ملامح الاغتراب فی شعر "علی فودة" وردود فعله علیها

نوع المستند: علمی پژوهشی

المؤلفون

1 طالبة مرحلة الدکتوراه فی اللغة العربیة وآدابها بجامعة یزد، مدینة یزد، إیران

2 أستاذ مشارﻙ فی اللغة العربیة وآدابها بجامعة یزد، مدینة یزد، إیران

3 أستاذة مشارکة فی اللغة العربیة وآدابها بجامعة یزد، مدینة یزد، إیران

المستخلص

الاغتراب هو وعی الفرد بالصراع القائم بین ذاته وبین البیئة المحیطة به بصورة تتجسّد فی الشعور بعدم الانتماء والسخط والقلق والعدوانیة وما یصاحب ذﻟﻚ من سلوﻙ إیجابی أو شعور بفقدان المعنی واللامبالاة والانعزال الاجتماعی وما یصاحبه من أعراض إکلینیکیة، وهو ظاهرةٌ بارزةٌ فی العصر الحدیث، فالأدب فی مثل هذه الظروف ینعدم فیه الاستقرار والهدوء، فمن هنا غلبت فکرة الاغتراب فی الوقت الحاضر على تجربة الشعراء. هدفَت هذه المقالةُ دراسةَ أنواع الاغتراب فی شعر "علی فودة" الشاعر الفلسطینی المعاصر (1946-1982م) والسبب فی اختیار هذا الشاعر یعود إلی أن هذا الشاعر لا یعرفه الطلّاب والباحثون کما یستحقّه، فدراسة شعره من خلال الفحص عن أقسام الاغتراب فی حیاته یسدل الستار عن کثیر من الزوایا الخفیة فی شخصیته. کذﻟﻚ قَصدَت المقالة الکشفَ عن توظیفه بعضَ الآلیّات التعویضیة إزالةً لهذا الشعور وکلّ هذا عبر المنهج الکیفی الذی یعتمد علی الوصف والتحلیل. إضافة إلی هذا، دَرَسَت ردّةَ فعل الشاعر وتعامُلَه تجاه اغترابه، ووصَلَت إلی أنّ اغتراب هذا الشّاعر ظَهَرَ متمثّلاً فی الاغتراب الاجتماعی، والسیاسی، والنفسی، والإخوانی، والزمانی، والمکانی. وظّف هذا الشاعرُآلیات لدفع اغتراباته کتکرار الألفاظ الدّالة عن الاغتراب واستخدام أسلوب الحوار فی اللجوء إلی الطبیعة والاستئناس بها وخطاب أمّه المیّتة عند الحنین إلی الطفولة، وأیضاً الخشوع تارة والسّخط تارة أخری.

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

Types of Alienation in the poetry of Ali Fouda and his Reactions

المؤلفون [English]

  • Fatemeh Jamshidi 1
  • Vesal Meymandi 2
  • Fatemeh Qaderi 3
  • Reza AfkhamiAqda 2
1 Ph.D. Candidate, Yazd University, Yazd, Iran.
2 Associate Prof., Yazd University, Yazd, Iran.
3 Associate Prof., Yazd University, Yazd, Iran.
المستخلص [English]

Alienation in the modern age is a significant phenomenon, that seeks political, social, ethical being is on human; thus, affected by such circumstances the literary nature, takes suspicious and loses its soothing effect; so in the present age alienation dominate  poet’s work. This article will identify and evaluate all types of alienation in the poetry of Ali Fouda (1946 - 1982 AD)the contemporary Palestinian poet.The final results investigating his poems werethe representation of different kinds of alienation including: social, political, ethical, psychological alienation, alienation from friends, time, location, literature and emotion.To overcome this feelings, various mechanisms, such as the use of terms indicating poverty and alienation, using the element of dialogue to resort to manifestations of nature, including animals and plants, addressing the mother to express her passion for the past and humility and softness in some cases, violence and harsh, in some cases.It is worth noting that these results were to examine Ali Fouda Divan and extracting samples of its poetry, based on the description.

الكلمات الرئيسية [English]

  • Palestinian poetry
  • Alienation
  • Ali Fouda

الاغتراب «نوعٌ من الاضطراب فی علاقة الفرد بنفسه والعالم، حیث یشعر المرء بأنّه غریبٌ عن ذاته منفصلٌ عن واقعه بسبب فقدان المعنی المتمثّل بصورة أساسیة فی الهدف.» (یوسف، 2005م: 14 – 15) وملخّص القول أنّ الاغتراب هو ما یعانیه الفرد من الانفصال عن وجوده الإنسانی وعن مجتمعه وأفعاله التی تصدر عنه، فیفقد سیطرته علیها فلا یشعر بأنّه مرکز لعالمه ومتحکّم فی تصرّفاته. فهو من «العوامل المهمّة المسؤولة عن أزمة الإنسان فی العصر الحدیث حیث یصبح منفصلاً عن مجتمعه الذی یعیش فی إطاره وحتّی یغترب عن نفسه وأفعاله.» (خلیفة، 2003م: 103) هناﻙ للاغتراب وجوه عدیدة؛ «فمنها الاغتراب عن الوطن إلی جهات بعیدة ونائیة ومنها الاغتراب النفسی وذﻟﻚ حین یشعر المرء بأنّه یعیش غریباً بین أبناء مجتمعه ومنها أیضاً اغتراب المرء عن نفسه، وذﻟﻚ حینما تنفصل عری الوثائق بین الإنسان ونفسه، وکذﻟﻚ الاغتراب الذی یفارق فیه الإنسان أهله وأصدقاءه ویرحل إلی مجتمعات أخری تنعدم فیها صلات القربی ویتوجّه إلی مجتمع آخر ویکوّن فیه أصدقاء جُدد لیعوّضوه عن أهله.» (یاسین، 1992م: 9)

 

المدخل

ظهر الاغتراب کموضوع أساسی فی کثیر من الأعمال الأدبیة والفنیة، فعُرِفَت کظاهرة ملازمة للإنسان فی جمیع العصور والمجتمعات وتمتاز بالغموض والتشتّت والإبهام وذلک بسبب استخداماتها المتعدّدة التی تشمل جلَّ نواحی الحیاة النفسیة والذاتیة والاجتماعیة والدینیة والسیاسیة والزمانیة والمکانیة وحتّى النواحی اللغویة؛ بسبب تعدد مصادر الفلاسفة والمفکّرین الذین قدّم کل منهم مفهومه لهذا المصطلح بناء على فلسفته وأفکاره الخاصة ضمن مجال بحثه وتوجهاته الفلسفیة. وأمّا بالنسبة للشعراء «فالاغتراب یعود إلی عوامل ذاتیة وموضوعیّة ومسائل روحیة ومادیة متداخلة کما أنّ قهر الاغتراب یرتبط أیضاً بسلسلة من العوامل الذاتیة والاجتماعیة والثقافیة.» (جاسم، لاتا: 10) قبل التطرّق إلی البحث یجب الإشارة إلی الفرق بین الغربة والاغتراب؛ فالغربة هی «انتقال المرء من مکان إقامته من بین أهله وجیرانه وأصدقائه وذکریاته وموطنه إلى موطن آخر یُعید فیه ترتیب أوضاعه فیکوّن صداقات جدیدة وجیران جدد وذکریات جدیدة وموطناً جدیداً. والغربة رغم ما فیها من مساوئ وسلبیات لکنّها مفیده وإیجابیه فی أغلب الأحیان، ففی الغربة تجدّد وتجدید، فالغربة تصقل الشخصیة وهی طریقٌ للتفوق والتقدم والنهوض. أمّا الاغتراب فهو شعور الفرد بأنّه مرفوض من مجتمعه وناسه أی إنّه شعورٌ بعدم التجانس وعدم التقارب، ففی حالة الاغتراب یتولد عند الفرد الإحساس بکره المجتمع له وباحتقاره وفی الاغتراب یفقد الإنسان القیم والمثل الإنسانیة والخضوع لواقع اجتماعی یتحکّم بالإنسان ویستعبده، وحینئذٍ یشعر بالانفصال والانعزال عن الآخرین، وحتّى العالم ذاته..» (نوری، 1983م: 55) وملخّص القول هو أنّ الغربة تختصّ بالبعد المکانی أی بالابتعاد عن الوطن ولکنّ الاغتراب قد تحدث فی البعد عن الوطن وقد یصیب به الإنسان فی الوطن فیمکن للإنسان أن یشعر بالاغتراب مع أنّه یعیش فی وطنه بین أهله وأصدقائه؛ والفرق الآخر بین الغربة والاغتراب هو أنّ الغربة ظاهرة إیجابیة تؤدّی إلی الازدهار والتعالی مع أنّ الاغتراب حالة مرضیه یعیشها الفرد ویعانی منها.

 

منهج البحث وأسئلته

اعتمد هذا البحث علی المنهج الوصفی التحلیلی، وهذا عبر قراءة دیوان علی فودة[1]؛ حیث تناول الباحثون الاغترابَ لغةً واصطلاحاً، مع وقفة سریعة علی حیاة هذا الشاعر، ثمّ قاموا بدراسة قصائده واختیار الأبیات الدالّة علی الاغتراب لدیه وتصنیفها حسب أقسام الاغتراب والإتیان بنماذج لکلّ منها ثمّ تحلیلها. هَدفَ البحثُ إلی إلقاء الضوء علی أنواع الاغتراب فی شعر علی فودة بغیةَ الإجابة عن الأسئلة التالیة: 1) ما هی أنواع الاغتراب فی شعر علی فودة؟ 2) ما هی التقنیات الفنیّة التی وُظّفت لبیان اغتراب هذا الشاعر؟ 3) کیف واجَهَ علی فودة اغتراباته؟

الدراسات السّابقة

إنّ الدراسات التی تناولت حیاة علی فودة وشعره قلیلة جدّاً منها مقالة "کرامت نفس در آینه شعر علی فوده شاعر مقاومت فلسطین" لـ "فضل الله میرقادری" و"حسین کیانی" (1389ش)  التی فحص الکاتبان فیها عن مکارم النفس فی شعر فودة کالصّبر، والصّدق، والشّجاعة من خلال وصفه لأعمال بعض الشخصیّات القدیمة مثل "بلال الحبشی" و"عروة بن الورد". ومقالة "المقاومة فی شعر علی فودة" التی کتبها "عماد عبدالوهّاب الضمور" (2012م) وأیضاً رسالة لنیل درجة الماجستیر بعنوان "ملامح أدب المقاومة فی شعر علی فودة" لـ "مرضیة زیبنده" (1393ش) حیث أشار الکاتبان فیهما إلی اهتمام فودة بقضایا مرتبطة بالمقاومة منها التأکید علی الهویة الفلسطینیة والدعوة إلی المقاومة والحریة لحثّ المواطنین علی الدفاع عن وطنهم السلیب واستنتجا إلی أنّه یمکن عدّ علی فودة شاعرَ المقاومة الفلسطینیة بسبب اهتمامه الوافر إلی قضایا وطنه. ولکنّ الاغتراب نفسَه مبحثٌ واسع تناولَته دراسات عدیدة أهمّها "ملامح الاغتراب فی شعر أحمد صافی النجفی" لـ "عدنان أشکوری"، و"الاغتراب فی شعر جمیل صدقی الزهاوی وناصر خسرو القبادیانی" لـ "عبّاس یداللهی" و"سردار أصلانی"، و"تجلیّات الغربة وظواهرها فی أشعار عدنان الصائغ دیوانا تأبّط منفی وتکوینات نموذجاً" لـ "علی خضری" و"رسول بلاوی" و"آمنه آبگون"، ومقالة "الاغتراب ومظاهره فی شعر سیّد قطب" لـ "فاروق نعمتی" و"جهانگیر أمیری" و"علی سلیمی" و"عبدالسلام کریمی"، وأیضاً "الاغتراب عند نازﻙ الملائکة" لـ "مهدی ممتحن" و"حسین شمس آبادی" التی کانت کلّها حول ملامح الاغتراب فی أشعار الشعراء دون دراسة ردود فعلهم تجاه الاغتراب. فکما نری لم یتطرّق أی باحثٍ إلی ملامح الاغتراب فی شعر "علی فودة" وهذا ما یمیّز هذه المقالة عن البحوث المذکورة.

 

الاغتراب لغةً واصطلاحاً

جاء فی "لسان العرب" «اغترَبَ الرّجل: نَکح فی الغرائب وتزوّج إلی غیر أقاربه، وفی الحدیث: اغتربوا لا تضووا أی لا یتزوّج الرّجل القرابة القریبةَ فیجیء ولده ضاویاً أی ضعیفاً دقیق العظم هزیلاً، والاغتراب افتعالٌ من الغربة؛ أرادَ تزوّجوا إلی الغرائب من النساء غیر الأقارب، فإنّه أنجب للأولاد..» (ابن منظور، مادة غرب) وقد عرفت الموسوعة الفلسفیة الاغترابَ اصطلاحیاً بأنه «عدم التوافق بین الماهیة والوجود، فالاغتراب نقص وتشویه عن الوضع الصحیح.» (زیادة، 1986م: 39) بینما یجعل التعریف النفسی لمفهوم الاغتراب أساساً واقعیاً ملموساً نعرف من خلاله الأسباب الحقیقیة التی تؤدی الى هذا السلوک فیوصف بأنه «انفصال الإنسان عن القیم السائدة لعدم امتلاکه زمام ذاته، فهو حالة من الشعور بالضعف وسیطرة الآخرین علیه ، مما یؤدّی إلى صراع الإنسان مع نفسه من أجل تجاوز أخطائه وإسقاطاته.» (جواد، 2006م: 6)

 

ردود الأفعال تجاه الاغتراب

یُرَدُّ فعل المغترب إلی أربعة أنماط هی: 1) المجاراة لکلّ من الأهداف الثقافیة وهی التی اعتبرها "فروم" إحدی میکانزمات عملیة للتکیّف والانسجام وفقاً لآراء الآخرین، 2) الابتکار والتجدید أی المجاراة مع الأهداف المحدّدة ثقافیةً مع الخروج عن الوسائل، 3) رفض الأهداف والوسائل والبحث عن أخری بدیلة لها، 4) الانسحابیة وهو هجر المنسحِب الأهدافَ الثقافیةَ لبلوغ هذه الأهداف، فیُعدُّ المنسحب رافضاً للأهداف الثقافیة. (عبدالله، 2005م: 237) وخلاصة القول إنّ النتائج السلوکیة التی یسفر عنها الاغتراب هی «الانسحاب أو العزلة، الخضوع أو الاستسلام، و أخیراً الثورة أو التمرّد فی سبیل تغییر الواقع.» (برکات، 2006: 59) توصّل علماء الاجتماع إلی وجود علاقةٍ إیجابیةٍ بین الشعور بالاغتراب والعنف، ویرون بأنّ الاغتراب لیس نتیجةً فحسب بل هو نتیجةٌ وسببٌ فی آنٍ واحدٍ، ویُبنی علی ذﻟﻚ أن تکون «الشخصیّةُ الاغترابیّةُ شخصیّةً قمعیّةً والشخصیّةُ القمعیّةُ شخصیّةً اغترابیّةً فی الآنِ الواحدِ.» (خلیفة، 2003م: 151)

 

أنماط الاغتراب فی شعر "علی فودة"

وبعد هذا التقدیم سنحاول الکشف عن الاغتراب فی دیوان الشاعر"علی فودة" والتعرّف علی أنواعها التی وَردَت قصائده اعتماداً علی نماذج شعریة منه لترسیم صورة شعریة واضحة شاملة من اغترابه وردود فعله تجاهه.

 

الاغتراب الاجتماعی

هذا الاغتراب هو الشعور بعدم التفاؤل بین الذات وذوات الآخرین ونقص المودة والألفة معهم وندرة التعاطف والمشارکة وضعف أواصر المحبة الاجتماعیة مع الآخرین (أبودلال، 2009 م: 17 و عبّاس، 2016م: 36) وبما أنّ العزلة والشعور بالاغتراب یعدّانِ من العوامل المسؤولة عن تحقّق الهویّة «فالإنسان لا یستطیع تحقیق هویّته إلّا فی وسط اجتماعی یتحقّق فیه التفاؤل بین الذات وغیرها من الذوات، وأنّه لا یدرﻙ هویّته إلّا من خلال المسؤولیة التی یستشعرها تجاه الآخرین.» (خلیفة، 2003م: 66) والاغتراب عن المجتمع یعنی باختصار «شعور الفرد بالانفصال عن جانب أو أکثر من جوانب المجتمع کالانقطاع عن الآخرین أو عن القیم والأعراف والعادات السائدة فی المجتمع، إضافةً إلی ما یصحب ذﻟﻚ من إحساس بالألم أو الحسرة أو التشاؤم والیأس وما یرافقه أحیاناً من سخط أو تمرّد أو نقمة أو ثورة.» (سلامی، 2000م: 151)

فی مجال بروز هذا الاغتراب فی شعر "علی فودة" علینا أن نقول إنّه کان یری نفسه مُستکرَهاً عند النّاس فهُم لا یقبلون آراءه النّافذة ولا یساندونه فی أعماله، فبقی وحیداً مُستغرَباً عن النّاس وسُنَنَهم وعاداتهم حیث یقول فی تجسید هذه الحالة: «حدیقةُ وردٍ أنا/ شَتلُها النّجمُ والشّهب/ ودالیةٌ ثدیُها عسل/ وسنبلةٌ قَمحُها ذَهَب/ أنا الشَّعب والأرض والثّمر/ ونسرٌ أنا/ أنَفَه العربُ.» (فودة، 2003م: 36) فکما نری أنّ الشاعر یشیر إلی أنّه عنصرٌ نافعٌ للمجتمع حیث یشبِّه نفسَه بالحدیقةِ والدّالیة والسُّنبلة والأرضِ والثَّمَر والنَّسرِ، وکُلُّ هذه الظواهر ترمزُ إلی النّضارةِ والطراوة والقدرةِ والطموحِ، فیهدفُ شاعرُنا إثباتَ هذه الصفات لنفسه عبر استخدام هذه التشبیهات الرائعة، ولکن فی التفعیلة الأخیرة یکشفُ عن رأی آخر للنّاسِ، وبعد تکراره لفظ "أنا" وتأکیده علی قدرته بین النّاس یأتی بعبارة "أنَفَه العرب" لبیان ما یجری فی البلاد من الظلم إزاء الأحرار والمنوّرین الأفکار؛ فعندئذٍ ینقطع عن الآخرین ویحسّ بالألم الشدید بسبب ما تعرّضهم من الغفلة والنسیان، فیشعر بالتشاؤم والیأس من إیقاظهم لأجل المقاومة أمام الأعداء والوصل إلی الحریة فتکون تلک الحریة سبب اغترابه المباشر عن المجتمع. وبما «أنّ مفهومی الاغتراب عن الذات والاغتراب عن المجتمع المعاصر یتشابکان وأنّ الإنسان المغترب عن الآخرین هو المغترب عن ذاته.» (حماد، 2005 م: 211) فإنّ علی فودة قد فقَدَ ذاتَه الأصیلة فبالتالی هو مغتربٌ عن ذاته أیضاً.

 وفی قصیدة "فلسطین أمّی" یشیر إلی اغترابه فی وطنه حیث یسخر مواطنوه منه، ولا یعرفونه إذ یتحدّث الشاعر عن قضایا جدیدة لا یعرفها النّاس، ولذﻟﻚ یستهزؤون به، فهو یصوّر هذا المشهد هکذا: «غریب الدّار/ وحدّق ثمّ حدّق شامتاً فیّا/ وقهقه ساخراً ومضی بوجهٍ کان لیلیّا/ لأنّی هائمٌ واحسرتاه/ أنا غریب الدّار.» (فودة، 2003م: 89) فهذه اللغة السهلة الیومیة تکشف مشاعر الرفض لبعض السلوکیات التی یستهجنها هذا الشاعر من مجتمعه، وأیضاً من بین مظاهر الاغتراب الاجتماعی فی هذه العبارات ما یبدو من إظهار الشعور الحاد بـ "الوحدة" الذی یصل لدى علی فودة إلى الإشفاق على نفسه ومواساتها، فضلاً عن إدراکه صعوبة مهمة التغییر التی کان یسعى لتحقیقها، وعند ذﻟﻚ یبدو وحیداً حزیناً مغترباً، فعزیزٌ علی الشاعر الذی حصَلَ علی الوعی السیاسی والاجتماعی العمیق، وعاد إلی الوطنِ حتّی یُنجّی المواطنین مِنجور الأعداء ولکنّه یری النّاس لا یقدرون حقّ قدره فعو ینقطع عنهم ویشعر بالاغتراب عن هذا المجتمع. هذا الاغتراب عند علی فودة یعود إلی أنّ النّاس نسوا القیمَ التی کان یجتهد شاعرُنا أن یحییها مرّة أخری، فأکّد علی هذا المقصود عبر استخدام "ردّ العجز علی الصدر" بتکرار "غریب الدار" فی بدایة کلامه ونهایته، فبعمله هذا قرّرَ هذا المعنی فی أذهان القارئین.

ربّما أجمل ما قال "علی فودة"حول اغترابه فی المجتمع هی الأبیات التی جاء بها فی بدایة قصیدة "عن البسطاء والثورة" مُخاطِباً أمّه: «کنتُ یا أمّاه أبکی خلف أسوار المدینة/ بعدما کلّت یدای/ من طَرق أبواب المدینة/ کان کلّ النّاس یا أمّی نیام/ وأنا کالطائر المذبوح للأسف أبکی/ خلف أسوار المدینة/ کنتُ کاللاشیء مرمیّاً، فداسونی بأغلی الأحذیة.» (نفس المصدر: 96) یتحدّث الشاعرُ عن إعراض النّاس عنه ویشبّه نفسَه إمّا بـ "الطائر المذبوح" وإمّا بـ "اللاشیء" وکلاهما یدلّان علی الفقدان والسلب. وفی عبارة "کان کلّ النّاس یا أمّی نیام" یشیر إلی ما بینه وبین النّاس من التضاد فی مجال الاهتمام بالقیم الاجتماعیة الجدیرة بالشعب الفلسطینی، فعندما یری نفسه ملتزماً بهذه القیم المنسیّة یغترب عن النّاس ویسمّیهم "النیام". وبسبب اغترابه الاجتماعی یصوّر نقائص المجتمع ومثالبه ویکشف عن العیوب والآثام، ویعارض أنماط السلوﻙ الاجتماعی المنتشر بین النّاس ولا یجد نفسَه راضیاً کلّ الرضا أو متوائماً مع المجتمع. فأضحى محکوماً باللامعنى یواجه فراغاً هائلاً، نتیجة لعدم توفر أهداف اجتماعیة تعطی معنى لحیاته، وتحدد اتجاهاته وتستقطب نشاطاته.

کذﻟﻚ یصوّر طردَه من قبل الآخرین، ویشکو إلی أمّه فی قصیدة "النّاس": «حین طرقتُ البابَ الأوّل/ أوصد فی وجهی الباب/ فعدتُ وحیداً عدتُ شریداً/ فحلفت ﺑﻌﻴﻨﻴﻚ بأنّی ما کنتُ بیومٍ رعدیدا/ لکن الحظّ العاثر أشقانی/ یا أمّی فطرقتُ الباب الثّانی والباب الثّالث/ صفقوا فی وجهی الأبواب/ خنقوا فی صدری الإحساس/ عذّبنی یا أمّی عذّبنی النّاس.» (نفس المصدر: 140) إذا أمعنّا فی هذه العبارات نری أنَّ کثیراً مِن الألفاظ والعبارات بما فیها من الدالالة علی التوحّد والحزن تدلُّ علی اغتراب الشّاعِر فی المجتمعِ مثل "أوصَدَ البابَ"، "وحیداً"، "شریداً"، "أشقانی"، "صفقوا الأبواب" وأیضاً "عذَّبَنی". کذﻟﻚ إنّ الّذی سبّب اغتراب الشاعر عن المجتمع هو التضاد بین القول والفعل عند النّاس الذین کانوا یشتاقون إلی ما کان ینشر علی فودة فی المجلات حول آرائه الاجتماعیة، ولکن عندما رجع هذا الشاعر المصلح إلی بلده ترکوه وحده ولم یصاحبوه، فلذﻟﻚ شعر بالألم الشدید فی قلبه بسبب غفلة النّاس واغترب عن هذا المجتمع الغافل. وجرّاء هذه الأزمات النفسیة والاضطرابات الفکریة اتّسعت المسافة بینه وبین الجماعة ولم تستطیع وسائل الحضارة والمدنیة أن تحدث توافقاً أو انسجاماً بین الفرد وجماعته، وما کانت بإمکانه إزالة القلق والتوتّر، فبقی فی حالة عزلة وضعفٍ وضیقٍ. وهو استخدم تقنیة "الحوار" لیجلب انتباه القارئ ویحثّه علی التعمّق فی کلامه؛ لأنّ الحوار «یبیّن ما فی نفس الشاعر من الأحاسیس المفرحة أو المؤلمة وأیضاً الأزمات الاجتماعیة والنفسیة التی یعانی منها الشاعر.» (سلیمانی، 1383ش: 365)

 

الاغتراب السیاسی

یعدُّ الاغتراب السیاسی نوعاً کثیر الشیوع بین أنواع الاغتراب فی المجتمع المعاصر، وفی المجتمعات العربیة بوجهٍ خاص، یعرّف البعضُ الاغترابَ السیاسی بـأنه «حالة من الشعور بعدم الرضا وخیبـة الأمـل والانفصال عن القادة السیاسیین والسیاسات الحکومیة والنظام السیاسی، ویرى أن مشاعر الاغتراب تضمّ على الأقلّ خمسة مکوّنات وهی الشعور بالعجز، الاستیاء، عدم الثقة، الغربة والیأس.» (عبدالوهاب، 2000 م: 114) ومن منظر آخر الاغتراب السیاسی هی حالة یشعر فیها الإنسان بعجزه عن المشارکة فی الأمور السیاسیة وانشغاله عن کلّ التطورات السیاسیة على الصعیدین الداخلی والخارجی جراء السیاسات التعسفیة التی تفرضها السلطات علی معارضیها فی الحکم (الرواشدة، 2011م: 267)، وبما أنّ الشعراء لهم رسالة أمام شعبهم ومصیر بلادهم فنری فی أشعارهم مظاهرَ هذا القسم کثیراً جدّاً. فالاغتراب السیاسی عند الشعراء «هو إحساس الشاعر الملتزم بالغربة عن حکومته وعن النظام السیاسی، واعتقاده بأن السیاسة والحکومة یسیّرها آخرون لحساب آخرین، وهو یشعر فی هذه الحالة بأن المجتمع والسلطة لا یعنیهما أمره وبأنّه لا قیمة له فی ذلک المجتمع، فهو لا یمیل إلى المشارکة السیاسیة، لأن مشاعر اللاقوة السیاسیة تشکّل حواجز نفسیة تمنعهم من المشارکة فی الأنشطة السیاسیة.» (عبدالوهاب، 2002م: 13)

إنّ الشعور بالاغتراب السیاسی لدی "علی فودة" متجذّر فی وعیه الفکری والسیاسی الذی کان لایستطیع أن یتحمّل أی نوع مِن الظلم والجور ولکن أنّی تلفّتَ وجد القهر والاستغلال، ووجدَ أنّه لا عَزمَ لأبناء وطنه إلّا المتعة والّلذّة. یتمثّل هذا الاغتراب فی شعره عندما یشیر إلی البون الشاسع بینه وبین الآخرین بسبب غفلتهم عمّا یدور حولهم من النّهب والدّمار حیث یقول: «فی المقهی/ یختلط الحابل بالنابل.. تختلط الأصوات/ یختلط الأحیاء مع الأموات/ ها هم صحبی فی المقهی/ ها هم یلتفّون علی طاولة الزهر/ وفی خاطرهم بعض الحسناوات/"شایاً"/ حیفا تأکل شفتیها النیران/"یانسوناً"/ الجوع یغنی فی الهند وفی الباکستان/"کولا بالثّلج"/ أنغولا دم یطلب ثأراً من جند الأمریکان/ شایاً.. یانسوناً.. کولا بالثّلج/ وأنت؟/ أنا؟ هات النّار مع الصودا هات/ یشتعل العالم من حول الصحب/ وهم یلهون.. یلوکون القات.» (فودة، 2003 م: 362) فالشاعر لم یهتمّ بالقضایا السیاسیة لفلسطین وأزماتها فحسب بل کان یعانی ممّا یحلُّ علی البلاد الأخری کالهندِ والباکستان فیشکو ممّا سیطَرَ علیها من الغفلة والنسیان والذلّة؛ إذ أبعَدَ العدوُّ النّاسَ وأشغَلَهم عن التزامهم بالقضایا الاجتماعیة والثقافیة؛ ومن مظاهر هذا الاغتراب فی شعره هو القلق واﻟﺸﻚّ والخوف من المستقبل؛ لأنّ النّاس لا یشارکون فی القضایا السیاسیة ولا یهمّهم مصیرُ البلاد وما یجری فیه من الظلم والاستبداد، فهذا الأمر أیضاً جعلَه الانقطاع عنهم فی الأمور السیاسیة. فهو یبیّن أهدافه العالیة التی یرید تحقّقها وحیداً دون أن یشارکه أبناء شعبه الغافلین حیث یقول: «غداً یفهم النّاس لحنی/ وکیف تنام الذئاب بحضن الرضاع/ وکیف یهیم أناسٌ بسمّ الأفاعی/ غداً یفهم النّاس فی هیئة الأمم/بأنّی عنیدٌ أغنّی أساطیر جرحی بلا وهن/ وأخلق ألف نشید من العَدَمِ.» (نفس المصدر: 63 – 64)، یعانی علی فودة فی هذه التفعیلات من عدم مشارکة النّاس معه فی محاربة الأعداء المحتلّین وعدم اهتمامهم بما یجری فی وطنهم من الجور والظلم، فیری نفسه وحیداً فی تحقیق أهدافه الثورویة ولکنّه لمیستسلِم أمام الیأسِ والخیبَةِ بل عزم أن یثورَ علی أسباب الظلمِ ویهدّمَها وإن لم یُساعِده أحدٌ. کذﻟﻚ سخط من الساسة الخونة الذین دمّروا فلسطینَ فشبّههم بالذئاب حتّی یشیر إلی مظالمهم العدیدة، ویعکس فی هذه النماذج کلّها مدی ضیقه بالواقع السیاسی والشوق للوطنِ؛ لأنّه محبّ صادقٌ فهو یکره کلّ الخائنین. فنستطیع الإشاره إلی أنّه وصل إلی العزلة الاجتماعیة کحالة تتعرّض لها الإنسان المغترب سیاسیاً و«تتمثّل هذه الحالة فی التمرّد والثورة.» (الفارس، 2004م: 5)

فی هذه التفعیلات استخدم "علی فودة" الاستعارات المتناسبة مع أحوال الأعداء، حتّی یشیر إلی جنایات الأعداء ومدی ظلمهم. بما أنّ بعض النقّاد یرون «عندما یمرّ الإنسان بأوضاع یفقد فیها نفسه ویصبح غریباً أمام نشاطه وأعماله هناﻙ فی ذﻟﻚ ما قد یدفعه إلی الثورة کی یستعید کیانه، فإذن یصیر الاغتراب دافعاً من دوافع الثورات.» (خلیفة، 2003م: 30) عندما یری "فودة" رجال السیاسةِ لا یهتمّون به ولا یشارکون معه فی تحقیق أهدافه الإصلاحیة، فیعزم علی هدمِ سیاسات العدوِّ والدفاع عن وطنه المحتلّ، وذﻟﻚ بسبب أحزانِه وقلقه جراء السیاسات التی حملَتها البلدان المعادیة وأحکامها القاسیة علی فلسطین فلذﻟﻚ یلزمُ شاعرُنا نفسَه لرفع الأزمات، ولکن عندما یری نفسه وحیداً فی هذا الأمر یشعر بالاغتراب السیاسی وهذا الاغتراب لا یوحی بانفصال علی فودة عن جماعته إلّا عن طریق الرفض للتصرّفات وانعدام شعوره بمغزی التوافق مع الحیاة الّتی یرفضها، من ثمّ یشعر بشیءٍ من العجز فی المواءمة والمصالحة بین إرادته وإرادة جماعته،وهو شعورٌ بالانفصال الرافض للسلوﻙ غیر المقبول إذا کان موضوع الاغتراب القضایا السیاسیة ورجال السیاسة.

 

الاغتراب النفسی

الاغتراب النفسی مفهومٌ عامٌ وشاملٌ یشیر إلی الحالات التی تتعرّض فیها وحدة الإنسان الشخصیة للانشطار أو للضعف والانهیار بتأثیر الأعمال الثقافیة التی تتمّ داخل المجتمع ممّا یعنی أنّ الاغتراب یشیر إلی النموّ المشوّه للشخصیة الإنسانیة حیث یفقد فیه الإنسان مقوّمات الإحساس المتکامل بالوجود والدیمومة. (خلیفة، 2003: 81) وفی تعریف آخر هو «شعور الفرد بالانفصال عن الآخرین أو عن الذات أو کلیهما.» (نعیسة، 20129 م: 120) یتحدّد مفهوم الاغتراب فی الشخصیة بالجوانب المختلفة مثل حالات عدم التکیّف التی تعانیها الشخصیة، من عدم الثقة بالنفس، والمخاوف المرضیة والقلق والإرهاب الاجتماعی، غیاب الإحساس بالتماﺳﻚ والتکامل الداخلی فی الشخصیة، ضعف أحاسیس الشعور بالهویة والانتماء والشعور بالقیمة والإحساس بالأمن.» (وطفة، 1998 م: 241 - 242) إنّ "علی فودة" یشیر فی دیوانه إلی أنّ الدنیا فانیة والنّاس هائمون فیها دون أن یعرفوا أهدافهم قائلاً: «ها هنا أدفع من عمری الضریبة/ ما حیاتی دون أن أدری طریقی» (فودة، 2003 م: 97) ففی هذه العبارات یظهر هذا الشاعرُ اغترابَه النفسی الذی یتمثّل فی انفصاله عن العالم بتمامه وحتّی عن نفسه أیضاً، وهذا یدلّ علی أنّه لم یدرﻙ مفهوم الحیاة وغایتها، فاضطربت نفسه وذبذبت أحاسیسُه؛ إذ کان لا یعرفُ مصیره فی الحیاةِ والطرق المؤدّیة إلی فهم حقیقة العالم وأسرارِه فکأنّه لا یعرف هویته ویفقد ثقته بنفسه. وأصاب بـ "اللامعنی" الذی «یقصد به نقص الإدراک والفهم لکل المعانی المرتبطة بأوجه الحیاة، وعدم قدرة الفرد على فهم الأشیاء وتفسیرها لدرجة تجعله غیر قادر على إعطاء معنى حقیقی لسلوکاته، وعدم الاهتمام بالنتائج یفقده الرغبة فی الإقدام على الحیاة، ویسلبه إرادة الفعل وتضطرب لدیه هویة وجوده.» (عبدالسمیع، 2007م: 47) ویحسّ بأن الأحداث والوقائع المحیطة به قد فقدت دلالتها ومعقولیتها، فیصوّر علی فودة هذه الحالةَ هکذا: «کجثّةٍ طافیةٍ فی الماء/ کشهوةٍ غریبة الألوان والسماء/ وُجِدتُ فوق الأرض لا أعرف من أنا/ وُجِدتُ مثل نغمةٍ نشاز/ أتیتُ لا أدری.. من الألزاس واللورین أم من هجرة القوقاز/ أتیتُ.. من أین أتیت؟! مضیت.. لا أدری إلی أین مضیت.» (نفس المصدر: 161) وهذه العبارات مع ما فیها مِن التشبیهات الرائعة تمثیلٌ جیِّدٌ لاغتراب الشاعر عن خلجاناتِه الروحیّة والثنائیات التی یری بین عالمه النفسی والعالم الواقعی حوله، فابتعد عن نفسِه شدیداً فأصاب علی فودة بأزمة الهویة حیث لایعرفُ حقیقةَ ذاتِه ومبدأها ومقصَدَها، ثمّ یشعر بالقلق وفقدان الأمن فی هذا العالم وأهله الخونة. کذﻟﻚ أصاب بالإحباط جرّاء اغترابه النفسی الذی «یرتبط بالشعور بخیبة الأمل والخسارة والفشل والتأخر والشعور بالعجز التام واستحالة تحقیق مستوى الطموح والشعور بالقهر وتحقیق الذات.» (عبّاس، 2016م: 41) فعلی هذا الأساس یمکننا القول بأنّ هذا القسم من الاغتراب فی ذروة أقسام الاغتراب؛ لأنّه عندما لا یعرفُ الإنسانُ نفسَه فإنَّه لا یستطیعُ أن یدرﻙ مفهوم الاجتماع والعلاقات الاجتماعیة والسیاسیة. وفیما یتعلّق بناحیة الأداء الفنی إنّ استخدام الألفاظ والعبارات "لا أعرف من أنا"، "لا أدری"، "من أین أتیتُ" و"إلی أین مضیتُ" یدلّ علی هذا الاغتراب عند الشاعر، ویؤکّد علی التوازن بین أسلوبه وبین خلجاناته النفسیة. والأسئلة المتکرّرة المشتملة علی حیرة الشاعر تجاه مصیره فی الحیاة تؤثّر علی القارئ لإدراﻙ الاغتراب النفسی عند هذا الشاعر.

نعم، کان الاغتراب یُضجرُ "علی فودة" ویجعله یتعب من الحیاة ویکره نفسه، وما یدلّ علی هذه الحالة الروحیة عند شاعرنا هو الأبیات التی یُذعن فیها بأنّه لیس للحیاة فائدةٌ، والعیش فی هذه الدنیا عبثٌ جدّاً إذ لیس للإنسان أیّ حظٍّ من العالم؛ فلذﻟﻚ یشعر بالاغتراب فیه؛ فینشد فی هذا المعنی: «زائفةٌ حیاتُنا البلهاءُ یا حبیبتی/ عقیمةٌ حیاتُنا لا تنجب الرّخاء/ مضحکة أنت، أیا حبیبتی/ لأنّنا نعیش ههنا/ فی عالم لیس لنا/ لیس لنا/ لیس لنا.» (نفس المصدر: 162) فإذا دقّقنا فی الدلالة المعنویة لکلمتی "زائفة" و"عقیمة" نطّلع علی ما فیها من المعانی السلبیة ودلالتهما علی الانقطاع عن الخیر. کذﻟﻚ إنّ تکرار عبارة "لیس لنا" یدلّ علی اغتراب الشاعر عن نفسه وإذعانه بأنّ العالم لا یتعلّق به فهو لا یعرف إلی أین یمضی، ومن خلال هذه الألفاظ یعبّر عن فلسفته فی الحیاة، وهذا الإحساس عند علی فودة یقارب إحساس المتصوفة وإدراکهم، فالاغتراب فیه نزوعٌ صوفی وعود إلی الله، وهو یدرﻙ أسرار الوجود فی منحاه الاغترابی، فانفصل عن العالم وفقَدَ ما فیه من الصلات المعنویة للإنسان بینه وبین نفسه، فسُلبَ عنه الأمنُ والقرارُ واستولی علیه الخوفُ المرضی والاغتراب الذی یتمثّل فی غیاب الإحساس بالتکامل الداخلی فی الشخصیة. فی موضع آخر یبیّن علی فودة انفراده وذلّته فی الدنیا قائلاً: «وحیداً أسیر.. وحیداً وحیداً/ فعند احتباس الغیوم/ أمدّ یدی للنجوم/ لأقطف واحدةً.. فتعود یدی خاویة/ وعند انهمار المطر/ أحسُّ الخطر/ فأقبع فی الزاویة/ ولکننی حین ینطفئ النّور لیلاً.. أسیر/ وحیداً أسیر أسیر/ وبین یدیّ دمی، ودموعی/ وقلبی الکسیر!/ ذلیلاً وقفتُ بعزّ الظهیرة/ ذلیلاً وقفتُ وفی القلب حیرة/ ذلیلاً وقفتُ وفی القلب حسرة/ وقفتُ وقلبی یدقّ، یدقّ، یدقّ» (فودة، 2003 م: 406) فیرید الشاعر أن یقطف نجمةً وهی رمزُ النّور والهدایة ولکنّه یصابُ بالخیبة والیأس ویبقی فی الظلامِ تحت الأمطار وهی ترمزُ إلی الخطرات والأزمات، وإنّ انطفاء النّور یرمز إلی عدم وصوله إلی المقصود حیث یشیر فی العبارات التالیة إلی وحدته وحیرته وهزیمته النفسیة کما یتحدّث عن حسرته وعدم جرأته النفسیة وکلُّ هذه الحالات لا نراها إلّا فیمن یغتربُ عن نفسه، ولا یعرفُ مسیرَتَه فی الحیاة.

تتضمّن الأسباب الخارجیة للاغتراب النفسی عند علی فودة فی التیارات الفکریة العالمیة، والاستعمار وأثره فی أوضاع فلسطین سیاسیاً واجتماعیاً وثقافیاً کما «تُعدّ هذه الأوضاع من أهمّ المؤثرات التی تؤدّی إلی الاغتراب النفسی فی الإنسان.» (عبّاس، 2016م: 41 - 42) یعود هذا الاغتراب إلی العلاقة المتوتّرة التی تربط الفرد بمجتمعه والتی تجعله یفقد توازنه النفسی وعلّة وجوده وجوهره، وبذﻟﻚ یدخل عالم الاغتراب الذی یشلّ مقدرته علی الفعل والتحکم فی مجری حیاته ویؤدّی إلی الانفصال عن الآخرین والتخلّی عن الحیاة الاجتماعیة کآخر مرحلة له، وهذا یوحی بأنّ «أغلب المغتربین نفسیّاً کانوا مغتربین اجتماعیاً، بمعنی أنّ اغترابهم کان فی جانب کبیر منه أثرٌ من آثار نبذ المجتمع أو تجاهله أو مطاردته لهم، ومن ثمّ أصبحوا غرباء عن الآخرین.» (بوعلامات، 2011م: 45) وهذا الاغتراب فی شعر علی فودة تمثّل فی حالات عدیدة مثل الفناء النفسی والإحساس بالدونیة والعدم والتبرّم والعزلة؛ ذﻟﻚ لأنّ الحیاة فی اعتقاده صارت لا معنی لها ولا قیمة تُرجی منها. من ثمّ تتعقّد أسالیب الحیاة وتشیع مظاهر الاختلال النفسی وتصبح الحیاة دون فائدة والسعی فیها لا ینتهی لغایة محدّدة أو لهدفٍ معیّن. ونتیجة لسیطرة المادة تحدث الأزمات النفسیة والاضطرابات الفکریة وتتّسع مسافة البعد بین الفرد والجماعة، ولا تستطیع وسائل الحضارة والمدنیة أن تحدث توافقاً أو انسجاماً بین الفرد وجماعته ولا یمکنها إزالة القلق والتوتّر فیبقی الإنسان فی حالة عزلةٍ وضعفٍ وضیقٍ.

 

الاغتراب الإخوانی

هناﻙ صلة وثیقة بین الحنین إلی الأرض والحنین إلی أهلها؛ إذ «الاغتراب عن الوطن یسبّب الحنین إلی ما فیه من الأهل والأصحاب.» (الربیعی، 2013م: 255) وقد یکون منشأ الاغتراب هو بعد الإنسان عن أناس یعدّهم أحباباً له«فالمراد من الاغتراب الإخوانی هوأنّ الإنسان قد عاشَرَ أناساً کثیرین، وانعقدت بینه وبینهم صداقات وسیعة، إلاّ أنّه سرعان ما یفقد هذه الصداقات؛ لأنّها لیست قائمة على الوفاء والمؤازرة فی وقت الشدّة، ولهذا فإنّه یندب حظّه العاثر.» (أشکوری، 1436ق: 552)

توجد فی مواضع کثیرة من دیوان "علی فودة" نماذج من اغترابه بین الأصدقاء منها قوله لهم: «لستُ من روّاد مقهاکم أنا/ فاعتقونی/ لا تلوکوا لحمی الأخضر لا/ لا تغوصوا فی جراحی وشجونی/ لستُ منکم أصدقائی/ فدعونی» (نفس المصدر: 136) وفی أفعال الأمر والنّهی فی هذه العبارت دلالة واضحة علی وحدته بین الأصدقاء واغترابه عنهم وعنفه کـ "اعتقونی"، "دعونی"، "لاتلوکو لحمی" و"لا تغوصوا فی جراحی"، وأیضاً فی صراحته عند بیان سخطه «لستُ من روّاد مقهاکم أنا» و«لستُ منکم أصدقائی» ویبدو أنّه یَئسَ عن الأصدقاء وعن حبّهم ومساندتهم لنفسه؛ فلذﻟﻚ یطلب منهم أن یبتعدوا عنه کما یدلُّ ذﻟﻚ علی مفارقةٍ فی قوله «لستُ منکم أصدقائی» لما یوجد بین بدایة کلامه ونهایته من المعنی المفارقی عندما یفصلُ نفسَه من جماعتهم أوّلاً، ثمّ یخاطبهم بالأصدقاء فی نهایة کلامه. وملخّص القول أنّ علی فودة وصل إلی مرحلة الرفض وهی «المرحلة التی تتعارض فیها اختیارات الأفراد مع الأحداث والتطلعات الثقافیة وهناک تناقض بینما هو واقعی وبینما هو مثالی وما یترتب علیه من صراع الأهداف.» (الرواشدة، 2011م: 270) وفی هذه المرحلة یکون الفرد معزولا على المستویین العاطفی والمعرفی عن رفاقه؛ إذ ینظر إلیهم باعتبارهم غرباء.

نعم، رضی شاعرُنا بالابتعاد عن هؤلاء الأصدقاء الذین یسخط علیهم، ویتذکّر خداعهم إیّاه، وذﻟﻚ مِن خلالِ تشیبیهِهم بإخوة النبی یوسف (ع) الذین رموا بالنبی (ع) فی البئرِ، ولکنّ البئر فی هذه العبارة ترمزُ إلی الوحدةِ التی یعانی منها الشاعر، وبعد ذﻟﻚ یتحدّث عن استخفافِهِم بالشّاعر وغَدرِهم به ویقول متحسِّراً: «فرمانی الإخوة فی قاع البئر/ غمرونی بین زوایا النسیان/لدغونی لدغة أفعی/ قاومت التیّار، ولکن الغدر/ ظلّ کسَیل الزمن الجارف لا یَعرف معنَی الرّحمة/ فهویتُ صریعاً تحت سناﺑﻚ خیل الأهل/ أردانی سهم الذلّ، فصرتُ ذلیلاً/ أردانی سهم الأهل فمتُّ قتیلاً/ آه من غدر الأحباب.» (نفس المصدر: 149) وقد التفت علی فودة إلی ما یبعث خفی الشجن ویثیر هواجس النفسِ وأوهامَها معبّراً عن همومه ووحدته مغترباً بین أصدقائه، ولعلّ حدیثه هذا مرتبطٌ بالحدیث عن حالته النفسیة، وتبدو الکآبة مزاجاً فطریاً دون سبب واضحٍ إلّا ما یرتبط بعلاقته هو بالأصدقاء والأحباب. ففی هذه التفعیلات صوّر وحدته بینهم وما أصابَه من الآلام والمصائب بذکر قصة النبی یوسف (ع). وبما أنّ علی فودة أتی بالعبارات «فهویتُ صریعاً تحت سناﺑﻚ خیل الأهل/ أردانی سهم الذلّ، فصرتُ ذلیلاً/ أردانی سهم الأهل فمتُّ قتیلاً» التی تدلّ علی عجزه، والعجز هو «عدم قدرة الفرد على ضبط وتوجیه حیاته، وتعبیر صریح عن فقدان القدرة على تحقیق أهدافه، وهذا ما یجعل الفرد یتّسم بحالة من الإحباط، بسبب نقص الفاعلیة لدى الفرد وعدم القدرة على تفعیل الحیاة والحضور الایجابی والفّعال فی الحیاة العامة.» (عبّاس، 2016م: 43) فإنّ شاعرنا فَقدَ معنى وجوده، والقدرة على امتلاک إرادة الفعل والسیطرة والتوجیه، بذلک تنطفئ عنده سمة الطموح والتخطیط للمستقبل.

فی موضع آخر سمّی علی فودة أصحابَه "اللا أصحاب" ویقول: «وﺿﺤﻚ الأصحاب اللا أصحاب» (نفس المصدر: 205) وفی هذا المجال أدلی برأیه فی تصویر جور الأصحاب ومهاناتهم إیّاها، وتظهر قیمة هذه العبارة من خلال الأثر الذی تحدّثه فی المتلقّین، وتکتمل قیمتها الفنّیة عندما تدفع القارئ للبحث عن المعنی الحقیقی خلال غیاهب النصّ وبنیاته اللغویة والمتناقضة. کذﻟﻚ یشیر علی فودة إلی أنّ الأصدقاء لم یبقوا علی وفائهم القدیم وصداقتهم الماضیة قائلاً: «یتنکّر لی أحبابی/ لا أتنکّر/ یتغیّر أصحابی/ لا أتغیّر» (نفس المصدر: 260) وهذا الإنکار والنسیان یحرق قلبَ الشاعر ویشتدّ اغترابه عن الأصحاب الذین کان قد أنِسَ بهم قبل هذا، ولکنّ الآن صاروا کأنّهم أجانب عنه ویخاطبهم قائلاً «أطعمتُکم قلبی وروحی الدامیة/ لکنّنی../ رجمتُ بینکم کزانیة/ فحینما أتیتُ فی الصباح/ طردتنی الأشباح/ وحینما رجعتُ فی المساء. فوجدتُ بالخواء والکراهیة» (نفس المصدر: 296 – 297) ویهجِّنُ نسیانَهم الشاعِرَ وطرده ویذکّرهم الزمن الماضی بما فیها من أعمال شارکوا فیها ویتعجّب من إعراضهم عنه فی الزمن الراهن مخاطباً لهم: «عشقنا سویّاً/ وخُضنا المعارﻙ دوماً معاً/ ربحنا، خسرنا سویّاً/ فکیف إذن تمّ هذا الفراق؟/ أینسی الرفاق القدامی الرفاق؟!» (نفس المصدر: 421) إنّ "علی فودة" یذکّر أصدقاءه بما کان بینه وبینهم من الصلات العمیقة والصداقة الشدیدة ولکنّهم نسوه فهذا ما یؤلمه، فهو یأتی بالاستفهام الإنکاری للدلالة علی أنّهم لا یجدر بهم أن یقطعوا الصداقة بینهم، فالواقع أنّ بعض أزمات هذا الشاعر إفرازٌ لشعورٍ متنامٍ عندما یری أصدقاءه وقد تغیّرت أحوالَهم ودارَت مع الأیّام أخلاقُهم بینما هو ثابتٌ علی مبادئه ومسالکه لا یتحوّل عنها ومن ثمّ یشعر بالاغتراب عنهم علی نحو ما آکد فی قوله: «عرفتُکم یا أصدقاء واحداً فواحدا/ لبستُکم کالثّوب فی الصیف وفی الشتاء/ لبستُکم یا أصدقاء/ ثمّ خلعتُکم.. وکان الحزنُ شاهداً/ والصدق شاهداً/ خلعتُکم.. لأنّ حبّکم سدی/ وبغضُکم سدی/ خلعتُکم یا أصدقاء واحداً فواحداً/ ثمّ دفنتُکُم بقاع القلب.. صار القلب مجهداً/ فسِرتُ فی الصحراء وحدی تائهاً مشرّدا/ لا أحدَ یعرفنی فیکم ولا../ أعرف فیکم أحداً/ أوّاه من یبعد عن صدری المدی» (نفس المصدر: 429)، ففی هذه العبارات نجد سخطه وعنفه کردّة فعله إزاء خیانة أصدقائه وطردهم الشّاعر، فإنّ تکرار عبارة "خلعتُکُم یا أصدقاء" وتعلیل الشاعر فی عبارتی "لأنّ حبّکم سدی/ وبغضَکم سدی" یدلّ علی إعراضه عن أصدقائه، فهو استخدم الحوار والخطاب لبیان غرضه والتأکید علی سخطه. یجدر بالإشارة أنّ علی فودة أتی بالروی الممدود وبما أنّ «الحروف الممدودة تدلّ علی أحزان الشاعر وما فی نفسه من الکآبة والیأس» (السعدنی، 1987م: 37) فهذا الأمر ساعده لبیان اغترابه. فهو وصل من الاغتراب والوحدة إلی درجة یألف الأعشاب والحیوانات ویتحدّث معهم ویشکو من ظلم الأصدقاء مخاطباً نرجسةً: «کان لی بینهم أصدقاء/ شربنا هموم التغرّب یوماً معاً/ شکونا الزنازین یوماً معاً/ وجِعنا/ بکینا/ ونمنا معاً/ وها أنا هذا الآن یا نرجسة/ نبیّاً یحوّم حول الینابیع، لا یرتوی.. ظامئاً/ ظامئاً/ ظامئاً والجرار تنادی فمی/ ما اقتربتُ/ غریباً وقفتُ أراقب أبوابکم.. کلّها موصدة/ ولا نُحتُ عند تماثیلکم/ آه فی نیّتی أن أغادر» (فودة، 2003م: 309) وهذا الحوار الملیء بالحزن والحسرة هو تقنیة الشّاعر الفنّیة لبیان اغترابه بین الأصحاب والإخوان، وهو یعامل خیانتهم وینصرف عنهم ویمیل إلی الطبیعة ومظاهرها. ویؤکّد علی سوء حاله بتکرار کلمة "ظامئاً" کما استخدم ألفاظاً لبیان اغترابه وحزنه مثل "وجعنا" و"بکینا" ودراسة هذه الألفاظ یخبرنا عمّا یدور فی نفس الشاعر من الآلام والأحزان، کذﻟﻚ نشاهد فی خطابه زرافةً ویقول: «یا زرافة سلبونی نصف قلبی أشاحوا وجههم عنّی/ وما ردّوا السلام» (نفس المصدر: 384) فیبدو أنّ هذه الألفة بالأعشاب والحیوانات أحسن دلیل علی اغترابه عن الأصدقاء وخیر تقنیة لبیان اغترابه بینهم، فهو وحیدٌ جدّاً لا یجد صدیقاً یأنس به ویشکو له مِن أحزانه؛ فلذﻟﻚ أصاب بخیبة وفشل فی حنینه إلی هؤلاء الأصدقاء، ولم یدرﻙ محبّتهم ومساعدتهم قطّ، فمن الواضح أن یحس شاعرُنا الاغترابَ بین هؤلاء الرفاق. فابتعد عن المدن ولجأ إلى الطبیعة فی خیاله کما ردّ هذا الاغتراب بالإمعان فی الرمزیة؛ إذ کانت "النرجسة" و"الزرافة" رَمزَی رفیقٍ شفیقٍ یساعد الشاعرَ فی تحقیق أهدافه. فالطبیعة وما فیها من النباتات والحیوانات هی بمثابة الوادی المقدّس الذی یصون النفس ویحمیها من الشطط؛ ولذﻟﻚ فالطبیعة مأوی لعلی فودة المغترب وإنّ أمنیة هذا الشاعر الطرید هو اللجوء إلیها. وعلی هذا النحو یتّضح أنّ میل علی فودة للطبیعة یحمل شعوراً بحبّ الحریة والرفض لحیاة غیر مقبولة، وتکون الطبیعة رمزاً لأحواله المتغیّرة فقد تسلّل وسط الحدیث عنها أحاسیسه ما بین حزن وفرحٍ ویأسٍ وأمل وانبثقت من وجدانه هواجس من الشکوی والتشاؤم والکآبة.

 

الاغتراب الزمانی

إنّ الاغتراب الزمانی هو اغتراب تاریخی بمعنی أنّ المغترب زمانیّاً یمکن أن یکون مغترباً عن الحاضر أو الماضی أو المستقبل أو عنها جمیعاً و«یتجلّی فی عدم تقبّله وتحقیره وعدم الانتماء إلیه، فهو حاضر الهزائم والانکسارات العربیة المتلاحقة والعقم والتخلّف المزری.» (برکات، 2007م: 171) یعدّ الاغتراب الزمانی من الأمور الغامضة؛ لأنّ الارتباط بین الإنسان والزمن أکثر غموضاً من الارتباط بینه وبین المکان، «فالمکان ثابتٌ نسبیّاً أمّا الزمان فمتغیّر وبالتالی فتأثیره النفسی علی الإنسان أکثر غموضاً أیضاً، فالإنسان قد یشاهد شیئاً معیّناً أو یحسّ بإحدی الحواس الخمس أو بأکثر من حاسة واحدة بینما یحتاج الإحساس بالزمن إلی الحاسة الفکریة أو الذهنیة.» (العبدالله، 2005م: 28)

قد ظهر هذا النمط من الاغتراب لدى کثیر من الشعراء فی الأدب العربی. فقضیة الزمان، وتوالی الأیام، وانقضاء العمر، وهجوم المشیب کلّها أمور کانت ولاتزال تستأثر اهتمام الأدباء والشعراء، و«غالباً ما یتمثّل الاغتراب الزمانی فی حنین الشاعر إلى سالف الأزمان، وبالتحدید عهد الشباب والصبا والطفولة، ذلک أنّ الإنسان لا یتحمّل مشاقّ الحیاة، ولا یدرک معانیها الصعبة، فتبدو له الطفولة وبراءتها جمیلة وادعة؛ فمن هذا المنطلق یمکننا القول بأنّ کلّ واحد منّا یعانی الاغتراب الزمانی بشوقه إلى أیام الطفولة الحالمة. إلاّ أنّ الشعراء تمکّنوا من بثّ لواعجهم وآلامهم الزمنیة فی أبیات الشعر وصوّروا هذا الحنین إلى الماضی أحسن تصویر.» (أشکوری، 1436ق: 543) قد یکون الاغتراب الزمانی بالتطلّع نحو مستقبل واعدٍ، وقد یقصر علی حبّ الماضی. لم یُسْتَثنَ"علی فودة"من هذا الأمر، بل إنّ اغترابه الزمانی یفوق اغترابَه المکانی بأضعاف مضاعفة، فهو مثلاً یتذکّر أیّام صباه ویقول: «وجدّی کان یرکب مُهرَه الأشهب/ یَجوبُ الأرضَ والأشجار والزّرعا/ ویبسم للثّری المجبول بالنوار.. لا یتعب/ وعند اللیل یجمع حوله القریة/ فیسألهم عن الأمطار والموسم/ وعن مستقبل الأطفال فی القریة/ ویحکی طاعنٌ فی السنّ عن "نعسة" وعن "أدهم"/ وعن أنثی أحبّت عبدها الأسمر/ وعن "یأجوج" عن "مأجوج" و"الأعور"/أبی قد مات قبل ولادتی/ ویقال عنه بأنّه قد کان یعشقنی/ وحتّی قبل أن أولد/ ویهوی عزّتی/وأمّی یاسمینةُ/ تعشق الطّابون والنّارا/ وتعرف کیف تجمع حزمة الدفلی/ وتصنع من نبات البرّ زنّارا/ وتعرف کیف تطبخ مِن بقول الحقل "عکّوباً"/ وکیف تکرّم الجیران والأحباب زوّارا/ وتعرف کیف تعقص شعر طفلتها/ وکیف تزیّن الدّارا/ بإکلیل من اللیمون والنّرجس» (فودة، 2003 م: 8-11) وتصوّر الماضی علی هذا النحو هو تحوّل من حیاة الصبا والذکریات إلی یأسٍ وجمودٍ وقتامةٍ وکأنّ علی فودة یهرب من واقع مزیفٍ إلی خیالٍ رومانسی طاف بأنسِ عهد الطفولة ورتابته وجماله الطبیعی وما کان له من شأنٍ وأثرٍ، فقد کان رمزاً لکلّ طیب وجمیلٍ فی حیاته الماضیة وما یضمّ کلّ ذﻟﻚ من حبّ ووفاء وبما یمثّله فی نظره من عالمٍ مثالی، غیر أنّ علی فودة لا یستطیع إعادة الماضی فهو یبحث عن الزمن الضائع المنصرِم ویفتّش عنه فیما یسترجعه ویرسمه خیاله، وهی مجرّد أمنیات، فالضیق من الحاضر رحیلٌ للماضی والماضی یمثّل أشیاء کثیرة فیها حیاة الهدوء والفطرة والمثالیة والعالم الذی یهرب إلیه عالم بسیط. من ثمّ یشعر بالاغتراب فی العالم الحدیث، فهو دائم الضیق وهو المغترب عن الزمن الراهن وهو فی سفرٍ زادُهُ فیه الخیالُ.

ممّا یجلب أیضاً الانتباه فی هذه المقاطع هو الدلالات الصوتیة للقافیة حیث استخدم "علی فودة" من القوافی الساکنة التی «تهدف إلی خلق الانتظار فی نفس القارئ وتشویقه إلی قراءة القصیدة حتّی آخرها» (یوسفی، 1363ش: 104) وبعد ذﻟﻚ استفاد من القوافی الممدودة الدالّة علی آلامه الشدیدة واشتیاقه الوافر إلی أیام صباه وبواسطة هذه التقنیات یتذکّر ماضی فلسطین وخواطره الجمیلة آنذاﻙ، وربّما یکون غرضُه الرئیسی من هذا الأمر هو أن یتذکّر لنفسه ذﻟﻚ الفرحَ والهدوءَ الذی کان یجری بین النّاس؛ الهدوء الذی لا یجد له أثراً فی شبابه، وهذا الفرقُ بین الماضی الملیء بالفرح والهدوء وبین زمانه الرّاهن المشحون بالقلقِ والفوضی جعلَه یغتَرِب عن عصرِه، فهو یردّ هذا الاغتراب بواسطة حبّه للعودة إلى عهد الطفولة والإتیان بالخواطر الملیئة بالسرور عند طفولته بین أهله.

ربّما أجمل أبیات أنشدها حول الزمن الماضی لبیان تحسّره وحزنه هی التی تمثّل حالاته الروحیة فی قصیدة "حبل المشنقة" حیث یقول: «ذات یوم/ کان لی وطن یا غریبة خلف الحدود/ رائعاً/ رائعاً کان/ ضاع الوطن/ غریبةُ ضاع الوطن/ ذات یوم../ کنتُ بین الرفاق وبین المناشیر والقهوة الساخنة/ بعد عام تبین لی أن أودّعهم/ عسساً یا غریبة کان/ عسس!/ ذات یوم../ کان لی إخوة/ کفراخ العصافیر یحومون حولی/ وکنتُ أغازلهم دائماً/ من یغازلهم من بعد أن عسکر الاحتلال علی بیتنا/ ثمّ شتّتنا/ یا غریبة من؟» (نفس المصدر: 209)، جاء الشاعرُ بالأفعال الماضیةِ فی هذه المقاطع وکما أنّ الفعل الماضی یفید ثبوتَ شیء لشیء، فهذه الأفعال هاهنا تدلّ علی أنّه فی شوقٍ دائمٍ ودموعٍ دائمةٍ، وکما رأینا فی هذه العبارات، یشیر"علی فودة" إلی الاختلاف الموجود بین الماضی والحاضر، والتناقض بین حالاته الرّوحیة فی هذین العصرین ومثل هذه المتناقضات هو ما أخرجَه عن صمته فساقَ حدیثُه فی مرارة وأسی. وعلی ضوء ما سبق فالنصّ یشیع فیه أمران متخالفان یراوح بینهما؛ أمّا أوّلهما فمعاناة الغربة بما فیها من خوفٍ وضیاعٍ وحزنٍ وشوقٍ للعودةِ وثانیهما الاصطدام بالواقع الملیء بحداثته وتعقیداته، ولکن عندما ندقّق فی العبارات للفحص عن غرضه الحقیقی نفهم أنّه یرید أن یحقّر حالة الهدمِ والإشغال الذی مُنیَت بها فلسطینُ، وبعبارة أخری إنّ تحوّل السّلم والهدوء فی الزمن الماضی إلی الهزیمة والاضطراب فی الوقت الرّاهن فی فلسطین أدّی إلی اغتراب الشّاعر عن عصره الرّاهن حتّی یری بأنّه انقطع تماماً عن الزمن الراهن وما یسوده من الأحداث والعادات فعندئذٍ لن یستطیع أن یعیش فی الزمن المثالی الذی کان یرجوه؛ ذﻟﻚ لأنّ کثیراً من الأعراف والتقالید قد تغیّرت، ولفّها ضباب النسیان؛ کأن یکون العهد السابق حافلاً بالخیرات بحسب وجهة نظره فیتذکّر ذﻟﻚ الماضی بشیءٍ من الحسرة والألم. واستخدم النوستالوجیا لبیان اغترابه عن الزمن الراهن ویتمثّل الاغتراب الزمانی فی شعوره بأنّه لا یعیش فی الزمن الجدیر به، فیتمنّی أن یکون فی عصر غیر عصره یضمن له کرامته ویحفظ له حقوقه. فعلی أساس هذه النماذج نستطیع القول بأنّ علی فودة یری الزمن ضاقاً والدهرَ صعباً وردیئاً، وأنّ ما فاتَ منه فهو أثمن ممّا یبقی وأغلی ممّا ضاعَ، فهو یفتّش عن الزمن الضائع بعد ما تغیّرت الحیاة. وملخّص القول أنّ علی فودة انتزع من الحاضر المؤلم واﻧﻔﻚّ منه لعالمٍ آخر مملوء بذکریات الماضی الحلوة.

 

الاغتراب المکانی

یلعب المکان دوراً هاماً وحاسماً فی تکوین حیاة البشر وترسیخ کیانهم وتثبیت هویتهم، وبالتّالی تحدید تصرفاتهم وتوجهاتهم وهذا لکونه أشدّ التصاقاً بحیاتهم، وأکثر تغلغلاً فی کیانهم وأعمق تجادلاً مع ذواتهم، فکما أنّ تفاعل العناصر المکانیة وتضادها یشکل بعدا جمالیا من أبعاد النص، فإنّ معایشة الإنسان للمکان وتآلفه معه أو معاداته له، یشکّل الخلفیة الارتکازیة لکلّ تصوّر أو توجّه أو تشکیل فنّی (عقاق، 2001م: 267 - 268). والاغتراب المکانی هو الانتقال من منطقة إلی أخری، مع ما یصاحب ذﻟﻚ من شعور بالضیاع والبعد والوحشة ومع أنّ ثمة أنواعاً أخری من الاغتراب، فبعبارة أخری إنّ الاغتراب المکانی هو «الشعور بذﻟﻚ الحسّ الذی یحاول الإنسان تصویره عندما ینتقل من مکان إلی آخر لتحقیق آماله وطموحاته مصوّراً ﺗﻠﻚ البلدان التی أقامها، وعندما یدخل ﺗﻠﻚ البلاد المغتربة یصاب بخیبة الآمال» (یداللهی وأصلانی، 1392ش: 310)، کما هی الحال عند "علی فودة"حیث یصوّر حالة النّاس عند قدومه إلی الوطن، وهو کان یهدف إلی إصلاح الوطنوتحریره والمقاومة أمام الأعداء ولکن عندما دخل الوطن وجد نفسه وحیداً لا یهتمّ به أحدٌ ولم یکن نصیبه سوی الیأس والخیبة، وفی موضع آخر عندما یقنط من مساعدة الآخرین إیّاه فی تحقّقها یحسّ بالاغتراب فی هذا المکان الذی کان یحنّ إلیه من قبلُ، فإذن یقرّر أن یرجع قائلاً: «أواه قد جار الزمان/ فبتُّ مقصوص الجناح، مثخن الجراح، مشلول اللسان/ وکنتُ طائراً مغرّداً/ أسرح فی المدی/ لکنّنی الآن کما الشیء غریب/ لا بدّ أن أرحل عن قریب/ فربّما الیوم، وربّما غداً.. !» (نفس المصدر: 138) فکما نری أنّ الشّاعر انهزم فی تحقیق مقاصده فی المکان الجدید وهو وطنه المحبوب الذی کان بعیداً عنه سنوات عدیدة؛ فلذﻟﻚ یعتبر مکاناً جدیداً له إذ طُرِد عنه فی طفولته، فقد آذاه الاغتراب فی المکان الجدید وحمله علی الرّحیل خاویةً یداه مِن ثمرة الأهداف والأغراض. واستعمال عبارة «فبتُّ مقصوص الجناح، مثخن الجراح، مشلول اللسان» و«لکنّنی الآن کما الشیء غریب» وقیاسه مع عبارة «وکنتُ طائراً مغرّداً/ أسرح فی المدی» یدلّ خیر دلالة علی اغترابه وخیبته فی المکان الجدید، وهذا التطبیق یزید کلامه شدة لإثارة أحساسیس القارئین. ألفى فیه شاعرُنا نفسه عاجزاً عن تحقیق ذاته فی مجتمع انهار جهازه القیمی وتلاشت معاییره، فأضحى محکوماً باللامعنى فواجَهَ فراغاً هائلاً. وفی قصیدة "بطاقة الحزن" یخاطب "فودة" نفسَه هکذا: «إنّ الغریب/ سیظلّ طول العمر مهموماً غریب/ حتّی یعود إلی الوطن» (نفس المصدر: 139) ومن خلال هذه العبارات تبیّن اغترابه المکانیّ. وفی موضع آخر یشکو الاغتراب وبعده عن وطنه قائلاً: «غریباً أعیشُ هنا/ فاعتَقونی/ غریباً أعیش هنا/ فاعتَقونی/ غریباً أعیش../ فهذی الدّیارُ تَحُطُّ یداً فی یَدی مَرَّةً کُلَّ عام/ وتَطرُدُنی ألفَ عام/ فأینَ الدّیار – الدّیار؟/ أهذی دیاری../ وأنتم هنا تنصِبون المناحَةَ فی کلِّ دار؟/ أهذی دیاری.. وأنتم تَبیعونَنی للدِّمار؟/فها هو وطنی/ لا أسکُنُ فیه» (نفس المصدر: 239 – 240) إنّ الشاعر یعتبر أذی النّاس وعدم اهتمامهم به خیر دلیل علی إحساسه بالألم والاغتراب فی المکان الجدید وهو الوطن الذی عاد إلیه بعد سنوات، فهو اغترب عن هذا المکان وأهله لأنّه مجتمع تفکّکت فیه کلّ القیم والمعاییر الاجتماعیة، وفی ظلّ هذا الجو الاغترابی، یتکثّف الحزن وتتعمّق المأساة، لیبرز التشکّی طوراً، والانعزال والنفی الذاتی أطواراً أخرى، وهذه الاستفهامات الدالّة علی مفهوم الإنکار تدلّ علی کرهه الشدید من المکان الجدید الذی قَصَد إصلاحَه وإنقاذَ أهلِه مِن الظلم والاحتقار، کما تشیر إلی غفلة النّاس وخضوعهم أمام الأعداء الذین أنسوهم وطنهم ومواطنیهم وأغراضهم النبیلة، وکثرة هذه التساؤلات تدلّ علی نفس هذا الشاعر المتردّدة المملوءة باﻟﺸﻚ والمتقطّعة بها الأسباب والبعیدة عنها الآمال.

فمن شکواه أیضاً: «طال غیابی وحنینی یوماً ما../ حین أمدّ یدی لـ "الزومر" لیصافحنی/ قد لا یعرفنی/ قد یتساءل عن اسمی/ عن وطنی الأوّل، أحزانی الأولی/ قد یتساءلعن أمّی../ قد أهتفُ یوماً.. زومر یا زومر أولا تذکرنی؟/ أو ینسی هذا الماء الرقراق؟» (نفس المصدر: 371) فمن هذه العبارات نستطیع أن نتعرّف علی مدی اغتراب الشاعر عن المکان الذی کان یعشقه قبل قدومه إلیه وإذا أتی بفعل"قد لا یعرفنی" فکأنّه لا یصدّق أنّ وطنه لا یعرفُه حقیقةً وبعد ذﻟﻚ یدهشُ کثیراً؛ لأنّ الوطن بکلّ مظاهره قد نساهُ فیُنکرُ الشاعرُ هذا النسیان ویکرهه، فالاستفهامُ الإنکاری فی هذه العبارات تدلّ علی تحیّره ممّا وقع له فی هذا المکان الجدید من الاغتراب المتمثّل فی «قد لا یعرفنی/ قد یتساءل عن اسمی» وهذا التشاؤم والانعزال الذی یجسّده علی فودة ما هو فی حقیقته سوى مظهر من مظاهر الغربة ونتیجة حتمیة لها باعتباره هروباً من مواجهة واقع مضطرب مریر.

لعلّ أوضح ما یدلّ علی خیبة الشاعر عند قدومه إلی الوطن هی العبارات التی أتی بها فی قصیدة "اللوز المرّ" حیث یقول: «قبل سنین../ أطلقتُ عنان حصانی الجامح.. سابقت الرّیح/عبرتُ الصحراء، الودیان، الغابات الملتفّة/ خُضتُ المعرکة وراء المعرکة../ فخرَّ حصانی بین القصب جریحاً/ سرتُ علی الثلج، تشقق قدمای.. ولکنّی أدلجتُ إلیکم والشعلة فی قلبی/ لم ألتفت أبداً للخلف، ولم یهزمنی شبح الخوف/ فرکضتُ../ رکضتُ../ رکضتُ إلیکم، فرحی یسبقنی/حین وصلتُ إلیکم فاجأنی ما فاجأنی/ أوّل من أطلق ناراً، أطلقها بین القدمین لیستقبلنی/ لکن رصاصات الثانی والثالث خرّت فی بدنی الأزرق!» (نفس المصدر: 322 – 323) وکان فلسطین فی ذاکرة علی فودة کمدینة فاضلة وبما أنّ المراد منها هی «المدینة التی یقصد بالاجتماع فیها التعاون على الأشیاء التی تنال بها السعادة الحقیقیة فلا تکتمل السعادة لأهل المدینة إلا إذا کانت آراؤُها فاضلةٌ..» (عقاق، 2001م: 55) ولکنّه تحیّر مِن طرد النّاس إیّاه وعدم اهتمامهم به، وهذا هو سببُ شعورِه بالاغتراب المکانی لأنّ أعمال النّاس هی التی تُثیرُ الحیرةَ بمکانٍ فی نفوسِنا أو الکراهیة عنه. فهو رفض هذا المکان رفضا قاطعاً، زاعماً أنه لا یوافق طبائعه ولا ینسجم مع نفسه الزاهدة فی ملذّات الدنیا، الرافضة لتسلط الحکام وطغیانهم، لقد کان رفضه مبنیاً على اعتبارات أخلاقیة التزامیة، وأسس نفسیة ومعطیات سیاسیة، ولم یقبل الضیم فاعتزل، ولم یرض الفساد فحارب، ولم یألف التملق والتزّلف فهجا المجتمع وأهله. وشبّه نفسه بالفارس المقاتل؛ إذ لا یمکن لشاعرنا أن یرکب الحصان ویعبر الصحاری والودیان، بل صوّر نفسه فی عالم الخیال وبهذا العمل ازداد کلامه بهاءً وتأثیراً، کذﻟﻚ مع الاستمداد من بعض التقنیات اللغویة لبیان اغترابه المکانی منها التکرار فی فعل "رکضتُ" والإتیان بالکلمات الدالّة علی الیأس والفشل، وأیضاً الإشارة إلی الرصاصات التی خرّت فی بدنه کاستعارة عن مظالم النّاس فکلّ هذه التقنیات ساعَدَه لبیان اغترابه المکانی.

إنّ "علی فودة" إذا شاهد الإنکار وعدم الاهتمام مِن قبل الشعب الفلسطینی، یکره عنهم ویبرز نفوره منهم إذ نسوا قضیة بلدهم من جانب وترکوا الشاعر وحده فی أهدافه الإصلاحیة من جانب آخر فیتضجّر منهم قائلاً: «سئمتُ یا صحاب/ سئمتُ هذه المدینة – السراب/ سئمتُ لغوها/ ولهوها/ وشمسها/ وظلّها/ سئمتُها.. سئمتُها../ هأنذا مترعة کأسی بألوان العذاب/ ولیس خلفها سوی البومة والغراب» (فودة، 2003 م: 359) أقرّ "علی فودة" بکراهیته للمکان الجدید وما فیها من "اللغو واللهو" و"الشمس والظلّ" ویؤکّد علی هذا الشعور بتکرار فعل "سئمتُ"، وفی نهایة کلامه أتی بلفظتی "البومة" و"الغراب" وبما أنّ هاتین الطائرتین ترمزان إلی الشؤم، فعلینا القول بأنّ الشاعر أقبل علی الرمزیة لبیان الظروف الموجودة فی هذا المکان الذی دخله راجیاً تحقیقَ أهدافه وآماله؛ لأنّ «اللّجوء للرمزِ دلالة حقیقیة لحیاة شعراء الغربة ویعدّ إحدی الوسائل لإظهار ضعفهم.» (علی، 1995 م: 135) وکان الفرد إذا یضیق من أعباء عالمه ویضغط علیه محیطه، یمارس الّلجوء إلى عالم یصنعه على هواه «وفی الاشتغال بهذا العالم ینشد الفرد توسیع عالمه بالإلحاح على التفاصیل وعلى الجزئیات فی محاولة لإثارة الحوادث الموضوعیة وفق علاقات یملیها العقل.» (عقاق، 2001م: 75) فبهذه الرؤیة وبهذا المنطق یغرق علی فودة فی حالة من الیأس واللامبالاة والبرودة اتجاه کل شیء، ویقع تحت طائلة الاغتراب عن هذا المکان.

 

النتائج

تناول البحث الکشف عن أهم أنواع الاغتراب التی ظهرت فی دیوان علی فودة؛ ها هی الاغتراب الاجتماعی والسیاسی والنفسی والإخوانی، الزمانی والمکانی؛ والسبب یعود إلی عوامل عدیدة منها إهمال الشعب الفلسطینی إزاء القیم النبلة فی بلدهم ونسیانهم أمجادهم القدیمة، ابتعاد الشاعر عن وطنه وتشرّده منذ طفولته، الخیبة فی حبّه الشّدید لأصدقائه ووطنه وهو لا یدری أنّ أصدقاءه وأحبّاءه قد تغیّروا ولم یبق فیهم أیّ عطفٍ وحنانٍ کما کان یرجوه الشّاعر، والتناقض فی سلوﻙ النّاس.

من مظاهر الاغتراب فی شعر علی فودة هی الإحساس بالقلق وعدم الارتیاح والشعور بالضیاع و الإحساس بالیأس وبعدم الفاعلیة والأهمیة، کذﻟﻚ الانسحاب والعزلة الاجتماعیة، و أزمة الهویة عنده والشعور بعدم الأمن فی المجتمع، والابتعاد عن المشارکة بالإضافة إلى احتقار الذات ومرکزیة التحکم وتضخیم الأنا والمیل إلى العدائیة والعنف ومعاداة المجتمع والقیم السائدة.

کان علی فودة أکثر توظیف الألفاظ التی تنمّ عن الوحدة والاغتراب والحزن لبیان اغترابه وأیضاً لإثارة عواطف القارئین أمام هذه الظاهرة المؤلمة، ولجأ إلی الطبیعة وأنس بما فیها من الحیوانات والأعشاب والتّحاور معها والحنین إلی الطفولة خلال وصفه لماضی بلاده والسعی لاستعطاف الآخرین ولا سیّما أمّه المیّتة من خلال الحوار معها.

کذﻟﻚ حاول البحث اکتشاف وسائل الدفاع الشعریة أو الطرائق التی واجه الشاعر بها اغترابه الخاص ، وقد توزعت بین اللجوء إلى الطبیعة فی عالم الخیال، والإمعان فی الرمزیة واستحضار صور الطفولة واستدعاء الشخصیات التراثیة الدینیة، والتغنّی بأمجاد الماضی، والسعی لاستعطاف الآخرین من خلال الإسراف فی إبداء الحزن والکآبة، کما ردّ اغترابه بالتمرّد والثورة فی أغلب الأحیان، وکان یذکّر الآخرین بأهدافه الثورویة تجاه الأعداء؛ إذ کان عزیزٌ علیه أنّهم کانوا لا یهتمّون به وبأهدافه فی تحریر الوطن والدفاع عنه، وکان یتعجّب من إهمالهم وغفلتهم عمّا یجری فی فلسطین من النّهب والدّمار کما یشکو من جور رجال السیاسة؛ فهذا التمرّد کان ردّةُ فعله تجاه اغترابه السیاسی والاجتماعی، ولکن عند شعوره بالاغتراب النفسی والزمانی والمکانی لم یکن یخضع أمام الظروف المفروضة. وفی اغترابه الإخوانی قد یحسّ بالاغتراب والحزن والتحسّر تارةً، وقد یقابلهم بالمثل حیناً آخر، فبناءً علی ما سَبقَ یمکن القول بأنّ ظاهرة الاغتراب ازدادت حدّتها وکثُر التعبیر عنها فی قصائد علی فودةحیث نستطیع أن نلقّب هذا الشاعر الفلسطینی بـ "الشاعر المغترب".



[1] . ولد "علی یوسف أحمد فودة" فی قریته الفلسطینیة "قنّیر" من "قضاء" حیفا سنة 1946م وحلّت به النکبة المزلزلة من مولده فانتزع طفلاً ورمت به إلی الاغتراب لم یُفِق من الإحساس بها حتّی استشهاده فی سنّ السادسة والثلاثین وقد ترافقت النکبة مع فقدانه لأمّه التی سیظلّ لها حضورٌ عطرٌ فی شعره، وقد لجأ مع أسرته إلی القسم الشرقی من فلسطین ممّا عرف باسم "الضفة الغربیة" وأصبح یتبع الإدارة الأردنیة قبل حدوث نکسة 1967م واحتلال الضفة واستشهد هذا الشاعر المصاب بمشاعر الوحدة والاغتراب سنة 1982م وصدر له خمس مجموعات شعریة بین عامی (1969 – 1982م) وهی المجموعات التالیة وفق ترتیب صدورها "فلسطینی کحدّ السیف"، "قصائد من عیون امرأة"، "عواء الذئب"،"الغجری"، "منشورات سرّیة للعُشب". (خلیل، 2005م: 76 – 82)

ابن­منظور. (1408ق). لسان العرب. تعلیق: علی شیری. طـ1. بیروت: دار إحیاء التراث العربی.

أبودلال، مریم سالم. (2009م). الاغتراب النفسی وعلاقته بالتوافق النفسی الاجتماعی. رسالة الماجستیر. لیبیا أکادیمیة الدراسات العلیا.

أشکوری، عدنان، (1436ق). «ملامح الاغتراب فی شعر أحمد الصافی النجفی». مجلة اللغة العربیة وآدابها. السنة 10. العدد4. صص 563-533.

برکات، حلیم. (2006م). الاغتراب فی الثقافة العربیة. ط1. بیروت: مرکز دراسات الوحدة العربیة.

برکات، عبد الرزاق. (2007م). الاغتراب فی الشعر الترکی والعربی المعاصر. ط1. کویت: دار القلم.

بوعلامات، أمینة. (2011م). الاغتراب فی الشعر الجزائری الحدیث فی الفترة 1925–1980م. تلمسان: لانا.

جاسم، عزیز السیّد. (لاتا). الاغتراب فی حیاة وشعر الشریف الرضی. بیروت: دار الأندلس للطباعة والنشر.

جواد، نهى عباس. (2006م). الاغتراب فی النص المونودرامی العراقی. رسالة ماجستیر مرقونة على آلة الحاسوب. جامعة بابل: کلیة الفنون الجمیلة.

حافظ، أحمد خیری. (1980م). سیکولوجیة الاغتراب لدی طلاب الجامعة. مصر: جامعة عین شمس.

حماد، حسن. (2005 م). الإنسان المغترب عند إریک فروم. القاهرة: مکتبة دار الکلمة.

خلیفة، عبداللطیف محمّد. (2003م). دراسة فی سیکولوجیة الاغتراب. القاهرة: دار غریب للطباعة والنشر.

خلیل، ابراهیم، والآخرون. (2005م). مرایا التذوّق الأدبی. طـ1. بیروت: المؤسّسة العربیّة للدّراسات والنّشر.

الربیعی، أحمد حاجم. (2013م). الغربة والحنین فی الشعر الأندلسی. طـ1. بیروت: الدار العربیة للموسوعات.

الرواشدة، علاء زهیر. (2011 م). الاغتراب السیاسی لدی الشباب الجامعی. المجلة الأردنیة للعلوم الاجتماعیة. المجلد 4. العدد3. صص 298-264.

زیادة، معن. (1986م). الموسوعة الفلسفیة العربیة. ط1. بیروت: معهد التاریخ العربی.

السعدنی، مصطفى، (1987م). البنیات الأسلوبیة فی لغة الشعر العربی الحدیث. الإسکندریة: لانا.

سلامی، سمیرة. (2000م). الاغتراب فی الشعر العباسی (القرن الرابع الهجری). دمشق: دار الینابیع.

سلیمانی، محسن. (1383ش). فن داستان نویسی. چ4. تهران: امیرکبیر.

عبّاس، دانیال علی. (2016م). الاغتراب النفسی. دمشق: منشورات جامعة دمشق.

عبدالسمیع، بهجات محمّد. (2007م). مدى فاعلیة برنامج ارشادی لتخفیف الشعور بالاغتراب لدى المراهقین المکفوفین. ط1. الإسکندریة: منشورات کتب الاغتراب لدى المکفوفین.

العبدالله، یحیی. (2005م). الاغتراب (دراسة تحلیلیة لشخصیّات الطاهر بن­ جلّون الروائیة). ط1. بیروت: المؤسّسة العربیة للدراسات والنشر.

عبدالوهاب، طارق محمّد. (2000 م). سیکولوجیة المشارکة السیاسیة (مع دراسة فی علم النفس السیاسی فی البیئة العربیة). القاهرة: دار غریب للطباعة والنشر.

عبد الوهاب، الطراف. (2002 م). المشارکة السیاسیة والاغتراب السیاسی. جریدة الأحداث المغربیة.11 - 29 .

عقاق، قادة. (2001 م). دلالة المدینة فی الخطاب الشعری العربی المعاصر. دمشق: منشورات اتّحاد الکتاب العرب.

علی، علی عبدالخالق. (1995م). ظاهرة الاغتراب وصداها فی الشعر المعاصر بمنطقة الخلیج. مجلة مرکز الوثائق والدراسات الإنسانیة، جامعة قطر. السنة السابعة. العدد السابع. صص 97 – 148.

الفارس، مجدی. (2004م). الخصائص النفسیة الفارقة والمتعلقة بکثافة التعرض لبرامج التلفزیون الفضائیة لدى الشاب الجامعی معهد الدراسات والبحوث التربویة. القاهرة: جامعة القاهرة.

فودة، علی. (2003م). «الأعمال الشعریة.» طـ1. بیروت: المؤسسة العربیة للدراسات والنشر.

نعمتی، فاروق، وآخرون. (1435ق). «الاغتراب ومظاهره فی شعر سیّد قطب». الأدب العربی. السنة 6. العدد1. صص 238-217.

نعیسة، رغداء. (2012م). «الاغتراب النفسی وعلاقته بالأمن النفسی - دراسة میدانیة على عینة من طلبة جامعة دمشق القاطنین بالمدینة الجامعیة». مجلة جامعة دمشق. المجلّد 28. العدد3 . صص 158-113.

نوری، شاکر. (1983م). «الاغتراب فی الفکر المارکسی». بغداد: مجلة الثقافة. العدد 4. صص 59-42.

وطفة، علی. (1998م). المظاهر الاغترابیة فی الشخصیة العربیة. الکویت: عالم الفکر.

یاسین، طالب. (1992م). «الاغتراب (تحلیل اجتماعی ونفسی لأحوال المغتربین)». عمان: المکتبة الوطنیة.

یداللهی، عبّاس وسردار أصلانی. (1392ش). «الاغتراب فی شعر جمیل صدقی الزهاوی وناصر خسرو القبادیانی». فصلیة ادبیات تطبیقی جامعة شهید باهنر کرمان. السنة 5. العدد9. صص 323-301.

یوسف، محمّد. (2005م). الاغتراب الإبداعی لدی الفئات الإکلینیکیة. القاهرة: دار غریب للطباعة والنشر.

یوسفی، غلام­حسین. (1363ش). کاغذ زر (یادداشت­هایی در ادب و تاریخ). چاپ اوّل. تهران: یزدان.