج تحلیلیّ لکونها حاملة للدلالات المکانیة المکثّفة مثل السجن، وحاول هذا البحث أن یزیح الستار عن غموض مفهوم الفضاء الروائی وکیفیة تشکیله. والمنهج المتّبع فی هذا البحث، هو البنیویة التکوینیة ومن أهم ما وصل إلیه البحث هو أن هذه الروایة أظهرت التقاطبات الضدیة المکانیة وتسرب هذا التقابل إلى الشخصیة کذلک فکان هناک علاقة متبادلة بینهما فی التأثیر والتأثر، وأدى إلى تشکیل فضاءین مختلفین (القمع/ الحریة) فی هذه الروایة.

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

Relationship between personality and close and open spaces, and formation of novel space: A case study of 'Hāmil al-warda al-orjowānyya'

المؤلفون [English]

  • Hojjat Rasouli 1
  • Zahra Dahhan 2
1 Relationship between personality and close and open spaces, and formation of novel space: A case study of 'Hāmil al-warda al-orjowānyya'
2 MA Student of Arabic language and literature in Shahid Beheshti University, Tehran, Iran
المستخلص [English]

The novel, forms as a structure of narrative elements that makes it coherent. The place is one of these elements. It is enumerated by some people as the corner-stone of novel. Other critics consider it as a secondary element, serves other elements such as time and personality. This research studies the place and its effect on personality in 'Hāmil al-warda al-orjowānyya' by Lebanese writer 'antwan al-dowaihi'. One of the purposes of this research is to explain how 'novels space' forms from transposition and movement of characters in place, and from irony (contrast and tension) between them. The main reason to choose this novel as the case is that it includes compact place signs such as prison. This research is planned to expound the concept of 'novels space' and how it forms. The method of this research is structuralism genetic. Of the most important results of this research is that novel revealed irony (contrast and tension) of place, so that it has effected the personality, as if there is mutual influence between them which causes the formation of the main space manifestation of the novel in suppression and freedom.

الكلمات الرئيسية [English]

  • novel space
  • open and close place
  • personality. Hāmil al-warda al-orjowānyya

إن العناصر الروائیة تتضافر فی أرضیة خصبة ذات إیحاءات فی الروایة لیلعب کل من الشخصیة والزمان والمکان دوراً فی ساحتها الأدبیة، وبالحدیث عن هذه الأرضیة وکیفیة تشکیلها وتمهیدها الطریق للفضاء الروائی هو الموضوع الذی کان موضع الخلاف لدى الدارسین فی الروایة العربیة الحدیثة وتسبب فی الخلط بین مفهوم المکان -المغلق أو المفتوح- والفضاء الروائی. أما بالنسبة إلى المکان فهو حائز على دور مهم فی البناء الروائی ویعد العمود الفقری الذی یربط أجزاء النص ببعضها البعض، کما یعد الأرضیة التی تتحرک علیها الأحداث، (الحمادی، 1995: 176) ویشکل حدود الروایة وأطرها.

أهداف البحث

یهدف هذا المقال إلى التعرف على مفهوم المکان بأنواعه غیر المحدودة وعلاقته بالشخصیة، بالإضافة إلى التعرف على الفضاء الروائی وتحدید کیفیة تشکیله والحیز الذی یأخذه فی تشکیل الروایة بکونه عنصراً سردیاً یوازی العمل. وأهمیة هذه الدراسة تکمن فی اهتمامها بمفهوم الفضاء الروائی الذی أصبح من المباحث المهمة التی بدأت تنشب أظفارها فی العمل السردی. وحاولت هذه الدراسة أن تزیل الالتباس عن مفهوم الفضاء وجاء هذا المصطلح فی التعریف الغربی  لکونه مکاناً غیر محدد یحتوی على کل الأمکنة والأشیاء ولکن المکان جزء محدد من الفضاء (الظل، 2011: 26) وهذا یوسع مضمار الفضاء الروائی الذی یحتوی على عناصر سردیة ولعله یعتبر حیزا یشمل عناصر العمل السردی.

أسئلة البحث وفرضیاته

والأسئلة التی تطرح نفسها فی هذا البحث هی:

  1. کیف تستطیع ثنائیة المکان المغلق والمفتوح أن تلعب دورا فی تشکیل فضاءین متقابلین فی روایة حامل الوردة الأرجوانیة؟
  2. کیف یؤثر المکان فی الشخصیة وهل العلاقة بینهما فی تشکیل الفضاء الروائی متبادلة مؤثرة أم مستقلة؟

     وللإجابة عن هذین السؤالین یمکن الاستعانة بفرضیتین:

  1. تقابل المکان المغلق والمفتوح فی الروایة له دور مهم فی تحدید أنواع الفضاء فی الروایة، هذا التقابل بین الأمکنة المفتوحة والمغلقة تسبب بإیجاد فضاءین متقابلین فی الروایة، الحریة/ القمع والأسر لأن التقابل یتطلب وجود المتنافرات التی تؤدی إلى وحدة منسجمة.
  2. یجب على الشخصیة أن تکون حرکیة وفاعلة، مؤثرة فی المکان ومتأثرة منه فی نفس الوقت وتقابل هذا التأثیر والتأثر بین العنصرین یربط بینهما حبلا متینا لاتقوى على الانفکاک وهذا الذی یدعو إلى تحول الشخصیة أحیانا بسبب المکان والعکس یصدق کذلک؛ حیث یتأنسن المکان بتبع هذه العلاقة المتبادلة.

وتم اختیار روایة حامل الوردة الأرجوانیة للکاتب اللبنانی أنطوان الدویهی لأنها تحتوی على دلالات مکانیة کثیرة تهیمن على ساحة الروایة وهذا یساعد على تشکیل فضاءات خاصة بها وتنوعت الأمکنة المغلقة والمفتوحة فی هذه الروایة من السجن والغرفة والمقهى والبحر إلخ ... بالإضافة إلى وجود تعدد أبعاد المکان مثل تعدد البلدان التی فتحت الأبواب على مصراعیها للخوض فی غمارها ومعرفة دور الأماکن بأنواعها ودور الشخصیة فی خلق فضاء القمع والاستبداد وغیرها من الفضاءات التی تشکلت من مکان السجن المغلق فی هذه الروایة.

روایة حامل الوردة الأرجوانیة روایة للکاتب اللبنانی أنطوان الدویهی ودخلت الروایة فی القائمة الطویلة للجائزة العالمیة للروایة العربیة لعام 2014 م وهی النسخة العربیة لجائزة بوکر العالمیة للروایة (موقع ویکیبدیا)، المعروف عن أنطوان الدویهی أنه روائی وشاعر من موالید 1948م وأکمل دراساته العلیا فی باریس من جامعة سوربن حیث حاز على الدکتوراه فی الأنثروبولوجیا من جامعة سوربون وهو یعمل حالیا کأستاذ جامعی فی الأنثروبولوجیا الاجتماعیة والثقافیة فی الجامعة اللبنانیة (موقع الجائزة العالمیة للروایة العربیة arabicfiction.org).

مناهج البحث

والمنهج المتبع فی هذا المقال هو المنهج البنیوی التکوینی، وحاول أن یصب اهتمامه حول عنصر المکان کعنصر أساسی یدعم الروایة والإشادة بأبعاده الإیحائیة ذات الأوجه المتعددة وذلک بالتطرق إلى الأمکنة المتعددة من المکان المغلق والمفتوح فی الروایة ومن ثم الانتقال إلى الشخصیة ومحاولة تبیین مدى أهمیة دورها وحرکیتها فی المکان، بالإضافة إلى تبیین مفهوم الفضاء الروائی والتطرق إلى أنواعه وکیفیة تشکیله ودور التقاطبات الضدیة فیه، لهذا درس الباحث المکان بکونه أهم عنصر فی تشکیل الفضاء الروائی.

خلفیة البحث

بما أن الروایة المختارة حدیثة النشر کان من الصعب أن توجد هناک دراسات حولها والشیء الوحید الموجود هو حوار أقامه عبدالرزاق بوکبة مع الکاتب والروائی أنطوان الدویهی فی موقع الجزیرة نت فی قسم الأخبار الثقافیة والفنیة عام 2014 فی مکة المکرمة؛ وموضوع هذا الحوار یدور حول موضوع الروایة بشکل عام ویتناول موضوع العالم الجمالی الذی یقابل عالم الاستبداد فی الروایة ویعترف الدویهی أنه لا قدرة للطاغیة وأجهزته على إدراک هذه الجمالیة وإن رفسوا  کل الأبواب واستباحوا کل الأمکنة؛ کما أن الحوار کان یدور حول مفاهیم الطاغیة والحریة والشخصیات التی مثلتها ومفهوم الموت. لکن لا یمکن تصنیف الحوار على أساس عمل تقنی یهتم بعناصر الروایة. أما بالنسبة إلى هذا المقال فقد سعى أن یظهر تفاصیل هذه الأمکنة التی ولجتها قوات الطاغیة وصنعت منها فضاء للقمع، وتم الاهتمام بالتقنیات الروائیة السردیة -الشخصیة والمکان خاصة- لیتضح من خلاله کیفیة تشکیل الفضاء القمعی السالب للحریة. وبالنسبة إلى خلفیات البحث فهناک:

1)                 غاستون باشلار ألف کتابا بعنوان جمالیات المکان وترجمه غالب هلسا عام 1984م، وهذا الکتاب یکاد یکون من أولى الدراسات التی جعلت المکان حجر أساس وصبت ترکیزها علیه. وکان کتابه فی عشرة فصول تناول فیها أقسام البیت من القبو إلى العلیة، الأدراج، الصنادیق، خزائن الملابس ومفاهیمها... منتقلا إلى الأماکن المتناهیة فی الصغر والمتناهیة فی الکبر، کما تحدث حول جدلیة المکان المغلق والمفتوح لکنه صب اهتمامه فی المکان الخاص مثل البیت لهذا لم یتناول الأماکن المتنوعة وبالتالی لم یهتم بالفضاء وأنواعه؛ وأما فی هذا المقال تم تبیین أنواع المکان بالإضافة إلى توضیح التقاطبات التی تولد من تقابل الأمکنة المغلقة والمفتوحة.

2)                 کتاب بنیة النص السردی لحمید لحمدانی، طبع عام 1991م، ونوه الکاتب إلى عدم تکامل نظریة الفضاء الروائی وحاول الولوج فیه قائلا: «إن الآراء التی نجدها حول هذا الموضوع، هی عبارة عن اجتهادات متفرقة، لها قیمتها، ویمکنها أن تساعد على بناء تصور متکامل حول هذا الموضوع.» (لحمدانی، 1991: 53) وهذا یؤکد تضارب الآراء حول المفهوم الذی یحتاج إلى تعمق أکثر وحصر الفضاء فی مفاهیم أربعة، وحاول التمییز بین مفهوم الفضاء والمکان، من دون أن یأتی بنموذج تطبیقی لتقریب المفهوم ولم یتعد توضیحه صفحات عدة؛ لکن الباحثین فی هذا المقال أتوا بنموذج تطبیقی واختاروا روایة حامل الوردة الأرجوانیة لتکون نموذجا واضحا للفضاء.

3)                 کتاب الروایة والمکان لیاسین النصیر الذی طبع عام 2010م، ویتشابه بالسابقین فی تطرقه إلى الأمکنة المتعددة کالشارع والمقهى...، وتکمن أوجه الخلاف فی تناوله المکان المفترض أو المتخیل ومقارنته بالمکان الموضوعی، وأشار إلى تعدد أبعاد المکان وتناول الثنائیات، لکن هذه الدراسة تکاد تکون انطباعیة أکثر من کونها منهجیة لکنها مهدت الطریق للدراسات التی تلت وذلک لاهتمامها بالسجن وانغلاقیته أو ما شابهه من الأمکنة. وجاء هذا المقال لیشیر إلى أنواع الثنائیات المؤثرة وتقابل المکان المفتوح والمغلق ودورهما فی تشکیل الفضاء الروائی.

4)                 مقالة مقاربات نظریة فی مفهوم الفضاء الروائی وبنیته ودوره السردی فی النص الروائی لمحمد عبدالرحمن یونس عام 2011م، اعتمد الباحث فیها بالحدیث عن فضاء السجن وأفق الحریات الضیق فی العالم العربی، ومفهومه حول السجن کان مغایرا لمنطق السجن فی الروایات العربیة، ورکز على المقهى وحمولاته الدلالیة السلبیة خلافا لما جاء به النقاد الذین اتخذوا من المقهى مکانا لتجمع الأدباء وأصحاب الثقافة والعشاق، لکنه لم یأت بنموذج تطبیقی واضح کما لم یشر إلى أنواع الفضاء فیها؛ لهذا حاول هذا البحث أن یطبق مفهوم الفضاء فی الروایة.

5)                 کتاب الفضاء فی الروایة العربیة الجدیدة لحوریة الظل الذی طبع عام 2011م، وهو من الدراسات الجدیدة حول الفضاء. اختارت الباحثة فی هذا الکتاب روایة مخلوقات الأشواق الطائرة للکاتب إدوار خراط لیکون نموذجا. وقامت الکاتبة فی الفصل الأول بتفصیل مفاهیم الفضاء بأنواعه ودور الروایة الغربیة فی دخول هذه المفاهیم فی الروایات العربیة الحدیثة، وأشارت الکاتبة إلى الإشکالیات التی واجهتها فی تبیینها وذلک لاختلاف ترجمة المصطلح فی العربیة ولاختلاط المفهوم والمکان الروائی.

ویتمیز هذا البحث فی عدة محاور، أولها تبیین نوعی المکان المغلق والمفتوح، والثانی تبیین اختلاف المصطلح السردی الفضاء الروائی والمکان الروائی، وأهمیة الشخصیة فی اختراق المکان الروائی بأنواعه وتشکیل الفضاء الروائی، وتبیین التقاطبات الضدیة بین المکانیة وأثرها فی الشخصیة فی تشکیل الفضاء الروائی، والأهم هو تطبیق هذه المفاهیم على نص روائی یزخر بالتقاطبات المکانیة والشخصیات المتقابلة.

البنیویة التکوینیة

جائت البنیویة التکوینیة إثر البنیویة الشکلیة التی وقعت فی مزلق الانغلاق على النص دون التوجه إلى الأنساق الثقافیة والاجتماعیة فی حین أن هذه المحاولة الجدیدة التی جاء بها الناقد والفیلسوف وعالم الاجتماع الفرنسی لوسیان غولدمان فی مدة زمنیة ممتدة من 1952 إلى 1970 فکانت التکوینیة محاولة للتخلص من القیود التی استشعر بها المارکسیون فکان لابد من إدماج التفکیر الاجتماعی-بما فیه النقد المارکسی-داخل الفکر النسقی (البیاتی، 2016م: 465)، فالبنیویة التکوینیة هی محاولة اعتدالیة تقوم بالاهتمام بالنص والنسق بالإضافة إلى التوجه إلى الظروف الاجتماعیة التی تحول دون انغلاق النص على نفسه.

وأما بالنسبة إلى الأسس فی البنیویة التکوینیة فهی فی الواقع لیست إلا امتدادا للاتجاه الفکری والنقدی المارکسی ولکن غولدمان بث روحا جدیدة فیه وطور مفهومه. فیرى غولدمان أن الوصول إلى البنیة الدلالیة الکلیة للنص یتطلب تعمقا وفهما للأحداث الواقعیة من جهة ومن جهة أخرى الاضطلاع بالقیم الفکریة المنبثقة عنها من أبعاد ثلاثة هی الحیاة الفکریة والنفسیة والاقتصادیة والاجتماعیة التی تعیشها المجموعة التی یعبر عنها النص الروائی. (بحری، 2015م: 151) کما أن غولدمان یهتم بمسألة (رؤیة العالم) فهو یعتقد بأنه کلما اقترب النص اقترابا دقیقا من التعبیر الکامل المتجانس عن رؤیة العالم عن طبقیة اجتماعیة یصبح أعظم تلاحما فی صفاته الفنیة (خرشوش، 2014م: 42)؛ فهو یتناول الموضوعات وما یسودها من دینامیکیة یتفاعل فیها الفرد مع المجتمع ولا یمکن إدراک هذا النوع من التفاعل إلا من خلال رؤیة العالم. وسنتطرق فی هذا المقال إلى دراسة التقاطبات المکانیة وعلاقتها بالشخصیة وتشکیل الفضاء الروائی من منطلق المنهج البنیویة التکوینیة ونقوم بتحلیل روایة حامل الوردة  الأرجوانیة لأنطوان الدویهی.

ملخص روایة حامل الوردة الأرجوانیة

سجن البطل فی یوم عاصف ممطر، حین سمع صوت طرق علی الباب و هم بفتحها حتی ألقی القبض علیه بید ضباط ثلاث ولطالما کان متحیراً من سبب اعتقاله. فهو رجل هادئ، مسالم، مقیم فی عالمه الخاص، شخص لاتشوب حیاته شائبة ولکن مع هذا هو لم سیتغرب أن یسجن فی یوم من الأیام. وأمه کانت تردد دائما : لاتخش شیئاً، فما یخشاه المرء یقع فیه؛ وکأنها عالمة بما یجول فی خلده من الخوف. فهو کان شدید التعلق بحریته والحریة سمة غالبة فی أعماق ذاته؛ إذ کانت إحدی أهم هواجسه فقدان هذه الحریة. عاد البطل إلی البلاد الشرقیة ومدینته بعد طول غیاب وعاش وتجول فی مناطق وبلدان غربیة مختلفة منها فرنسا وإیطالیا وفلورنسا و...، وأحب طبیعة هذه البلدان الخلابة والحریة التی تتمتع بها. عند عودة البطل إلی بلدته أحس بهذا التغییر الکبیر الذی غیر معالم بلدته.

لم یسجن البطل فی زنزانة وإنما سجن فی غرفة لا تتشابه بباقی الزنزانات؛ إذ کان وحیداً فی هذه الغرفة الواقعة فی حصن المیناء مقابل البحر، فی غرفة فیها خزانه وطاولة وکرسی خشبی ولکن من دون نوافذ وهو لطالما تعود أن یکون فی بیته نوافذ کبیرة. فی زنزانته کانت هناک لوحة للطاغیة معلقة علی الجدران وکانت تزعجه بشدة؛ إذ أصبح یحس بأن الطاغیة قد تسرب إلی الأعماق، أعماق المدینة وأعماق الذات الإنسانیة، وهو جالس أمامه وجهاً لوجه ینظر إلیه عبر اللوحة فی هذه الغرفة المعتمة وشبح الاستبداد مخیم علی المدینة. حامل الوردة الأرجوانیة هو اسم البطل المستعار فی رسائله لحبیبته آنا وکان یتحدث فی هذه الرسائل عن الحریة واشمئزازه من الاستبداد، مع أنه لم یکن سیاسیاً بالمرة وبعید عن کل ما یمت السیاسة بصلة. وحملت هذه الروایة أسامی لمناطق کثیرة من مدن الغرب وهذا یشیر إلی اطلاعه الواسع عن الجغرافیا الغربیة بالإضافة إلى إضفاء طابع التغریب على الشخصیة. فی النهایة بعد اتهام الشخصیة بتهمة معارضة النظام کان بیده خیاران: إما طریق السجن بلعة إما طریق الکتاب؛ فقد خیر بین کتابة قصة حیاة الرئیس الطاغیة خلال عام و تحرره من السجن بالمقابل إما السجن المؤبد والاختفاء نهائیاً.

المکان المغلق والمفتوح

المکان هو أحد المکونات الأساسیة التی تبنی الروایة وتعطیه شکلاً حیویاً، إن البعض اعتبر المکان هامشیا ولم یعره کبیر اهتمام لهذا انصرفوا إلی باقی العناصر الروائیة من الشخصیة أو الزمان و...، لکن سرعان ما انقلبت المعاییر وأصبح النقاد ینظرو‌ن إلیه نظرة فاحصة. ومنذ القرن الثامن عشر وبالأحض فی القرن التاسع عشر أصبح وصف المکان ذا أهمیة کبیرة حتی یکاد لایحتسب کأرضیة بسیطة فقط بل أکثر. (بورنوف وأوئله، 2000: 135) ولا یمکن للأحداث والشخصیات أن تلعب دورها فی الفراغ دون تحدید المکان، فالمکان لیس خلفیة لاروائیة فحسب وإنما هو عنصر سردی قائم بذاته لهذا یقوم بدور جلی بین العناصر الأخرى.

ولا یجب نسیان ذلک أنه کلما کان المکان مصنوعا بإتقان یکون صادقاً فی نفس الوقت، وکلما دخل تاثیر الخطاب الروائی دائرة الإدهاش و تحول المتخیل إلی واقع حقیقی. (الشهید، لاتا: 170) لهذا یجب التفریق بین مفهوم الفضاء والمکان الذی اختلط عند البعض واعتبر المکان هو الفضاء والعکس. والحقیقة أن المکان بقعة سیمولوجیة ذات دلالات متنوعة و بخاصة فی الروایات التی تتعدد فیها الأمکنة؛ مما یسمح للشخصیات الانتقال من مکان لمکان آخر بأریحیة والمکان هو أحد العوامل التی تقوم علیها الأحداث لهذا یرى التأثیر المتقابل بینه وبین العناصر الأخرى (الموسى، 2006: 132)، وأصبح تعدد الأمکنة مرافقا لتطور حرکة الأحداث (الشامی، 1998: 246) وبازدیاد الأمکنة الدلالیة تزداد فعالیة الشخصیات وتطور الأحداث.

وترى فی الروایة الواحدة تعددا فی الأمکنة، منها المکان الجغرافی الذی تتحرک فیه الشخصیة إلى مکان تحرکها کالبیت والمقهى و..، فالکاتب لا یأتی بها بشکل عبثی وهذا یختلف من روایة لأخری والمکان فی أیة روایة نوعان: إما مکان موضوعی وإما مکان مفترض؛ وتتلخص خصائص الأولی فی أنه یبین تکویناته من الحیاة وتستطیع أن تشیر إلیه، وتجد مواضعه علی خارطتها، أما خصائص الثانی فهو ابن المخیلة البحت التی تشکل أجزاؤه من الواقع إلا أنه غیر محدد وغیر واضح المعالم؛ (المحادین، 1999م: 92) إذن المکان الموضوعی هو نفسه المرجعی والکتاب بهذه الطریقة إذا ذکر اسم حیٍ معروف فی مدینةٍ ما سیتعرف إلیه القارئ بسرعة وهذا یزید من واقعیة الروایة، إذ تصبح العلاقه بین القاریء والروایة مقربة وقابلة للتصدیق أکثر ولکن هذا لا یعنی أن المکان المفترض غیر قابل للتصدیق، وبإمکان الراوی أن یصف المکان المتخیل بذکاء یضفی إلیه المقبولیة عند القاریء.

إن تعدد الأمکنة فی الروایة ینقسم أیضاً حسب نوع الإقامة. فهناک إقامة اختیاریة وإقامة إجباریة؛ وأما الاختیاریة فیمکن الإشارة إلی: فضاء البیوت، البیت الراقی، البیت المضاء، البیت المظلم والبیت الشعبی، وأما الإجباریة فمنها: فضاء السجن، الزنزانة، فضاء الفسحة، فضاء المزار وإن أماکن الإقامة الإجباریة تشکل مادة خصبة بالنسبة لأکثر الکتاب الروائیین، مثل معالجة (فضاء السجن) بوصفه عالماً مفارقاً لعالم الحریة خارج الأسوار. (عزام، 2003م: 196و 197) وأما بالنسبة إلى البیت فهو کما یقول غاستون باشلار «رکننا فی العالم. إنه، کما قیل مراراً، کوننا الأول، کون حقیقی بکل ما للکلمة من معنی.» (باشلار، 1984: 36) وهذه الاختیاریة والإجباریة فی الأمکنة لا تدل على أنه من المستوجب أن تکون کل أماکن الإقامة  الإجباریة مغلقة، أو الاختیاریة مفتوحة، فقد یکون السجن مکانا مفتوحا خلافا لدلالته والحال أنه مؤطر بجدران أربعة وذلک لانفتاح الأفکار الثائرة للسجین؛ إذن إن لعلاقة الشخصیة مع المکان دورا مؤثرا فی تحدید نوع المکان.

أکثر النقاد فی تقسیمهم للمکان تحدثوا عن تقسیم المکان الى المغلق والمفتوح. فی البدایة عند سماع هذه التسمیة أول شیء یخطر علی البال هو أنه الانغلاق و الانفتاح هو حسب ما یؤطره المکان فإذا کان له سقف أو محدود فهو مغلق أو إذا کان واسعا و غیر محدود  فهو مفتوح ولکن یجب الإشارة إلی أن هذا هو جزء من هذه التسمیة ولایغطی جمیع الجوانب. من الممکن أن یسمی قسم من المدینة مغلقاً و هذا یرجع إلی طریقة تفکیرهم المحدودة و طبقتهم الاجتماعیة.

والتقسیم الأهم للمکان هو نمطین من الأمکنة، هناک المغلق علی نفسه و المفتوح، ولکل منهما خصائص ومیزات تعکس الطبیعة الفکریة والنفسیة للشخصیة التی تعیش فیه. (وتار، 2000: 188) وأشار یوسف حطینی فی کتابه مکونات السرد فی الرویة الفسطینیة إلی الأماکن المفتوحة التی تشمل الأحیاء والشوارع  والساحات وما یشبهها والأماکن المغلقة کالمقاهی وهی أهمها والفنادق وإلخ، وأشار إلی أن الأماکن المغلقة تمنح بشکل عام إمکانیة أکبر للعنایة بعناصر السرد. (أنظر: نفسه: 91-94) لعل تقسیم المکان إلى المغلق والمفتوح یختلف حسب الروایة، لأنه قد یتحول السجن بانغلاقه إلى مکان مفتوح فی روایة لأنه کان مکانا للتخطیط والتفکیر والثورة على الذات لهذا هنا یخرج من انغلاقیته إلى آفاق أخرى جعلته مفتوحا ویختلف هذا الأمر فی روایة أخرى فیرجع السجن مغلقا على نفسه.

وصف الأمکنة المتعددة فی روایة حامل الوردة الأرجوانیة

تعددت الأمکنة فی هذه الروایة القصیرة مما أدى إلى تشکیل فضاءات خاصة تناسب الأمکنة المذکورة، ومضى جبور الدویهی فی الإکثار من وصف المدن الغربیة التی تنقل فیها البطل حتى وصلت إلى 35 مدینة من باریس والبندقیة ومرسیلیا...، وبالمقابل قلّ وصف المدن الشرقیة فکانت تحصى بعدد الأصابع من أهمها الیمن وبلاد مابین النهرین وبر الأناضول وبلاد فارس وعمان. وإنما المدن کما یقول عبد الرحمن منیف : «هی البشر، هی التاریخ، وبالتالی فإنها الذاکرة الحقیقیة لما کان ولما یجب أن یبقى.» (شرف الدین، 2010: 51) وکثرة المدن الغربیة فی هذه الروایة یدل على طغیان ملامح تغریب الشخصیة الذی ظهر فی حبه للغرب ورفض بلده وکان فساد الحکومة وجور الطاغیة سببا لهذا الرفض.

إن الروائیین والنقاد فیما قبل کانوا ینظرون إلى المکان باعتباره إطارا ساکنا سلبیا لاحتضان الأحداث والشخصیات والزمن، فوصفوه وصفاً جامداً. (یعقوب، 2004م: 248) لکن بمرور الزمن تحول المکان من مجرد دیکور إلى محاور حقیقی یحرر نفسه من أغلال الوصف التقلیدی الجامد وذلک عبر إسقاط الحالة الفکریة للشخصیة على المحیط الذی تعیش فیه، (وتار، 2000: 186) لهذا فإن الراوی فی الروایة یسقط الحالة النفسیة التی یعانی منها تجاه المدن الشرقیة وعلاقته معها هی علاقة المتألم لهذا لم یفکر فی التجوال شرقا لأنه لا یتصور نفسه متجولا فی مکان وإن کان مدهشا إذا کان مقموعا: «لم تراودنی قط فکرة التجوال شرقاً، أکثر من ذلک، أخشى سلوک هذه الوجهة، ولا أتصور نفسی متنقلا فی مکان، مهما کان مدهشاً، إذا کان مقموعاً.» (الدویهی، 2013: 10)فالقمع هو السبب فی ابتعاد الشخصیة عن العیش فی بلاده، فقد تغیرت نظرته إزاء المدن الشرقیة فأصبح بلاده مکانا مغلقا لایسعه التحرک فیه وبات أسیرا.

لیست المدن هی المکان الوحید المذکور فی الروایة وإنما هناک أماکن أخرى مهمة فی هذه الروایة: البحر وشاطیء المحیط، السفینة والقوارب والمراکب الراسیة، المقاهی التی کثر ذکرها، البیت وأثاثه، حصن المیناء، النوافذ، المکتبة، القطار، الجسر، السجن، متحف الطیور والغرفة. ومن أهم الأمکنة التی أثرت فی الشخصیة هو البحر؛ حیث ترى الشخصیة نفسها مسکونة بالمشاهد البحریة: «لاأدری لم أنا، منذ شهور، مسکون، علی هذا النحو بالمشاهد البحریة. فمنذ لحظة الیقظة الأولی یراودنی التخیل أنه وراء النافذة المغلقة یمتد شاطیء المحیط. لیس أی محیط، بل المحیط الذی خلف أسطور سان مالو... کی أبقی نفسی فی جو البحر، وفی منأی من الخراب، غالباً ما أکون عند آخر النهار سائراً علی شاطیء النخلتین القریب.» (الدویهی، 2013: 125و 126) وقد یبدو البحر عنصراً جمالیاً متحرکاً محسوساً مؤثرا فی الأحداث والشخصیات؛ (الصالح، 2004: 154) فنرى کیف أن الراوی والشخصیات الأخری أصبحت مأخوذة بالبحر وکیف اتخذت الشخصیة من البحر ملاذا فی ذاکرتها تهرب إلیه لشدة تعلقها به لیصبح هو ملجأها وملاذها الوحید: «ثمة مشاهد فی ذاکرتی قلیلة العدد، أسمیها "المشاهد المختارة" لها تاثیرها السحری علی حنایا ذاتی، ومشهد البحر عند شارلویة منها. هی لاتؤثر فقط فی حالات الحلم و التأمل، بل فی حالة الأوجاع الجسدیة أیضاً...، فحین أکون مثلا بین یدی طبیب الأسنان، مستسلماً لإبره و أزیز آلاته، أغمض عینی طوال الوقت، وأحدق فی مشهد الشاطیء عند شارلویه الذی یضحی ملجأ خلاصی.» (الدویهی، 2013: 149و 150)إذ أصبح البحر فی هذا الروایة مکانا مفتوحا ومکانا للهروب من وطأة الضغط ومحلا تشعر الشخصیة فیه بالأمان. البحر فی الحقیقة و فی الرمز هو وسیلة وصل بین الطرفین، (مقالح، 1999: 199) والبحر هنا حلقة وصل بین مکانین، بین مکانه الحقیقی والمکان الذی یرید أن یکون فیه إذ کما رأیت قد لجلأت الشخصیة إلى البحر محدقة إلیه حینما کانت تشعر بوجع جسدی وذلک للتخلص من الوضع الراهن کان هناک هروبا من المکان الحقیقی إلى المکان الموجود فی الذکریات السابقة.

انتقل الروای من مکان البحر المفتوح من البحر إلی الأماکن المغلقة أهمها السجن. فالسجن هو من الأماکن المغلقة کما أنه مکان للإقامة الإجباریة. والراوی اعتقل بسبب یجهله ولطالما أثار حیرته تجاه السبب فهوکان شخصا بعیداً عن السیاسة لهذا کان یظن بأن هذا الاعتقال شیء یشبه العبثیة والعشوائیة ولم یفهم سببه، وبدخوله السجن اختبر عدة مراحل، ابتداء من اعتقاله، ووضعه فی زنزانة انفرادیة ثم استجوابه بطریقة خاصة. ومراحل السجن السیاسی قد تنقسم إلی ثلاثة أقسام: مرحلة الاستقبال وهو الطریق إلی الزنزانة والبقاء فیها مؤقتاً‌، ومرحلة التحقیق الذی یرافقه تعذیب من کل نوع ومرحلة الاستقرارالتی تعد المرحلة الأولی من مراحل حرب الأعصاب الذی یمارسه السجن علی المسجون، فیحدثون السجین عن احتمال إعدامه ویسمعونه فی طریقه إلی الزنزانة صراخ المتعذبین. (حطینی، 1999: 86و87)

فی هذه الروایة تنطبق هذه المراحل على الشخصیة ولکن بصورة مختلفة قلیلاً، فمرحلة الاستقبال تکاد تکون نفسها ولکن مرحلة التحقیق لایرافقه أی نوع من التعذیب الجسدی؛ بل قد تجسدت عملیة التعذیب فی انتهاکهم خصوصیة الشخصیة، وذلک عن طریق قراءة رسائله الشخصیة التی کان یتبادلها مع حبیبته آنا حین قال:«کانت تلک القراءة بمثابة عملیة تعذیب مارستها مرغماً علی نفسی، إذ کان ینتابنی فی  کل مقطع، فی کل کلمة منها، الشعور الرهیب بأن جهاز الطاغیة تسرب إلی أعماقی، منتهکاً بجهل وفظاظة أقدس ما عندی، أقدس ما عند کل إنسان: خصوصیة حیاته الداخلیة.» (الدویهی، 2013: 116) فنظام الطاغیة لم یعذبه بطریقة مباشرة بل بطریقة غیر مباشرة وذلک عبر مراقبته عن کثب وقراءة رسائله ووضعها أمام ناظره کی یعرف مدی تسرب الطاغیة فی حیاته وفقدانه استقلالیته، وهذا هو التعذیب لدى الشخصیة، هذا التطفل والولوج فی أفکار الشخصیة سلبتها الحریة وجعلتها تعانی من الاختناق فی جسدها، فالجسد أیضا قد تحول إلى مکان مغلق یحبس الإنسان، کل هذا جعل مجال الفضاء أضیق.

وتختلف المرحلة الثالثة -أی الاستقرار- کثیراً، فالسجین کان محجوزاً فی غرفة وکان یعامل بطریقة مهذبة وهذا ما أشعره بالراحة النفسیة حین تواجده فیه؛ إذ لم یکن یراه سجنا بل مکانا مریحا اسمه حصن المیناء: «أدرکت بعد ذلک أنی معتقل فی "حصن المیناء" فارتاحت نفسی قلیلاً إلی المکان الذی لم أکن أتخیله سجناً قط.» (الدویهی، 2013: 24و25) فالشخصیة بعد مرور مدة من الزمن لم تعتبر هذا الحصن سجنا بل تآلفت معه حیث أصبح بینها وبین السجن تواشج عمیق وهذا الأمر أخرج السجن من انغلاقیته المطلقة. وتعودت هذه الشخصیة بعد أشهر أمضتها فی هذا الحصن علی الغرفة التی کانت دون نوافذ وأصبح المکان مألوفاً بالنسبة لها لأنه کان قریباً من البحر وأصوات هدیر أمواجه من ناحیة وزیارة أمه لها کل أسبوع واحترامه من قبل الحراس من جهة أخری أعطت الشخصیة السکینة، وهکذا اعتادت على حصن المیناء فکان الحراس یعاملون السجین معاملة لا یعامل فیها أی سجین آخر؛ معاملة تقف على حدود الاحترام؛ (نفسه: 86) وتحول إلى مکان مریح یعطی نوعا من الاستقلالیة لساکنه وهو مکان منیع یتم فیه الحمایة فهو فی العادة یجب أن یکون مغلقا لکنه بإعطائه هذه الألفة للشخصیة تحول إلى مکان مفتوح. وبالنظر إلى ما تحمله مفردة الحصن من المعانی فهی تشیر إلی التاریخ والمنعة وعلامة القوة والاستقلالیة، (عبید، 2013: 66) فهناک ترابط بین المکان-الحصن- والحالة النفسیة للشخصیة وهذه العلاقة بینهما أدت إلى تغییر دلالات المکان المغلق إلى المفتوحة.

دور الشخصیة فی المکان وتشکیل الفضاء الروائی

تعد هذه الروایة من الروایات الذاتیة وتتکون من أبطال رئیسیین :السجین الذی یقوم بسرد الروایة و لم یصرح هذا الراوی باسمه ولا فی مکان واحدٍ من الروایة ویشارک هذا البطل، الأم البالغة من العمر خمس وثمانین عاماً وشخصیة رانیا التی أحبها فی الماضی و عادت لتزوره فی سجنه یوماً فی الأسبوع. من الشخصیات الفرعیة  یمکن الإشارة إلی شخصیة آنا حبیبته التی انفصل عنها مع حبهما الشدید لبعضها و عملاء السجن وشخصیة هناء المحققة معه، التی تعمل لحساب الطاغیة.     

الدور المهم الذی تلعبه الشخصیة على أرضیة المکان والتأثیر والتأثر بینهما استدعى التطرق إلى دور الشخصیة وحرکیتها فی المکان ودورها فی الفضاء الروائی. هذا ما جعل الناقد فیلیب هامون أن یصف البیئة وتأثیرها على الشخصیة لأن المکان یحفز الشخصیة على القیام بالأحداث، کما أن وصف بیئة ما یعنی وصف مستقبل الشخصیة. (عزام، 2003: 194) وهذه البیئة الاجتماعیة هی التی یؤکد علیها لوسیان غولدمان کثیراً فی کیفیة تأثیر هذه البنیة الخارجیة على النسق النصی؛ وهذا یؤکد دور الشخصیة فی تغییر معالم المکان وبالعکس، فحینما توصف شخصیة هذه الروایة بأنها کثیرة التجوال وهی لا ترغب کثیرا ببلدها بوصف البلاد الشرقیة التی تتدمر طبیعتها یوما بعد یوم و تحل البنایات محل هذه الطبیعة التی کانت خلابة فی الماضی فهو یصف مستقبل هذه الشخصیة وإحساسها بالنسبة إلى هذا المکان الذی لم یعد کما فی السابق.

وبالنسبة إلى مفهوم الفضاء فهو سحاب یغلف الروایة بأکملها ویؤثرعلی الحالة التی تشعربها الشخصیات، فإن غطت الروایة هالة من الضبابیة والسوداویة قد یخرج منها شخصیات متأثرة ومؤثرة فیها فی نفس الوقت. وفی روایة "حامل الوردة الأرجوانیة" یوجد أکثر من فضاء واحد فی الروایة لکن یبقی ویطغى فی النهایة فضاء واحد ألا وهو الفضاء الذی شکل معالمه الاستبداد وعوامل الحاکم الجائرعلی المجتمع والشخصیة نفسها، والشخصیه فی الروایة لاتقف مکتوفة الأیدی بل تحاول اختراق هذا الفضاء الظالم، وترى الشخصیة أحیانا تعامل المکان معاملة أی کائن بشری مثل أن تبعث علیه التحیة والسلام: «کما فی کل مرة، أول ما سأفعله الیوم هو التوجه إلی نهر السین سیراً علی القدمین لأتأمله من فوق أحد جسوره. کأنه هو الشخص الأقرب إلیّ فی هذه المدینة، الذی علیّ إعلامه بوصولی قبل الانتقال إلی أمکنة أخری. غالباً ما أضمن رسائلی إلی أصدقائی المقیمین هنا، هذه العبارة: أنقل سلامی وشوقی إلی صدیقی نهر السین، وأنا أعنی ذلک تماماً.» (الدویهی، 2013: 74) ومعاملة نهر السین مثل کائن بشری یرفع من مستوى المکان ویظهر أهمیته حتى أنه وصل إلى درجة الأنسنة وهذا لیس ترابطا بین العنصرین وإنما إدغاما کاملا.

فقد عومل نهرالسین معاملة الإنسان والصدیق وأحیانا یکون الباعث فی هذه المعاملة هو حنین الشخصیة إلى هذا المکان بالذات کی یعتبر المکان إنساناً یخاطبه ویشتاق إلیه ویحبه ومن الممکن أن یکون أقرب إلیه من الإنسان نفسه. وإن الخبرات المتکررة فی مکان معین، تساعد فی تطویر إحساس ما بالاستمراریة، وهذا الإحساس العمیق بقوة المکان یتحقق بانتماء الشخصیة إلی أماکن فی الماضی وحنینها إلیها فالذکریات والأحلام وکذلک المعلومات المتعلقه بأماکن معینة، تفید فی تأکید إحساس المرء بذاته وفی تأکید هویته. (الربیع، 2005: 158) کما أن الشخصیة قد تکره المکان بفقدان من تحب و یتحول المکان إلی فضاء سوداوی ومتشائم، ففی هذه الروایة لم تعد الشخصیة تطیق العیش فی باریس بعد رحیل حبیبتها إلى أورنفیل: «بعد رحیلها إلی أورنفیل لم أعد بدوری أطیق الإقامة فی باریس. صرت محاطاً بفراغ هائل وسط المدینة المتلألئة الأضواء، المفعمة بالاحتمالات، الزاخرة بالوعود. بات هذا العالم الذی ستغیب فیه آناعن مدینة السین صحراء شاسعة تمتد أمامی لن أقوی علی اجتیازها  قط.» (الدویهی، 2013: 146) وهکذا یتناسب الزمان والمکان الضبابیین، مع الحالة السوداویة والتشاؤم الذی اتسمت بها الشخصیات الرمزیة، (أبوسالم، 2004: 190) وهنا تظهر فاعلیة الشخصیة (آنا)-حبیبة السجین السابقة- وتأثیرها فی أبعاد المکان ابلذی یعد أحد المکونات الاجتماعیة؛ فبعد رحیل الحبیبة تحول المکان إلی صحراء شاسعة یصعب اجتیازه وهذا یشیر إلی الوقت العصیب الذی ستمضیه إثر ابتعادها عنها وحتی الشخصیة لم تعد تشعر بالتفاؤل الذی تخلقه أضواء المدینة ولاتری سوی هذا السواد والفراغ الهائل، فرحیل الحبیبة من مکان إلى آخر تسبب بخلق فضاء غارق فی الضیاع، فباریس المعروفة بمدینة الأضواء تحولت إلى مکان غراق فی البؤس والضیاع ولم تعد تعنی باریس شیئا بالنسبة إلیها وهذا یؤکد مدى فاعلیة الشخصیة فی المکان.

وأحیانا یحصل العکس فقد یتحول الإنسان إلى مکان یحمل دلالات؛ إذ تحولت آنا الحبیبة إلی البحر وأصبحت تعبر عن کل ما یحمله البحرمن طاقات دلالیة. فهی تمثلت فی البحر وتسرب جسد آنا فیه وإن لم تنعکس صورتها التی تجسدت فی مخیلة الشخصیة فی البحر ولم یر فی البحر سوى آنا لما تمثل هذا المشهد الجمیل النورمانی للبحر عنده وإلا لکان مشهدا عادیا لاغیر. (أنظر: الدویهی، 2013: 150)فقد تجلت الحرکیة فی دخول الشخصیات المکان أو تحول الشخصیة نفسها إلى مکان ویعد هذا التبادل فی الأمکنة عاملا فی تشکیل الفضاء، فکثرة حنین السجین إلى الحبیبة جعله یراها تتجسد فی البحر الذی یراه خلف القضبان. وهذا الأمر یفصح عن کثیر من المعطیات التاریخیة والنفسیة والاجتماعیة عن طریق إلقاء تأثیراته علی الروایة وهذا بالتالی یؤدی إلی رؤیة شمولیة فی العمل القصصی. (الزکری، 2012: 201) فقد أعطت هذه الروایة نظرة لما قد یحمله فضاء السجن من دلالات کما أنها توجهت إلى الحصن الذی شید فی العصر المملوکی کما سبق الإشارة إلیه، وألقى نظرة تاریخیة فی حقبة مهمة من الزمن.

أنواع الفضاء فی الروایة (فضاء القمع، الاستبداد وفقد الحریة)

وأما بالنسبة إلى الفضاء الروائی فقد تم الاهتمام به فی الروایة الغربیة فی القرن الثامن عشر وکانت الحرب العالمیة الأولى والثانیة محفزا للانشغال به وذلک إثر ماحصل من انتکاسات فی فضاء الواقع وتغییرات مابعد الحرب وتطور العلوم والفنون، الأمر الذی أحدث شرخا بین الفضاء الروائی والفضاء المرجعی، وظهر مع الروایة الفرنسیة الجدیدة (الظل،2011: 30) لکن الفضاء تطور فی الروایة العربیة وذلک نتیجة تغییر آلیات اشتغال الروایة وتجدیدها والاهتمام بالتراث العربی والإطلاع على الثقافة الأجنبیة خاصة الفرنسیة، (نفسه: 49) فکان للغرب ید فی دخول هذا المصطلح إلى الروایة العربیة الحدیثة، ومع هذا یختلف الفضاء الروائی بین الروایة العربیة والأجنبیة، لأن المکان هو الحجر الأساس فی تشکیله ویختلف المکان المرجعی کذلک من روایة لأخرى وتختلف الإیحائات بتبع هذا التغییر فی الأمکنة وعندما أخذت الروایة العربیة المفهوم من الغرب فهی لونته بطابعها العربی وأعطته مذاقا خاصا وطورت مفهومه.

قسم أکثر النقاد  الفضاء إلى أربعة أنواع : الفضاء الجغرافی، الفضاء النصی، الفضاء الدلالی، الفضاء کمنظور أو کرؤیة. المقصود من الفضاء الجغرافی هو الحیز المکانی الذی یؤطر الروایة وتوجد فی کل روایة إشارات جغرافیة وهذا یجعل تصوره سهلا للقارئ وأکثر قربا إلی ذهنه ومن المناسب أن یتم التأکید هنا أن دراسة الفضاء الجغرافی لایمکن أن تنفصل عن إحالاته المرجعیة من الواقعیة والتاریخیة والاجتماعیة و...، (حطینی، 1999: 75) ویتولد عن طریق الحکی ذاته فهو فضاء یتحرک فیه الأبطال،‌ أو یفترض أنهم یتحرکون فیه، (لحمدانی، 1991: 62) ولعل هذا النوع من الفضاء یعادل ذکر البلاد المرجعیة التی تتحرک فیها الشخصیة، فالفضاء الجغرافی فی هذه الروایة یتمثل عامة فی الدول الغربیة والأوروبیة وباریس خاصة.

والفضاء النصی هو الحیز الذی تشغله الکتابة ذاتها یعنی کیفیة طباعة الأحرف علی مساحة الورق ونوعها وحجمها وأیضاً یهتم بالغلاف الذی یؤطر الروایة، فالغلاف له دلالات جمالیة قیمة وکل هذه المظاهر تدخل فی تشکیل المظهر الخارجی للروایة. (عزام، دون تا: 72) هذا النوع من الفضاء یعتبر خارجا عن فضاء اللغة الذی یشکل الفضاء الداخلی للروایة، فهو یتضمن الشکل لیصل عبره إلى المضمون، مثل تصمیم غلاف الروایة وتغلیفها بلوحة خاصة أو صورة معبرة عن النص، والکاتب فی هذه الحالة لا یصمم الغلاف عشوائیاً دون هدف دلالی وإنما یصبح الغلاف من أهم الدلالات السیمولوجیة باللون والرسمة التی طبعت علیه لیعبر عن الدلالة النصیة عبر هذه العتبة. وأما الفضاء الدلالی فهو یشیر إلی الصورة التی تخلقها لغة الحکی وما ینشأ عنها من بعد یرتبط بالدلالة المجازیة. (لحمدانی، نفسه: 62) هذا الفضاء هو الأهم فی الفضاء الروائی وذلک بما یفضیه من دلالات وصور مجازیة خارجة من لغة الحکی نفسها ویتحکم الفضاء باللغة داخل الروایة التی تخلقه، منها فضاء القمع فی الروایة.

غالباً‌ ما یرتبط مصطلح القمع بأسباب سیاسیة وکان القص فی هذه الروایة یخص هذا الموضوع إلی حد کبیر لأسباب سیاسیة، فمخالفة الشخصیة للسلطة سیتسبب لها بعقاب من قبل الطاغیة ومن مظاهر العقابات یمکن الإشارة إلى: السجن، والخوف الدائم والعقوبات وحتی التعذیب، (حسین، 2001: 307) وکل مکان ضیق یومیء بالتأزم والاختناق ومن هذه الأماکن المتأزمة هو السجن. (معتصم، 2004: 152) فإذا کان فضاء السجن فی مهمته الأساسیة سهیدف إلی حمایة الدولة والمجتمع من کل الذین یخترقون قوانین الدولة ویشکلون خطراً علیها وإذا کانت من مهماته، إصلاح الخارجین عن القانون وتهذیب نفوسهم، فإنه فی الروایة العربیة دلالات مغایرة وحمولات إیدولوجیة جدیدة، فالسجناء فی هذا الفضاء قلما یوجد بینهم مجرماً، یدخلون أصحاء سلیمی العقل ویخرجون محطمین مهمشین وفاقدین قدراتهم الجسدیة والنفسیة. (یونس، 2011: 23) کما أن الضیق یضغط على الشخصیة وتفکیرها فتحاول الشخصیة کمحاولة للهروب من ضغط السجن أن تنعزل وتفر إلى داخلها وهذا یجعل منها شخصیة منعزلة عن المجتمع وهذا یتسبب بنوع من الانغلاق على الذات وسجن الذات.

وفی الروایة نرى السجین یحس بوطأة السجن علیه وبهول فقدانه الحریة، الحریة التی لطالما کانت ترافقه منذ الطفولة. حریة جبلت فی أعماقه ولم یتصور نفسه یوماً فاقداً لها، فیحس بهذا الثقل والکبت الذی أصبح یخترق أعماق کیانه: «فی بعض الأحیان کانت حوارات السجن تصل إلی المناطق القصیة المظلمة فی خوالجنا، مما لا نعیه دوماً، أو مما ندفنه و ننساه، فلا نبوح به لأحد ونکاد نخفیه عن أنفسنا.» (الدویهی، 2013: 67)فهذه الحوارات فی السجن تدخل أعماق کیان الشخصیة بحیث تؤثر فیه وتعشعش فی دواخلها حالة من السوداویة والتشاؤم. وتارة أخری توجد دلالات مغایرة للسجن فیصبح مختلفا عن کل السجون وذلک بسبب معالملة السجین بطریقة جیدة؛ فالضباط عند احتجازه وضعوا الشخصیة فی غرفة ولم یضعوه فی زنزانة کباقی الزنزانات والدلیل علی هذا وجود سریر وکرسی وطاولة وحتی خزانة خشبیة وأیضاً عند دخولهم لغرفته یطرقون قبل الدخول ویستأذنون، وهذا یوحی بشیء من الألفة وتقلیل وطأة السجن الذی تراها جلیة فی باقی الأماکن.

إذن الشخصیة شعرت ببعض الألفة إثر هذه المعاملة من قبل الحراس و احترامهم لها، وحولت الشخصیة السجن إلى مکان اعتیادی کأنها تعیش فیه ولهذا لم تعتقد بأنه سجن وإنما غرفة. ولطالما تواجد المکان المغلق عند بعض الروائیین إثر وضع اجتماعی خاص عاش فیه أبطال لهم سمة اجتماعیة-سیاسیة، فما أن وضعوا فی هذه الأمکنة ما کان لهم أن حولوها إلى أماکن اعتیادیة بالإمکان العیش فیها والتآلف معها بتفکیر منهم أنها لیست سوى مرحلة عابرة، (النصیر، 2010: 45و46) لکن مع هذا تشعر بفضاء معادی استبدادی منذ السطور الأولى باعتقال البطل ویتطور هذا الفضاء السالب للحریة مع تطور الأحداث لیطغی فی النهایة علی کل الفضاءات الموجوده فی الروایة و تری أثره بارزا فی المجتمع.

إن المکان الذی عاشت فیه الشخصیة عرف منذ قدم الزمان بالجمال وأعطاه الکاتب فی الروایة أسماء "ملک الجبال وحامل عرش القیامة" وأظهر أهمیته التاریخیة، وحمل هذا المکان فی النهایة تسمیة "سقوط الملاک" وذلک بسبب هیمنة الفضاء الاستبدادی، أصبح سقوطاً لأسفل الدمار وهذا هو التشویه الذی أصاب هذه الأرض بسبب ما أحاط بها من الجذام وأصبح کل ما فی هذه الأرض وجمالیته تتآکل یوما بعد یوم وتمحی وتندثر. والأخطر من ذلک هو أن شبح الاستبداد لم یکتف بالولوج فی المجتمع فقط بل حاول الدخول إلی الذات الإنسانیة: «لکن الأخطر من ذلک کله، وهو ما أذهلنی وأحزننی إلی أبعد حد، أن شبح الاستبداد لم یلج المؤسسات فحسب، بل تسرب إلی الإنسان أیضاً. أمر لایصدق.» (الدویهی، 2013: 166) وکانت الشخصیة تظن بأن الإنسان المتمسک بحریته هو إنسان متسامح له قیم راسخة وهذه القیم توجد فی کل إنسان طبیعی ولکنه حالما رجعت إلی وطنها رأت أن وجود مثل هذا الإنسان یصعب العثور علیه، فتغیر الإنسان بإحاطة الفضاء الاستبدادی علیه وطغى، فأصبح إنسانا یباع ویشتری، لینتهی به لیکون مجرد خادم للنظام السائد. ولکن الشخصیة حاولت رفض الاستبداد برفضها الخضوع لجورها وفضلت الموت على الخنوع أمام الظلم وکانت عاقبتها السجن مدى الحیاة لأنها لم تقبل أن تکتب حیاة الطاغیة الذاتیة فی کتاب وجابهت الحکومة والحکم ولکن مع هذا فهی عبرت عن بلادها فی النهایة بسقوط الملاک لأنها شعرت بتدمیر هذه البلاد العریقة.

التقاطبات المکانیة وأثرها على الشخصیة

إن القراءة الکفیلة بالکشف عن دلالة الفضاء الروائی یجب أن تبنی علی مجموعة من التقاطبات المکانیة وبتبعها مفارقات فی الشخصیات لتظهر غالباً علی شکل ثنائیات ضدیة لتعبر عن العلاقات الحاصلة من اتصال الشخصیات بهذه الأماکن. وهذه التقاطبات لاتلغی بعضها بعضاً‌، وإنما تتکامل لتقدم مفاهیم تساعد علی فهم عنصر المکان فی الحکی الروائی. (انظر: عزام، 2003: 164-196) وتکثر فی الروایة هذه التقاطبات المکانیة التی تؤثر على الشخصیة، فمنها مشهد اشتداد الظلمة فی حصن المیناء واحساس الشخصیة بالاختناق فتشعر بأنها ترزح تحت وطأة فقدانها الحریة، کما أن جهلها لسبب اعتقالها یزید من اختناقها فی الحصن الذی اعتبر کغرفة مقفلة وخالیة من النوافذ: «یهبط المساء علی حصن المیناء وتغشی الظلمة الکوتین المستدیرتین، إنه لیل آخر یحل علی فی سجنی لابد لی من اجتیازه. أرزح تحت وطأة فقدانی حریتی، وجهلی المستمر لسبب اعتقالی وغموض مصیری، إضافة إلی اختناقی فی هذه الغرفة المقفلة، العدیمة النوافذ...وأستمد قوتی من حیاتی الداخلیة ومن قدرتی علی الصمت، ومن هذه العزلة التی هی عزلتی، حیث یحیط بی ویحرسنی أشخاص غیر مرئیین یخترقون الجدران.» (الدویهی، 2013: 29)

ففی المشهد السابق تحاول الشخصیة أن تتحمل وطأة الاختناق فی هذه الغرفة المقفلة والمظلمة وفتحاول الهروب إلی العوالم الداخلیة الخاصة. فالعلاقة بین المکان والذات هی علاقة عکسیة أحیاناً، فکلما انغلق المکان تتسع الذات فی انفتاحها علی المتخیل والنفس (عدوان، 2001: 107) ویتمثل هروب الشخصیة إلى کوامن فی مقطع آخر من الروایة وذلک حین یجن اللیل علیها فلا تعود تری أمامها سوی الظلام الحالک ولوحة الطاغیة المعلقة أمامها على الجدار وهکذا تحس  الشخصیة بأن ظل الاستبداد یحاول الدخول إلی کوامنها (أنظر: الدویهی، 2013: 47)وترى حصن المیناء یتحول إلى مکان یحمل دلالات المفارقة، فترى الشخصیة أحیانا تشعر بالألفة والراحة فی حصن المیناء الذی سجنت فیه، وتارة تراها تشعر باستبدادیة الفضاء القمعی والوطأة الثقیلة التی ترزح تحتها، الوطأة التی جعلتها تهرب لعوالمها الداخلیة لتنسى المکان-السجن- الذی وضع فیه.

کما أن للثنائیات الضدیة دور فی اختراق وتشکیل الفضاء الروائی ولابد من القول أن الروایة تشکلت من ثنائیات ومفارقات کثیرة أولها صراع المکان المفتوح والمغلق والانتقال من مکان مغلق کالغرفة إلی مکان مفتوح کالبحر والعکس. وهناک کذلک صراع ضدی قائم فی ذات الشخصیة، وهذا ما رآه البطل فی شخصیة هناء المحققة التی تنتمی إلی حکومة الطاغیة فهو رأی فیها: «هذا الشعور الخاص، الغامض، المنبعث من حضورها، تعبر کلها عن رؤیة واحدة،...قائمة علی ثنائیة مطلقة لاهوادة فیها، هی ثنائیة القاتل والمقتول، والراعب والمرعوب، والجلاد والضحیة. فإما أن تکون هذا وإما تکون ذاک، وما من خیار ثالث بینها أو خارجها قط فی أی مکان وأی زمان...، کانت تبدو هذه المرأة فی بعدها الواحد، کأنها النقیض الأمثل للبحر الممتد...هی النقیض الأمثل لامرأة مثل شخصیتی (رانیا أو آنا)، الشبیهتین بالبحر.» (الدویهی، 2013: 98) وهذا المقطع من الروایة زاخر بالتقاطبات الضدیة فی المکان وأثرها على الشخصیة؛ إذ تتواجد شخصیة متنافرة إما تکون قاتلة أو مقتولة وهذه الثنائیة ترجع إلی المکان المغلق والتفکیر المتزمت الذی عاشت ونمت فیه. کما أنه یوجد تضاد بین شخصیة هناء المغلقة على ذاتها وبین شخصیتا آنا ورانیا الشبیهتین بالبحر الذی یعبرعن الفضاء مفتوح، ویمکن تلخیص صراع التقاطبات الموجودة کالآتی: هناء الآتیة من مکان متزمت ومغلق ومتخلف/ آنا ورانیا الشبیهتین بالبحر وانفتاح ذاتهما.

وبسبب هذه التقاطبات تنتهی الروایة فی الأغلب إلی فضاءین متقابلین من المغلق والمفتوح. وحینما عرف الراوی التهم التی ساقوها إلیه بأنه مخالف للحکومة و له نشاط سیاسی ضدهم، فی الآخر أعطوه خیارین، وهذان الخیاران أیضاً یجسدان الفضاء القمعی: «إما طریق السجن بلعة، وإما طریق الکتاب؟. خیار موهوم لایؤدی إلی أی منفذ. فالطریقان یقودان إلی المکان نفسه. لقد أطبق الطاغیة علی فعلقت فی شبکة عنکبوته، التی لاخروج لی منها بعد الیوم» (نفسه: 185)  فالخیاران هما إما أن یسجن إلی الأبد أویقتل وإما أن یکتب سیرة الطاغیة الذاتیة وهو فی البدایة لو أراد التعامل مع الطاغیة لقبل عرضه فی کتابة سیرته فی مجلته سابقاً، لکن نفسه المحبة للحریة رفضت ذلک ومازالت رافضة له، فالبطل بقوله للحراس بأنه سیکتب الکتاب، لا یدل على خضوعه لأمر الحاکم، هذا مجرد تمویه فقط لیکون لدیه مزیداً من الوقت لینشر کتاباته وأفکاره عن قمع الطاغیة بعد موته. فهنا أیضاً یتضح انغلاق الطریقین الذین لایؤدیان إلی أی طریق مفتوح فهو إذا لم یکتب فسیبقی فی الزنزانة أو سیؤول به الأمر إلی مکان أکثرانغلاقا، ألا وهو القبر وعاقبته الموت، وإذا کتب الکتاب فقد خان نفسه والبلاد وسلب حریة ذاته ولوث ذاته النقیة؛ فهذا انغلاق علی الذات من جهة أخری. ولکنه اختار عدم کتابة ما یریده الطاغیة وإنما استغلال ما تبقى له من الوقت لیفضح جرائم الاستبداد والقمع، وهذا هو السبیل لتحرر أفکاره لفضاء رحب ومفتوح عبر طباعة کتابه.

النتائج

  1. لابد من القول إن الروایة تشکلت من ثنائیات ومفارقات کثیرة أولها تقابل المکان المفتوح والمغلق والانتقال من مکان مغلق کالغرفة إلی مکان مفتوح کالبحر والعکس. ولم تکتف بالمکان فحسب وإنما تخطت الأطر المکانیة ونفذت فی الشخصیة کذلک وترى تقابل الشخصیات المتنافرة مثل (الشخصیة /الطاغیة) و(آنا ورانیا / هناء) وهذا أدى إلى تشکیل فضاءین متقابلین فی هذه الروایة (فضاء القمع /الحریة)؛ إذ یوحی فضاء القمع بالتأزم والاختناق خلافا للفضاء الثانی الذی یعبر عن فضاء مفتوح فقد کان البحر مکانا یعادل الحریة فی الروایة وکلما ضاقت الحیاة بالشخصیة حاولت الهروب من وطأة الاستبداد إلی البحر لیکون ملاذا لها وهذا التقابل بین المتنافرات أدى إلى إیجاد وحدة منسجمة فی الروایة والذی ظهر فی الصراع القائم بین الأمکنة والأشخاص.
  2. کانت العلاقة بین الشخصیة والمکان متقابلة فی التأثیر والتأثر، ونجد هذا التلاحم بین العنصرین فی الروایة ظاهرا حین کانت الشخصیة تهرب إلى دواخلها لتفر من وطأة السجن والاختناق من الأسر فهی کانت تحاول الهروب إلى عوالمها الداخلیة وکانت تتخیل نفسها وهی تتحدث مع البحر الذی حمل دلالات المکان المفتوح والحریة؛ فهذه العلاقة بین المکان المتأزم والهروب إلى الذات هو نفسه تأثیر المکان على نفسیة الشخصیة، وهذه العلاقة متبادلة بین العنصرین.
  3. الفضاء المغلق هو الحاکم علی جو الروایة وهذا بنوعٍ ما یخدم منطق الروایة وتسلط فضاء الاستبداد والقمع على الشخصیة خاصة والروایة بمجملها. وکان مصیر الشخصیة فی مکان مغلق أیضا؛ فکان لها خیارین إما طریق السجن والموت أو کتابة حیاة الرئیس الذاتیة وتلویث الشخصیة نفسها وحریتها؛ فالشخصیة معلقة بین الحیاة والموت، وإن کتبت لصالح الطاغیة نجت من الأسر لکنها ستأسر نفسها المحبة للحریة والعدالة وإن خالفت الطاغیة هلکت کذلک، فالمصیران یؤدیان إلى الهلاک، ولا فرق بین الموت جسدیا أو نفسیا فالفضاء فی کلا الحالین مغلق. واستطاع الکاتب أن یستحضر المکان الاستبدادی وکیفیة تأثیره على الشخصیة والتأثر منها، وهذا یظهر البنیة الخارجیة للنص خاصة المجتمع المتشکل والسیاسة المتخذة فی قمع المجتمع الذی یطالب بالحریة وإسکات الأفواه بعد النطق وسلبها الحریة فی التعبیر فکانت خاتمة الروایة خاصة توحی بالمجتمع الذی یحاول الاستبداد الوصول إلیه.

أبوسالم، إیناس محمود. (2004م). اتجاهات القصة القصیرة فی الأردن. ط1. الأردن: مطبعة الروزنا.

بحری، محمد الأمین. (2015م). البنیویة التکوینیة من الأصول الفلسفیة إلى الفصول المنهجیة. ط1. بیروت: کلمة للنشر والتوزیع.

باشلار، غاستون. (1984م). جمالیات المکان. ترجمه: غالب هلسا. ط2. بیروت: المؤسسة الجامعیة للدراسات والنشر والتوزیع.

بورنوف، رولان. اؤله رئال. (2000م). جهان رمان. ترجمه: نازیلا خلخالی. ط1. تهران: لانا.

البیاتی، عباس محمد رضا. الجبوری، إیناس کاظم شنباره. (2016م). «عتبات البنیویة التکوینیة ونقاط انطلاقها». مجلة کلیة التربیة الأساسیة للعولم التربویة والإنسانیة. العدد 25. صص 455-473.

حسین، أحمد جاسم. (2001م). القصة القصیرة السوریة ونقدها فی القرن العشرین. ط1. دمشق: اتحاد الکتاب العرب.

حطینی، یوسف. (1999م). مکونات السرد فی الروایة الفلسطینیة. ط1. دمشق: اتحاد الکتاب العرب.

الحمادی، امتنان عثمان. (1995م). زکریا تامر والقصة القصیرة. ط1. عمان: المؤسسة العربیة للدراسات.

خرشوش، خیرة وزناتی، منال. (2014م). رسالة مقدمة لنیل شهادة ماجستیر بعنوان «آلیات البنیویة التکوینیة من خلال کتاب (ظاهرة الشعر المعاصر فی المغرب لمحمد بنیس)». الجمهوریة الجزائریة الدیموقراطیة الشعبیة.

الدویهی، أنطوان. (2013م). روایة حامل الوردة الأرجوانیة. ط1. بیروت: الدار العربیة للعلوم.

الربیع، آمنة. (2005م). البنیة السردیة للقصة القصیرة فی سلطنة عمان. ط1. بیروت: المؤسسة العربیة للداراسات و النشر.

الزکری، عبداللطیف. (2012م). جمالیات القصة القصیرة العربیة الحدیثة و المعاصرة. ط1. بیروت: مؤسسة الانتشار العربی.

الشامی، حسان رشاد. (1998م). المرأة فی الروایة الفلسطینیة (1965-1985). ط1. دمشق: اتحاد الکتاب العرب.

شرف الدین، ماجدولین. (2010م). الصورة السردیة فی الروایة والقصة والسینما. ط1. الجزائر: منشورات الاختلاف.

الشهید، زید. (لاتا). من الأدب الروائی (دراسة و تحلیل). بغداد: دار الشؤون الثقافیة العامة.

الصالح، د.نضال. (2004م). نشید الزیتون (قضیة الأرض فی الروایة الفلسطینیة). ط1. دمشق: اتحاد الکتاب العرب.

الظل، حوریة. (2010م). الفضاء فی الروایة العربیة الجدیدة، مخلوقات الأشواق الطائرة لإدوار الخراط نموذجا. ط1. دمشق: دار نینوى.

عبید، محمد صابر. (2013م). الذات الساردة (سلطة التاریخ و لعبة المتخیل، قراءات فی الرؤیة الإبداعیة لسلطان بن محمدالقاسمی). دمشق: دار نینوی.

عدوان، نمر عدوان. (2001م). رسالة «تقنیات النص السردی فی أعمال جبرا إبراهیم جبرا». نابلس: لانا.

عزام، محمد. (2003م). تحلیل الخطاب الأدبی (علی ضوء المناهج النقدیة الحداثیة)، دراسة فی نقد النقد. ط1. دمشق: اتحاد الکتاب العرب.

عزام، محمد. (لاتا). شعریة الخطاب السردی. دمشق: اتحاد الکتاب العرب.

لحمدانی، حمید. 01992م). بنیة النص السردی من منظور النقد الأدبی ط1. بیروت: المرکز الثقافی العربی للطباعة.

المحادین، عبدالحمید. (1999م). التقنیات السردیة فی روایات عبدالرحمن منیف. ط1. بیروت: المؤسسة العربیة للدراسات و النشر و التوزیع.

معتصم، محمد. (2004م). النص السردی العربی الصیغ و المقومات. ط1. الدار البیضاء: شرکة النشر و التوزیع المدارس.

المقالح، عبدالعزیز. (1999م). دراسات فی الروایة والقصة القصیرة فی الیمن. ط1.  لبنان: المؤسسة الجامعیة للدراسات و النشر و التوزیع.

الموسی، خلیل. (2006م). ملامح الروایة العربیة فی سوریة. ط1. دمشق: اتحاد الکتاب العرب.

النصیر، یاسین. (2010م). الروایة والمکان دراسة المکان الروائی. ط2. دمشق: دار نینوی.

وتار، محمد ریاض. (2000م). شخصیة المثقف فی الروایة العربیة السوریة. ط1. دمشق: اتحاد الکتاب العرب.

یعقوب، ناصر. (2004م). اللغة الشعریة وتجلیاتها فی الروایة العربیة. ط1. بیروت: المؤسسة العربیة للدراسات و النشر.

یونس، محمد عبدالرحمن. (2011م). مقالة «مقاربات نظریة فی مفهوم الفضاء الروائی و بنیته و دوره السردی فی النص الروائی». مجلة جامعة ابن رشد فی هولندا. العدد الثانی. هولندا.

موقع الجزیرة الإلکترونی (الجزیرة نت). (2014م). مکة المکرمة: قسم الأخبار الثقافیة والفنیة.