لمسات سمیائیة فی ألوان أبی تمام

نوع المستند: علمی پژوهشی

المؤلفون

1 طالب فی مرحلة الدکتوراه للغة العربیة وآدابها بجامعه سمنان، سمنان، إیران

2 أستاذ مشارک فی اللغة العربیة وآدابها بجامعه سمنان، سمنان، إیران

3 أستاذ مساعد فی اللغة العربیة وآدابها بجامعه سمنان، سمنان، إیران

المستخلص

تختلف أحیاناً دلالات الألوان عن خواصّها المادیة المعهودة لها مما یجعل المتلقی أن یسرّح فکره فی ثنایا النص لیکتشف تلک الرؤیة غیر المعهودة واستیحاء دلالاتها استعانة بالعلامات المتبلورة فی النص، وتبحث المقالة عن دلالات الألوان عند أبی تمام مستعینة بالسیمیائیة لکشف مدلولاتها؛ حیث إنها قادرة على تقدیم حلول مناسبة لفهم ما یعرو ظواهرها من إبهام فکل لون یحمل دلالة سیمائیة فی النص الشعری خصوصا أن أباتمام یسعى من خلال ذلک أن یترک فی شعره شحنات تعبیریة یفرغها قصداً، ومن هنا رأینا ضرورة البحث عن دلالات الألوان وأبعادها النفسیة؛ لأن السیمائیة تمیط اللثام عن دلالاتها وإیحاءاتها الشعریة، وقامت الدراسة على وفق المنهج الوصفی التحلیلی لتبیّن تلک المدلولات الغائرة فی الألوان المتنوعة ضمن عدد من الأبیات الشعریة المنتخبة، وتبیَّن أنّ أبا تمام یستخدم الألوان فی شعره للتعبیر عن مشاعره فهی وسائط لإبرازها یستعین بها فی تلوین شعره، وأن الدلالات العقلیة والطبیعیة والوضعیة متوفرة فی شعره، فإنها لعبت دورا بارزا فی إبانة المعانی الثانویة وتفسیر ما یعرو دلالات الألوان الثانویة من غموض وإبهام. وتبیّن، أخیراً، أن أبا تمام شاعر رسّام مبدع استطاع بمخیلته أن یزاوج بین الألوان الأصلیة بغیة خلق لون جدید یحمل دلالة معنویة کان یقصدها، وفی نفس الوقت معبّرعن حالته النفسیة، وتتحقق تلک العملیة الفنیة بأسلوب أخّاذ.

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

A Semiotic Touch upon AbuTammam's Poetic Colors

المؤلفون [English]

  • Ali Salemi 1
  • Shaker Amery 2
  • Sadeq Askari 2
  • Sayyed Reza Mirahmadi 3
1 Ph.D. Candidate in Arabic Language and Literature, Semnan University, Semnan, Iran.
2 Associate Professor of Arabic Language and Literature, Semnan University, Semnan, Iran.
3 Assistant Professor of Arabic Language and Literature, Semnan University, Semnan, Iran.
المستخلص [English]

This research deals with Abutamaam’s look at colors and what is related to them. This paper divides colors into light and dark colors including white, black, red, pink, green, mixed colors and secondary colors in the poems of his odes(Qasidahs) to indicate their significations. It is clear that Abutammaam used colors to show his feelings and to color his poems with various verbal indicators. He usescolors in his poems for a lot of purposes like pun, metaphor, and other kinds of figurative language. Colors are used for verbal beauty and to add new meanings. Moreover, all three types of semiotic signifiers including intellectual, natural andpositional, can be found in his poems so that they play an important role in revealing secondary and hidden meanings; and showing the complex and ambiguous significations. Finally, it became known that Abutamaam is a creative poet and artist who has been able to mix various colors to achieve new colors which include new semantic indications. This mixture displays the state of the mind of the poem too. This artistic process is presented in a dignified style. 

الكلمات الرئيسية [English]

  • Abutamaam
  • Semitics
  • semantics
  • Colors

الدراسة السیمیائیة لها جذور ثابتة عند العرب ولم یکونوا بمعزل عنها منذ القدم، وذلک لما شمّروا عن ساعد الجدّ فی ترجمة الکتب الإغریقیة فی مجال العلوم العقلیة؛ حیث قاموا بمحاولات جادة ومتعمقة فی فهمها واستیعابها، وکان لشرحها والتمحیص فی مطالبها الأثر البالغ فی تقدّم الحرکة العلمیة.           

وقد وردت مفردة السیمیاء فی القرآن الکریم فی عدة مواضع منها قوله تعالى: ﴿تعرفهم بسیماهم لا یسألون الناس إلحافا﴾ (البقرة: 273)، وأیضا قوله تعالى: ﴿سِیماهُم فی وجوهِهِم منْ أثرِ السُّجود﴾ (الفتح: 29)

فالسیمیاء لغة: العلامة، المشتقة من فعل «سام الذی هو مقلوب "وسم" وزنه "عِفْلى" وهی فی الصورة "فِعْلى" یدلّ على ذلک قولهم: "سِمة"، فإن أصلها: "وِسْمة"، ویقولون: «سیمى بالقصر وسیماء بالمد وسیمیاء بزیادة الیاء وبالمدّ.» (انظر ابن منظور، 1405ق، 311:12-312)

ویعدّ السیمیاء من المصطلحات التی کثر النقاش والخلاف فی تعریفها بین النقاد الجدد. وبعد إلقاء الضوء على التعاریف المتعددة  للسیمیاء، یبدو أن أوضح تعریف لها ما قاله حمداوی: «السیمیاء نظام السمة أو الشبکة من العلاقات النظمیة المتسلسلة، وإن السیمیاء عبارة عن لعبة التفکیک والترکیب، و تحدید البنیات العمیقة الثانویة وراء البنیات السطحیة المتمظهرة فونولوجیا ودلالیا.» (حمداوی، 1997م، 25: 79)

ویحاول البحث من خلال التعریف المذکور أن یبین ظاهرة الألوان فی شعر أبی تمام[1] والإفصاح عن مدلولها سیمیائیا بعد تفکیک الترکیب اللغوی المتمظهر فی السیاق، وقد اختیر أبوتمام للدراسة؛ لأنه یغور وراء المعانی الشاردة ویکتنف شعره الغموض الإبهام، وأنه لا یأتی بلون من الألوان إلاّ ویحاول أن یبیّن به وجها من الوجوه الشعریة والمعنویة، أو غرضا من الأغراض البلاغیة، أو إحساسا من أحاسیسه؛ حیث إن کل لون یعبر عن معنى ودلالة بصورة طبیعیة، والسیمیائیة کفیلة لحل رموز کل غامض وعویص وهذا الأمر هو ما نبحث عنه فی الدراسة السیمیائیة، إذ الألوان تتألق تألقا محسوسا فی شعره تثیر الانتباه بدلالاتها الفنیة والمعنویة، فإنّها حیّة تتکلّم عن ذواتها، «فالأحمر لون الدم، والأخضر لون النباتات الحیة، والأزرق لون السماء والبحر، فلا عجب أن نجد ألفاظ هذه الألوان فی کل لغة. وإن لألفاظ الألوان أهمیة فی علم الدلالة؛ لأنها إحدى المجالات القلیلة التی یمکن فیها مقارنة لغوی بنظام یمکن تحدیده وتحلیله بأسلوب موضوعی (مادی)،على الرغم من أن علینا الاعتراف حتى هنا بأنّ الإدراک النفسی للألوان، قد لا یتوافق تماما مع خواصّها المادیة.» (انظر: إف.آر.بالمر، 1985م: 86-87)

وعلیه فکل لون له دلالتان: دلالة أصلیة ثابتة ودلالة فرعیة ثانویة. فاللون الأسود مثلا لون یستدعی معانی الخوف والحزن والندامة أولا بمثابة الدلالات الأصلیة الثابتة التی ترافقه دائما، ومعانی الفخر والاعتزاز والقوة والغضب التی تعدّ من جملة الدلالات الثانویة للون الأسود، وهکذا بالنسبة إلى سائر الألوان، فالدلالات الثانویة للألوان ترجع إلى الخلفیّة الثقافیة التی یحملها الشاعر وطریقة تفکیره ورؤیته للکون، وأیضا قوة استنباطه وقدرته على اکتشافها بعد الترکیز على طبیعة الألوان وخصائصها المادیة والمعنویة.

ومن هذا المنطلق تظهر أهمیة البحث وضرورته من الترکیز على دور السیمیائیة فی تفسیر دلالات الألوان المختلفة فی شعر أبی تمام وکشف الظواهر اللغویة الغائبة فی النص؛ حیث إن هذه الدراسة تحاول الترکیز على الألوان المختلفة التی استخدمها أبو تمام للتعبیر عما یختلج فی صدره، ودور تلک الألوان فی التحلیل السیمیائی.

وقد أکد ضرورة البحث فی السیمیائیات وتطبیقها على النصوص المختلفة قاسم دفة قائلا: «بأن دراسات النظام الإشاری فی التراث العربی هی دراسات قدیمة قدم الدرس اللسانی، إلا أن الأفکار والتأملات السیمیائیة التی وصلت ظلّت فی إطار التجربة الذاتیة، ولم تتجسّد فی إطار التجربة العلمیة الموضوعیة، ومن ثمّ فالمنطلقات السیمیائیة للدراسة العربیة تنقصها الإجراءات التطبیقیة الموسّعة.» (دفّة، 2003م: 68-69)

ویتلخّص هدف البحث فی الکشف عن دقائق معانی شعر أبی تمام؛ حیثقام البحث بتفسیر وتأویل ما صعب فهمه وکشف علاقات الدال والمدلول بالنسبة إلى الألوان المستعملة فی أبیاته لکی یمهّد الأرضیة لاستیعاب دقائق أمورها وزوایاها الدلالیة الخفیّة المرتبطة بالبحث السیمیائی.

أمّا بالنسبة للمنهج الذی سار علیه البحث فهو المنهج الوصفی التحلیلی؛ حیث یتمّ استقراء الألوان المستعملة عند الشاعر وتحلیلها وفق المنهج السیمیائی وصولا إلى ما نروم إلیه فی هدف البحث، وربما نستعین ببعض الشواهد والأدوات اللازمة فی تفسیر الظواهر السیمیائیة.

الأسئلة  والفرضیات

أدناه عدد من الأسئلة التی تحاول هذه الدراسة الإجابة علیها مع الفرضیات التی تحاول إثباتها:

  1. أیّ نوع من الدلالات سوف یترکز علیه بحث الألوان فی شعر أبی تمام ولماذا؟
  2. ما الألوان المستعملة فی شعر أبی تمام والتی تحمل دلالات سیمیائیة وأصداءً معنویة أو أغراضاً بلاغیة معیّنة؟
  3. کیف تکون النظریة السیمیائیة قادرة على تقدیم حلول لکشف الخفایا الغائرة فی النص من ظواهره؟
  4. کیف تتمکّن السیمیائیة من تحلیل هذه الألوان المتنوعة؟

وقد فرضنا لتلک الأسئلة أربع فرضیات، هی:

  1. سوف یترکّز بحث الألوان على الدلالة الطبعیة أو الطبیعیة وعلى الدلالة الوضعیة اللفظیة لأننا نتعامل مع الألوان التی هی دلالات طبعیة وطبیعیة وذلک بدلالة الألفاظ علیّا لأنها جزء من شعر أبی تمام.
  2. یبدو أن الألوان المستعملة تحمل دلالات سیمیائیة، وأنّ أبا تمام یسعى إلى استیحاء دلالات الألوان حتى یکتمل بناؤه الفنی.
  3. یبدو أن النظریة السیمیائیة تستطیع من خلال دلالاتها الثلاث أن تفکّ الرموز التی تکتنف النص الشعری، وتساعد الدارس الناقد فی استظهار ما یختفی فی ثنایا النص.
  4. یبدو أن الألوان تحکی عن دلالاتها حینما تقع فی سیاق النص، وتبدی عن مکنونها إذا أخذت القرائن الحالیة والمقالیة بنظر الاعتبار فهی بمنزلة آلة مساعدة فی التحلیل.

وأما سابقة البحث فتعرّضت مقالتانإلى موضوع السیمیائیة والألوان هما: «الفیض الفنی فی سمیائیة الألوان عند نزار قبانی؛ دراسة سیمیائیة لغویة فی قصائد من الأعمال الشعریة الکاملة» ابن حویلی الأخضر المیدنی، (مجلة جامعة دمشق المجلد21، العدد(3+4)، سنة 2005). درست هذه المقالة تأثیر الألوان نفسیا ومدى مفعولها الفنی، وقامت باستکناه طبیعة اللونین الأخضر والأزرق فقط، فهی دراسة نفسیة أکثر مما هی دراسة سیمیائیة، والحال أن دراستنا قد رکزت على الجوانب الدلالیة للألوان بحلول سیمیائیة، ولم تکتف بلونین فقط، ولا شک أن بینهما بونا شاسعا فی الرؤیة الشعریة واختیار الألوان للتعبیر عما یختلج فی صدر الشاعرین.

وهناک دراسة فیها إشارات عابرة لموضوع الألوان فی شعر أبی تمام مثل مقالة «انعکاسات الزمان والمکان واللون على شعر أبی تمام» یوسف طارق السامرائی، (مجلة کلیة الإمام الأعظم، العدد2، 2006م) حیث قامت بتحلیل بعض الأبیات التی تتضمّن الألوان المختلفة، وأظهرت جمالیاتها وتناسبها مع الصورة، وتناولت أیضا قضیة الزمان والمکان ومدى تأثیرهما فی الشعریة، ولکن لم تتطرّق إلى القضایا السمیائیة، فجاءت الدراسة أقلّ تحلیلا.

ومقالة «لونیات ابن خفاجة الأندلسی» لزهراء زارع خفری وصادق عسکری ومحترم عسکری مجلة دراسات فی اللغة العربیة وآدابها فصلیة محکمة. (السنة الثالثة- العدد التاسع- ربیع 1391ش/ 2012 م 1391 )

تناولت هذه المقالة التزام ابن خفاجة باستعمال الألوان فی وصف المناظر، وأنه مبدع لنوع خاص باسم "اللونیات" فالجامع الوحید بین الدراستین هو موضوع الألوان؛ ویختلفان من جهات، أهمّها: أولا: أن دراسة الألوان فی شعر أبی تمام تکون على وفق موازین سمیائیة فتختلف عنها فی تناول دلالات الألوان. ثانیا: الاختلاف فی البیئة والوراثة والزمان والمکان. ثالثا: الاختلاف فی الأسلوب والشواهد وطریقة التحلیل.

وقد تطرق البحث إلى تعریف السیمیائیة لغة واصطلاحا، وشرح الدلالات السیمیائیة الثلاثة العقلیة والطبیعیة والوضعیة، والترکیز على تطبیق شواهدها الشعریة سمیائیا، وقد أشرت عبر تحلیلها إلى نظرة أبی تمام إلى الألوان وما یرتبط بها موضوعیاً، ومن ثمَّ استقراء الألوان الزاهیة والقاتمة وتحلیلها دلالیاً.

أنواع الدلالات فی السیمیائیة

ترجع الدلالة مآلها إلى معرفة الدال والمدلول وکشف العلاقة بینهما من خلال الصورة الذهنیة المرتسمة فی البال ومن ثمّ إحالتها إلى واقع المشهد الذی یلاحظ فی الخارج. فقولک: هذا أسد، على سبیل المثال، تکون فیه، لفظة الأسد هی الدال، والحیوان المفترس هو مدلولها، والبحث عن واقع وجوده فی الخارج هو ما یسمّى بالمرجع الذی یأتی ذکره. وبعبارة أوضح «إن علم الدلالة، یقوم على أساس تحدید العلاقة بین الدال والمدلول وهی علاقة لا یمکن ضبطها إلا إذا تعرّفنا طبیعة کل من الدال والمدلول وخواصهما، وفی هذا الإطار فإن الدال اللغوی لا یمکن بحال من الأحوال أن یحیلنا على الشیء الذی یعنیه فی العالم الخارجی مباشرة، وإنما مرورا بالمدلول أو المحتوى الذهنی الذی یرجعنا إلى الشیء الذی تشیر إلیه العلامة اللسانیة.» (منقور عبدالجلیل، 2009م: 57)

فإنه بمجرد أداء لفظة مّا یتبادر إلى ذهن المتلقی إما معناها وإما فحواها المستنبط منها بالدلیل أو الوسائط؛ لأن الفهم یحدث غالبا بعد الترکیز والدقة التامة على عکس المعنى الواضح الذی یفهمه السامع عفویا، وفی الحقیقة یرید أن الدلالة لا تخرج عن نطاق التصور والتصدیق.

وعلیه قول المسدی؛حیث قال: «یمکن أن نسمیه بحصول المعنى أو حدوث الفهم.» (انظر: المسدی، لاتا: 153) ففیه إشارة دقیقة إلى ذلک.

ومن أمعن النظر فی الدلالات وجد أنها لا تخرج عن ثلاثة على نحو الاستقراء التام المنطقی؛ حیث إنها تتمثل بعد الحصر إما بعلاقة عقلیة بین الدال و مدلوله منشؤها العلیة، وإما علاقة طبیعیة بینهما منشؤها الطبع، وإما وضعیة بینهما منشؤها الاتفاق المتعارف علیه، وعلیه یمکن القول «من وجهة نظر عقلیة صرفة، توصل الفیلسوف الأمریکی بیرس Pierce إلى تقسیم ثلاثی للعلامات یقترب من أنواع الدلالات عند العرب، فتقسیم العلامة إلى شاهد (index) وإیقونة (icon) ورمز    symbol)) الذی شاع من بعده فی السیمیاء الحدیثة، یشبه ولا شک أنواع الدلالات الثلاث [عند العرب]، أعنی العقلیة والطبیعیة والوضعیة.» (الفاخوری، 1994م: 14)

فالدلالة العقلیة: هی دلالة یجد العقل بین الدال والمدلول علاقة ذاتیة ینتقل لأجلها منه إلیه، کدلالة الأثر على المؤثر، نحو: دلالة الدخان على النار وما شابه ذلک، مما یؤدّی إلى حصر الدلالة العقلیة بعلاقة العلیّة.

والدلالة الطبیعیة: فیشوبها أکثر من التباس، وذلک بسبب المفاهیم الغیبیة غیر العملیة المعطاة لکلمات طبیعیة، طبع، طباع، فالطبیعیة هی دلالة یجد العقل بین الدال والمدلول علاقة طبیعیة ینتقل لأجلها منه إلیه، والمراد من العلاقة الطبیعیة إحداث طبیعة من الطبائع، سواء کانت طبیعة اللافظ أو طبیعة المعنى أو طبیعة غیرهما، عروض الدال عند عروض المدلول، کدلالة (أُحْ أُحْ) على السعال، ودلالة الحمرة على الخجل، والصفرة على الوجل...إلخ.

والدلالة الوضعیة: هی الدلالة الاتفاقیّة المتعارف علیها بمعنى «جعل شیء بإزاء شیء آخر بحیث إذا فهم الأول فهم الثانی کدلالة الخطّ والعقد والإشارات والنصب.» (انظر: الفاخوری، 1994م: 16-25) وهذه الدلالة هی التی تهمّنا هنا؛ حیث تکون الدلالة اللفظیة من أقسامها (انظر: المظفر، 2006م: 36)، وهو ما یعنینا فی الدراسة السیمیائیة.

فالدلالة العقلیة سائدة فی کثیر من المسائل العامة وحتى القضایا الشعریة والأدبیة، وإن کانت _ لا شکّ _ هی أساس الأمور  التجریبیة والعلمیة؛ حیث إنها تخضع لمقدّمات العقل ومبادئه، ویبدو جلیا أن الدلالة الطبیعیة تلعب دورا بارزا فی دراسة الألوان، لأنها تحکی فی أغلب الأحیان عن الحالات النفسیة والطبائع البشریة، وإنها تساعد الدارس فی تحلیل النصوص الرومانسیة التی یغلب علیها الطابع الإنسانی، والمشاعر الخلابة بشکل موضوعی، وأما الدلالة الوضعیة فیجب الاتّفاق الشامل فیها فلا تختصّ ببعض دون الآخر، ولابدّ أن یتوفّر فیها شیء من الذوق والفنّ ما یمهّد ذلک للمتلقّی کشف العلاقة ما بین الدال والمدلول، ولا یجعله حائرا فی الربط وکشف العلاقة بینهما، فهی أقلّ الدلالات إثارة ومتعة؛ لأن إدراکها لا یتمّ إلا من خلال معرفة المواضعة دون إجهاد فکر واستمتاع فی فکّ رموزها.

دلالة الألوان وطبیعتها النفسیة

إنّ الألوان تستطیع أن تغیّر مسار حیاة الإنسان لو أَخذت بنظر الاعتبار فی جمیع الأعمال والشؤون، ولابدّ من الخوض وراء أسرارها وطبائعها وخصائصها فی الطبیعة ومعرفة أثرها من المنظار النفسی لکی نستعین بها فی القضاء على الکثیر من المعضلات والأمراض النفسیة.

وبصفة عامة یمکن القول إن «الألوان الفاتحة أکثر مرحا وفرحا، وأما الألوان القاتمة فهی أکثر حزنا، وأن الألوان الساخنة هی ألوان دینامیکیة مثیرة فی حین أن الألوان الباردة هی ألوان مهدّئة ومریحة.» (المیدنی، 2005م: 4)

 

فطبیعة الألوان تحمل دلالات خاصة بمجرّد رؤیتها أو تلفّظها، وهی من أخصب الأنساق الدلالیة التی تحرّک فی النفوس المشاعر المختلفة من خوف وطمأنینة وفرح وحزن وراحة ونصب وغیرها من المفاهیم. وبذلک سوف یترکّز بحث الألوان على الدلالة الوضعیة اللفظیة لأننا نتعامل مع الألوان التی هی دلالات طبعیة وطبیعیة وذلک بدلالة الألفاظ علیا لأنها جزء من شعر أبی تمام.

ومن هنا تجدر الإشارة إلى أن «دلالة الألوان مرتبطة بأشیاء عدیدة فی البیئة وفی نفس الإنسان، ومن هنا اختلفت الدلالات، فتارة یعدّ اللون الأسود مصدر الجمال والقوّة، وتارة أخرى مصدر الحزن والخوف، وتارة یدعو إلى الفخر والاعتزاز، وأخرى یکون مدعاة للتشاؤم والطیرة.» (أمل محمود، 2003م: 52)

فالکون یضمّ الألوان المتنوّعة ونستلهم منها ما توحیه للنفس من سمة ومعنى ونتأثّر بها دون وعی؛ حیث إنها تسخّر المشاعر بمفعولها السحریّ وفیضها المعنوی، ولیس الأمر بعجیب، فالإنسان الذی یعیش فی الصحراء أکثر إصابة بالکآبة من الذی یعیش فی واحة خضراء زاهیة، أفلیس ذلک سببه وجود الألوان التی تسحر عیون ناظریها، ومن هذا المنطلق «راح السیمیائیون وعلماء النفس یتتبّعون طبیعة هذه الألوان، واکتشفوا فی تحلیلاتهم أبعادا تأثیریة نفسیة أکثر عمقا، وبیّنوا تطبیقاتها فی العلاج النفسی، وتوجیه سلوک الإنسان بشکل عام. فإنهم لاحظوا مثلا بأنّ جسر بلاکBlack friar  قد اشتهر بالانتحارات الکثیرة حین کان لونه أسود، فلمّا أعید دهنه بالأخضر الفاتح تراجع عدد المنتحرین تراجعا یقدّر بثلث النسبة السابقة. (انظر: المیدنی، 2005م: 4)

سیمیائیة الألوان عند أبی تمّام

لا شک أنّ أبا تمام، لتصویر المواقف والحالالات النفسیة والظروف المختلفة التی یعیشها، یعتمد، أحیانا، على لوحة رسم فنیة، ویقوم بتلوینها بشتى الألوان الفاتحة والقاتمة على حسب الحاجة التی تقتضیها، فهی فی الحقیقة بمنزلة أدوات تعبیریة عنده لشحن قصائده بالشعریة الخالدة، ومن ألمّ بشعر أبی تمام یؤیّد بضرس قاطع أنّ «من البدهی  القول إن رؤیا  أبی تمام اللونیة غیر معهودة، والذی یفجأ هو اصطباغ الألوان على غیر ما ألفه المتلقی.» (انظر: السامرائی، 2006م: 13)

ویبدو أن الألوان الصارخة کالأحمر والأزرق والأصفر والأسود والأبیض أکثرها استعمالا فی شعره لأنها الرئیسة والغالبة على سائر أخواتها فضلا عن أنها تحمل قوّة هائلة من الشحنة التعبیریة لوضوحها وأثرها البالغ فی النفس بخلاف الألوان غیر الصارخة، ومهما یکن من أمر «فالألوان یمکن تقسیمها إلى قسمین: مباشر وغیر مباشر، أما استخدام الألوان بشکل مباشر، فهو یعنی الاتیان بلفظ اللون أو المصطلح الخاصّ به، مثل الأزرق والأشهب والأسود، والأحمر، ومشتقّاتها المأخوذة من هذه الألفاظ کالحمراء واحمرّ. لکن استخدام الألوان بشکل غیر مباشر یعنی الإتیان بلفظ آخر یتمّ استنباط مفهوم اللون من هذا اللفظ کاستعمال الصبح للتعبیر عن الأبیض واللیل للتعبیر عن الأسود، ذلک لأنّ هاتین الکلمتین (أبیض وأسود) مرتبطتان بالنور والظلام، أو کاستعمال البحر للتعبیر عن الأزرق، لأن العامة ترى البحر بلون أزرق.» (الخفری وآخران، 2012م: 81-82)

ومن هذا المنطلق قمنا بتحلیل الألوان وجمعنا ما بین الأسود والأبیض فی عنوان واحد؛ لأن مذهب أبی تمام فی التصنیع یقتضی غالبا استعمال اللونین معا لوجود الطباق بینهما فإنه انغمس فی لون "التصویر" وفصل اللونین یخلّ بالصورة التی یریدها. (انظر: شوقی ضیف، لاتا: 231) ویؤکد ذلک فاضل السامرائی قائلا: «إن أبا تمام یضفی على أشعاره من ألوان خافتة وقاتمة، بل متداخلة لا یمکن فصلها، أو ملاحقة منابعها.» (انظر: السامرائی، 2006م: 4)

کما وضعنا اللون الأحمر والوردیّ فی عنوان واحد بسبب تقاربهما من جهة الصفات والطبیعة اللونیة، وثانیالم تُذکر أسماء الألوان التی سبق ذکرها فی عنوان مستقل إذا ما جاءت فی الأثناء کاجتماع اللونین الأحمر مع الأسود، والأبیض مع الوردیّ؛ لأنّ ذکر الأسود و الأبیض مرة أخرى مملّ،کما أن وضع عنوان الألوان المرکّبة أو المختلطة من باب التغلیب، حیث إنّ معظمها من الألوان المرکّبة على رغم وجود اللونینالصریحین الأصفر والأحمر،ففصلهما من الأبیات یضرّ بالصورة الکلیة وبما استقصاه أبو تمام من جوانب فنیة فی وصف الطبیعة؛ لذلک آثرنا بقاءهما تحت العنوان، ونظرا لکثرة الألوان المستعملة فی شعره، ولضیق المجال سنقوم بتحلیل نماذج منها علی وفق المنهج السیمیائی الذی ذکرناه آنفا.

الف) سیمیائیة اللونین الأسود والأبیض

اللون الأسودرمز الخوف وفی کثیر من الثقافات یدلّ على العزاء والحزن والوحشة، «فهو یمتص کل الضوء فی ألوان الطیف کان دائما رمزا للتهدید أو الشر، لکنه أیضا مؤشر على القوة ارتبط غالبا بطبع الغدر وعالم السحر.» (شکیب، لاتا: 7)

واللون الأبیض رمز للنزاهة والنقاوة، ویدلّ على البرودة، والنظافة والنصاعة والهدوء، ولذلک فی کثیر من المستشفیات تطلى جدارنها باللون الأبیض لیترک فی النفوس الإحساس بالنظافة، وقیل أنه یستعمل فی المستشفیات لتبدو واسعة جدا لکنها فارغة وغیر مرحبة؛ حیث إنه بارد دون عاطفة وعقیم. (انظر: شکیب، لاتا:10) ومهما یکن من أمر فإن اللونین لهما صفات متضادة ونفس اجتماعهما لا یأتی عبثا بل لغایة فنیة ومعنویة یقصدها الشاعر ومن هذا المنطلق قال أحمد مختار: «وهناک شبه اطراد على ربط اللون الأسود بمقابلة الأبیض، فاستخدام الأول فی المناسبات الحزینة والمواقف غیر المحبوبة،واستخدام الثانی فی عکس ذلک.» (أحمد مختار عمر، 1997م: 200)

وقد استعملهما أبو تمام معا حیث یخاطب ممدوحه أبا سعید محمد بن یوسف الطائی، ویصف انتصاره على جیش بابک فی قصیدة طویلة قائلا: [البحر الطویل]

جَلوتَ الدُّجى عنْ أَذرَبیجانَ بعدَما

 

تردَّتْ بلونٍ کَالغمامةِ أَربَدِ[2]

وکانتْ ولیسَ الصُّبحُ فیها بأَبیضٍ

 

فَأمسَتْ ولیسَ اللَّیلُ فیها بأسودِ
(أبوتمام،  2000م، ١٦٦:١)

فالممدوح محمد بن یوسف الطائی قد کشف ظلام اللیل عن آذربیجان فأضاءت بعدما کانت مظلمة موحشة قد لبست لون الغمامة سوادا، ولم یکن الصبح فی آذربایجان واضحاً مشرقاً بسبب شیوع الظلم والجور، بل کان داکنا، وبعد حلول الممدوح ونشره  العدلوالإحسان فیها فقد اللیل سواده. ومن الواضح أنّ الألوان التی جاءت فی البیتین لم تکن مادیة، بل هی معنویة ذهنیة.

 ویظهر التحلیل السیمیائی فی العلاقات المتشابکة والمعقّدة فیما بین اللّونین الأسود والأبیض، فقد تمّ استخدامهما بشکل مثیر ملفت للنظر؛ حیث إنهما لم یکونا لمجّرد التنمیق اللفظی المقیت بل لإضفاء معنى غائب فی النص یزیده حسنا وطلاوة، ویبدو دور الدلالة الطبیعیة فی تأویل الشعریة الکامنة فی البیتین، وطریقة الوصول من البنیة السطحیة إلى البنیة العمیقة من خلال المخطّط الموجود على النحو الآتی:

( جلوت) # (الدجى= الغمامة=أربد )

( الصبح= الأبیض)# (اللیل =الأسود)

وعلى هذا الأساس «فإن السیمیائیة لا تقف عند البنیة الخارجیة دون الداخلیة، ولا تفصل النص عن القارئ، فهی تتجاوز البنیة السطحیة لتکشف عن البنیة العمیقة فی النص، على أنها لا تهتمّ بالمضمون على حساب الشکل.» (العلاق، 2009م: 25(

 ویتّضح أن مراد الشاعر من البیت الأول یکمن فی التفسیر الصحیح للبیت الثانی، فإن الصبح فی آذربیجان ما کان أبیض،  وقد أمسى لیلها على ید الممدوح لیس بأسود على رغم أن طبیعة لون وقت الصبح لا محالة أبیض، وطبیعة  لون وقت اللیل لا محالة أسود؛ وذلک دلالة اللونین تحتاج إلى التأویل خارجا عن النطاق المادی المتصوّر لهما، فقوله: "لیس الصبح فیها بأبیض" یدلّ على أن الشاعر یعلم بأن الصبح لازمه البیاض، ولکن لأمر ما زالت الملازمة الطبیعیة بینهما، والأمر هو الظلم الذی یعدّ برأی الشاعر أقتم اللون مسودّا یسود جمیع الأوقات، ویسدل على الصبح ستره، ویزیل ضیاءه وإشراقه، والدلیل على ذلک أن الظلم بطبیعته الذاتیة أقرب إلى الظلام الأدکن الذی یستوحش منه الإنسان؛ لأن الظلم یبثّ بین الناس الوحشة والرعب کما أن حندس الظلام موحش مخیف بصورة عامة، وعلیه قوله تعالى: ﴿الله ولیّ الذین آمنوا یُخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ (البقرة: 275)، فالله سبحانه تعالى أخرج الّذین آمنوا به من وحشة ظلمات الضلال إلى نور الهدى و الإیمان، ومن جانب آخر أنهما من جهة الاشتقاق اللغوی کلاهما من مادة واحدة (ظ ل م) وهو دلیل لغوی یدعم الدلیل الأول.

وکذلک قوله: "ولیس اللیل فیها بأسود" أیضا یعلم بوجود الملازمة الطبیعیة بین اللیل والسواد، ولکن لحدث مّا قد زالت الملازمة، والحدث هو انتصار الممدوح على أعدائه وانتشار عدله فی أرجاء آذربیجان، العدل الذی یعدّ برؤیا الشاعر أنصع اللون مبیضّا یضمّ جمیع الأوقات حتى اللیل فیفیض علیه من نوره ما یجعله کالصبح بیاضا.

وعندئذ یتّضح معنى البیت الأول، فقوله: "جلوت الدجى عن آذربایجان" أی کشفت الغمّة والشدة عنها من بعد ما کانت مظلمة من الجور کالغمامة السوداء.

ومثله أیضا فی التأویل السیمیائی قوله فی قصیدة أخرى یمدح أحمد بن عبدالکریم الطائی الحمصی: [البحر الکامل]

کمْ جئتَ فی الهَیجَا[3]بیومٍ أَبیضٍ

 

والحربُ قد جاءتْبِیومٍ أسودَا
(أبوتمام،2000م، ١٨٨:١)

فالطباق بین الأبیض والأسود مشهود یتکرر فی المواقف المتعددة وبأشکال مختلفة، فالمراد من "یوم أبیض" انتصار الممدوح فی الحرب، فالدلالة بین الدال اللون الأبیض ومدلوله أی الانتصار على العدو دلالة وضعیة من تلقاء الشاعر؛ حیث إن البیاض یحکی عن النقاوة التی تخالف وصمة الهزیمة بالبداهة، وفی المصراع الثانی یبدی رؤیته عن ذات الحرب، ومآل من خاضها بصورة ضمنیة، فإنها سوداء تذر الیوم المضیء مسودّا کاللیل المظلم بسبب آثارها الوبیلة ونتائجها الوخیمة، فالعلاقة هنا أیضا بین الدال والمدلول دلالة وضعیة، فقد رأى أبو تمام أن الأسود أقرب الألوان دلالة إلى معانی الوبال والهلاک والشدّة، وکان حقا موفّقا فی هذا الاختیار الصائب، فإن الطبع الإنسانی لا یرفض وضعه الناجح، وقد أبدع وأجاد فی المعنى الذی یریده من خلال استخدام الطباق المدهش؛ حیث إن الیوم الأبیض والیوم الأسود کلیهما فی یوم واحد إلا أنه استطاع بأسلوبه الأخّاذ وعبقریته الفذّة یصوّر لنا مشهدا لم نألفه عند الشعراء القدامى، فالیوم الأبیض ما حققّه الممدوح من انتصار فی الحرب، والیوم الأسود باعتبار ما خلّفته الحرب نفسها من أحداث عظیمة مؤلمة.

فالتأویل السیمیائی ظهر من خلال العلامات المتمظهرة فی النص الشعری ومن هذا المنطلق یقول شولز: «وإذا لم یجهد القارئ نفسه فی مشهد نثری فلن تحضر القراءة الشعریة، والمهارة التی یتطلبها التأویل الشعری تتضمّن اهتماما قویا بالمعنی النثری مقرونا بالاستعداد للاندفاع وراء المعنی النثری لتولید معان جدیدة. وهذا یعنی، بعبارة سیمیائیة، إنه تمکن إعادة صیاغة أیّة شفرة(علامة) راسخة فی  التأویل، سواء کان نحویا أو معجمیا.» (شولز، 1994م: 84)

ویقول فی قصیدة فیها یمدح محمد بن یوسف الطائی، وأیضا مادحا آل عبد الحمید ومفتخرا بقومه: [البحر الوافر]

تَرى قَسَماتِنا[4] تَسوَدُّ فیها

 

وما أَخلاقُنا فیها بِسودِ
(أبو تمام، 2000م، 168:1)

یلاحظ فی البیت عنصر الطباق کالسابق أیضا بین (تسوّد# مابسود، بما أنها فی سیاق النفی، أی أخلاقنا بیض).

ویقول: ترى وجوهنا تسودّ من  مثار الغبار وأشعة الشمس فی الحرب، على أننّا نتمتّع بأخلاق بیض؛ لأنا بین الناس نعرف بالشجاعة والکرم وطیب الأعراق.

الجمالیة الشعریة لا تظهر فی الطباق بل تکمن فی الدلالة العقلیة بین الدال والمدلول والعلاقة العلیة بینهما، فالمتلقی فی الوهلة الأولى یبحث عن شفرة فی المصراع  الأول لیکشف القناع عن المراد من اسوداد الوجه فی ساحة القتال، لذلک یبحث وراء القرائن الحالیة والمقالیة بغیة الوصول إلى ما یقصد الشاعر، وبما أنّ الحال تقتضی المدح فلا یجوز تأویل "تسودّ" على الهزیمة والعار الذی یلحقهم بسببها، لذلک لابدّ من تفسیر آخر یطابق الواقع الشعری ومقتضاه، والأولى تأویل اسودادها بسبب مثار الغبار الذی یعلو الفرسان عند العراک وجری الخیول أو أشعة الشمس التی تحرق الجلد فی حومة المعرکة، فإنّ العقل یجد بین الدال والمدلول علاقة ذاتیة ینتقل لأجلها منه إلیه،فالعلاقة بین اسوداد الوجه وأشعة الشمس أو مثار الغبار علاقة لا انفکاک بینهما.

وفی المصراع الثانی تلاحظ الدلالة الوضعیة؛ حیث إنّه استعار البیاض للأخلاق التی لا تدرک بالعین الباصرة بل تدرکها عین القلب بعد إمعان النظر فی الدلالات المفترضة للّون الأبیض من المنظار النفسیّ،فهو فی رؤیا الشاعر یکون أقرب إلى النقاوة والنزاهة والصفاء،فالشاعر یقصد أن أخلاقهم لا یشوبها کدر البخل والجبن والهوان، وقد تمّ اختیار اللون الأبیض ووضعه للأخلاق الحسنة بشکل یثیر انتباه المتلقّی.

وعلیه قول أبی تمام فی الأسلوب أیضا یمدح محمد بن یوسف الطائی ویذکر انتصاره على الأعداء:[البحر الکامل]

لِیَهنِکَ ذکرُ أَیامٍ تَوالتْ

 

بِبیضٍ مِنْ فتوحِکَ غیرِ سود
(أبوتمام،2000م، 173:1)

ففتوح الممدوح ما یعکّرها کدر الظلم والأذى فإنها بیض ناصعة، فقوله: "غیر سود" قید وصفی جاء لغرض التأکید بأن الممدوح أیامه ترضاها أهل المدن المفتوحة على یدیه،وذلک بقرینة القید الوصفیالذی لعب دورا بارزا فی التأویل السیمیائی، وعلیه فالدلالة وضعیة على ما هو ظاهر،وربما یجوز القول بأنّ البیض صفة للفتوح تقدمت علیه، والمقصود بالبیاض الانتصار والظفر، وقد أکّد ذلک بنفی السواد، أی الانکسار والهزیمة، ولکن یؤدی هذا التأویل إلى الحشو، ولا یتضمّن البیت عندئذ قیمة تعبیریة، فضلا عن أنه لا یلائم ذوق أبیتمام الشعری.

فلفظة "سود" صفة ذکرت لغرض التأکید فحسب فوقعت حشوا فی البیت.

وقال أبو تمام مادحا أبا المغیث موسى بن إبراهیم الرافقی أیضا: [البحر الکامل]

منْ أَبیضٍ لِبیاضِ وَجهِکَ ضامِنٌ

 

حینَ الوُجوهُ مَشوبةٌ بسوادِ
(أبو تمام،2000م، 195:1)

فی البیت ظاهرة الطباق مشهودة، فالطباق بین اللونین البیاض والسواد یتکرر کثیرا فی شعر أبی تمام إلا أنه یُظهر براعة أبی تمام فی طرق استعماله والتصرف فی دلالات لونی البیاض والسواد إذا ما اجتمعا فی سیاق واحد، فالمراد من الأبیض هو الرجل الأبیض کریم الحسب والنسب، فالعرب تمدح بیض الوجوه، وإنما یریدون من البیاض الطهارة مما یعاب، ویکنّون عن العیب والفضیحة بسود الوجوه، فالدلالة بین الدال والمدلول البیاض وطهارة المولد تعدّ دلالة وضعیة، وضعها العرب؛ حیث إنهم لم یکونوا بسود الوجوه، لذلک وضعوا البیاض سمة الحریة والأصالة، والسواد سمة الرقیّة والحقارة؛ لأن الصفة الغالبة على العبید اسوداد وجوههم غالبا، ومن هنا یتّضح التأویل السیمیائی، ومراده من قوله: "حین الوجوه مشوبة بسواد" فالأبیض هو الذی یضمن ماء الوجه عندما الوجوه یعروها سواد الخذلان وخلف الوعید کالعبید الذین لا یعتمد بکلامهم وضمانهم.

وقال أبوتمام من قصیدة یمدح بها المعتصم یصف فیها درایته وحنکته فی حلّ المشکلات: [البحر الکامل]

وأَرى الأُمُورَ المشکلاتِ تَمزَّقتْ

 

ظُلُماتُها عنْ رأیِکَ المتوقِّدِ

عن مثلِ نَصلِ السَّیفِ إلَّا أنَّهُ

 

مُذ سُلّ أوّلَ سَلَّةٍ لمْ یُغمَدِ

فَبسَطتَ أَزهرَها بِوجهٍ أَزهرٍ

 

وقَبضتَ أَربدَها بوجهٍ أَربدِ
(أبوتمام، 2000م، 175:1)

وقدعدّ الآمدی هذه الأبیات جملة من أخطاء أبی تمام؛ حیث یقول: «فقال : "الأمور المشکلات" وجعل لها ظلمات، فکیف یقول: فبسطت أزهرها، والزهر فی النیّرات، والمشکلات لا یکون شیء منها نیّرا؟ وکأنه یرید أن الأمور المشکلة منها جیّد قد أشکل الطریق إلیه، ومنها ردیء قد جهلت حاله، فهی کلها مظلمة فیمزّق ظلماتها برأیه، ویکشف عن الجید منها ویبسطه: أی یستعمله، ویکشف عن ردیئها ویقبضه: أی یکفّه ویطرحه، ولکن ما کان ینبغی له أن یقول "بوجه أزهر" و"بوجه أربد"، لأنه لا صنع ههنا للوجه ولا تأثیر؛ لأنّ الصنع إنما هو للرأی وللعقل..» (الآمدی، 1944م: 210)

وربّما یکون الآمدی قد أخطأ فی تخطئة أبی تمّام، ویبدو أن أبا تمام یرید أنه عرف اختلاف الأمور المشکلات سهلها وصعبها، ومیّز أحوالها المتباینة، وفصل ما بین بیّنها وغامضها، فعبّر عن سهلها وبیّنها بأزهرها، وعن صعبها وغامضها بأربدها؛ ولذلک قال: "بوجه أزهر" لأنّ الإنسان یتعامل مع الأمور التی یسهل حلّها وانقیادها بوجه وضّاح، ویواجه المشاکل الصعبة عند معالجتها، وإماطة اللثام عن حقیقتها العویصة بوجه کالح عبوس؛ لذلک یقبضها قبضا أی أنّه یبذل قصارى جهده بکل الجدّ وبرأی الخبیر الثاقب أن یحلّ المشکلة، والتحلیل السیمیائی یظهر جلیّا فی علاقة الدال والمدلول، ووجود الدلالة الطبیعیة فیما بینهما، وأضفى عنصر الطباق جمالیة على البنیة الشعریة، وساعد على التأویل السیمیائی وفکّ الرموز، وتبادر المدلولات المختلفة، وانتقاء أقربها إلى الواقع الشعری، ومهما یکن من أمر فإن بین انبلاج الوجه وحلّ المشکلة السهلة علاقة منشؤها طبع الإنسان، وکذلک بین عُبوس الوجه وحلّ المشکلة الصعبة العسیرة، ومن هنا تبین ما یروم إلیه الشاعر، وهو على عکس ما یعتقد الآمدی بأن لا یوجد وجه بلاغی لذکر قوله: "بوجه أزهر وبوجه أربد" فلا داعی لوجود اللونین الأزهر والأربد (انظر: الآمدی، 1944م: 211) وقد ظهر مما سبق وجه ذکرهما.

وعلى ذلک فإنّ المدلول الثانوی المستنبط من البنى اللغویة لا یکشف إلا بعد استیعاب القوانین المتربطة بالأنظمة اللغویة، وما ینخرط فی إطارها من المعانی المستوحاة من القرائن.

 

ب)سیمیائیة اللونین الأحمر والوردی

اللون الأحمر دافئ یستخدم لإثارة الهیجان القویّ، وخلق الدوافع النفسیة المغریة، فهو رمز الحبّ والغرام والأنس، کما أنه أحیانا یدلّ على الشعور بالغضب والحدّة، وقال عنه التشکیلی اللبنانی الشهیر کلود عبید: «یعتبر الأحمر عامة الرمز الأساس لمبدأ الحیاة بقوته وقدرته ولمعانه، هو لون الدم والنار، یملک دائما نفس التعارض الوجدانی لعنصری الدم والنار.» (کلود عبید، 2013م: 74) کما أن اللون الوردی لون أحمر مضیء فهو مزیج من الأحمر والأبیض یرتبط بالحبّ والرومانسیة، ویعد صفة ثانویة یندرج تحت لفظ الأحمر، وهو ما جعلنا دمجهما معا تحت العنوان الواحد لتقاربهما فی الصفات والدلالات.» (انظر: کلود عبود، 2013م: 128-129؛ أحمد مختار عمر، 1997م: 39؛ شکیب، لاتا: 9)

واستعمله أبوتمام مادحا آل عبد العزیز بقزوین واصفا شجاعتهم و فتکهم بالأعداء: [البحر الطویل]

فإنَّ المنایا الحُمرَ والسُّودَ کلَّها

 

على الدارعِینَ المعلِمینَ عَقائدُهْ[5]
(أبو تمام،2000م، 1: 205)

یقول: إذا تلطّخت الخیول والأسنة بالدماء، فإنّ المنایا الحمر والسود عقائده، أی عاقدته وعاهدته، ألّا تخونه على  الأعداء.

فقد وصف الموت المرعب المردی بلونین: الأحمر والأسود، وطلاه بهما استعارة، فدلالة اللون الأحمر على الدم دلالة ذاتیة طبیعیة، ولکن دلالته على الموت سببیة علیة، فالعقل یجد بین الموت والدماء السائلة على متن السیف دلالة عقلیة لامحالة کدلالة الأثر على المؤثر کوجود الدخان الدال على وجود النار، وأما الموت الأسود فإن فی ذلک تجشّم الأذى والألم المریر وغمّ النفس، والغمّ ظلمة النفس، والظلمة انعدام النور، ویمثلها فی الألوان اللون الأسود، وعلیه تکون العلاقة بین الدال والمدلول دلالة وضعیة؛ حیث إن العرف السائد قرّر وضع السواد للغمّ والأذى الموجع، قال الله سبحانه یصف حال من بشّر بمولود أنثى: ﴿وإذا بُشِّر أحدُهم بالأنثى ظلَّ وجهُه مسودّاً وهو کظیم﴾ فقوله:"مسودّا" کنایة عن الحزن البالغ الذی یؤدی إلى اسوداد وجهه، والقرینة على ذلک لفظیة؛ حیث إنّ "کظیم" لغة کما فی لسان العرب: رجل مکظوم وکظیم: مکروب قد أخذ الغمّ بکظمه، وفی التنزیل العزیز: ﴿ظلّ وجهه مسوداً وهوکظیم﴾ (ابن منظور، 1405م، 520:12)

قال أبو تمام مادحا أبا عبدالله حفص بن عمر الأزدیّ یصف بسالته وجوده: [البحر الطویل]

دَریَّةُ خیلٍ ما یَزالُ لدى الوَغى

 

لهُمِخلبٌ وَردٌ منَ الأَسدِ الوَردِ[6]

 

 

منَ القومِ جَعدٌ أَبیضُ الوجهِ والنَّدى

 

ولیسَ بنانٌ یجُتدَى منهُ بِالجعدِ[7]
(أبو تمام، 2000م، 192:1)

           

یقول: ما یزال یستتر حیلة لقنص الأعداء فی المعرکة، وله مخلب أحمر من دمائهم کالورد لونا من الأسد الورد، وهو فی قومه سید کریم الحسب والنسب، ولیس ببخیل عند السؤال.

هنا تظهر الجمالیة الشعریة والدلالة السیمیائیة فی تکرار لون الورد، وتشاکل الجناس البدیع، فالمراد من "مخلب ورد" على نحو المجاز أی مطلول بالدم محمرّ منه فتکون العلاقة ما بین الدال والمدلول دلالة عقلیة؛ حیث إنّ الأمر اتّضح من خلال الأثر على المخلب وهو الحمرة الوردیّة على المؤثر وهو الدم، والمراد من قوله "الأسد الورد" الأسد الذی یضرب لونه إلى الحمرة یرمز إلى قوته شدته، ویذکر فی نفس القصیدة أیضا:

أَردُّ یَدی عن عِرضِ حرٍّ ومَنطقی

 

وأملؤُها من لِبدةِ الأَسَدِ[8] الوَردِ
(أبوتمام، 2000م، ١٩١:١)

ولکن یعدّ اللون الوردیّ بالنسبة إلى الأسد أمرا طبیعیا، فتکون الدلالة طبیعیة.

وفی قصیدة یمدح بها محمد بن المستهل، ویقول متغزّلا فی مستهلّها: [البحر الکامل]

سَکبتْ ذَخیرةَ دَمعةٍ مُصفَرَّةٍ

 

فی وَجنَةٍ مُحمَرةِ التَّوریدِ
(أبوتمام، 2000م، 1: 200)

یقول: ذرفت هذه الفتاة فی فراقک بقیة دموعها المذخورة وهی مصفرّة، إما لامتزاجها بالدم، وإما لتطیّبها بخلوق المسک واختلاط ماء الدموع به، والوجه الأول أولى من الثانی وأقرب إلى الواقع الشعری، والتأویل السیمیائی یأتی بقرینة قوله: "ذخیرة دمعة" الدالة على نفاد آخر ما عندها من الدموع، والعلاقة بین الدال والمدلول دلالة عقلیة؛ لأنّ تغیرّ لون الدمع الصافی إلى الاصفرار حدث بسبب الإفراط فی البکاء مما أفضى إلى امتزاج الدم به، وأما الوجه الثانی فبعید الغور لا یأخذ به إلا على المعنى المتصیّد. فإن العلامات السیمیائیة ساعدت على توطید العلاقة بین القارئ والنصّ مما تترک لهما أثر التفاعل محسوسا وبعد المسافة بینهما منسیّا فهی بمنزلة آلة مساعدة للغور فی ثنایا النص واستخراج ما خفیّ على الدارس فی نظرته الأولى، وعلیه فلم تکن العلاقة الثنائیة إلا لأجل تفکیک البنیات المتمظهرة من البنیات العمیقة لکشف المجهول منها.

ولم یقتصر فی قوله: "محمرة التورید" على حمرة الخدّ بل أضاف إلیها أروع متمّمات البلاغة، للإبانة على زیادة لون على الحمرة لأن التورید فی الوجنة المحمرّة زیادة حسن على حمرتها، وأیضا لتداعی المعانی مثل الوردة، وعلیه قوله تعالى: ﴿فکانت وردة کالدهّان﴾ (الرحمن: 37) فالعلاقة بین الوجنة و توریدها دلالة طبیعیة، ویعدّ المصراع الأول من مبتکر معانیه وأروعها، وقد أضفى السیاق الشعری والتلمیح القرآنی علیه جمالیة تفوق الوصف.

 

ج) سیمیائیة اللون الأخضر

اللون الأخضر یدلّ على السعادة والصحة، وقد تطلى جدران غرف العملیات باللون الأخضر للقضاء على الاضطراب والقلق النفسی الذی یسیطر على المریض أثناء دخوله فیها، ومن هذا المنطلق قیل فیه «إنه یزیل التوتر ویساعد على العلاج، فالأشخاص الذین یعملون فی بیئات خضراء یتعرضون أقل لإصابات المعدة.» (شکیب، لاتا: 9) کما أنه یأتی فی الشعر العربی رمزا للربیع والحیاة الجدیدة ومضادّا للهمود والکسل یترک فی النفس الراحة النفسیة والشعور بالأمن والطمأنیة، ولذلک عبروا عنه «بأنه یرتبط بمعانی الدفاع والمحافظة على النفس، کما أنه یمثل التجدید والنموّ والأیام الحافلة للشبان الأغرار.» (انظر: أحمد مختار عمر ،1977م: 229) ولا شک أن الأخضر لون یبعث الانتعاش فی جسد الوجود ویوحی بجمال الطبیعة فی الربیع «وعلیه سیکون لون الأمل، القوة، طول العمر، هو لون الخلود الذی ترمز إلیه کونیا الغصون الصغیرة الخضراء.» (کلود عبید، 2013م: 93)

واستعمله أبو تمام مادحا أبا عبدالله حفص بن عمر الأزدی، وواصفا أثر شعره علی ممدوحه فی ختام قصیدته: [البحر الطویل]

وکمْ منْ کریمٍ قَد تَخضَّرَ قلبُهُ

 

بِذاکَ الثناءِ الغَضِّ فی طُرُقِ المجدِ
(أبوتمام، 2000م، ١٩٤:١)

یقول: کم من جواد بسبب مدیحی له اخضرّ قلبه انتعاشا فی سبل المجد والعلاء.

لا شک أن اللون الأخضر یدلّ على الانتعاش والحیویة،ولهذه الجهة استعمل الشاعر منه (تخضرّ) فعلا، وجعله استعارة تبعیة، وکأنما بسبب مدیحه الطریّ الناعم قد اخضرّ وادی قلب الممدوح فی سبل المجد، وإن علاقة الدال بالمدلول دلالة عقلیة فی رؤیا الشاعر، فقد ابتکرها بإبداعه وذوقه الرفیع؛ حیث إنّ اخضرار القلب سببه الثناء الغضّ، وقد لعب حرف الباء فی "بذاک" دورا بارزا فی التأویل السیمیائی؛ لأنه یدلّ على السببیة، واتّضح أنه تمکّن أن یستخدم اللون الأخضر بأسلوب خارج عن النطاق المألوف یعطی صورته الشعریة لونا جدیدا لم یعهده الشعر القدیم إلا قلیلا، ویعدّ هذا النموذج من مظاهر التجدید فی شعره.

وقال مادحا بن عمر بن عبدالعزیز الطائی من أهل حمص، وذکر فی مطلع قصیدته متغزّلا: [البحر البسیط]

ویا هذهِ أَقصِری ما هذهِ بَشرُ

 

ولَا الخَرائِدُ مِن أَترابِها الأُخَرُ[9]

وخَرَجنَ فی خُضرةٍ کَالرَّوضِ لیسَ لها

 

إلا الحُلیَّ على أَعناقِها زَهَرُ
(المصدر السابق،2000م، ٢١٥:١ -٢١٦)

من بعدما أنّب عاذلته، قال: وطلعن بخضرة نضارة وحسنا کنضارة الروض البهیّ فلیس لها إلا الجواهرات وعلى رقباتها تعلقت الورود.

هنا تدلّ الخضرة على الحسن والنضارة، فقد استعملها لیعبّر عن جمالها الباهر فوجدها فی الحسن کالروض النضیر، وذلک أنّ الخضرة لازمها الجدّة والنضارة بقرینة قوله: "کالروض" والعلاقة بین الطرفین دلالة طبیعیة؛ حیث إنّ اخضرار الروض یحدث بصورة فیزیولوجیة، ویبدو أنه على وفق التأویل السیمیائی تکون الخضرة مضافة حذف منها المضاف إلیه إیجازا، والمراد "خضرة أثواب"، وهذا التأویل یستحسن بقرینة قوله: "لیس لها إلا الحلیّ" فالضمیر یرجع إلى الخضرة، ویصحّ عندها المعنى، فالأثواب الخضر مطرّزة بأشکال الجواهرات کالروض المزدهیة بأنواع النباتات الخضر، وعند موضع القلادة منها قد تزیّن بالزهور والورود.

د) سیمیائیة سائر الألوان المرکّبة أو المختلطة

تنقسم الألوان إلی قسمین: الألوان الأساسیة والأولیة، والتی هی أصل الألوان الصافیة ولا یمکن استخراجها من أصباغ أخرى وهی الأصفر والأحمر والأزرق ومن مزج هذه الألوان الأساسیة نحصل على الألوان المختلطة. (انظر: کلود عبود،2013م:19) وهی ألوان مرکبة یتکون کل منها من مزیج لونین أساسین کالبرتقالی (الأصفر+الأحمر) والأزهر (الأبیض+شیء منالأحمر) الزعفرانی (الأصفر+البرتقالی) والبنفسجی (أحمر+أزرق) .

فاللون الزاهر رمز الطهر والنقاء یوحی بالشفافیة والهدوء والطمأنیة، ویرسم فی ذهن السامع صورة الإشراق والجمال الکونی، لذلک یصبح اللون الأزهر أکثر اتساعا و انطلاقا فی الطبیعة البکر، فهو یستدعی معانی النقاوة و النّداوة، واللون الأصفر دافئ مفرح ومنشّط للأعصاب لاسیّما إذا کان فاقعا أی شدید الصفرة، قال الله سبحانه فی وصف الناقة: ﴿إنَّها بقرةٌ صفراءُ فاقعٌ لونُها تسرُّ الناظرینَ﴾ (البقرة: 69)، ویحمل الأصفر الصفات المضادة؛ حیث إنه یجمع ما بین دلالتین فتارة یثیر الإحساس بالاستیاء والغضب، وتارة یثیر الإحساس بالأناقة والجمال.والزعفرانی رمز الحکمة ویوحی بالجمال والحرارة وقوة الاندفاع،واللون البنفسجیمن الألوان المتضادةله معانی مختلفة فهو یُعتبر لون التوازن العاطفی والسلام الداخلی والحکمة،وفی حالات التوتّر والعصبیّة ینصح علماء النفس باستخدام اللّون البنفسجی، وفی الوقت نفسه کثرة استخدام اللّون البنفسجی تسبّب الاکتئاب، ولذلک یعتقد کلود عبود بأنه «یعتبر لون الاعتدال والسرّ ویعدّ لونا للحداد یستحضر فکرة الموت باعتباره معبرا لا على أنه حالة نهائیة، کما أنه لون الطاعة والخضوع وهو أیضا لون الهدوء والسکینة الذی یلطف فیه الأحمر الحاد.» (انظر: کلود عبود، 2013م: 119-123)

وبما أنّ جلّ الألوان فی أبیات أبی تمام التالیة مرکبة جعلنا ما ورد فی ضمنها من الألوان الأصلیة معها أیضا من باب التغلیب لأنها تشکل بترابطها المشهد الوصفی والصورة المتکاملة للطبیعة، وذلک فی مطلع قصیدته الرائیة العصماء التی مدح بها المعتصم واصفا بأروع الصور جمال الطبیعة وقت الربیع: [البحر الکامل]

من کلِّ زاهرةٍ تَرَقرقُ[10] بالنَّدى

 

فکأنّهَا عینٌ علیهِ تَحَدَّرُ

تَبدو ویحجُبُها الجَمیمُ[11] کأًنَّها

 

عذراءُ تَبدو تارةً وتَخَفَّرُ[12]

حتَّى غَدت وَهداتُها و نِجادُها[13]

 

فِئتَینِ فی خِلَعِ الرَّبیعِ تَبَختَرُ

مُصفرَّةً مُحمرَّةً فکأنَّها

 

عُصَبٌ تَیَمَّنَ فی الوغى و تَمَضَّرُ[14]

من فاقعٍ غضِّ النبات ِکأنَّه

 

درٌّ یُشَقَّقُ قبلُ ثمَّیُزَعفِرُ

أَو ساطعٍ فی حُمرةٍ فکأنَّ ما

 

یَدنو إلیهِ منَ الهواءِمُعَصفَرُ

صُنعُ الذی لو لا بَدائعُ لطفِهِ

 

ما عادَ أصفرُ بعدَ إذْ هوَ أَخضَرُ
(أبوتمام، 2000م، 218:1)

هذه الأبیات فیها مجموعة من الألوان الزاهیة تسرّ الناظرین بجمالها، وقد عمد الشاعر فی کثافة صوره الشعریة إلى تلوینها فأخرجها بثوب قشیب، وخلع علیها من عاطفته شعورا صافیا یأخذ بمجامع القلب، فإنه استخدم أکثر من عشرة ألوان مختلفة للتعبیر عما یختلج فی صدره فی محاکاة الطبیعة الغنّاء.

فقال فی البیت الأول: من کل زهرة متلألئة بقطرات الطلّ، تبدو کأنها عین تدمع فیتحدّر ماؤها.

فقوله: "زاهرة" صفة لموصوف محذوف أی زهرة زاهرة، فإنها من کثرة ما أصابها من الطلّ أخذ ینحدر عنها کما ینحدر دمع العین، فبین ممطور الزهر وصفائها دلالة عقلیة یدرکها العقل ضرورة بأدنى دقة، لأن عامل نضارتها هو انصباب المطر علیها، ولولاه لذهب رونقها.

واستطرد قائلا ما معناه: هذه الزهور الممطورة تتثنّى فیسترها الجمیم أی ما تکاثف من النبات، فیزوی عنها فتظهر،کفتاة تخفی نفسها حیاء تارة وتظهر أخرى.

حتى غدا منخفض الأرض ومرتفعها بمثابة مجموعتین کلّ تختال بأبراد الربیع حسنا وغضارة.

إلى قوله: تظهر ورودها مصفرة محمرة، وکأنها جماعات فی الحرب من الیمن ومضر.

لابدّ فی التحلیل السیمیائی للونی الأصفر والأحمر، ومدى صلتهما بالمشبه به أی عصابات الیمن ومضر من تفسیر لغوی، وذلک أنّ ألویة أهل الیمن صفر، وألویة أهل مضر حمر؛ ولذلک قیل: مضر الحمراء، وقد اتّضح أنّ وجه الشبه بینهما هو اتّفاهما فی اللون، لذلک تکون علاقة الدالین (الصفرة والحمرة) بالمدلولین (جماعة الیمن ومضر) دلالة وضعیة؛ حیث إنّ وضع اللون الأصفر لجماعة الیمن، والأحمر لجماعة مضر تمّ اختیارهما على ید واضع من أهلهم.

ویقول فی البیت التالی: هذه أنوار الزهورکانت کاللؤلؤ قبل التنویر فی بیاضها، ثمّ انشقّ فخرج نوْره الأصفر کالزعفران.

هنا أیضا استخدم الشاعر بأسلوبه الأخّاذ فنّ التشبیه لیکشف عن علاقة أنوار الزهور بألوانها قبل تفتّحها ومن بعده، فعلاقة الدال نوْر الزهر ببیاضها قبل تفتحها، وکذلک اصفرارها بعد انشقاقها تعدّ دلالة طبیعیة یعود تفسیرها إلى دراسة فیزیولوجیة، ولکن باعتبار تشبیهها باللؤلؤ بیاضا قبل تفتّحها، وتشبیهها بالزعفران اصفرارا من بعد انشقاقها، فتکون دلالة وضعیة ابتکرها الشاعر بمخیلته وذوقه الفنی.

ویقول من بعده: أو من نوْر زهر ساطع فی حمرة ظاهرة کأنّما عصفره مُعصفر نزل من الهواء فحمّره.

هذه الأطیاف الملوّنة البدیعة التی أبدع بها فی تصویر هذه الروضة الساحرة ما تجعل ذهن المتلقّی یتمتّع من کشف علاقات الألوان بعضها ببعض، فنور الزهر مشرب الحمرة یسحر عین الناظر فیحاول الشاعر أن یأتی بمشبه به، وهو مادة خارجیة ملوّنة للزهر لون الزعفران حمرة، لیُعلم القارئ بحقیقة هذا اللون الذی هو مزیج من اللونین الأبیض الزاهر والأحمر، وعلیه فعلاقة الدال بالمدلول فی التشبیه دلالة وضعیة اخترعتها  بُنیات أفکاره النیرة فی وضعه الصائب الناتج عن خبرة فنیة بدلالات الألوان ومدى جمالیاتها فی تصویر الطبیعة.

ثمّ یقول: إنّ هذه الألوان المتنوّعة هی من صنیع الله سبحانه، ولولامحاسن لطفه ما صار الروض أصفر اللون من بعد ما کان مخضرّا ناضرا.

والشاهد السیمیائی فیه أنّ اللون الأصفر بطبیعته یدلّ غالبا على الجفاف والضحالة والضعف، وظهوره فی الطبیعة عند الخریف یدلّ على اصفرار أوراق الأشجار وعلى إثره سباتها حتّى حلول الربیع، کما أن اللون الأخضر یستشفّ منه الغضارة والحیاة والانتعاش، وفی الحقیقة عبّر باللونین عن الموت والحیاة الجدیدة للکون، والحال أنهما لفظان لا طباق بینهما أبدا، ولکن دلالة یتحقق الطباق معنى، وبصورة عامّة «یعدّ البدیع سمة بارزة فی جلّ قصائده لاسیّما المدائح منها.» (انظر: البفروئی، العامری، 2011م:131) وفضلا عن هذا التصویر فقدأشار بصورة تلمیحیة إلى قوله تعالى: ﴿وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا علیها الماء اهتزت وربت وأنبتت من کل زوج بهیج﴾ (الحج: 5) وتجدر الإشارة أنّ دلالات الألوان فی الطبیعة تختلف باختلاف الحالات؛ فالأصفر یکون جمیلا فی الزهور ومکروها فی الأوراق، وهکذا. ومهما یکن من أمر فتکون الدلالة بین الدالین الأصفر والأخضر ومدلولهما السبات والحیاة دلالة طبیعیة طبقا لما مرّ، وتجدر الإشارة إلى أن مجموع هذه الأبیات الشعریة تشکّل الصورة الکلیة عن الطبیعة فجاءت الأبیات متناسقة متلاحمة کالحلقات المتتالیة شدیدة الصلة، وهذه الصورة الشعریة الکلیة اعتنى بها النقاد الجدد، وأکدوا علیها شرحا وتفیصلا؛ لأنّها تعدّ عندهم بمنزلة حرکة شعریة حدیثة یجب الالتزام بها عند الشعراء الجدد تفرقة بینها وبین الصورة الجزئیة فی العصور القدیمة، ونلاحظ أنّ أبا تمام لم یکن بمعزل عنها بل أبدع إبدعا فیها لم نعهده فی الشعر القدیم إلا نادرا، ویعدّ ذلک من مظاهر التجدید فی تصاویره الشعریة.

ویقول متغزّلا فی مطلع قصیدته الدالیة التی مدح بها محمد بن یوسف الطائی: [البحر الوافر]

لَها مِن لَوعةِ البَینِ التدِامٌ[15]

 

یُعیدُ بَنفسَجاً وَردَ الخُدودِ
(أبو تمام، 2000م، ١٦٧:١)

یقول: إنّ اضطرابها بسبب فراق الحبیب یؤثّر فی خدّها زرقة،  فکأنّ ورد خدها قد صار بنفسجا.

إنّ أبا تمام له معرفة واسعة فی آثار الألوان وإیحاءاتها، وأصدائها المعنویة، فکأنّها تصرخ له بمکنون دلالاتها، ویظهر التحلیل السیمیائی من خلال المزاوجة واختلاط اللونین الأزرق والأحمر، فالأزرق بقرینة قوله: "لها..التدام" فمن أثر اللدم أی الاضطراب، ویجوز أیضا أن یکون اللدم بمعنى الضرب، یعتری الوجهُ الزرقة، ولما الزرقة ذابت وامتزجت بلون الخدّ الوردی عاد بنفسجا، وهذا تصویر بکر ابتکره بخیاله المجنّح؛ حیث إنّه رأى أنّ  لوعة الفراق تحدث زرقة کما أنّ الاضطراب أو الضرب یترک نفس الأثر، ولما کان لون الوجه وردیّا تحوّل بسبب اختلاطه بالزرقة إلى لون جدید فیه صفات اللونین اللّذیْنِ استحالتا، ولذلک یمکن القول: «إن معرفة القوانین التی تشرف على النظام اللغوی، وذلک بتحلیل نصوص لغویة بقصد ضبط المعانی المختلفة بأدوات محددة، وفی هذا سعی إلى تنویع التراکیب اللغویة لأداء وظائف دلالیة معینة، وهذا التنویع هو الذی یثری اللغة إثراء یحفظ أصول هذه اللغة ولا یکون حاجزاً أمام تطورها وتجددها.» (منقور عبدالجلیل، 2001م:52)

فبین الدال أی التدام والمدلول أی الزرقة دلالة طبیعیة، ویجوز أن یکون بینهما دلالة عقلیة؛ حیث إن العقل من الأثر فطن إلى المؤثر، وأمّا الطبیعیة یعود تفسیرهاإلى أمر فیزیولوجی لا داعی للتطرّق إلیه، وکذلک علاقة ممازجة لونی الأزرق والأحمر بالنسبة إلى حدوث اللون البنفسجیّ دلالة طبیعیة.

 


 

النتیجة

توصّلت الدراسة إلى نتائج مهمة من خلال تحلیل نماذج شعریة مرتبطة بالبحث السیمیائی تنمّ عن خبرة الشاعر فی الصیاغة الشعریة، وعمّا تحمل ألوان شعره من دلالات معنویة مختلفة، وکذلک معرفته بخواصّها الدلالیة، ودورها فی إثارة المشاعر، فالألوان فی شعره تحمل دلالات سیمیائیة عامة وهی المعروفة والمألوفة عند المتلقی کالأبیض الدال على النور والإشراق، والنقاوة والنزاهة کما أن الأسود بخلافه یدلّ على انعدام النور، والکدرة والتلوّث، وهناک دلالات سیمیائیة جزئیة خاصة بالموقف الذی أراد أبو تمام وصفه أو التعبیر عنه، وهی تحتلّ مکانة أسمى من الدلالات العامة لأنها تحدد رؤیة الشاعر للون من الألوان، فالنفس تدرک منها دلالات قد تختلف عن الخواص المادیة المعهودة لها مما تجعل القارئ أنیغور فی ثنایا النص الشعری لتلتمس تلک الرؤیة غیر المعهودة واستکناه دلالاتها استعانة بالعلامات المتمظهرة فی النص حتى یکتمل بناؤه الفنی؛ فالأبیض عنده یدلّ على الانتصار، والحریة، وانشراح الوجه، واللون الأسود یدلّ على الرقیّة وعبوس الوجه، واللون الأحمر یدلّ على الموت و الهلاک، کما یدل بالوضع على جماعة مضر، واللون الوردی یدل على حسن الوجه، والأخضر یدل على الانتعاش والحیویة فی الطبیعة، واللون الأصفر یدل على نفاد آخر دمعة من العین، کما أنه یدل أحیانا على الموت والجفاف، وبالوضع على جماعة الیمن، وأخیرا الألوان المرکبة فیها دلالة عقلیة کالبنفسجی الدال على الاضطراب والضرب،کما أنه یجوز أن یکون دلالته طبیعیة، واللون المزعفر والمعصفر فیهما دلالة وضعیة من مبتکر الشاعر، واتّضح أنّ الألوان لا تسخدم عنده عبثاً بل لأداء وظیفة تعبیریة وجمالیة، فإنه أحیانا یشحن شعره بأنواع الألوان المتباعدة أو المتقاربة دلالیا فی نسق واحد لغرض لفظی وبلاغی یضفیان على النص جمالیة معنى ولفظا، فإن ظاهرة التضاد والطباق والجناس مشهودة فی شعره حتى بین الألوان کالأبیض والأسود، واللون الوردیّ، وشواهده الشعریة تدلّ علی أنه یمیل فی التعبیر عن بعض المواقف التی عایشها إلى تفضیل ألوان معینة، کما أکّدت الدراسة أن طغیان استعمال ألوان معیّنة ما هو فی الحقیقة إلا ظاهرة فنیة عاطفیة أحسن أبوتمام توظیفها على أنّ جمیع الدلالات السیمیائیة الثلاث متوفرة فی تحلیلها وقد ساعدت على استکناه ما اختفى فی ثنایا النص،کما أنخواص الألوان تتغیّر على وفق مقتضى الحال والمعنى الذی یختلج فی صدره، فإنه یزاوج ویمازج بین الألوان الأصلیة بغیة الوصول إلى لون جدید یحمل دلالة جدیدة کالزعفرانی والبنفسجی، ما کان لهما قبل الممازجة وجودودلالة.



[1]. هو حبیب بن أوس الطائی ولد بقریة یقال لها جاسم 180ق (796م ). نشأ فی دمشق یعمل عند حائک ثم انتقل إلى حمص حیث نظم  قصائده الأولى، وحیث صادف الشاعرالشیعی دیک الجنّ. (انظر: ابن خلکان، لاتا، 184:3) وأخذ عنه بعض أسالیبه، وأخذ الشعر یتدفقّ على لسان أبی تمام. وبعد مدّة وصل إلى المعتصم وصار شاعره المقرّب، وکان قبل ذلک مطرودا محروما من قبل الخلفاء الذین کانوا قبل المعتصم. توفّی أبو تمام بالموصل،  واختلف فی تأریخ وفاته ما بین 231ق أو129ق أو232ق. (انظر: ابن خلکان، لاتا، 2: 11-16)

 

1-     تردّی به وارتدی بمعنی واحد أی لبس الرداء. (انظر: ابن منظور، 1405ق، 317:14) الأربد: جاء فی اللسان للأربد معنیان أو ثلاثة: الأول هو الأسود، والثانی هو الأسود المختلط بغبرة أو کُدرة، والثالث هو الأحمر المختلط بسواد. فهو فی کلّ حال لیس رمادیاً. وبما أنه ذکر الدجى، وهو أسود، فی الشطر الأول فإنّه یتبادر إلى الذهن أنه عنى بالأربد الأسود المختلط به ما کدّره وزاده سواداً. هکذا یصحّ معنى البیت، وبعکسه یکون هذراً. (ابن منظور، 1405ق، 170:3)

[3]. الهیجاء: الحرب. (ابن منظور، 1405م، 395:2)

[4].  قسمات الوجه:ج القسمة، الوجه، وقیل: ما أقبل علیک منه. (انظر: ابن منظور، 1405ق، 482:12)

[5]. الدراع: الذی علیه الدرع. (ابن منظور، 1405ق، 99:6) المعْلِم: الذی جعل لنفسه علامة الشجعان. (ابن منظور، 1405ق، 419:12)

[6]. الدریّة: یحتمل وجهین: أحدهما أن  یؤخذ من الدریّة، وهی حلقة یتعلّم بها الطعن، والآخر أن یؤخذ من الدریّة التی یستتر بها الرامی، والثانی أقرب إلى مراد الشاعر. (انظر: ابن منظور، 1405ق، 255:12-256) وقد تکون دریئة، فی الأصل، فتمّ تسهیل الهمزة. والدریئة هی کلّ ما یُدرأ به. (ابن منظور، 1405ق، 74:1) الأسد الورد: وهو ما بین الکمیت وهو الأحمر والأشقر. (ابن منظور، 1405ق، 456:3)

[7]. کلمة الجعد الأولی ضد السبط، یقال: رجل جعد أی هو منقبض عن المساوئ والمقابح. والثانیة فی قوله: ولیسَ بنانٌ یجُتدَى منهُ بِالجعدِ: أی إنه جواد، فهو وإن کان جعدا بنانه، منبسط الخیر. (انظر: ابن منظور، 1405ق، 3: 121-122)

[8]. اللبدة: الشعر المجتمع على زبرة الأسد. (ابن منظور، 1405ق، 387:3)

[9] الخرائد:ج الخریدة، البکر التی لم تُمسَسْ قطّ. (ابن منظور، 1405ق، 162:3) الأتراب: ج التِرْب، اللِّدة والسنّ، یقال: هذه ترب هذه أی لدتها. (ابن منظور، 1405ق، 231:1)

[10]. ترقرق الدمع: إذا جرى جریاً سهلا. (ابن منظور، 1405ق، 124:10)

[11]. الجمیم: النبت الذی یطول حتى یصیر مثل جمّة الشعر. (ابن منظور، 1405ق، 107:12)

[12]. تخفّرت: اشتدّ حیاؤها، من قولهم: خفرت المرأة خفرا وخفارة. (انظر: ابن منظور، 1405ق، 253:4)

[13]. الوهدات: ج الوهدة، المطمئن من الأرض والمکان المنخفض  کأنه حفرة. (ابن منظور، 1405ق، 741:3) النجاد: ج النجد، ما أشرف وارتفع واستوى من الأرض. (انظر: ابن منظور، 1405ق، 413:3)

[14]. عصب: ج العصابة، جماعة ما بین العشرة إلى الأربعین. (ابن منظور، 1405ق، 605:1) تیمّن: تعصّب لیمن. وتمضّر: تعصّب لمضر. (انظر: ابن منظور، 1405ق، 178:5)

[15] الالتدام: الاضطراب، ویجوز أن یکون بمعنی الضرب، من قولهم: لدمت المرأة صدرها تلدِمه لدما ضربته. (ابن منظور، 1405 ق، 539:12)

القرآن الکریم.

ابن خلکان، أبو العباس. (لاتا). وفیات الأعیان وأنباء أبناء الزمان. تحقیق: إحسان عباس. بیروت: دار الثقافة.

ابن منظور، محمد بن جلال. (1405ق). لسان العرب. قم: نشر ادب حوزة.

أبوتمام، حبیببن أوس. (2000م). دیوان أبی تمام. تحقیق: إیمان البقاعی، ط1، بیروت: مؤسسة الأعلمی للمنشورات.

مختار عمر، أحمد. (1997م). اللغة واللون. ط2. القاهرة: عالم الکتب للنشر والتوزیع.

الآمدی، الحسن بن بشر. (1944م). الموازنة بین أبی تمام والبحتری. تحقیق: محمد محی الدین عبدالحمید. لامک: لانا.

بالمر، إف.آر. (1985م). علم الدلالة. ترجمة: مجید الماشطة. العراق: جامعة المستنصریة.

شکیب، مصطفى. (لاتا). علم النفس الألوان: التأثیرات النفسیة للألوان. لامک: دار النشر الإلکترونی.

شولز، روبرت. (1994م). السیمیاء والتأویل. ترجمة: سعید غانمی. ط1، لامک: المؤسسة العربیة للدراسات والنشر.

ضیف، شوقی. (لاتا). الفن ومذاهبه فی الشعر العربی. ط14. القاهرة: دار المعارف.

الفاخوری، عادل. (1994م). علم الدلالة عند العرب دراسة مقارنة مع السیمیاء الحدیثة. ط2. بیروت: دار الطلیعة للطباعة والنشر.

کلود، عبید. (2013م). لألوان (دورها، تصنیفها، مصادرها، رمزیتها، ودلالتها). مراجعة وتقدیم: محمد حمود، ط1. بیروت: مجد المؤسسة الجامعیة للدراسات والنشر والتوزیع.

المسدی، عبدالسلام. (لاتا). الأسلوبیّة والأُسلوب. ط3، تونس: الدار العربیّة للکتاب.

المظفر، محمد رضا. (1427ه – 2006م). المنطق. الطبعة 3. بیروت: دار التعارف للمطبوعات.

منقور، عبدالجلیل. (2001م). علم الدلالة أصوله ومباحثه فی التراث العربی. دمشق: منشورات اتحاد الکتاب العرب.

 

الرسائل

أبو العون، أمل محمود. (2003م). «اللون وأبعاده فی الشعر الجاهلی». رسالة ماجستیر، بإشراف: إحسان الدیک. فلسطین: نابلس: کلیة الدراسات العلیا فی جامعة النجاح الوطنیة.

 المقالات

حمداوی، جمیل. (1997م). «السیمیوطیقیا والعنونة». مجلة عالم الفکر. ط3. الکویت. العدد3. صص65-82.

دفّة، بلقاسم. (2003م). «علم السیمیاء فی التراث العربی». مجلة التراث العربی. السنة الثالثة والعشرون. العدد91. صص68-79.

خفری، زهراء زارع. محترم عسکری وصادق عسکری. (1391ش/ 2012م). «لونیات ابن خفاجة الأندلسی». دراسات فی اللغة العربیة وآدابها فصلیة محکمة. السنة الثالثة. العدد 9. صص77-104.

السامرائی، یوسف طارق. (2006م). «انعکاسات الزمان والمکان واللون على شعر أبی تمام». مجلة کلیة الامام الأعظم. العدد2. صص1-22.

علاق، فاتح. (2009م). «التحلیل السیمیائی للخطاب الشعری فی النقد العربی المعاصر "مستویاته وإجراءاته"». مجلة جامعة دمشق. العدد1+2. صص149-166.

موسوی بفروئی، محمد. شاکر العامری. (1390ش-2011م). «مظاهر الإبداع فی مدائح أبی تمّام». مجلة دراسات فی اللغة العربیة وآدابها فصلیة محکمة. العدد5. صص125-136.

المیدنی، الأخضر ابن الحویلی. (2005م). «الفیض الفنی فی سمیائیة الألوان عند نزار قبانی؛ "دراسة سیمیائیة لغویة فی قصائد من الأعمال الشعریة الکاملة"». مجلة جامعة دمشق. المجلد21. العدد(3+4). صص111-135.