صورة الشرق والغرب فی قصتی "سفر أمینة العظیم" لـگلی ترقی و"سجّل: أنا لست عربیة" لـغادة السمان؛ دراسة مقارنة

نوع المستند: علمی پژوهشی

المؤلفون

1 أستاذة مساعدة فی الأدب العربی، قسم اللغة العربیة وآدابها، فرع علوم وتحقیقات، جامعة آزاد الإسلامیة، طهران، إیران

2 أستاذ مساعد فی الأدب العربی بجامعة طهران، کلیة الفارابی للکلیات، قم، إیران

المستخلص

تحاول هذه الدراسة إلقاء الضوء على نقاط الاشتراک والافتراق فی رسم الکاتبتین الإیرانیة گلی ترقی والسوریة غادة السمان لصورة الشرق والغرب فی القصتین القصیرتین "سفر أمینة العظیمة" (سفر بزرگ امینه) لترقی و"سجّل: أنا لست عربیة" للسمان، للکشف عن نظرتهما إلى الذات الشرقیة والآخر الغربی. واعتمدت الدراسة إنجازات المدرستین الأمریکیة والروسیة فی الأدب المقارن حیث الترکیز على نقاط التشابه والاختلاف بین النصین المقارَنین. وبدا من خلال الدراسة أنّ تشابه ظروف الإنسان الاجتماعیة والثقافیة فی المجتمعین جعل النصین متشابهین. ویتجلّى عبر عقد مقارنة بین وضع الإنسان وخاصة المرأة فی المجتمعین الشرقی والغربی، أنّ الشرق فی القصتین مکانٌ للعنف والقمع الاجتماعی والسیاسی، فی حین یظهر الغرب ملجأ تلوذ به المرأة المضطهَدة من القمع الذی یمارَسُ ضدها. وما یمیّز النصّین فی ما یتعلّق بصورة الشرق والغرب لدى الکاتبتین هو أنّ غادة السمان تتناول فی قصتها الصورة المغریة للشرق لدى الإنسان الغربی، کما أنها تتناول أزمة الهویة لدى الإنسان العربی حیث یرى نفسه أمام ثقافتین مختلفتین، وهاتان النقطتان لم ترکّز علیهما گلی ترقی.

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

The Representation of West and East in Goli Taraghqi’s “Amineh’s Long Journey” and Ghada al-Samman “Write: I am not An Arab Woman”

المؤلفون [English]

  • Somaye Aghajani 1
  • Yadollah Malayeri 2
1 Assistant Professor in Arabic Language and Literature, Department of Arabic Language and Literature, Science and Research Branch, Islamic Azad University, Tehran, Iran
2 Assistant Professor, Department of Arabic Language and Literature, Qom Pardis, Tehran University, Qom, Iran
المستخلص [English]

This comparative study throws light upon common and uncommon points in drawing of the west and the east images. The study uses achievements of both American and Russian schools in comparative literature. Across this study we see that similar conditions of life in both Arab and Iranian societies make texts similar: a consideration between human, especially women, status in Iran and Arab region. In the two stories, the East appears to be a place of violence and social and political repression, while the West is a shelter from oppression against women. What distinguishes the two texts in relation to the East and West is that Ghadaal-Samman describes in her story the cliché image of the East from the perspective of a Westerner, and deals with the identity crisis of the Arab human, where he sees himself in two different cultures while these two points were ignored by  Taraghi in her text.

الكلمات الرئيسية [English]

  • Short story
  • East-West imagery
  • Ghada al-Samman
  • Goli Taraghi

تحاول هذه الدراسة تسلیط الضوء على نقاط التشابه والاختلاف فی رسم صورة الشرق والغرب فی قصة "سفر أمینة العظیمة" (سفر بزرگ امینه) للکاتبة الإیرانیة گلی ترقی[1] و"سجّل: أنا لست عربیة" للکاتبة السوریة غادة السمان[2] للکشف عن نظرتهما إلى الذات الشرقیة والآخر الغربی. ما یجعل النصین ملائمین للدرس المقارن أنّ القصتین تتناولان علاقة الإنسان الشرقی بالغرب، کما تشترکان فی طرح قضیة المرأة، بالإضافة إلى أنّ الکاتبتین،وهما من أبرز رموز الکتابة السردیة فی إیران والمنطقة العربیة، تعیشان فی الغرب.

تهدف الدراسة المقارنة فی مفهومها الحدیث إلى تخطی حدود القومیة لمعرفة ما عند الآخر، والبحث عن خطوط التشابه والتمایز بین الآداب، ذلک لأنّ الواقع الاجتماعی والسیاسی والاقتصادی المتشابه، یؤدی إلی التشابه الفکری، ولا سیما فی مجال الفن والأدب، کما یعتقد دارسو الأدب المقارن من أنصار المدرسة السلافیة «أن مجتمعات مختلفة یجمعها الأدب تحت ظروف اجتماعیة واقتصادیة متشابهة.» (السید، 2001م: 47)

 غدا الأدب فی المجتمعات التی لم تلحق قافلة التقدّم إلی یومنا هذا مرآةً تعکس القهر الاجتماعی والسیاسی والاقتصادی الذی یعانیه الإنسان. وعلی هذا الأساس یجد الدارس المقارن فی الأدبین الإیرانی والعربی تشابهاً کبیراً بین الأدبین الإیرانی والعربی المعاصرین، فقد أدّت الأوضاع الاجتماعیة والسیاسیة والاقتصادیة المتشابهة فی إیران والبلدان العربیة إلی تشابه فی الإنتاج الأدبی وتطوره، فمن هذا المنطلق اعتمدت هذه الدراسة المقارنة منهجَ المدرستین الأمریکیة والسلافیة، اللتین ترکزان علی نقاط التشابه والاختلاف بین الأعمال الأدبیة، کما وجّهتا اهتمامهما إلی النص الأدبی بعد أن أهمل فی زحمة البحث عن الصلات التاریخیة بین الآداب. (المرجع السابق، 31) ولم تلغ المدرسة السلافیة العلاقات التأثریة، بل تعتقد أن التشابه والاختلاف بین الأعمال الفنیة هو نتیجة «تشابه فی البنی التحتیة للمجتمعات البشریة»، ذلک أن وحدة التطور الاجتماعی التاریخی للبشریة تشترط وحدة التطور الأدبی بوصفه إحدی البنی الأیدیولوجیة الفوقیة. (جیرمونسکی، 2004م: 11)

ونرید أن نتحدث هنا عن أهمیة دراسة صورة الشرق والغرب فی الأدبین الحدیثین الإیرانی والعربی اللذین تم إبداعهما من قبل أدباء الإیرانیین والعرب الذین سافر بعضهم  ـ إن لم نقل معظمهم ـ إلى البلدان الغربیة وتعرفوا على مجتمعاتها وحضارتها. یتحدث المفکّر السوری برهان غلیون عن أهمیة العلاقة مع الآخر فی عصرنا الحاضر موکّداً أنّ الهویة تصوّرٌ للذات، وهذا التصور «لا یتعیّن إلا من خلال العلاقة مع الآخر.» (غلیون، 2000م: 48) کما یقول بول ریکور عن ضرورة اللقاء مع الآخر لفهم الذات، إن: «الطریق الأقصر بین الذات والذات هو کلام الآخر.» (باجو، 1997م: 253)

وتتحدّد هویة الإنسان وکینونته من خلال العلاقة مع الآخر، لذا فإنّ «الصورة التی یرسمها أدیب ما لمجتمع أجنبی لا تعبر عن مشکلات ذلک المجتمع وهمومه وقضایاه، ولا تنبع من التزام الأدیب حیال المجتمع الأجنبی، ومن رغبته فی إصلاحه أو تغییره نحو الأفضل، ... فالصورة التی یرسمها الأدیب لمجتمع أجنبی تنبع أولاً وقبل أی شیء آخر، من مشکلات الأدیب نفسه، ومن أوضاع مجتمعه القومی، وهی تلبی بالدرجة الأولى حاجات نفسیة أو فنیة أو ثقافیة للأدیب ومجتمعه.» (عبود، 1991م: 375)

لذلک نجد اهتمام أدباء الدول المختلفة برسم صورة الآخر فی أدبهم، حتى یکشفوا عن الأنا بالمقارنة مع الآخر وعما یمثّله هذا الآخر بالنسبة إلى الأنا، ومن هذا المنطلق، فإنَّ «درس الشخصیات الأجنبیة فی أدب شعبٍ ما، یساعد على معرفة ذلک الشعب، وفهم نمط تفکیره، وطریقة إدراکه للعالم، ونوع العلاقة التی یقیمها مع الشعوب التی تعیش معه فی العالم.» (محبک، 2001م: 51)

کما یجد المتأمل فی الأدبین الفارسی والعربی الحدیثین أن صورة المجتمع الأجنبی قد انعکست على القصة والروایة بشکل أکثر وضوحاً من باقی الأجناس الأدبیة الأخرى. ویکمن السبب فی «قدرة الروایة على عکس العملیة الاجتماعیة، وتمثلها فی حرکة نموها وتطورها، وتعقیداتها.» (وتار، 1999م: 20)

وبالانتقال إلى الکاتبتین ترقی والسمان، نرى أن هاتین الکاتبتین عاشتا فی الغرب، وعایشتا المجتمع الغربی عن قرب، وانطلاقاً من «أن الذات فی مواجهة الآخر، إنما تواجه نفسها منقوصة، تنظر فی مرآة حاجتها وعوزها» (البازغی، 1999م: 12)، فوجدنا أن الکاتبتین أقبلتا على تجسید صورة الشرق بصفته الذات المنقوصة وصورة الغرب بصفته الآخر الذی تطوّر فی مجال حقوق الإنسان عامةً وحقوق المرأة خاصةً.

فقد درست گلی ترقی الفلسفة فی الجامعات الأمریکیة قبل انتصار الثورة الإسلامیة فی إیران، وأقامت هی وولداها فی باریس فی السنوات التی تلت الثورة بعدما انفصلت عن زوجها، وهی مقیمة حتى الآن فی فرنسا. فتحضر صورة الغرب حضوراً لافتاً فی مجموعاتها القصصیة التی کتبتها فی العقدین الأخیرین مثل مجموعات"مکان آخر"(جایی دیگر) و"الذکریات المبثوثة"(خاطرات پراکنده) و"الفرصة الثانیة" (فرصت دوباره).

وکذلک سافرت غادة السمان إلى لندن لتحضیر أطروحة الدکتوراه فی الأدب الإنجلیزی، إلا أنها لم تکمل الدراسة هناک، وتنقلت بین مختلف العواصم الأوروبیة، وأقامت أخیراً فی فرنسا حتى یومنا هذا. وتعترف غادة بتأثیر الأدب الغربی وزیاراتها للبلدان الغربیة فی إنتاجها الأدبی قائلةً: «لا ریب فی أن دراستی للأدب الإنجلیزی، وأطروحتی للماجستیر فی الجامعة الأمریکیة عن مسرح اللامعقول، وبقیة قراءاتی الأجنبیة، وإقامتی لسنوات فی أوروبَّة، هذه کلها أثرت تاثیراً بالغاً فی نتاجی على نحو ما.» (السمان، 2002م: 2004)

وبما أنَ قصتی "سفر أمینة العظیم" (سفر بزرگ امینه)  لگلی ترقی و"سجّل: أنا لست عربیة" لغادة السمان تتناولان حکایتین متشابهتین تتجسد فیهما صورة الغرب ـ الملجأ بؤرةً رئیسیةً تدور حولها أحداث القصتین، فحاولنا عبر هذه الدراسة عقدَ مقارنةٍ بین صورتی الشرق والغرب فیهما.

أسئلة البحث

وتحاول الدراسة الإجابة عن الأسئلة الآتیة: کیف جسّدت الکاتبتان المجتمعین الشرقی  والغربی فی قصتیهما؟ وما هی أبرز نقاط الاختلاف والتشابه فی رسمهما لصورة الشرق والغرب فی القصتین المذکورتین؟

خلفیة البحث

أما عن الدراسات السابقة، فیمکن القول إن جهود الکثیر من الدارسین اتجهت إلی دراسات مقارنة بین الأدبین الفارسی والعربی، لکنهم رکّزوا فی معظم دراساتهم علی الأدب القدیم والروایة والشعر من الأدب الحدیث أحیاناً، فجاء حظُ القصة القصیرة قلیلاً فی هذه الدراسات، ولاسیما القصة النسائیة التی لم تخضع– حسب معرفتنا -  للدراسة المقارنة، کما لم تدرس قصص ترقی والسمان دراسة مقارنة من قبل، علی الرغم من أنهما تحتلّان مکانة مرموقة على خارطة الأدبین الفارسی والعربی المعاصرین.أما عن الدراسات السابقة التی تناولت کلاً من أعمال گلی ترقی وغادة السمان السردیة، فیمکن الإشارة إلى کتابی "صمت الذکریات: دراسة أعمال گلی ترقی" (خلسه خاطرات: تحلیل و بررسی آثار گلی ترقی) للباحثة الإیرانیة شهلا زرلکی و"جمالیات المغامرة الروائیة لدى غادة السمان" للباحثة السوریة الدکتورة ماجدة حمود،کذلک هناک بعض الأطاریح والرسائل الجامعیة تناولت أعمال الکاتبتین من أهمها أطروحة "بنیة الخطاب الروائی عند غادة السمان: مقارنة بنیویة" لزهیرة بنینی (جامعة لخضر ـ باتنة الجزائریة ـ نوقشت عام 2008م)، وأطروحة "غادة السمان وغزاله علیزاده: دراسة مقارنة" لسمیه آقاجانی (جامعة دمشق، 2010) ورسالة "المکونات العجائبیة فی مجموعتی من القلب إلى الورق لجواد مجابی والقمر المربع لغادة السمان"( سازمایه‌های شگرف در مجموعه داستان­های از دل به کاغذ جواد مجابی و ماه چارگوش غاده السمان) لمحبوبه محمدی‌زاده (جامعة طهران، کلیة فارابی للکلیات ـ 2016م) کما أنّ هناک بعض المقالات تناولت مجموعتی "مکان آخر" لگلی ترقی و"القمر المربّع" لغادة السمان، والقصتان المدروستان منشورتان فی هاتین المجموعتین. من هذه الدراسات مقال "دراسة الثنائیات فی مجموعة مکان آخر القصصیة لگلی ترقی" للدکتور محمد حسن حسن زاده نیری و زهرا علی نوری، ومقال "غادة السمان والقمر المربع" المنشور فی مجلة نزوى العمانیة للباحث السوری عبد اللطیف أرناؤوط. والملاحظ غیاب أیة دراسة مستقلة ـ ناهیک عن الدراسة المقارنة ـ للقصتین المدروستین فی هذا الدرس المقارن.

صورة الشرق ـ التخلف

عندما نتحدث عن التخلّف فلا نرید أن نلج إلى هذا المفهوم من خلال نظرتی الاقتصادیة والتقنیة، بقدر ما نرکّز على المفهوم الاجتماعی والنفسی له، ولبّ مسألة التخلف فی هذا المنظور «هو بنیة تتصف بالقمع والقهر، بالتسلط والرضوح، أی بحرمان الإنسان من إنسانیته.» (حجازی، 2005م: 31) کما یقول المفکّر العربی الدکتور مصطفى حجازی فی دراسته الرائعة "التخلف الاجتاعی: مدخل إلى سیکولوجیة الإنسان المقهور".

وتجسّد لنا گلی ترقی فی الصفحات الأولى لقصتها "سفر أمینة العظیم" القمع الذی یمارسه الرجل الشرقی ـ المتمثل فی الرجل البنغالی ـ المتزوج من امرأتین اثنتین ضد زوجته الشابة أمینة التی بعثها إلى البلدان البعیدة بوصفها خادمةً تجنی له المال:

«کان لها زوج اسمه السید راجا، وهو له زوجة أخرىأنجبت له أبناء، ویکبرها السید راجا ثلاثین عاماً. کان لبیته ـ حسب قول أمینة ـ ثمانی غرف کلها مفروشة بسجاجید والسجاجید للزوجة الأولى. والصحون والستائر والوسائد المخملیة للزوجة الأولى أیضاً، کما أنّ للزوجة الأولى السیدَ راجا النحیفَ الداکنَ الوجه بشعره الدهنی وشفتیه الزرقاوین.» (ترقی، 1380ش: 76)

تروی لنا قصة أمینة الخادمة البنغالیة، ساردةٌ هی امرأةٌ إیرانیة متماهیة مع الکاتبة گلی ترقی تخدم أمینةُ فی بیتها. فهی تخبرنا بشخصیة أمینة وشعورها تجاه زوجها القامع الذی یقبض راتبها نهایةَ کلّ شهر، کما یرسل ابنتَها الوحیدةَ للتسوّل فی شوارع بنغلادیش. وبما أنها لا تتعاطف أمینة مع واقعها المریر فتعیش أحلام الیقظة دائماً حیث تقول الساردة واصفة إیاها:

«کانت أمینة تعشق نوماً عمیقاً کالإغماء یستغرق عشر ساعات.کانت تستیقظ فی الصباح شاردةً حائرةً آسفةً، کأنّها عادت من عالمٍ آخر، وتسحب مترنحة جسدها المتحیر الضائع من غرفة إلى أخرى. ولأنّ روحها غائبة، کان یستغرق ساعاتٍ لَمُّ أفکارِها المشتتة. کان علینا أن نعطیها وظیفة محددة مثل نشر الملابس على حبل الغسیل أو تکنیس سجاد مغبّر، کی تستقرّ فی زمان ومکان واقعیین، وتعرف من هی وأین هی.. کانت فی مکان آخر بعیداً عن الأحداث الیومیة الکئیبة وعنّا و عن السید راجا وشلیمة المتسولةِ.» (المصدر السابق: 76)

إنّ المرأة المستلبة التی تمثلها أمینة فی هذه القصة لا تفکّر فی تغییر مصیرها المأساوی، وهی فی إیران، بعیدةً عن الأسرة، رغم علمها بأن زوجها یخدعها ویقبض راتبها الشهری بقوة، کما یُعامل ابنتَها معاملةً قاسیة، فتخبرنا الساردة:

«إنّ علمها هذا لا یثیر ردة فعل لدیها، فالسید راجا هو الآمر الناهی، وإنّ واقعَ حضوره ـ رغم جمیع تصرفاته السیئة ـ طبیعیٌ مثل الأمطار الموسمیة و الفیضانات التی أخذت منها أمها وأشقاءها، مثل الحیاة التی تمضی بقوة الاستمرار.» (المصدر السابق: 79)

تشیر الکاتبة أکثر من مرة فی هذه القصة إلى انصیاع أمینة أمام فقرها وقدرها وقبولها لواقعها، وبإمکاننا القول إنّ السبب وراء هذا الانصیاع قد یعود إلى مکانة الفقر کعامل لتزکیة الإنسان فی الدیانة الهندوسیة، کما یقول المفکّر الإیرانی داریوش شایگان: «امتزج الفقرُ فی الهند رغم مشاهده المقرفة مع الانصیاع والرضى، فیمثل العناء والفقر فی قانون کارما دورَ التزکیة والتطهیر ولیس الأسر والحرمان.» (شایگان، 1391م: 134)

 إذن تتمثّل صورة الشرق المتخلفة فی قصة "سفر أمینة العظیم" فی قمع الرجل الشرقی واستلاب المرأة الشرقیة غیر الواعیة بحقوقها.

وحین ننتقل إلى قصة "سجل: أنا لست عربیة" لغادة السمان نرى أنّ صورة الشرق المتخلفة اجتماعیاً تتمثّل فی شابٍّ ینتمی إلى أحد البلدان العربیة فی شمال إفریقیا یرید الزواج من فرنسیة لها جذور عربیة ابتغاءَ الهجرة إلى فرنسا والحصول على الإقامة فیها. فحین یسافر صافی الشاب العربی إلى باریس ولا ینجح فی الحصول على عمل، یقوم بإیذاء غلوریا زوجته الفرنسیة الخادمة فی بیوت الآخرین، وینفق راتبها على الخمر والتدخین، وفی النهایة یُقبل على العنف ضد زوجته، بحجة أنّ الرجل هو الآمر الناهی، ولیس على المرأة إلا الطاعة والانصیاع. وتقول غلوریا عن زوجها العربی:

«إنه یستولی على راتبی لکنه یتقدمنی بخطوة حین نمشی معا! یشتمنی لأننی فرنسیة ویقتل نفسه للبقاء هنا. بعدما ضربنی طردته من البیت. إنه متناقض، متسلط معی وذلیل مع من لا یحبه! وفوق ذلک رفض مغادرة بیتی حین طردته وقال إن أمری لم یعد فی یدی والرجل فی بلادنا یقرر وحده متى یطلق المرأة ومتى یهجرها. لقد تحوّل هذا الزواج إلى إهانات وإذلال وضرب یومی لی وإرغام على العمل فی بیوت أکبر عدد من الناس لأعود إلیه بالمال وهو یحشش وینشد: سجّل أنا عربی ... أنا فرنسیة ولا أرید أن أکون امرأة عربیة.» (السمان، 1999م: 71-72)

هنا تتراءى لنا صورة قامعة للرجل الشرقی الذی یضرب زوجته ویذلها ویرغمها على العمل، والصورة تشبه ما رأیناها فی قصة "سفر أمینة العظیم"، لکنّ الکاتبة غادة السمان تحاول تحدید أسباب لجوء الرجل إلى القمع ضد المرأة فترى جذوره فی قوانین المجتمع العربی، حیث واجبات المرأة فیها أکثر من حقوقها:

«صار إذلالی متعته وأخشى إن أنجبت طفلا أن یختطفه ویعود به إلى الوطن حیث کل شیء یحمیه لمجرد أنه ذکر. حین تزوجت کنت خالیة الذهن من ذلک کله أحلم ببلدی فی حکایا أبی ووقعت فی غرام الدفء والبحر والناس الطیبین والفولکلور ولم أکن أعرف أن واجباتی کامرأة أکثر من حقوقی. إذا رافقته إلى هناک وحملت جنسیة بلد والدی نهائیا سیصیر قادرا على منعی من السفر ومعاشرتی مرغمة فی بیت الطاعة والزواج من عدیدات إلى جانبی. أمی شرحت لی وضعی القانونی وأفهمتنی أن مصلحتی کامرأة تحتم علی أن أتمسک بفرنسیتی وأهرب من ذل الرضا بأن أصیر عربیة یذلنی الصافی.» (المصدر السابق:75)

ونعایش عبر النصّین الفارسی والعربی مایسمیه الدکتور مصطفى حجازی فی کتابه الجلیل "الإنسان المهدور" الهدر فی العلاقات الزوجیة، ویقصد به «تلک الحالة التی لا یجد فیها أحد الطرفین ذاته، ولا یحقق الإرضاءات الواقعیة والمتوقعة من الرباط الزوجی..یضاف إلیها کذلک ذلک الغبن الأساسی الناتج عن الاعتراف المشروط بالقرین من قبل قرینه، مما یستلب إرادته وکیانه ویفقده مکانة الشریک. إنه معترف به ومقبول بشرط الرضوخ لرغبات الآخر وإملاءاته ومخططاته.» (حجازی، 2006م: 26)

صورة الشرق ـ العنف السیاسی

إنّ العنف والتخلف صنوان، والعنف هو الوجه الآخر للإرهاب والقهر اللذین یفرضان على الإنسان فی المجتمع المتخلف. (حجازی، 2005م: 166) وهذا نلمسه بوضوح، حیث یتجلّى العنف فی وجوهه المختلفة وخاصة السیاسی منها فی القصتین المدروستین.

وتتحدث گلی ترقی بشکل عابر فی قصة "سفر أمینة العظیم" عن العنف فی السنوات التی تلت الثورة فی إیران، حیث أصبحت البلاد، شأنها شأن کل البلدان التی تحدث فیها هزات عنیفة مثل الثورة والحرب، مسرحاً للصراع بین أنصار الثورة أنفسهم من جهة وبین أنصار الثورة ومعارضیها من جهة ثانیة:

«مرّت ثلاث سنواتٍ مات خلالها الکثیرون، وهجر الکثیرون، وتحیّر الکثیرون ومازالوا متحیرین، وصفّق الکثیرون ورقصوا وطاروا من الفرح، ووجدت نفسی فی مدینة باریس وحیدة وولدان مشاکسان جداً یرافقاننی.» (ترقی، 1380ش: 84)

وتُرینا غادة السمان فی قصة "سجّل: أنا لست عربیة" صورة بیروت العنیفة خلال سنوات الحرب الأهلیة التی أدّت إلی قتل الشعب اللبنانی وهجرة الکثیرین إلى البلدان الأجنبیة:

«کنت وزوجی حزینین حتى الموت، لا لأننا فی باریس أجمل منفى فی العالم، بل لأنه کان ما کان فی لبنان ... قصتنا طویلة مع الحرب قضاها زوجی بین سجن وآخر من سجون أصدقاء أنفق علیهم جزءا من ثروته فقد ظل مؤمنا بحریة الفکر حتى فی الحرب الأهلیة، ولم نغادر بیروت إلا حین انتهت الحرب وانتهینا معه.» (السمان، 1999م: 63)

وتشیر الکاتبة فی صفحات أخرى للقصة إلى العنف الذی جرى فی لبنان والأحلام التی تکسّرت مع الحرب الأهلیة:

«أنا کزوجی خریجة إحدى جامعات بیروت، حیث التقینا وعشنا أنضر أحلامنا التی تکسرت کلها مع حرب کل منا یتنصل منها رفضا لتلاوة فعل الندامة وعقد صلح مع ذاته، ومع رفاق مات معظمهم وتشرد الآخرون.» (المصدر السابق: 65)

ونرى من خلال القصّتین سحق الکیان الإنسانی جسدیاً ونفسیاً جرّاء الأحداث العنیفة المتمثلة فی الحرب والثورة وإذا کان الطابع العنیف للحرب واضح لا یحتاج إلى التوضیح، فإنّه ـ أی العنف ـ هو القاسم المشترک بین کل الثورات السیاسیة (رضی، 1382ش: 36ـ 37؛ آشوری، 1391م: 37)، «فأصبح العنف جزءاً لا یتجزأ لمفهوم الثورة منذ الثورة الفرنسیة.» (وینر، 1392ش: 12)

صورة الشرق ـ النمط

هناک صورة نمطیة للشرقی  ـ خاصة العربی ـ سیطرت على مخیلة الإنسان الغربی طیلة عقود، فـ «منذ بدایة الاستشراق ظلّ الشرق مسرحاً مغلقاً یجسد فیه الممثلون والکومبارس مجموعة من الرموز والصور النمطیة لدى الجمهور والمؤلف.» (محمد عبیده، 1995م: 235) ومن خلال هذه الصورة النمطیة یتجلّى الإنسان العربی إنساناً بدویاً یرکب الجمل وعلى رأسه الکوفیة والعقال، أو إنساناً غریباً یغامر مثل شخصیات ألف لیلة ولیلة الغرائبیة، أو إنساناً نفطیاً لا یفکّر إلا بملذات الحیاة. (Allen, 1982:46)

لا تتحدث گلی ترقی عن صورة الشرق النمطیة المغریة لدى الإنسان الغربی فی قصة "سفر أمینة العظیم" ولکن غادة السمان تجسّد هذه الصورة فی مخیلة إلانسان الغربی فی معظم روایاتها مثل "لیلة الملیار" و"سهرة تنکریة للموتى" تحدیداً وفی قصة "سجّل: أنا لست عربیة" المدروسة فی هذا البحث، فحین تسافر غلوریا الفرنسیة إلى بلد أبیها الواقع فی شمال أفریقیا تقع فی غرام الدفء والبحر والناس الطیبین والفولکلور دون أن تهتمّ باختلاف القیم الاجتماعیة بین الشرق والغرب، قائلة:

«کان صافی یدق على الطبلة فی الحفل القروی الجمیل على شاطئ البحر الدافئ. وحولی وجوه مرسومة بالکحل والحناء والوشم والابتسامات والألوان والقبلات وحرارة القلب. وقعت فی غرامهم مرة واحدة ولم یحدث لی شیء کهذا من قبل... یا لها من قریة ... انظری کیف (حمصت) بشرتی.» (المصدر السابق: 69)

وترى غادة السمان أن السینما هی وراء خلق هذه الصورة النمطیة للشرق فی مخیلة الإنسان الغربی حیث تقول غلوریا:

«دفعت بی عمتی إلى الرقص العربی مع البنات ولم أکن قد شاهدته من قبل إلا على شاشة التلفزیون فی أفلام ألف لیلة ولیلة.» (المصدر السابق: 70)

صورة الغرب ـ الحضارة

تتجسّد صورة الغرب الحضاریة فی قصة "سفر أمینة العظیم" فی کون الغرب ملجأً للدفاع عن حقوق الإنسان والمرأة وملاذاً للاحتماء من النظام الأبوی الشرقی والوقایة من رعبه وقمعه وقهره وعنفه. فـأمینة التی کان زوجها "السید راجا" یضربها فی بلدها بنغلادیش ویقبض راتبها رغم أنفها، لم تع حقوقها الإنسانیة فی إیران والمملکة العربیة السعودیة اللتین قضت فیهما سنواتٍ تعمل فیها خادمة فی بیوت الناس، بل أصبحت واعیة بحقوقها فی مدینة باریس بعد أن تمتعت بحمایة الشرطة الفرنسیة أمام القمع الذی یمارس "السید راجا" ضدها. وتزول مخاوف أمینة من مدینة باریس بعد خروجها من البیت الذی کانت تخدم فیه و«تتعرف إلى خادمات فی عمرها لکنهنّ مطّلعات على الأحداث الیومیة، لهنّ عقلیة نصف شرقیة ـ نصف غربیة، کما إنّهنّ محتجات واعیات بحقوقهن، فتتحوّلن إلى معلمات أمینة الجدیدة.» (ترقی، 1380: 96)

ولا تمهّد باریس السبیل لتوعیة المرأة الشرقیة فحسب، بل تحمیها بقوانینها الحضاریة التی تعامل الرجل والمرأة على السواء، فحین یضرب أمینةَ زوجُها القامع فی باریس، یخبر جیرانُها الشرطةَ، فتحضر الشرطة بسرعة وتطرد زوجها من الشقة، فتنقذها من العنف الممارس علیها، فتقول الساردة عنها:

«لأول مرة فی حیاتها، کانت أمینة قد ذاقت طعم القانون والشرطة، فتشعر بأنها لیست وحیدة فی هذا العالم.» (المصدر السابق: 113)

لذا تقدّم "أمینة" البنغالیةُ التی کانت جاهلة بحقوقها الإنسانیة إلى المحکمة الفرنسیة طلباً للطلاق من زوجها القامع، فتُسمعنا الکاتبةُ صوت زوجها "السید راجا" بعد أن شاهد أن زوجته تغیّرت فی باریس ورفضت أن تطیعه، قائلاً:

«یا سیدتی، کان لأبی ثلاث زوجات. کان یضربهن، فلم تتحوّلن إلى کلاب مسعورة. هذا من تقالید الأسرة. کانت النساءمعترفات بأن الرجل هو مالک المرأة وهذا من قوانین الطبیعة. إنّ المرأة التی تخبر الشرطة لاعتقال زوجها لیست امرأة. الغرب هو الذی أتعس أمینة. أنا المقصّر لأننی أرسلتها إلى هنا. کانت فتاة طیبة ومحتشمة فی إیران. وحین سافرت إلى السعودیة ظلّت مطیعة، لا تتجرأ علیّ تجرأ الکلب المسعور. الغرب غیّرها وأتعسها.» (المصدر السابق: 115ـ 116)

وحین ننتقل إلى غادة السمان، نجد أن الکاتبة تجسّد صورة الغرب الحضاریة فی معالم مدینة باریس الفنیة والجمالیة، وفی قوانین فرنسا التی تحمی حقوق المرأة . فترصد قصة "سجّل: لست أنا عربیة" حضارة فرنسا فی میادین الفنون وتعدّ الغرب مکاناً للحریة وحضناً لحقوق الإنسان. وتصوّر الکاتبة معالم مدینة باریس الفنیة العریقة:

«منذ وصولنا إلى باریس قلنا إننا فی إجازة للراحة ولم نکن نکذب. وبقینا سنوات وطالت الإجازة ولم نشعر بالراحة! ولکننا ظللنا نزور البیوت التی سبق وأقام فیها المبدعون الراحلون على اختلاف مشاربهم ونحب الجلوس فی المقاهی التی طالما جلسوا فیها والأحیاء التی تحرکوا بین جدرانها. أشباحهم ما تزال هناک تقطن نقوش الأحجار والجسور والتماثیل.[...] مکان نزهتنا المفضل هو فی حدیقة البیرلاشیز(أعنی مقبرة بیرلاشیز) الجمیلة بأشجارها وتماثیلها البدیعة وسکانها من أشباح المبدعین حیث کنا نجلس طویلا على قبر شوبان.» (السمان، 1999م: 65)

وتعرض هنا غادة السمان الصورة الحضاریة لمدینة باریس حیث لم تنسَ فنانیها ومبدعیها ولم تمح ذکریاتهم المتمثلة فی تماثیلهم وبیوتهم والمقاهی والأحیاء التی ارتادوها، فالغرب مکان یکرَّم التاریخ و الفنّ فیه. 

وتتمثل أیضاً صورة الغرب المتحضر فی قصة "سجل: أنا لست عربیة" فی القوانین الغربیة التی تحمی الإنسان عامة والمرأة خاصة. الغرب الحضاری فی هذه القصة هو مکان للحریة الفردیة والعلاقات الانسانیة. فحین تتزوج البطلة غلوریا من الشاب العربی وتواجه عقلیته التقلیدیة التی ترسّبت فیها أعراف المجتمع العربی المتخلفة تلجأ إلى القوانین الغربیة التی تحمی المرأة الخاضعة للعنف الرجولی:

«شکوت إلى البولیس ضربه لی ولجأت إلى القانون الفرنسی وطلبت إخراجه منها، فإیجارها باسمی وأنا هنا مواطنة لی حقوق کأی ذکر مثله.» (المصدر السابق: 76)

وهناک مشاهد متعددة فی القصة تخضع فیها غلوریا للعنف الممارس من قبل صافی الشاب العربی الذی لا یرید الانفصال عن عقلیته المتخلفة ولا یواکب القوانین المتحضرة السائدة فی الغرب، فتروی غلوریا قائلة:

«لقد جاء ذات یوم بغانیة إلى شقتی وقال إنه یرید الزواج منها وسیرغمنی على الإقامة معها وهذا حقه، وإننی سأکون واحدة من أربع نساء. اتصلت لیلتها بالبولیس فجاء وطردهما.» (المصدر السابق: 79)

صورة الغرب ـ الهویة

إنَ الهویة مصدر المعنى والخبرة للإنسان، لأنّها عملیة إنتاج المعنى على أساس میزة ثقافیة أو مجموعة من میزات ثقافیة تحظى بأولویة خاصة على حساب مصادر المعنى الأخرى (کاستلز، 1389م: 22) والهویة مرتبطة بالمکان الذی یعیش فیه الإنسان، فمن الطبیعی أن یعانی الإنسان أزمة فی الهویة، حین یغادر بلاده لیسکن مکاناً آخر تختلف فیه المیزات الثقافیة عن تلک التی عاشها، فنرى فی قصة "سجل: أنا لست عربیة" أزمة الهویة التی یعانی منها جیل المهاجرین فی فرنسا من جهة، وجیل الراغبین فی الهجرة من جهة أخرى. إنّ الخلل فی هویة غلوریا، وهی من أبناء المهاجرین فی فرنسا، متمثل فی رفضها هویتها العربیة ورغبتها فی عرض فرنسیتها. تقول الراویة عنها:

«عادت ذلک الیوم من إجازتها فی شمال أفریقیا وقد ازدهر جمالها کما لم یزدهر من قبل وقالت لی بالعربیة ببساطة: لقد تزوجت من الصافی! ذهلت لا لأنها تزوجت فهذا یحدث کل یوم ولکن لأنها تتکلم العربیة، وأنا التی کنت أظنها فرنسیة أباً عن جد، ففوجئت أیضا بأن شعرها الذی طال یبدو عند منبته فاحم السواد کشعر العربیات وکنت أظنها شقراء.»(المصدر السابق: 68)

ویؤکّد عنوانُ القصة على هذا الخلل فی هویة المهاجرین فی فرنسا حیث ترفض غلوریا الفرنسیة ـ العربیة هویتها العربیة وتغیّر عنوان قصیدة الشاعر "محمود درویش" الشهیرة لتقول: سجّل: أنا لست عربیة". لکن الجیل العربی المهاجر إلى الغرب الذی یسبق غلوریا، متمسکون بهویتهم العربیة و لا یعانون من ازدواجیة المعاییر والتمزق فی شخصیتهم، فأبو غلوریا رغم إقامته فی فرنسا وزواجه من فرنسیة لا ینسى لغته التی تمثل هویته، کما یرفض الجنسیة الفرنسیة:

«أمی تکلمنی بالفرنسیة وأبی یکلمنی بالعربیة. تقاعد أبی بعد إغلاق المنجم ولکن أمی رفضت أن ترافقه إلى بلده فی شمال أفریقیا کما رفض هو دائما التقدم بطلب لنیل الجنسیة الفرنسیة.» (المصدر السابق: 68)

وفی هذه القصة لا تقتصر أزمة الهویة على شخصیة غلوریا فحسب، بل تشمل شخصیة الصافی المنتمی إلى جیل الراغبین فی الهجرة، مما أدّى إلى شعور متناقض لدیه تجاه الغرب. وهکذا تبوح لنا غلوریا بسلوک الصافی المتناقض:

«یشتمنی لأننی فرنسیة ویقتل نفسه للبقاء هنا،وتقول فی مکان آخر من القصة: نلت الجنسیة الفرنسیة. الصافی رفضوا إعطاءه ...یلعن باریس ویبذل کل ما بوسعه للبقاء فیها... یضربنی ثم یثمل ویغنی: سجّل أنا عربی.» (المصدر السابق: 71)

إن الانتماء إلى ثقافتین یؤدّی إلى أداء غیر طبیعی فی العلاقات الاجتماعیة،کما یؤدّی إلى نوع من الاختلال فی الهویة، فالصافی یکره الغرب وقیمه وفی نفس الوقت یتلهف للإقامة فیه والتمتع باقتصاده المزدهر. فهو فی الغرب یرى انهیار سیادته الأبویة التی کان یستمتع بها فی بلاده الشرقیة، إذ یسبّب انهیار الهرمیة فی العلاقات الإنسانیة فی انهیار السیادة والطاعة، وهما أساس النظام الاجتماعی الآسیوی، ما حصل أیضاً فی الحضارة الغربیة، لکنّها أحلّت الدیمقراطیة والحریة المسؤولة مکانَ تلک الهرمیة المنهارة. (شایگان، 1391م: 142و143)

النتیجة

نظراً لتشابه الظروف التی یعیشها الإنسان فی المجتمع الشرقی تَشابهَ النصان القصصیان الفارسیان والعربیان المتمثلان فی قصة "سفر أمینة العظیم" للکاتبة الإیرانیة گلی ترقی و"سجل أنا لست امرأة عربیة" للکاتبة السوریة غادة السمان، وتصوّر الکاتبتان مرأتین شرقیتین هما البنغالیة "أمینة" والعربیة الفرنسیة "غلوریا" والانتقالَ  الذی تعیشه هاتان الشخصیتیان القصصیتان على المستویین المکانی والثقافی، وهذا ما یکشف عنه عنوانا النصین. وبالإضافة إلى هذا الاشتراک فی مدلول العنوانین، یشکّل الغرب ـ الملجأ بؤورة رئیسة تدور أحداث القصتین حولها، فنرى مقارنة بین وضع الإنسان وخاصة المرأة فی المجتمعین الشرقی والغربی، فیظهر الشرق فی القصتین متخلفاً یسوده غیابُ تطبیق قوانین تحمی الإنسان، خاصة المرأة، ومکاناً للعنف والقمع الاجتماعی والسیاسی، فی حین یظهر الغرب متحضراً تُطبَّق فیه قوانینُ تحمی الإنسان أمام الاضطهاد و ملجأ للاحتماء من القمع الذی یمارَسُ ضد المرأة. ما یمیّز النصّین فی ما یتعلّق بصورة الشرق والغرب لدى الکاتبتین هو أنّ قصة غادة السمان شأنها شأن أعمالها الأخرى الروائیة والقصصیة تتناول الصورة النمطیة المغریة للشرق لدى الإنسان الغربی، کما أنها تتناول أزمة الهویة لدى الإنسان العربی حیث یرى نفسه أمام ثقافتین مختلفتین، وهاتان النقطتان لم ترکّز علیهما گلی ترقی.



[1].  گلی ترقی(1939) قاصة وروائیة إیرانیة من مجموعاتها القصصیة "أنا أیضاً غیفارا" (من هم چگوارا هستم) و"الذکریات المبثوثة" (خاطرات پراکنده) و"مکان آخر" (جایی دیگر) و"فرصة أخرى" (فرصت دوباره) ومن روایاتها "السبات الشتوی" (خواب زمستانی) و"الحدث" (اتفاق).

[2]. غادة السمان (1942) روائیة وقاصة سوریة من أهم روایاتها "بیروت 75" و"کوابیس بیروت" و"لیلة الملیار" و"الروایة المستحیلة فسیفساء دمشقیة" ومن أعمالها القصصیة "لیل الغرباء" و"القمر المربع" و"عیناک قدری" و"لا بحر فی بیروت" و"رحیل المرافئ القدیمة".

المصادر

ترقی، گلی. (­1380م). جایی دیگر. چ2. تهران: نیلوفر.

السمان، غادة. (1999م). القمر المربّع. ط2­. بیروت: منشورات غادة السمان.

المراجع

الفارسیة

آشوری، داریوش. (1391ش). فرهنگ سیاسی. چ5. تهران: مروارید.

رضی، ولی الله. (1382ش­). «انقلاب و اصلاح». نامه. ش29. بهمن واسفند. صص 35-40.

شایگان، داریوش. (1391ش). آسیا در برابر غرب. چ10. تهران: امیرکبیر.

وینر، فیلیپ پی. (1392ش). فرهنگ اندیشه سیاسی. ترجمه خشایار دیهیمی. چ5. تهران: نشر نی.

العربیة

البازغی، سعد. (1999م). مقاربة الآخر. ط1. القاهرة: دار الشروق.

جیرمونسکی، فیکتور مکسیموفیتش. (2004م). علم الأدب المقارن شرق وغرب. ترجمة: غسان مرتضی. ط1. حمص: مشورات جامعة البعث.

حجازی، مصطفى. (2006). الإنسان المهدور. ط2. بیروت والدار البیضاء: المرکز الثقافی العربی.

ـــــــ (2005م). التخلف الاجتماعی: مدخل إلى سیکولوجیة الإنسان المقهور. ط9. بیروت والدار البیضاء: المرکز الثقافی العربی.

السمان، غادة. (2002م). القبیلة تستجوب القتیلة. ط3. بیروت: منشورات غادة السمان.

السید، غسان. (2001م). الحریة الوجودیة بین الفکر والواقع. ط2. دمشق: دار الرحاب.

عبود، عبده. (1991م). الأدب المقارن: مدخل نظری ودراسات تطبیقیة. ط1. حمص: منشورات جامعة البعث.

عبیده، محمد. (1995م). «الاستشراق الاستعماری وصورة العربی المشوهة». المعرفة. ع383. أغسطس. صص 220-239.

غلیون، برهان. (2000م). «الثقافات والحضارات: بین الحوار والصراع». الآداب. ع3-4. صص 45-48.

محبک، أحمد زیاد. (2002م). «الشخصیات الأجنبیة فی المسرح العربی المعاصر». الموقف الأدبی. العدد 376. السنة32. شهر آب. صص 50-59.

هنری باجو دانییل. (1997م). الأدب العام المقارن. تـرجمة غسان السید. ط1. دمشق: اتحاد الکتاّب العرب.

وتار، محمد ریاض. (1999م). «موقف المثقف من الصدام الحضاری فی الروایة السوری». الموقف الأدبی. السنة 28. العدد 333. صص 17-25.

الإنکلیزیة

Allen, Roger. (1982).the Arabic Novel: An Historical and Critical Introduction. New York:  Syracuse University Press.