الترمیز فی الشعر الفلسطینی المقاوم؛ مجموعة العصف المأکول الشعریة أنموذجا

نوع المستند: علمی پژوهشی

المؤلف

أستاذ مساعد فی اللغة العربیة وآدابها بجامعة الشهید تشمران، أهواز، إیران

المستخلص

یستهدف البحث دراسة ظاهرة الترمیز بمستویاته المختلفة فی الشعر الفلسطینی المقاوم. یحاول أدب المقاومة إزالة الستار عن وجه العدو الغاشم والکشف عن خباثته واضطغانه ضد الشعوب المضطهدة. ومن هنا یسعی بکل ما لدیه من الإمکانیات والطاقات اللغویة التعبیر عمّا ألمّ بالشعوب من مؤامرات ودسائس. فالتجأ إلی لغة الترمیز والإبانة غیر المباشرة خوف التعذیب والنکال.استخدم الشاعر الفلسطینی تقنیة الترمیز کأداة ناجعة للتعبیر عن المواقف الفکریة والمشاعر والأحاسیس المکبوتة وتصویر ما حلّ بالبلد من تعسف الکیان الصهیونی وما قام به من مؤامرات وممارسات إجرامیة بحقّ الشعب المضطهد. تمّ إعداد هذا البحث وفق المنهج الوصفی التحلیلی معتمدًا فیه علی المصادر الأدبیة فی مجال الشعر الفلسطینی الحدیث خاصة المدونة الشعریة المسماة ﺑ"العصف المأکول" بأسرها التی تشتمل فی طیاتها علی عدد غیر قلیل من المقطوعات الشعریة المختلفة التی حاول الشعراء الفلسطینیون من خلالها تصویر المأساة الفلسطینیة والإفصاح عمّا ألمّ بهذا الشعب من ممارسات عدوانیة ومجازر بشعة. استخدم الشعراء تقنیة الترمیز کأداة طیعة للتعبیر عما خامرهم من أحاسیس ومشاعر داخلیة وما انتابهم من مشاعر حزینة ومؤلمة.من ثمّ تنوعت وتشعبت مصادر الرمز لدیهم من التاریخیة، والدینیة، والطبیعیة، والأدبیة. أخیرًا خلص البحث إلی أنّ عملیة الترمیز فی هذه المدوّنة الشعریة تنطوی علی أغراض أساسیة وهامّة، منها التأثیر فی المتلقّی وإثارة مشاعره وخلق الوجدان المشترک تجاه المحاور الواردة فی خارطة النصّ الشعری.

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

Symbolism in Poetry of Palestinian Resistance (A Case Study of the Al-Asf Al-Ma’koul Whole Works)

المؤلف [English]

  • Abbas Yadollahi
Assistant Professor, Department of Arabic Language and Literature, Shahid Chamran University, Ahvaz, Iran
المستخلص [English]

This paper deals with analyzing symbolism and its various manifestations in contemporary poetry of Palestine. There is no doubt that resistance literature aims at revealing the oppressive face of enemy and unveiling its evil and animosity against oppressed nations. Therefore, this literature makes efforts to use all expressive tools and capabilities to describe the enemy’s conspiracies and frauds against different nations. The Palestinian poet has used the technique of symbolism as an effective tool for stating intellectual viewpoints and his suppressed emotions as well as depicting the atrocities and crimes of the Zionist Regime to the Palestine’s oppressed nation. This is why he has taken symbolism resources from history, religion, nature and literature. This study has reached to this conclusion that symbolism in this poetry collection has significant purposes among which we can refer to the influence on the audiences, persuading their emotions, and creating common understanding on the poetic topics.

الكلمات الرئيسية [English]

  • Contemporary Poetry of Palestine
  • symbolism
  • Zionist Regime
  • Occupation
  • Al-Asf Al-Ma’koul

تعتبر المقاومة أو حرکة الانتفاضة التی قام بها الشعب الفلسطینی ضد الاعتداء الإسرائیلی من أهمّ الراوفد الفکریة والأدبیة التی أثرت الأدب الفلسطینی فی کافة مستویاته الفکریة والحضاریة وأخصبته. طبعًا إنّ قضیة الاحتلال والمأساة الفلسطینیة فتحت آفاقاً رحبة أمام الشعراء والکتاب فی الأدب الفلسطینی الحدیث، ومن ثمّ جعل أدب المقاومة والصمود ضمن الفروع الأدبیة السامیة والإنسانیة التی شعر بها هذا الشعب بکل وجوده وجعله یعبر عن کوامنه وأحاسیسه بکل ما لدیه من طاقات لغویة وإمکانیات فکریة لرفض القهر والظلم الخانق والزیف. فالذی لا شک فیه أنّ هذا النمط من الأدب یعمد إلی التحریر واستعادة کل ما سلب الشعوب والأمم والخلاص من نیر الاستعباد والاستغلال.

إذا أمعنا النظر فی أدب المقاومة بین الشعوب المختلفة نجد أنّ هذه الشعوب تخلّصت من نیر الاحتلال والنکبة ونهضت بنفسنا من القهر والسلب، إلاّ أنّنا نجد أنّ فلسطین حاولت من سنة 1947م إلی یومنا الراهن التخلص من الاحتلال الصهیونی، فمن هذا المنطلق ظلّت المقاومة من أهمّ محاورها الشعریة وصارت موضوعاً شعریاً مستقلاً ضمن المقطوعات الشعریة وظهرت من خلالها فنون شعریة مستحدثة کأدب الطفل،أدب الرحلة والنزوح، أدب اللجوء.إذن،یتمحور معظم القصائد والمقطوعات حول التضحیة والبطولة والشهادة والتحریر.

عمد الشاعر الحدیث إلی توظیف تقنیة الرمز فی اللغة الشعریة لما فیها من تبادل مجالات الإدراک بین المحسوس والمعنوی وإخفاء المعنی، فمن هنا شعف بها وأعطی لها دوراً بارزاً فی النسیج الشعری، وحاول من خلالها التعبیر عن التجربة الشعریة والمقدرة اللغویة والبراعة فی التعبیر.انطلاقاً من هذا الموقف،یعتیر الرمز من الوسائل الفنیة التی تمّ توظیفها فی الشعر العربی الحدیث توظیفاً بنائیاً لکی یجعل الشاعر یعبّر عن مواقفه وأفکاره لیحدث تواصلاً جدیداً بینه والمتلقّی.بغضّ النظر عن ظاهرة الترمیز فی الشعر العربی الحدیث بصورة عامّة والشعر الفلسطینی الحدیث بصورة خاصة، إنّ ما یسترعی الانتباه أنّ هذا التوظیف أصبح من ضروریات التعبیر الفنی وأدواته الطیعة حیث عجزت اللغة المباشرة والصریحة عن تعمیق الفکرة وخلق فهم مشترک بین الشاعر والمتلقّی.

رمی شعراء المقاومة إلی توظیف هذه التقنیة للتعبیر عن قضیة الاحتلال والمأساة الفلسطینیة للتعبیر عن معاناة قومیة وتجارب إنسانیة مکثّفة وتصویر ما حلّ بالبلد من ویلات ونکبات،ومن ثمّ فتحت هذه الأداة التعبیریة آفاقاً جدیدة فی الشعر الفلسطینی الحدیث وشحنته بطاقات حیویة ودلالات حیّة ترقی بالأدب الفلسطینی إلی مستویات علیا حیث تمکنه من تکوین صور إیحائیة تنطوی علی شحنات عاطفیة ونفسیة وفنیة.

سوف نحاول بعونه تعالی فی هذه الدراسة تحلیل الأنماط المختلفة لتقنیة الرمز فی المجموعة الشعریة المسماة ﺑ"العصف المأکول" التی تنطوی علی مقطوعات شعریة فی أدب المقاومة معتمدین علی المنهج الوصفی التحلیلی. تضمّ هذه المجموعة الشعریة بین دفتیها عدداً غیر قلیل من القصائد التی تثیر فی کیان الإنسان الحماسة ولواعج الانتماء إلی الهویة الإسلامیة والذبّ عن التراث الدینی والإسلامی التلید تجاه العداون الصهیونی من جانب،ومن جانب آخر حاول الشعراء من خلالها تصویر ما حلّ بالشعب الفلسطینی من التقتیل وإهراق دماء الأبریاء والتشرید من النساء والأطفال.لا ریب أنّ شعراء المقاومة فی هذه المدونة الشعریة حاولوا تدویل القضیة الفلسطینیة وإخراجها من نطاق قومی ضیق وذمّ الشعوب المسلمة التی تقاعست عن نصرة الشعب الفلسطینی.

أسئلة البحث

تحاول هذه الدراسة الإجابة عن أهمّ الأسئلة التی تخامر المتلقی ضمن البحث، ومن أهمها ما یلی:

1- لماذا عمد الشاعر الفلسطینی المقاوم إلی توظیف الرمز ضمن خارطة النصّ الشعری؟

2- کیف وُفّق الشاعر عبر النسیج الشعری توظیف التقنیات المختلفة للرمز التی تنسجم مع الغرض الذی رمی إلیه؟

3- ما العلاقة الوطیدة بین الرمز وما ألمّ بالشاعر الفلسطینی من الواقع المحیط به؟

4-ما هو أبرز مستویات الترمیز ومصادره ضمن المجموعة الشعریة المسماة بالعصف المأکول؟

5- ما الصلة بین الهویة الإسلامیة وقضیة النکبة من جانب، وتوظیف الرمز فی ثنایا المقطوعات الشعریة من جانب آخر؟

 

خلفیة البحث

لم یتطرق الباحثون والدارسون إلی دراسة الرمز وعملیة الترمیز فی هذه المجموعة الشعریة المسماة بالعصف المأکول ولم تجر دراسة مستقلة قائمة بذاتها فی هذا الموضوع،وهذه أول دراسة أجریت فی مجال تقنیة الترمیز فی هذه المدونة الشعریة لتسلیط الأضواء علی الأنماط المختلفة للرمز فی الدیوان ومصادره المتضاربة.لقد عالج جمّ غیر قلیل من الکتّاب والباحثین دراسة الشعر الفلسطینی من جوانب وزوایا مختلفة،إلاّ أنّهم لم یتناولوا قضیة الترمیز ومستویاته المختلفة وما تحمل من معان ودلالات فی المجموعة الشعریة المسماة بالعصف المأکول.

من أهمّ الدراسات التی تمّ نشرها حول هذه المجموعة الشعریة ما یلی:

1- ألفاظ النصر فی دیوان العصف المأکول دراسة لغویة. جهاد یوسف إبراهیم العرجاء وعباس یداللهی فارسانی. مجلة دراسات الأدب المعاصر. جامعة جیرفت. العدد السادس والعشرون. السنة السابعة. 1394. صص 32-9.

تطرق الکاتبان فی البحث إلی دراسة الألفاظ التی تدلّ علی معنی الانتصار فی هذه المدونة الشعریة ومقارنتها بنفس المعنی الذی ورد فی القرآن الکریم.

2- التناص القرآنی فی دیوان العصف المأکول. محمد مصطفی کلاب. مجلة الجامعة الإسلامیة. غزّة. فلسطین. مج 24. العدد الثانی. 2016م، صص41-23.

عالج الکاتب ضمن المقال قضیة التأثیر القرآنی فی إثراء النص الشعری ضمن هذه المدونة الشعریة.

3- الرموز التاریخیة والدینیة والأسطوریة فی شعر محمود درویش. محمد فؤاد السلطان. مجلة جامعة الأقصی(سلسلة العلوم الإنسانیة)، مج4، العدد الأول، 2010م، صص 36-1.

تناول الکاتب فی هذا المقال تأثیر المصادر الثلاثة فی شعر محمود درویش بوصفه رائداً لشعر المقاومة ودور هذه المصادر فی بثّ فکرة المقاومة.

4- موتیف الأشجار فی شعر محمود دوریش، دراسة إحصائیة وتحلیلیة بین النخل، والزیتون والبرتقال.کبری روشنفکر، خلیل بروینی، حامد بورحشمتی. مجلة الجمعیة الإیرانیة للغة العربیة وآدابها. العدد 43، 2017م، صص 76-65.

عالج الباحثون فی هذا المقال تأثیر هذه الأشجار الثلاثة فی إنتاج المعنی ودورها فی تقویم النص الأدبی.

5- التکرار فی الشعر الفلسطینی الحدیث (مجموعة العصف المأکول الشعریة نموذجًا). عباس یداللهی فارسانی ومحمود شکیب أنصاری. مجلة إضاءات نقدیة فی الأدبین العربی والفارسی. جامعة آزاد الإسلامیة. کرج. (إیران). السنة السابعة. العدد 26، حزیران 2017م، صص84-61.

عالج الباحثان فی هذا المقال الأنماط المختلفة لتقنیة التکرار ودورها فی إنتاج المعنی فی الشعر الفلسطینی المعاصر. سوف نحاول بعونه تعالی فی هذا البحث دراسة توظیف الرمز عبر هذه المجموعة الشعریة المذکور أعلاها، وسنبیّن أنّ شعراء المقاومة حاولوا عبر توظیف الترمیز تصویر ما حلّ بالبلد من ثورات ونکبات والتعبیر عن الأحاسیس والمشاعر المکبوتة والهواجس الدفینة وإزالة الستار عن وجه العدو الشرس وما قام به من دسائس وممارسات إجرامیة بشعة ومجازر ضدّ الشعب المسلم.

 

منهج البحث

تمّ إعداد البحث علی أساس المنهج الوصفی التحلیلی معتمدًا فیه علی المصادر الأدبیة فی الشعر الفلسطینی الحدیث خاصة دیوان "العصف المأکول" لتحلیل تقنیة الرمز ونماذجها المختلفة فیه.

 

 

نظرة إلی ظاهرة الرمز فی الشعر العربی الحدیث

یعتبر مصطلح الرمز من المصطلحات التی تعددت تعاریفها کما تنوعت واختلفت مصادره،إذ تباین موقف النقاد فی تحدید أنواع الرمز.فعلی سبیل المثال قسم أرسطو الرمز حسب الوظیفة إلی ثلاثة أنواع: الرمز النظری أو المنطقی، الرمز العملی، والرمز الشعری أو الجمالی (جودة­ نصر، 1978م: 19) وأمّا "أبرامز" فقد قسمه إلی الرمز التقلیدی أو العامّ والرمز الخاص أو الشخصی. (هانی، 2006م: 19) نالت قضیة الرمز فی النقد الأدبی الحدیث اهتماماً  کبیراً من قبل النقاد، فکل ناقد یحدده حسب رأیه وموقفه ووجهة نظره.

إذا تأملنا فی مصادر الرمز وینابیعها فی الشعر العربی الحدیث نجد أنّ المعجم اللغوی یرأس هذه المصادر، فالشاعر الحدیث علی ثقة بأنّ المفردات اللغویة تنبغی لأن تکون رمزاً دون أی فرق بینها، ومن ثمّ یأخذ اللفظة من معناها الاصطلاحی. المصدر الثانی هو التراث الدینی بأکمله،ویتخذ الشاعر الحدیث الدین والثوابت العقائدیة أداة فعّالة للتعبیر عن المعاناة الشخصیة وموقفه الخاص تجاه الوجود والمیتافیزیقیا. المصدر الثالث هو الأسطورة حیث تمتع به الشاعر للإبانة عن مخزونه المعنوی لیضفی علیه نمطاً من دلالات جدیدة لتجسید المعاناة والتجربة الذاتیة کالإفصاح عن الاغتراب وفلسفة الوجود. المصدر الرابع هو التاریخ والوقائع التاریخیة لخلق مواقف جدیدة تنسجم مع عصره والظروف المحیطة به لیتعامل معها متخذاً منها رموزاً قادرة علی الإیحاء بغیة خلق معادل موضوعی لنفسه.

المصدر الخامس المکونات الطبیعیة کرموز للحیاة النفسیة لیُلبسها الشاعر ثوباً إنسانیاً حیّاً ینبض بالحیویة والنشاط معتمداً علی میزتی التجسید والتشخیص.

وأخیراً الواقع وما فیه من أحداث حیاته الواعیة واللاواعیة وهو نفس الشاعر الحدیث الذی یکتظ بالمواقف العصریة وأهواء ورغبات منشودة ومکبوتة.

 

مکانة الرمز فی الشعر الفلسطینی الحدیث

وجد الشاعر الفلسطینی فی الرمز أداة ناجعة ووسیلة مؤثرة فی الإفصاح عن المعانی والمشاعر والأحاسیس الدفینة التی تعجز اللغة التقریریة المباشرة عن فهمها وإدراکها والتعبیر عنها. لا ریب أنّ توظیف الشاعر للرموز یعدّ من أهمّ المرتکزات الفکریة والروافد الثقافیة التی تدلّ علی سعة تجربته الشعریة والعلاقة المزدوجة بین التراث وخارطة النص من جانب،وبین الشاعر والمتلقّی من جانب آخر. إذن، فهذه العملیة، أعنی توظیف الرمز، تمنح الشاعر قدرة فائقة وهائلة علی فهم التجربة الإنسانیة التی تعدّ أساسًا لتصویر التجارب الذاتیة التی عاناها طیلة الحیاة. اتخذ الشاعر الفلسطینی من الرمز أداة طیعة ومنفذًا مؤثرة لترسیم الواقع المؤلم والمحیط به بأسلوب الإیحاء والإشارة غیر مباشر لإیصال الرسالة الشعریة والمهمّة العظیمة التی أخذها علی عاتقه تجاه الشعب المضطهد.

لم یکن تبلور الرمز فی الشعر الفلسطینی الحدیث اعتباطیًا ومحاکاة وتقلیدًا،بل کان تلقائیًا یحمل فی طیّاته التجارب الشخصیة والذاتیة، والأغراض القومیة والشعبیة و... ظهر الرمز فی بنیة القصیدة والمعطیات الأدبیة إثر ضرورة واقعیة ساقت الأدباء والشعراء مساق توظیفه کأداة للکشف عن مواقفهم وتقدیم رؤاهم الفکریة والدینیة والثقافیة.کانت قضیة الاحتلال الصهیونی وما قام به من قتل وتدمیر وممارسات إرهابیة مشینة والمجازر البشعة وفرض الحصار الثقافی وملاحقة المناضلین، وتحدید إقامتهم، من أهمّ البواعث التی دفعتهم نحو توظیف الرمز فی الشعر الحدیث.استطاع الشعراء والکتاب الفلسطینیون استخدام الرمز رغم هذه المصائب الجمّة لتصویر ذلک الصراع المحتدم بین الشعب الفلسطینی والکیان الصهیونی، حیث یمکن القول إنّ الرمز نمط من أنماط السلوک الفنی فی ترسیم الحقیقة النابضة بالحیاة وتخطی الرقابة من قبل النظام القائم.

مستویات الرمز فی الشعر الفلسطینی المقاوم

إنّ المتأمل فی الشعر الفلسطینی المقاوم یجد أنّ الشاعر یستلهم الرموز التی یعهدها مستمدًّا إیّاها من التراث الإنسانی بشکل عام،والتی تحمل دلالات معینة کالرموز التاریخیة والأسطوریة والتراثیة. یستعید الشاعر المقاوم هذه الرموز لیکسبها طاقات إیحائیة جدیدة ویبرزها فی ثوب قشیب ینفخ فیها الروح فتتماهی مع نصوصه الشعریة متخذاً إیّاها قناعاً یعبر من خلالها عن المواقف الفکریة والهواجس المکنونة والمشاعر المکبوتة. نجد الشاعر أحیاناً یعمد إلی توظیف الرموز الخاصة لیرتقی بها إلی مستوی إنسانی أشمل والتی ضربت جذورها فی البیئة الفلسطینیة خاصة ومن ثمّ سجّل بهذا الاستخدام تطوراً ملحوظاً فی أدب المقاومة بهذه المنطقة.من أهمّ هذه الرموز الخاصّة النخلة، الحجر، الصاروخ، الطفل، والرموز المکانیة ﻛ"حیفا" و"رفح"و...فشاعر المقاومة عندما یعمد إلی توظیف کلمات کالبحر، الیاسمین، والجفاف و... فإنّه یستخدم کلمات تمثّل معنی ذات دلالة شعوریة خاصّة وأبعاد إیحائیة. من هنا تمتّ هذه المفردات البسیطة بصلة وثیقة إلی کل ما یعانیه الشاعر من تجارب شعریة تمنح الأشیاء فحوی خاصة.

شغلت هذه الرموز حیزاً کبیراً فی المتن الشعری،وهذا لیس بشیء غریب فقد تغنّی معظم الشعراء فی هذا المجتمع الإنسانی بالثورة والنضال المستمر من أجل استعادة الأرض المسلوبة،ونراهم یتغنّون بالوطن ومآثره وماضیه المشرق وما آل إلیه الأمر بعد الاحتلال الصهیونی. إذن هذه الرموز الخاصة تضاریس الواقع الثوری الذی ینبع من نفسیة الشاعر إلی خارطة القصیدة من خلال وعی الشاعر بالوطن،فنراه یتخطّی خطوة جدیدة فی التعامل مع الرموز فضلاً عن وجود المجال الرحب والفضاء المتسع ضمن القصیدة الفلسطینیة الحدیثة فی توظیف الرموز الخاصة التی تخصب التجارب الشعریة والشعوریة حیث تبعد القصیدة عن الذاتیة.هذه الرموز الخاصة هو التعبیر الواضح عن المشاعر والأحاسیس التی یرغب الشاعر الإبانة عنها،ومن ثمّ تعدّ تعبیراً صادقاً وحقیقیاً عن التطورات الاجتماعیة والسیاسیة التی یعیشها الشاعر.

 

مصادر الرمز فی الشعر الفلسطینی الحدیث

تنوعت وتشعّبت مصادر الرمز فی الشعر الفلسطینی المقاوم ما بین الدینیة، التاریخیة، الطبیعیة، الأدبیة والبیئة الثقافیة والفکریة التی ترعرع فیها الشاعر الفلسطینی. نهل الشاعر من هذه الینابیع الثرّة واستقی معظم محاوره الفکریة منها لتسلیط الأضواء علی واقعه المؤلم (سواء واقعه الخارجی المحیط به،أم الواقع النفسی وما فیه من مشاعر وأحاسیس ورؤی) لتعمیق تجربته الشعریة والشعوریة والتأثیر علی المتلقی وإشراکه فی البوح بالمکنونات الدفینة والمشاعر المکبوتة. وذلک لما تحمل آلیة الترمیز من أبعاد دلالیة وفنیة ترقی بالشعر إلی مستویات سامیة حیث تجعله قریباً من نفس المخاطب.

 

دیوان العصف المأکول فی سطور

لایزال الشعر منذ أقدم العصور ذلک الوقد الجزل للشعراء والمتکلمین الذی ساعدهم علی تعبیر أحسن وأدقّ عمّا یجری حولهم من أحداث ووقائع بغیة تحریض المتلقی وتشویقه وإیقاد الحماسة فی الصدور.عمل الشعراء الفلسطینیون فی عصرنا الراهن فی مجال التوعیة والتبصیر ضدّ ما قام به الکیان الصهیونی فی العالم والمنطقة من جرائم الحرب والمؤامرات والدسائس ضد الشعوب المسلمة خاصة الشعب الفلسطینی المضطهد.من ثمّ استخدموا فکرة المقاومة لصدّ هذه الهجمات العنیفة فی العالم الإسلامی وکان لغة الشعر من أهمّ الوسائل والأدوات الطیعة فی هذا المجال.قامت رابطة الکتّاب والأدباء الفلسطینیین فی غزّة بتجمیع القصائد التی قیلت فی معرکة العصف المأکول (2014م) وأصدرتها فی دیوان یحمل اسم المعرکة (دیوان العصف المأکول). لقد قام المناضلون الفلسطینیون بعدّة هجمات عنیفة وحروب طاحنة ضدّ الکیان الصهیونی حیث اشتهرت منها ثلاثة حروب،الأولی حجارة السّجّیل (2008م)، والثانیة الفرقان (2011م)، وأخیرًا العصف المأکول (2014م)، وهذه الحرب الأخیرة هی التی أثخنت فی العدو الغاصب وفیها لحق المناضلون للعدو بالخسائر الفادحة فی الأرواح والأموال، ومن هنا هذه المجموعة الشعریة تصویر حقیقی لتلک البطولات والانتصارات.

 

 أنماط الرمز فی دیوان العصف المأکول

لم تتبلور الرموز بکافّة مستویاتها فی هذه المجموعة الشعریة بشکل عشوانی واعتباطی، بل استقی الشعراء معظم محاورهم الشعریة من الواقع المحیط بهم للإبانة عن تجربتهم الانفعالیة التی یعانون والتی تتلائم مع الموقف الذی یریدون التعبیر عنه. من ثمّ اختاروا الرمز بعنایة واهتمام کبیر.وفق الشاعر فی عملیة انتقاء الرموز بحیث تتلاحم مع حالته النفسیة والانفعالیة للإفصاح عن حنکته فی اختیار مکونات رموزه وإتقانه علی اختیارها وبنائها حیث تستطیع الرموز علی تفجیر الطاقات وتصویر الآفاق الجدیدة الرحبة. سوف نحاول بعونه تعالی فی هذه الدراسة الکشف عن أهمّ مستویات الرمز ضمن هذه المدونة الشعریة قدر المستطاع.

یتبین لنا من خلال هذه المجموعة الشعریة أنّ مصادر الرمز ومستقاه تنوعت وتضاربت، فشعراء المقاومة حاولوا توظیف رموزهم المختلفة من المصادر المتضاربة کالدین، والتاریخ، والأدب والواقع، کما اختلفت العناصر التی استقوها من کل مصدر من هذه المصادر ما بین أماکن،أحداث،شخصیات وغیرها. من أهمّ الرموز المستخدمة ضمن هذه المجموعة الشعریة ما یلی: الرمز الدینی، والرمز التاریخی، والرمز الأدبی، والرمز الواقعی والرمز اللونی.

 

الرمز الدینی

استطاع الشاعر الفلسطینی من خلال توظیف الرموز الدینیة أن یقیم الصلات الوثیقة بینه وبین التراث بشکل عام والتراث الدینی بشکل خاص، وهو ینتمی إلی هذا التراث الدینی المتأصل فی الذات. کان الشاعر علی ثقة بأنّ للمعتقدات الدینیة تفاعلًا وتأثیرًا بالغًا فی وجدان الشعب،فاستخدم التراث الدینی مع معطیاته الثّرة لأنّه یوحی بمعان کثیرة وعمیقة تقدر علی تصویر التجارب الإنسانیة وإعادة نبض الحیاة إلی الأمّة لما فیه من دلالات تشفّ عن مواقف جدیدة تثیر فی المجتمع تیّارات الثورة والنضال لتحریر الوطن المسلوب.

من الواضح أنّ تفاعل الشاعر مع التراث الدینی واستلهام محاوره الفکریة کان نتیجة ما أصاب هذا الشعب المقاوم من ظلم وبطش وقهر. فوجد من خلاله ما یحدّ من الصراع الفکری والسیاسی وأخذ ینهل من مصادره الصافیة رغم أنّ السلطة القامعة تحاول طمس التراث الدینی ومحو هویة الشعب وسحق شخصیته العریقة وتجریده من المصادر العقائدیة وقطع جذورها. هذا ما دفع الشاعر نحو الاعتصام بالتراث الدینی والاحتماء به حیث شکّل هذا المصدر أهمّ مرتکز من المرتکزات الفکریة لدیه وساهم فی الاحتفاظ بملامحه وسمات شخصیاته.

تنوعت وتشعبت هذه الرموز الدینیة فی هذه المجموعة الشعریة،فمنها توظیف أسماء الأنبیاء والرسل کشخصیة النبی(ص)، وإبراهیم(ع)، ویوسف(ع)، وموسی(ع)، وعیسی(ع)، ونوح(ع)، وأیّوب(ع)، ومنها الشخصیات­ الدینیة ﮐ"مریم"(س)، و"عمّار"، و"بلال"، و"یاسر"، وأخیرًا الحیوانات والطیور والعناصر الطبیعیة التی أضفی الشاعر علیها نمطًا من الصبغة الدینیة للقداسة والطهر ودعم تجربته وتجسیدها بشکل تامّ،ﮐ"بُراق"، "أبابیل" و"سجّیل". بناء علی ذلک، اصطبغت هذه الرموز الطبیعیة بالمثل الدینیة لیربط الشاعر بینها وبین واقعه النفسی ویجد فیها کائنًا ینبض بالحیاة. فتجاوب معها ومن جرّاء ذلک ینمّ عن عالمه الداخلی وما خامره من هواجس وأحاسیس. نراه یعتمد بشکل کبیر علی الرموز الدینیة لتکون وسیلة طیعة لطرح المواقف الشعریة والتطلعات المستقبلیة لیخدم التراث الدینی ویؤصّله وصار توظیف الرمز تعبیرًا عن أزمته الروحیة والنفسیة.

من نماذج الرمز الدینی ما ورد:

فتوقدت کنعانُ حین استلّه

وهو التمدد رغم أنّ حصاره

قیدٌ، وفک حصاره فی جملة

یا ربِّ قد خذل الشقیقُ شقیقَه

فأغث لیوسفَ، کم تأمر حوله

جئناک من وجع نحبّ مماتنا

وقد ألقوا به فی الجبّ

یا وحدنا

لا یوسف یُؤوی إلیه

کی ینجو بنا

یا وحدنا

(دیوان العصف المأکول، 2014م: 93)

من المعلوم أنّ الشاعر عمد أثناء المقطوعة إلی الاجتماع بین الرمز والمکونات الشعریة الأخری وتفجیر الطاقات الإیحائیة والدلالیة، وهذا ناجم عن وعی الشاعر بدور الحضارة الإسلامیة والمعطیات الدینیة وما فیها من التجارب الإنسانیة والشخصیة معًا. نلاحظ من خلال النصّ أنّ الشاعر لم یقف علی توظیف هذه التراث توظیفًا بحتًا، بل نراه یستقی معظم محاوره الفکریة منه لیُکسب کلامه نمطًا من المصداقیة. استوحی الشاعر قصة یوسف (ع) محاولًا منها التعبیر عن رفض الواقع المریر والظلم الذی تعانیه الأمة الإسلامیة  لما وجد فیها فی أجوائها مجالًا رحبًا للتعبیر عن الآلام الإنسانیة وشدّة المعاناة حیث لایحتاج المتلقّی إلی فهمها إلی مجهود کبیر، فصار رمزًا للشعب الذی یعانی ویکابد مرارة الواقع المحیط به. نجد الشاعر یختار بعض المفردات الشعریة التی تدلّ علی حالته النفسیة والعاطفیة التی تنسجم مع فضاء النصّ الشعری،منها (الجبّ، تقطّع، الحزن، الوجع والعجاف). تدلّ هذه المصاحبات اللغویة المشبعة بالدلالات النفسیة علی إثارة داخلیة عاطفیة فی نفسیة المخاطب، ومن ثمّ یمکن أن نقول إنّ اللغة «لیست رداء للفکر أو قالبًا له وإناء یحتویه، وإنّما الفکرُ نفسُه مجسّدًا فی ألفاظ لغویة.» (عید، 1979م: 48)

نموذج آخر:

فتقطّعت أوصال زهرة قدسنا

ومقام یوسف یشتکی التسبیلا

یعقوب حزنک، والقمیص دموعه

لا شیء من وجع العجاف لیتقیه

               (الدیوان، السابق: 97)

 

من الواضح عبر هذه الأسطر الشعریة أنّ الشاعر أقام صلات وثیقة بین التراث الدینی وما حلّ بالشعب من مؤامرات ودسائس تفرّده فی ساحة الحرب للإفصاح عن التمزّق والسقوط الذی تعانیه الأمة الإسلامیة والعربیة. فهذه الرموز الدینیة والمعطیات الإسلامیة تعدّ رافداً هامًّا من الروافد الدینیة التی تقوم علیها البنیة الشعریة وتعبّر بصورة واضحة عن تعامل الشاعر مع التراث الدینی والإفصاح عن المقدرة الأدبیة والفنیة. نجد الشاعر خلال هذه المقطوعة یستخدم توظیف الرموز الدینیة بمثابة قناع فعّال لتمثیل ما ألمّ بالشعب الفلسطینی من قهر وزیف الواقع وإیدیولوجیة السلطة القهریة،ونراه یستمدّ خلال هذه الأسطر الشعریة صورًا تعید إلیه ذلک التوازن النفسی والعاطفی المنعدم. (الحنصالی، 2005م: 22)

 لیس یوسف(ع) - رمز تخاذل الإخوان العرب ضدّ الفلسطینیین- ههنا سوی الفلسطینی الذی اکتظّ کیانه بکره إخوته العرب له، إذ إنهم لا یریدونه بینهم کباقی الإخوة،فلم یطقه أحد منهم. فراحوا یعتدون علیه ویحاولون المساس به جسدیًا ومعنویًا. (الربیحات، 2009م: 126) نجد الشاعر فی تضاعیف المقطوعة یمنح هذه الشخصیة المبارکة بُعدًا عامًّا لیتجاوز من خلالها عصره لیحقّق نمطًا من قدرة التواصل مع القضایا الراهنة والواقع المعیش. لأنّ هذه المعطیات الفکریة تمثّل الجذور الأساسیة لتکوین المجتمع فی مختلف المستویات. وصار رمز یوسف (ع) یحمل نبرة الأمل والرجاء فی خلاص الشعب الفلسطینی من کافّة الأزمات. حاول الشاعر خلال هذا الاستدعاء الدینی الإبانة عن أهمّ المعالم الشخصیة لیوسف (ع) وتمثیله فی ثوب غیر ثوبه البدائی حیث یواکب شخصیته وما انتابه من أزمات ونکبات بغیة التعبیر عن هواجسه الدفینة والواقع المعیش.

لاحظنا من خلال المقطوعة أنّ الشاعر استلهم التراث الدینی وما فیه من تدفقات دلالیة ولوحات فنیة للتعبیر عن الزمن الراهن والتفاعل مع الأحداث المحیطة به،إذ نراه یقیم علاقات متشابکة بین هذه الرموز والتفاعل الشعوری الذی انتابه واکتظّت بنیة القصیدة بالشعور بالضیاع والخذلان المهیمن علیه، فخلق من الرمز وسیلة لنقل هذه الأجواء العاطفیة. یمثل اتصال الشاعر بالتراث الدینی والمعطیات الفکریة هموم الشاعر وتجاربه الحدیثة تجاه ما ألمّ بالبلد من دسائس وأحداث مرّة عاناها.انتقی الشاعر هذه الشخصیات الدینیة للنهوض بالتجارب الإبداعیة والتفاعل مع وجدان الشعب وصار هذا التراث أهمّ أداة طیعة لتصویر ما حلّ بالشعب الفلسطینی من ظلم وتعسّف. استثمر الشاعر هذه الشخصیة القرآنیة للإفصاح عن تلک المعانی والدلالات التی تتماهی مع معاناة الشعب الفلسطینی لیتحدّث عن معاناة أبنائه فی السجون والزنازین.

 

 الرمز التاریخی

اهتمّ الشاعر بالتاریخ واحتفی به لما یشتمل علی تجارب إنسانیة غنیة ونابضة بالحیویة ویعتبر مصدرًا هامًّا من مصادر الإلهام والإبداع الفکری. یلجأ الشاعر إلی «معین التاریخ فی عصور التردی والإحباط، إذ یتوجه الفنّان إلی التاریخ بحثًا عن المثل الأعلی،رغبة فی التعویض العاطفی،وربما رهبة من وطأة زمن العجز الذی یحیاه، وهربًا إلی أحضان الماضی الذی یبدو مجیدًا أو مثالیًا بالقیاس إلی الحاضر.» (زیاد، 1994م: 98) من ثمّ یمکن للتاریخ وعناصره الزمانیة والمکانیة أن یشکل ضمن اللغة الشعریة قدرة جمالیة رمزیة یصوّرها الشاعر من خلال عودته إلی الماضی وإعادة رموزه بحیث تنسجم مع المواقف الحدیثة التی ینصهر الماضی فیها لکی یکون المستقبل.

عمد الشاعر إلی استخدام التاریخ ووقائعه وأحداثه لیخلق منها أجواء رحبة ومتسعة تتمتع بحریة أکثر،إذ إنّه لا یستطیع التعبیر عن الحقائق وتصویر الظروف الراهنة بلغة مباشرة ومکشوفة خوفًا من تعقیب وعقاب السلطة القامعة.

تنوعت الرموز التاریخیة فی هذه المدوّنة الشعریة،فمنها ما تدلّ علی المعالم الأثریة والمناطق التاریخیةﮐ"قبّة الصخرة"،"کنعان"، "بابل"، "کعبة"، و"دمشق"، ومنها ما تدلّ علی الشخصیات التاریخیة، ﮐ"المعتصم"، "دقیانوس"،"فرعون"، "جنکیز"، "أبرهة"، "هتلر"، وقبیلتی "قریظة" و"بنی النضیر".

من نماذج هذا الرمز ما یقول:

 

لکن حلًّا واحدًا متوقع

سیموت أبرهة ویفنی الفیل

والذکریات مع الیهود جمیلةٌ

جدًّا وهل لبنی النضیر مثیلُ

وبنو قریظة کلّهم جیراننا

والجار مهما جار فهو أصیلُ

ویهود خیبر لا یزال حدیثهم

یروی فلا یرتاب فیه جهولُ

                   (الدیوان، السابق: 55)

إذا أمعنا النظر خلال هذه المقطوعة الشعریة نجد أنّ الشاعر عمد إلی توظیف التراث التاریخی لخلق نمط من التزامن والالتحام بین الماضی والزمن الراهن.شاع توظیف الرموز التاریخیة فی الشعر العربی ولعل السبب یعود إلی الانکسارات والهزائم والقنوط الذی أصیبت بها الشعوب الإسلامیة والمحاولات الفاشلة من أجل استعادة أمجاد العرب، إذ «زخرت معظم البلدان العربیة تحت الاستعمار والانتداب الأوروبی بعد سقوط الدولة العثمانیة ... بالإضافة إلی زرع الکیان الإسرائیلی فی جسم الأمّة،الذی شکّل وعیًا قومیًا موحدًا لدی شعراءنا الذین أشادوا بالقضیة واستخدموا القدس کرمز وقناع من أجل استنهاض الشعوب والدفاع عن الشرف المسلوب.» (عشری زاید، 2006م: 121)

من البدیهی خلال هذه الأسطر الشعریة أنّ الشاعر لم یعمد إلی توظیف التراث التاریخی لتمثیل الأحداث والوقائع الغابرة فحسب،بل أراد من خلال هذا الاستدعاء تعمیق التجربة الشعریة والشعوریة والمقارنة بین الزمن السابق وما آل إلیه أمر الشعب فی العصر الراهن. انطلاقًا من هذا الموقف، نجد نمطاً من التطور الدلالی للرموز التاریخیة داخل النسیج الشعری، فعلی سبیل المثال لم تکن قبیلة بنی قریظة إحدی القبائل العربیة القدیمة فقط،بل تمّ استخدامها للتعبیر عن معنی نقض العهد وعدم الوفاء به، فصارت رمزاً للرفض والتمرد.

نلاحظ عبر الأسطر الشعریة أنّ الشاعر یتعامل مع الموروث التاریخی لینسجم مع الرغبات دون أیّ ضغط جعله یستخدم هذا التراث التلید. نراه ینطلق منه لیعبّر عما یخامره من هواجس دفینة ورغبات لم تتحقق بعدُ. فالرموز التاریخیة لها أهمیة قصوی فی الحیاة الاجتماعیة والعملیة الإبداعیة لدی الشاعر لما یثری النتاج الأدبی بدلالات وإیحاءات شتّی تکتظّ بالتجارب الإنسانیة والشخصیة.

تبین لنا من خلال النصّ الشعری أنّ الشاعر أکسب شعره نمطًا من السمة التاریخیة عثورًا علی ملاذ آمن لیمکنه من التعبیر عن رؤاه ومواقفه الفکریة وهمومه الوطنیة خاصة قضیة الاحتلال الصهیونی. ینسجم هذا الاستخدام مع طبیعة هذا الواقع من شخصیات ومواقف تاریخیة.

 یعدّ هذا الاستدعاء التاریخی بمثابة قناع فعّال یستخدمه الشاعر للتعبیر عن المعاناة النفسیة والروحیة، لأنّه لایستطیع نسیان المجد الأصیل للوطن والماضی المشرق،فصارت الشخصیات والرموز التاریخیة کجسر التواصل بینه وبین المجتمع الإنسانی الراهن المکبّل بالقیود. فمن ثمّ نری أنّه یتخذ أبرهة ذات بُعد سلبی، رمزاً للکیان الصهیونی و"بنی قریظة" و"بنی النضیر" رمزینِ للصهاینة الجدد والحکّام والأمم المتقاعسة عن نصرة الشعب الفلسطینی. أراد الشاعر عبر عملیة استدعاء الأحداث تصویر ماضی الشعب ومجده الملیء بالفخر والسیادة بغیة خلق متنفس یخرجه من دائرة الانکسار والانهزام نحو الفضاءات المکتظّة بالفخر والنصر والکرامة.

من الواضح أنّ الشاعر حاول عبر هذه المقطوعة الشعریة إدراج الشخصیات التاریخیة فی کوامن اللغة الشعریة التی ترمی إلی إفراغ التاریخ من مغزاه القدیم ووضعه فی إطار التقدیس الذی یحافظ علی الرمزیة التاریخیة،لیعبر من خلالها عن مشاکل المجتمع الإنسانی وأزماته والتنفیس عن واقعه المأزوم والمهزوم.فمن هنا تعالقت الصورة الرمزیة مع تجربة الشاعر وأنتجا دلالة المعاناة والمقاساة.

تبین لنا من خلال هذه الأسطر أنّ الشاعر حاول التعبیر عبرها عن التفاعل الفکری والروحی مع التراث التاریخی الذی یعدّ مصدراً زاخراً وینبوعاً ثرّاً للتجربة الشعریة والشعوریة. فالذی لا ریب فیه أنّ الشاعر أراد من خلال هذا الاستداعاء الإبانة عن تجربته الإبداعیة التی تتنسجم مع الواقع التاریخی المحیط به.نجد من خلال هذه الرموز والمکونات التاریخیة (أبرهة،الفیل،الیهود،بنونضیر وبنوقریظة) أنّ الشاعر عمد إلی توظیفها للتعبیر عن إیضاح أمره وتسلیط الأضواء علی ما آل إلیه أمر الوطن المسلوب وما یعیشه من ظروف تعسة. تمثل هذه الرموز التاریخیة ضرباً من التفاعل الفکری وتعبّر بصورة واضحة عن المعاناة العاطفیة والروحیة ومدی تأثر الشاعر بها. فیبدو لنا من خلال النسیج الشعری أنّ تنامی هذه الرموز یوافق ومواقفَه الفکریة وتجاربه النفسیة والذاتیة التی اکتسبها عبر تجربة الاحتلال. ولیست الیهود بشیء سوی رمز للکیان الصهیونی الذی یعرف بنقض العهد وعدم الالتزام بأی قانون ومیثاق قومی ودولی. فلا غرو إذا أکثر الشاعر من توظیف الشخصیات أو الرموز التی تدلّ علی معنی النقض والخیانة وعدم الثبات.

انطلاقًا من هذا الموقف، حاول عبر توظیف الشخصیات التاریخیة تحقیق هدفین أساسیین: الأول إعطاء تجربته الشعریة والشعوریة نمطًا من العراقة والأصالة، والثانی إضفاء دلالات جدیدة علی هذه الشخصیات لیُکسبها حیاة ذات أبعاد حیویة ودینامیکیة تعکس حالة الشاعر النفسیة.

 

الرموز الطبیعة

تعتبر الطبیعة بکلّ ما فیها من مکونات إحدی المصادر الهامّة للشاعر الفلسطینی الذی استقی منها معظم محاوره الفکریة، وشکلت مفرداتها المختلفة وعناصرها المتضاربة ینبوعًا زاخرًا اعتمد علیه الشاعر وصارت مرتکزًا من المرتکزات الفکریة التی اتکأ علیها للتعبیر عن همومه الوطنیة والشعبیة لترسیم کل ما أصاب هذا الشعب المقاوم من ظلم،وقتل واعتداء علی الحقوق. اختار الشاعر الفلسطینی من الرموز الطبیعیة ما تلاحم مع واقعه المحیط به وانسجم مع رؤیته ومواقفه الفکریة لاستبطان التجارب الحیاتیة، فمن ثمّ نجد نمطًا من التوافق والتلاءم بین الدلالة والسیاق الشعری وأصبحت مظاهر الطبیعة رموزًا لحالة الشاعر الشعوریة.

إنّ الممعن فی هذه المجموعة الشعریة یجد أنّ مکونات الطبیعة حملت فی طیاتها دلالات محددة تضفی علی خارطة النص لونًا من ألوان المصداقیة والواقعیة ولم تبق هذه العناصر فی النص کما هی، بل تنبض بالحرکة والدینامیکیة والحیویة التی تناسب ورؤیةَ الشاعر حیث تعبر عن مواقفه ومشاعره وعواطفه. هذه المکونات الطبیعیة تخرج هذه العناصر من معناها المحدد وتسوق بها مساق الإیحاء حیث تُکسب النص الشعری طاقة إیحائیة جدیدة تضفی علی النص رونقًا وطلاوة وثراء.

من نماذج هذا الرمز لفظة "النخل" أو "النخیل" فی هذه المجموعة الشعریة التی وردت أکثر من عشرین مرّة حیث یقول الشاعر:

 

فالفجر آتٍ، والحصارُ إلی الفنا

والنصر نصرک، فاغرسیه نخیلًا

                         (الدیوان، السابق:8)

لم یرکع الزیتون فیک لغاصب

یومًا ولا ألقی السلاحَ نخیلُ

                       (نفسه:51)

قصفوا المخیّم، إنَّ کلَّ شظیة

ستقیمُ فی وجع الأرامل نخلة

                       (نفسه:84)

یتبین لنا من خلال النصّ الشعری أنّ الشاعر عندما یشعر بضیق الواقع المعیش وما انتابه من ضغط نفسی وروحی، ساقه إلی البحث عن آفاق جدیدة رحبة تمثّل واقعه المؤلم تنفسیًا عن الکآبة والسأم،ساعیًا من خلال الترمیز السیطرة علی الضیق والاستبداد والاستلاب لیتجاوز انتکاسته ویرفض ما ألمّ بالمجتمع الفلسطینی من هزائم وکوارث دامیة.یرید الشاعر تأسیس مجتمع إنسانی تمتدّ فیه العزّة والحریة ویُرفض الإجرام وقتل الأبریاء من غیر سبب. حاول کسائر الشعراء فی العالم الإسلامی أن یمارس حقّ التحریر والعیش لنفسه ولمجتمعه. فمن هنا کثرت الرموز الطبیعیة لدیه وفی ذلک وعی بقیمة التراث الطبیعی ومکانته فی تطویر الحاضر، لأنّ رؤیة الشاعر ناجمة عن تلک الهوة الفاصلة بین ما هو واقع وبین ما هو مرجوّ حصولُه فی المستقبل.

تبین لنا من خلال هذه المقطوعة الشعریة أنّ المکونات الطبیعیة تلعب دوراً هاماً وبارزاً فی التعبیر عن الهواجس والمکنونات النفسیة وکل ما خامر نفسیة الشاعر من الأحداث والوقائع المؤلمة التی ألمّت بمسقط الرأس.

إنّ المتأمل فی هذا النسیج الشعری یجد أنّ الشاعر استخدم بعض المکونات الطبیعیة التی تواکب ومسیرةَ الأحداث الراهنة فی فلسطین المحتلة.وحاول من خلال توظیفها إثراء تجربته الشعریة حیث تعجز اللغة المباشرة التعبیر عنها. وبذلک یخلق أجواء عاطفیة یساهمها الشاعر والمتلقی معًا. من هذه الرموز الطبیعیة لفظة "النخیل" التی تدلّ علی المعانی التالیة: انطلاق ثورة الشعب وتحقیق الأمل، استمراریة معاناة الإنسان الفلسطینی، المواقف المأساویة، التجذّر والأصالة، المقاومة والصمود، الصبر والشجاعة، الخصب والازدهار، الوطن المحتلّ. من هنا صارت النخلة رمزًا یلتجأ إلیها کل من طرده الأعداء ولاحقه. کذلک ترمز لفظة "الزیتون" فی المقطوعة إلی الحبّ القدیم والإنسان الفلسطینی الذی هجر أیکه وغادر إلفه وحیدًا. فی الحقیقة یعدّ الزیتون رمزًا للحیاة والارتباط بالأرض ثم یتفرع عن المعنی الدینی المعنی الاجتماعی والوطنی لیصیر رمزًا للطمأنینة والسلام ودیمومة الحیاة. فالذی لا ریب فیه أنّ «ما یحثّ شعراء المقاومة علی استخدام الزیتون رمزاً مقاوماً هو الحبّ للوطن.» (مقدم متقی، 1396: 266)

یعبر الزیتون خلال الأسطر الشعریة عن معنی الشهید وصار رمزًا لکل من ینیر الطریق ویزیل الدیاجیر ونجد الشاعر لم یقتصر علی نقل هذه اللفظة فقط، بل عمد إلی توظیف بعض المظاهر الطبیعیة داخل النسیج الشعری ﻛ"الفجر"، "النخیل"، و"البحر" [رمز الوطن]، لما تثیره الطبیعة فی نفس المتلقّی من جمال والشوق والحنین.

 فی الواقع یختفی صوت الشاعر ومواقفه وراء ستار صفیق من الرموز هروبًا من الواقع المؤلم.وبذلک تُعتبر الرموز أداة طیعة لاقتناص الواقع المحیط بالشاعر من أجل تغییره وإصلاح ما فیه من عیوب ومثالب لیصیر نموذجیًّا یلیق بالإنسان. لیست النخلة سوی تطابق بین الشاعر وشخصیته ومواقفه تجاه قضیة الاحتلال وترسیم آلام الشعب وأشجانه. امتزجت لفظة النخلة بوجدان الشاعر وحملت فی طیاتها دلالات عمیقة بما یفیضه قلب الشاعر من مشاعر وأحاسیس متداخلة. ارتفعت هذه الرموز إلی مصاف وجدان الشاعر وأصبحت ولیدة رؤیة الشاعر الخارجیة للتوکید علی الأسی والألم الذی تغلغل فی کیانه.   

یتبین لنا عبر هذه المجموعة الشعریة أنّ المکونات الطبیعیة تنقسم قسمین: صامتة ومتحرکة.

أمّا العناصر الصامتة فتتسم بالسکون وعدم الحرکة والحیویة وتشتمل علی الزهور، الثمرات، فصول السنة والأشجار المختلفة والعناصر المتحرکة علی خلاف الثابتة تتسم بالحیویة والحرکة والدینامیکیة وتنطوی علی الحیوانات والطیور والزواحف.بناء علی هذا،تشتمل هذه العناصر الطبیعیة برمّتها علی الشحنات النفسیة التی احتوت علی تصورات الشاعر ونهوض تجاربه النفسیة، فاختار الشاعر منها حیّها وجامدها کوسیلة للتعبیر وانتقاها لتتجاوب مع انفعالاته وتجاربه فی أشکال محسوسة تحقیقًا لهدفه المنشود.

نلاحظ من خلال توظیف هذه العناصر والمکونات الطبیعیة أنّ الشاعر لم یستخدمها کمجرد شیء مادی ذات جمود وسکون، بل اتخذها میدانًا متسعًا لتغذیة أفکاره وشحن نفحاته النفسیة،فضلًا عمّا تضیفه الجوانب النفسیة إلی الرمز من خصائص یلعب فیها النص الشعری دورًا محوریًا وبارزًا فی إثارة الإیحاء والدلالة. فالرموز الطبیعیة فی النصّ الشعری تتمتع بالحیویة والدینامیة التی تمهّد السبیل للشاعر أن یتصرف فیها ویحوّرها من أجل خلق فضاءات جدیدة تتسم بلمعات خاطفة عبر الدلالات.

من نماذج الرموز الطبیعیة لفظة "الغراب" التی یستخدمها الشاعر حیث یقول:

فتحرّکت غربانهم فی جوّنا

عمیاءَ، تذبح فجرَنا المأمولا

أرسلَ الغربانَ ترمی بانتقام

فوق أطفال، نساء،والسُّعارا

                (الدیوان، السابق: 109)

صباح النّار یُشعِلُها غرابُ البین فی غدِنا

وفی أحلام من لبّوا

...ومن ترکوا عروس البحر للغربان

       وامتشقوا – کعادتهم- سیوف القول 

                                                   (نفسه: 47-46)

من المعلوم خلال هذه الأسطر الشعریة أنّ المحور الأساس الذی تدور حوله الصورة الرمزیة هو الکشف عن خیانة الکیان الصهیونی وما قام به من مؤامرات وجرائم بشعة ضد الشعب الفلسطینی العزّل. فلفظة "الغراب" التی ترمز إلی الکیان الصهیونی الغاشم فارقت دلالتها المعهودة إلی دلالة جدیدة معاصرة تشیر إلی السلب والنهب من القوی المتعسفة. حرص الشاعر من خلال توظیف الرمز علی خلق أجواء مناسبة ومؤاتیة تمهّد السبیل لإعطاء المتلقی ظروفًا تعبیریة تُشرکه فی معاناته الروحیة والنفسیة.

هذه الرموز الطبیعیة تختزن دلالات عمیقة حیث تعدّ حقیقة تتجاوز الواقع ویؤدّی توظیفها إلی دلالات أخری فی الإبداع الجدید. ومن ثمّ تصیر واقعًا جدیدًا شریطة أن تتوفّر فیها تلک المقدرة الفنیة واللغویة التی تضفی علیها أجواء إیحائیة. انطلاقًا من هذا الموقف، أتاح توظیف الرمز داخل النسیج الشعری فرصة مؤاتیة ومناسبة للخوض فی التراث بغیة العثور علی المکونات الفکریة والتراثیة التی تنسجم مع المواقف الحاضرة.

 

 الرمز الأدبی

یعدّ التراث الأدبی إحدی المرتکزات الفکریة والمصادر الغنیة للشاعر الفلسطینی الحدیث الذی استخدمه للإثراء الأدبی والتنوع الثقافی ضمن الحضارة الحدیثة لیضفی علی أدبه لونًا من العمق والقیمة لیکون هذا التراث الضخم حقلًا خصبًا یناسب مواقفه الفکریة الحدیثة فالشاعر لایتمتع بالتراث الأدبی کما هو، بل یستغلّ معطیاته الفکریة استغلالًا فنیًا ورمزیًا یناسب مع الحاضر. (فاروق­شریف، 1976م: 87)

إنّ الممعن فی التراث الأدبی یجد أنّه یکتظّ بالتجارب القیمة والأحداث والشخصیات التی استرعت انتباه الکتاب والأدباء عبر العصور المختلفة، وصار بمثابة الینبوع الثرّ والمعین الزاخر الذی استلهم الشاعر الحدیث منه مصادر الفکرة.اتخذ الشاعر المقاوم هذا التراث الأدبی بمثابة أداة طیعة للتعبیر عن مواقفه وتجاربه الذاتیة والشخصیة وکل ما یتلاحم مع رؤاه الحدیثة حیث هذه الرموز الأدبیة ترتکز علی الأزمنة الغابرة وتمثّل الظروف الحدیثة فی المجتمع الفلسطینی.

نلاحظ من خلال هذه المجموعة الشعریة أنّ الشاعر استخدم هذه الرموز الأدبیة لاستفادة منها لتعریة الواقع الأدبی وإجراء المقارنة بین البارحة والیوم، وتارة یقوم بتحویر طفیف لما ینسجم مع مواقفه تجاه الظروف التعسة التی ألمت بالمجتمع.فعمد إلی توظیف الشخصیات الأدبیة ﮐ"الفرزدق"، و"أبی­تمّام" وشخصیة "شیلو­ک"­­ (شخصیة یهودی انتهازی استغلالی فی مسرحیة "تاجر البندقیة" لشکسبیر). یتخذ الشاعر هذه الشخصیات أقنعة توجّه بما تخدم تجربته الشعریة المعاصرة، إذ یری فیها ما یتلاحم مع تجربته الذاتیة، فکلاهما قد عانیا من التشرید والسجن والقهر، ولکنهما رغم المصائب والویلات تحمّلا واصطبرا لتحقیق الانتصار والعزّة. یندمج صوت الشاعر مع صوت الشخصیات الواردة تمام الاندماج ویتحدان فی التجارب الشعریة والذاتیة. نجد الشاعر یستوحی هذا الموقف النفسی مع ما یحتوی علی السمة الوجدانیة وحمّلها مشاعره وعواطفه المکبوتة.

من نماذج هذه الرموز الأدبیة، "الفرزدق" الذی تمّ ذکره فی القصیدة المعنونة "فرزدقیة القسّام" حیث یقول الشاعر المقاوم:

 

«إنّ الذی سمک  السماء بنی لنا»

جـیـشًـا لواحده الجبالُ تُزلزل

جیشٌ بناه لنا العزّ وما بنی

عزُّ السماء فإنّه لا یخذل

جیشٌ ما القدسُ نادت خِلتهم

«موجًا کأنّهم الجرادُ المرسل»

(الدیوان، السابق: 104)

لم ترجع الحقَّ فی یوم مناشدة

«السیف أصدق أنباء من الکتب»

تهذی سجاح ولم تصدق مسیلمة

ما بعد أحمد یا أهل الصدق من نبیّ

(نفسه:  107)

ومن توسّم فیک الخیر کان کمن

یرجو السلامة فی أنیاب ضِرغام
                    (نفسه: 157)

القدس کم حظیت بأنغام التغنّی والتمنّی والمشاعر والبیان

ویرددون

 القدس أولی القبلتینِ

ثم ثالثًا للحرمینِ

. . . عاد شیلوک

                    (نفسه: 33)

من الواضح خلال النص أنّ الشاعر عمد إلی توظیف الرمز الأدبی لیمنحه بُعدًا حتی یجعله قادرًا علی تجاوز الواقع المریر ویضفی علی الشعر ظلالًا من التجربة الذاتیة التی تصطبغ بالعصریة الجدیدة، إذ یمنحه دلالات جدیدة تنسجم مع روح الواقع. المفردات النصیة (السماء، السیف، الموج وأحمد) تحمل دلالات متعددة ومختلفة داخل الإطار الشعری. فقد تدلّ علی معنی نفسی یستهدف التعبیر عن المشاعر والأحاسیس الباطنیة والإیماءات المختلفة التی نستشفها من خلال النص الشعری. اجتهد الشاعر فی التعبیر عن الشخصیات الأدبیة وأحسن توظیفها للإفصاح عن واقعه النفسی المنهار. یشکّل الإحساس الکامن وراء هذه الرموز بؤرة معاناة الشاعر. وبهذا یتکوّن واقع الشاعر وواقع وطنه اللذینِ یمثّلانِ تجربته الشعریة.    

 

من البدیهی أنّ الشاعر استلهم خلال الأسطر الشعریة التراث الأدبی القدیم - أعنی النقائض بین جریر والفرزدق-حیث یقول الفرزدق:

 

إنّ الذی سمک السماء بنی لنا

أحلامنا تَزنُ الجبال رزانة

بیتًا دعائـمــه أعزّ وأطول

وتخالُنا جِنًّا، إذا ما نجهلُ

  (فاعور، 1987م: 491)

لاحظنا عبر هذه الأسطر الشعریة أنّ الشاعر المقاوم عمد إلی توظیف هذه الشخصیات الأدبیة لیسقطها علی الواقع المحیط به لتسلیط الأضواء علی علاقة الشاعر المعاصر بالسلطة القامعة وینسجم استخدام هذه الشخصیات مع المواقف المشترکة بینهما. تنمّ هذه الشخصیات عن مواقف الشاعر الحدیثة وتزیل الستار عن محنة الشاعر وما عانی طیلة الحیاة من کبت الحرّیات ورقابة الأنظمة المستبدة القائمة التی تلاحق الشاعر. تعبّر هذه الشخصیات عن نمط من التقابل بین الحاضر والماضی. فالشاعر یلمح عبر هذا التوظیف إلی الإنسان الفلسطینی من أبناء القدس الذی لا یرضح تجاه الظلم والبطش، والذی یساعد المناضلین والأبطال فی ساحة الحرب رغم الإجراءات القعمیة للسلطة الحاکمة. لیست هذه الشخصیات سوی إصرار الشعب وإلحاحه علی الحیاة والبقا والدفاع عن الوطن والتضحیة من أجله والتمسک بالهویة الدینیة والإسلامیة. وفّق الشاعر فی توظیف الشخصیات الأدبیة التی تتسم بالبطولة والشجاعة والوطنیة وخوض ساحات الحرب الدامیة ضد العدوّ المحتلّ. فهذه الانتکاسات الکثیرة جعلت الشاعر الحدیث یبحث عن رموز أدبیة وتراثیة لیعبّر فی تضاعیفها عن النوازع النفسیة ومناجات الذات.  

أیضًا تأثر بالموروث الأدبی لدی أبی تمام فی قصیدته عن فتح عموریّة حیث یقول:

السیفُ أصدق أنباء من الکتب     فی حدّه الحدّ بین الجدّ واللعب

                                                                    (الخطیب التبریزی، 1994م: 32)

تشتمل هذه الشخصیات الأدبیة علی دلالات وإشعاعات مؤثرة تمکّن الشاعر علی التعبیر عن الفکرة والموقف الذی یرمی إلیه وهو تصویر السیاسة القمعیة والممارسات الإجرامیة والمجازر البشعة التی قام بها الکیان الصهیونی ضدّ الشعب الفلسطینی.  

استلهم الشاعر فی التعبیر عن قوة المناضلین فی مواجهة العدوّ الصهیونی "أنیاب ضرغام" متأثّرًا بالموروث الفکری لدی المتنبّی حیث یقول:

إذا رأیتَ نیوبَ اللیث بارزةً    فلا تظنّن أنّ اللیث یبتسمُ

                                                        (العکبری، 1939م: 345)

أصبحت هذه الرموز الأدبیة صوت الشاعر المعبّر عن مشاکل عصره والظروف المختلفة التی ألمت بالمجتمع الإنسانی، فانتقل الشاعر من التعبیر عن التراث الأدبی القدیم إلی التعبیر عن الموروث للإفصاح عن مشاکل الإنسان الیومی، ویرید عبر هذه العملیة استلهام التجارب المتماثلة بین الشاعر القدیم والشاعر الحدیث رغم اختلاف الزمان والمکان. ومن هنا صارت عملیة توظیف بؤرة رمزیة فی النصّ وتُکسب دلالات متنوعة حسب استدعاءها داخل القصیدة.

 

الرمز المستوحی من الواقع

یعدّ الواقع بمظاهره المختلفة مادة خصبة وأرضیة مؤاتیة لبثّ فکرة الدفاع والمقاومة ومصدرًا هامًّا للإلهام الشعری لدی الشاعر الفلسطینی المقاوم حیث یستغلّ معطیاته ویستلهم منه رموزه لیکشف عن مواقفه ورؤاه المختلفة تجاه الواقع المؤلم والمحیط به. اتخذ الشاعر الواقع وعناصره الإبداعیة لتصویر مقاساته الفکریة وتجربته الانفعالیة والمشاعر والأحاسیس التی تتفاعل داخله. تتعدّی هذه الرموز الواقع عبر ما یضفی علیها الشاعر من دلالات إیحائیة وشحنات فکریة وملامح فنیة جدیدة تجعلها أکثر خصوبة وعمقًا.

یعتبر موضوع المقاومة والصمود من أهمّ المرتکزات الفکریة والمحاور الشعریة التی یتمحور حولها الشعر الفلسطینی الحدیث بشکل عام، وفی هذه المجموعة الشعریة بشکل خاص حیث أصبحت صورة نمطیة مألوفة فی الشعر الفلسطینی الذی یحمل فکرة استمراریة الحیاة،  تواصل الأجیال، والنضال من أجل انتزاع الوطن.

تتمحور الرموز المستوحاة من الواقع حول القادة والشهداء والذین بذلوا کل غال وثمین من أجل تحریر الوطن واستمرار الصمود والمقاومة وترأسهم شخصیة "عزّالدین القسّام"، "کتائب الأقصی"، وشهداء الانتفاضة ﮐ "زکیم"، "برهوم"، "أبوشمالة"، و"عطّار"، وشهادتهم رمز یجسد قوة الفعل الثوری وحضوره فی المقاومة الفلسطینیة. من الواضح أنّ الشاعر الحدیث لم یعمد عبر توظیفها إلی مجرّد نقل أسمائهم، بل أراد من خلال ذلک تخلید ذکرهم وضخّ دم التضحیة والحیاة فی عروق الشعب الذی تبلور عبر تفاعل الشاعر مع الواقع ومحاولة اختراق الواقع.

إنّ الممعن فی الشعر الفلسطینی المقاوم یجد أنّ صورة الشهید کرمز للانبعاث تصدر من مصدرین، هما الواقع الاجتماعی والنظرة الأسطوریة من الحقیقة الدینیة حیث ترتفع بالشهید فی صور أدبیة. فلا تکاد مجموعة من قصائد المقاومة تخلو من مفردات لها علاقة وطیدة بمعانی الشهادة.

استطاع الشاعر عبر توظیف الرموز الواقعیة تطویر تجربته الشعریة وتعمیقها وتوسیع طاقاته التعبیریة، فخلق من خلال هذه الرموز آفاقًا جدیدة ترکت بسمات واضحة علی ثورته الأدبیة.

من أمثلة الرمز الواقعی ما ورد فی الدیوان حیث یقول الشاعر:

 

من نخبة القسّام جندِ محمّدٍ

ومن الضفادع همّةٌ وعقولُ

خنزیرهم وکبیرهم بملاجیء

قسّامنا،  أقبل بنصرٍ آنِ

یا نخبة القسّام عطشی حربُنا

والغیث فی غاراتکم محمولُ

قسامنا یزن الجبال رزانة

وتخاله جنًّا إذا ما یجهلُ

ولافحًا من لظی النیران یُنزله

علی رؤوس العدا صاروخ قسّام

       (الدیوان،  السابق: 190)

یبدو لنا عبر هذه الأسطر الشعریة أنّ الشاعر المقاوم یرفض الواقع تمامًا ویبذل بکل غال وثمین من أجل التغییر والتطویر، فیعمل علی التحرر بأسره. من هنا صار التعبیر عن الرمز لدیه هو الملاذ الوحید من أجل نقد الحیاة الاجتماعیة والسیاسیة وتعریة زیفها. تحولت الألفاظ عبر النسیج الشعری إلی إشارات انفعالیة یعبّر کل واحد منها عن التجارب والمواقف الشعریة والشعوریة. حاول الشاعر عبر هذا الحشد اللغوی، تمثیل هیمنة المناضلین وهوان المعتدین وذلّهم. فخرجت الألفاظ اللغویة داخل النسیج الشعری عن دلالاتها الوضعیة المعهودة لتحمل دلالات جدیدة معاصرة (القسّام رمز للتضحیة والفداء، الضفادع رمز للهوان والذلّ، والخنزیر رمز للهوان والعجز).

لا مشادة أنّ کتائب الأقصی وعزّالدین القسّام لعبا دورًا بارزًا ومحوریًا فی بث فکرة المقاومة والذبّ عن الهویة الدینیة والإسلامیة فی المجتمع الفلسطینی وضخّ الدم فی عروق الشعب. هؤلاء الشخصیات هم الذین تجلت فیهم روح الفداء والتضحیة من أجل التحریر والخلاص من براثن العدو الشرس. نلاحظ فی هذه الأسطر الشعریة أنّ الشاعر عرج علی الرمز المستمدّ من الواقع المحیط به وهذا التعریج ظهر مباشرًا دون أیّ تلمیح ولا کنایة. تعامل الشاعر مع الواقع وأخذ منه فکرة الإصرار علی المثابرة والصمود، کما أخذ من السیرة النبویة (ص) رمزًا للمقاومة والتضحیة، فجاء الرمز تجسیدًا لمعنی الانبهار وولع الشاعر بقوة هؤلاء المغاویر الشجعان.

نلاحظ من خلال النصّ أنّ لغة النصّ تتسم بنمط من النضال والکفاح والمقاومة لتغمر النص الشعری وتهیمن بدلالاتها علی سائر الدلالات المختلفة التی تخلق للقارئ أو المتلقّی فضاءات تعبیریة وإیحائیة جدیدة.

من الواضح عبر الأسطر الشعریة أنّ قیمة اللفظة (القسّام) الواردة فی النص الشعری تهیمن علی سائر الألفاظ اللغویة الرامزة والموحیة حیث تفصح عن موقف الشاعر المقاوم تجاه القوی المستبدة والمتعسفة. فالقسّام أصبح رمزًا للشاعر وانتمائه الإیدیولوجی، ومن ثمّ وجد الشاعر فی الرمز أداة فعالة وطیعة للتعبیر عن حالته الوجدانیة والعاطفیة.

هنا یتعمق التعامل مع الرمز وصارت الدلالة مشحونة بالإیحاءات التی تمثّل ثقافة الشاعر وهیمنتها علی بنیة القصیدة وتلک القدرة الفائقة فی انتقاء الرمز ورصد الواقع. (حشلاف، 2000م: 34) کان توظیف الرموز الواقعیة تحقیقًا للرغبة الملحّة لدی الشاعر الفلسطینی فی الانبعاث علی مستوی الأمة الإسلامیة باستلهام نماذج الصلابة والمثابرة واستمداد الطاقات المختزنة والمختفیة فی التجارب الإنسانیة. یستمدّ النصّ منها قدرته علی إثارة المشاعر والتأثیر فی المخاطب، لأنّ الرمز وسیلة ناجعة فی سبیل التعبیر عن تجربة الشاعر وحالاته النفسیة، فلا بدّ للشاعر «أن یلجأ إلی إثارة حالات شبیهة بها فی نفس المتلقّی عن طریق الرمز القائم علی تراسل الحواسّ. » (أحمد، 1978م: 135)

یعبّر هذا النمط من الرمز لدی الشاعر الثوری تعبیرًا صارخًا عن الرغبة والاشتیاق إلی الانعتاق من الاحتلال من جانب، وبلورة التجربة الفنیة والذاتیة وإعادة الصیاغة بحیث تکشف عن الواقع المعیش من جانب آخر، إذ وجد فی الرمز معینًا ثریًا من الدلالات غنیًا بالإیحاءات. حاول الشاعر من خلال عملیة الترمیز أن یفتح آفاقًا جدیدة للشعر للعثور علی التأویلات والقراءات المختلفة.

 

الرمز اللونی

یعدّ اللون جزءًا من العالم المحیط بالإنسان الذی یدلّ فی طیاته علی بعض المضامین والمفاهیم التی تتعلق بثقافة الأمم وکینونة الحیاة وبهجتها ویعطی النص قیمة فنیة رائعة. لم ینحصر اللون فی دائرته الاصطلاحیة، بل تجاوز الحدود المعرفیة لیکشف عن الجانب الدلالی الرمزی والتقدیسی. فعلی سبیل المثال یشتمل اللون الأبیض علی الطهارة والنقاء والأسود علی التشاؤم وقس علی هذا. إذن، فالخلفیة الرمزیة للألوان تنمّ عن دورها الباطنی أو العاطفی وعلاقتها بالمشاعر والعواطف الداخلیة، فلیس اللون إلا تعبیرًا عن العواطف والأحاسیس المکبوتة ویتطور الإنسان وراء الألوان وفق التغییر الثقافی وما یصیبه من ظروف فکریة مختلفة.

ضربت عملیة انتقاء الألوان جذورها فی القدم ونجد أصداءها ضمن الأسطر الشعریة فی القصیدة العربیة الحدیثة التی تلعب دورًا هامًا فی بنائها وانسجامها، وأصبح اللون فی القصیدة العربیة الحدیثة لغة رمزیة ولم یقف عند حدود الدلالات البسیطة، بل تجاوزها إلی لغة الإشارة اللونیة وقد قصد اللون فیها، وتمّ توظیفها علی نحو جعل ازدحامًا وکثرة حتی فی القصیدة الواحدة وإلی التوسع فی توظیف اللون وقلبه. (الزواهرة، 2008م: 18)

إنّ الممعن فی هذه المجموعة الشعریة یجد أنّ اللون الأحمر أکثر استخدامًا وشیوعًا من سائر الألوان ولم تقتصر معاناة الشاعر الروحیة والجسدیة علی البعد النفسی الشخصی، بل تجاوزت الحدود الشخصیة لتشمل الشعب الفلسطینی. کان هذا اللون علی مقربة من مأساة هذا الشعب زمنیًا ومکانیًا. اتسم معظم القصائد بلون الحماسة والثورة وألوان المعاناة التی ترکت بصمات واضحة علی الشعر الفلسطینی المقاوم، فضلًا عن النکبات والهزائم التی أصابت هذا الشعب. ومن هنا سیطر الشعور بالموت والضیاع علی معظم القصائد وتأثر الشاعر بهذه المظاهر والوقائع المؤلمة وانعکس ذلک علی عواطفه ومشاعره وتسرّب إلی شعره.

تبلور هذا اللون فی لفظة "الدمّ" التی ترمز إلی الصمود والمقاومة.

 من نماذج الترمیز اللونی ما ورد فی الدیوان حیث یقول الشاعر:

 

یا دماء الفجر فی

رفح الصَّمود

وفی المعسکر

سیسجّل التاریخ

مجزرة بها

فاحت دماء الطهر

... نصرنا قد هلّا

من نزف

دم الثائرین

تدلّی

من شهقة الأمّ

                                     (الدیوان، السابق:145)

الواقع أنّ الشاعر عبر هذه الأسطر الشعریة امتاح من رؤاه البصریة وما آل إلیه الوطن المسلوب من ثورات ونکبات فی تشکیل هذه الصور البصریة المعبّرة عن الرمز اللونی لما له من تأثیر عمیق فی نفس المتلقّی حیث أصبح الهمّ الإنسانی ضمن اهتماماته، وبذلک حاول أن یطرحه بأسلوب جمیل ورشیق دون غموض ولا تکلّف خاصّة فی مواضیع الحیاة الإنسانیة.

إنّ البؤرة الدلالیة (دماء الفجر، رفح، مجزرة، دماء الطهر، دم الثائرین، شهقة الأمّ) علامات تدلّ علی ما آل إلیه الوطن المسلوب الذی تعرّض لصنوف مختلفة من الإبادة والضیم والضیاع حیث ورد هذا الضرب من اللون بشکل عادّی إلی جانب مفردات تعدّ من مرادفات الحمرة ﮐالدم لیدلّ علی معنی الشهادة والتضحیة بالمقابلة مع سیاق الدمار والتخریب. فکل البؤرة الدلالیة فی الأسطر الشعریة تنتمی إلی حقل دلالی واحد وهو الضیاع. مما زاد تعمیق هذه الدلالة مجیء الرمز بظلاله اللونیة التی تعدّ بنیة البؤرة فی النصّ والتی ترتکز علیها الصور الجزئیة لتحقیق معنی الضیاع.

نلاحظ من خلال هذه الأسطر الشعریة أنّ الشاعر یتخذ من اللون دلالات ورموزًا استقاها من خارطة النصّ، فاللون الأحمر «ارتبط منذ القدم بدلالة غلبت علیه وهی الإیماء إلی لون الدمّ وما یعنی من الصراع والقتل والموت والثورة والحرب.» (الزواهرة، السابق: 45)

أراد الشاعر الفلسطینی من توظیف اللون الأحمر تصویر ما حلّ بالبلد من قتل وصراع محتدم بین الشعب والکیان الصهیونی وترسیم المجازر المشینة والممارسات الإرهابیة للعدو الشرس من جرّاء تنشیط الأفکار ونقل المشاعر تجاه الواقع الفلسطینی وما یکتنفه من مشاکل وأزمات. نراه یستخدم توظیف اللون کتقنیة ناجعة فی سیاق استنهاض الهمم وإثارة الأحاسیس والمشاعر الدفینة تجاه المجازر الدامیة للتدلیل علی أنّ الحیاة الکریمة تنشأ من خلال التضحیة والجهد والعمل.

یتبین لنا من خلال إمعان النظر فی هذه المدونة الشعریة أنّ الشاعر عمد إلی توظیف الأنماظ المختلفة للون لخصوبة النص وإثرائه وللتعبیر عن شعره النضالی وإنتاج الدلالات الحدیثة التی تتلائم والقضایا الراهنة فی الوطن المقهور. منها اللون الأبیض للدلالة علی النقاء والطهارة لأبناء وطنه الذین یرزحون تحت وطأة الاحتلال، للإبانة عن معنی الإشراق والعفّة، واللون الأسود للتعبیر عن الکیان الصهیونی، والدلالة عن معنی الحزن والقلق، واللون الأخضر للتعبیر عن الخصب والنماء وتجدد الحیاة والخلود، والاستقرار ومواصلة النضال ضدّ العدو الإسرائیلی، واللون الأصفر للدلالة علی الضعف والانکسار واللون الأزرق للدلالة علی الأمل بالخلاص من العدو الغاشم وتارة یرمز هذا اللون إلی التقلیل من اضطربات وأزمات نفسیة.

من النماذج الأخری للتزمیز اللونی فی شعر المقاومة ما یقول:

وحدائق الجوری تغری من غوی     فالخدّ محمرّ الإهاب جمیلُ

                                                                  (الدیوان، السابق: 52)

وبساطنا للضیف أحمرُ لونه    وعلیه تنحر بالسیف عجول

                                                    (نفسه: 53)

وحشائش الأحزان أضحت        فی ثیاب حدادها حمراء

                                              (نفسه: 44)

من الواضح خلال هذا النسیج الشعری أنّ الشاعر اتخذ هذا اللون رمزًا للثورة والانبعاث والانفعال العاطفی معتقدًا بأنّ الموت یمثّل سبیل التخلص والنجاة من براثن العدوّ والدمّ هو السبیل الوحید للتخلص من الذلّ والخزی وهو سبیل الفوز والانتصار. نراه یختار لفظة الدّم بعنایة خاصة ولم یرده اعتباطیًا وعفویًا، بل ینتقیه مع الاهتمام بالوظیفة الدلالیة لهذا اللون الدالّ علی التضحیة والثأر والثورة الدمویة المنشودة. هذا اللون –أعنی اللون الأحمر- یدلّ فی طیاته علی معان أخری کحبّ التآخی والسلام الذی ترسب فی کیان أبناء فلسطین، فالشاعر راح یشیر إلی أنّ الإنسان الفلسطینی یحبّ من صمیم القلب التصالح والهدوء فی أنحاء العالم وینفر من سفک الدماء وقتل الأبریاء. من هنا نری سیمح القاسم الذی یستخدم هذا اللون للتعبیر عن نفس المعنی حیث یقول:

 

أمشی فی کفّی/ قصفة زیتون/ وعلی کتفی/نعشی؟ وأنا ... أمشی/ قلبی قمرٌ أحمر

                                                                                          (القاسم،  1993م: ج1، 247)

أمّا اللون الأحمر عند الشاعر المناضل "فاروق مواسی" هو اللون الذی یعتبر رمزاً للعزة والمجد الخالد الذی لا یحصل إلا علی أیدی الشهداء ویقول:

یا أیها البطل الشهید المفتدی/ والأرض تبنی من دمائک / کل یوم معبداً

                                                               (مواسی، 2003م: 164)

ینسجم توظیف اللون الأحمر مع طبیعة الحیاة التی یعیشها الشعب الفلسطینی الذی ذاق مرارة الاحتلال والصراع مع العدوّ الإسرائیلی، و«لعلّ أبرز سمة للأحمر فی الشعر الفلسطینی، ارتباطه بالدم، مما جعله لوناً مخفیاً ومقدساً فی آن واحد مما نحا فی کثیر من دلالاته منحی التحدی والثورة والصمود.» (عبیات وآخرون، 2013م: 51)

هذا یدلّ علی أنّ الشاعر یعیش واقعه بکل التفاصیل ویشعر بمعاناة الشعب ولم یکن راصدًا أو ملتقطًا للمجتمع الإنسانی، بل تفاعل مع الأحداث ویضیف إلیها من خمیرته الشعریة لیؤازر الرمز فی استکمال الرؤیة التی یرید توصیلها للمتلقّی.

تمتدّ الصیاغة الشعریة فی هذه المجموعة الشعریة بعد استحضار اللون الأحمر وحقوله الدلالیة لتشمل الفنا والموت وإنتاج تکوینات التضحیة والصمود، فالبنیة الشعریة تعمّق قیمة التضحیة من خلال ترسیم غایتها المنشودة والنبیلة وهی الکرامة والتحرّر.

النتیجة

عمدت هذه الدراسة إلی تحلیل الرمز بمستویاته المختلفة فی الشعر الفلسطینی المقاوم وأخیرًا توصّلت إلی النتائج التی نری فیها جانبًا کبیرًا وبارزًا من الأهمیة:

1- یعبّر الرمز عن المعادل الموضوعی لتجربة الشاعر الشعریة والشعوریة، خاصة فیما یخصّ قضیة الاحتلال والمعاناة النفسیة والجسدیة.

2- عمد الشاعر الفلسطینی الحدیث إلی توظیف الرموز ضمن بنیة القصیدة إثر البواعث المختلفة، منها السیکولوجیة، الاجتماعیة، السیاسیة، والدینیة. ومن هنا سلکت الرموز مسالک شتّی، منها الدین، التاریخ، الطبیعة، والأدب.

3- تمحور معظم الرموز حول قضیة الاحتلال وما یعانی الشعب من مرارة البطش والقهر، فلم تبتعد عن الهموم الوطنیة للشاعر الحدیث، وهذا یدلّ علی أنّ الصمود والمقاومة یرأس المواضیع الواردة فی عملیة الترمیز. تمتّ تقنیة الرمز بصلة وثیقة إلی الظروف السیاسیة أو اجتماعیة أو واقع فرض نفسه علی المجتمع الفلسطینی المعاصر من أجل مواکبة التطور السیاسی والاجتماعی الذی یعیشه هذا الشعب.

4- یمثّل عملیة توظیف الرموز مدی قدرة الشاعر لامتلاک القدرات الإبداعیة والأدوات الفنیة ومدی اندماجه مع الحقیقة والواقع.

5- استخدم الشاعر الحدیث تقنیة الترمیز للتعبیر عن المقاساة الروحیة والنفسیة والإبانة عن مدی انفعاله مع الواقع وتصویر القضایا الراهنة فی المجتمع الفلسطینی بغیة التأثیر فی المتلقّی بوصفه جزءًا فاعلاً فی الخطاب الشعری، وإشراکه فی الصور الرمزیة وخلق الوجدان المشترک لخدمة الغرض التعبیری.

6- اتجه الشاعر خلال الترمیز إلی توظیف القناع وذلک بتوظیف الشخصیات التاریخیة والأدبیة لیزداد عدد الرموز لدیه وحاول عبر التوظیف التماهی مع الأقنعة. رمی من خلال ذلک إلی توظیف الألفاظ السهلة واللغة الشعریة البسیطة مبتعدًا عن الکلمات المغلقة وغیر المألوفة، فجاءت ألفاظه وتراکیبه مألوفة تعبّر عن واقع الحیاة المعیشیة، ومن هنا تلعب اللغة دورًا محوریًا ورئیسًا فی نقل التجربة الشعوریة إلی المتلقّی.

 

جودة­نصر، عاطف. (1978م).الرمز الشعری عند الصوفیة. ط1. بیروت: دار الأندل.

الخطیب التبریزی، محمد بن عبدالله. (1994م). شرح دیوان أبی­تمام، قدّم له راجی الأسمر. ط2. بیروت: دار الکتاب العربی.

الحنصالی، سعید. (2005م). الاستعارات والشعر العربی الحدیث. ط1. المغرب: دار توبقال للنشر والدار البیضاء.

حشلاف، عثمان. (2000م). الرمز والدلالة فی الشعر المغرب العربی المعاصر. الجزائر: منشورات التبین الجاحظیة.

دیوان العصف المأکول. (2014م). غزّة: رابطة الکتاب والأدباء الفلسطینیین.  

الربیحات، عمر أحمد. (2009م). الأثر التوراتی فی شعر محمود درویش. أردن: دار الیازوری.

الزواهرة، ظاهر. (2008م). اللون ودلالاته فی الشعر، الشعر الأردنی نموذجًا. عمان: دار حامد.

زیاد، توفیق. (1994م). صور من الأدب الشعبی الفلسطینی. ط2. عکا: مطبعة أبو رحمون.

العکبری، أبوالبقاء. (1939م). دیوان أبی­الطیب المتنبی. مصر: منشورات مصطفی حلبی وأولاده.

عید،  رجاء. (1979م). دراسات فی لغة الشعر رؤیة نقدیة. الإسکندریة: منشأة المعارف.

عشری زاید، علی. (2006م). استدعاء الشخصیات التراثیة فی الشعر العربی المعاصر. القاهرة: دار غریب للطباعة والنشر والتوزیع.  

فاروق­شریف، جلال. (1976م). الشعر العربی الحدیث. ط1. بیروت: المؤسسة العربیة للدراسات والنشر.

فاعور، علی. (1987م). شرح دیوان الفرزدق. ط1. بیروت: دار الکتب العلمیة.

القاسم، سمیح. (1993م)، الأعمال الکاملة. بیروت: دار القلم.

مواسی، فاروق. (2003م). الأعمال الکاملة. دمشق: مکتبة الریم.

هانی، نصر الله. (2006م). البروج الرمزیة (دراسة فی رموز السیاب الشخصیة والخاصة). الأردن: عالم الکتب الحدیثة.

البحوث المنشورة

عبیات، عاطی ومحمود شکیب أنصاری. (2013م). «اللون ودلالته فی الشعر الفلسطینی المقاوم». مجلة جامعة الخلیل للبحوث.  مج 8.  العدد 1. صص 61-47.

مقدم­متقی، أمیر. (2013م). «الزیتون رمز المقاومة فی الشعر الفلسطینی المعاصر». مجلة أدب عربی. جامعة طهران. العدد 1. السنة التاسعة. صص 278-261.