قراءة فی قصیدة "بطاقة هویة" لمحمود درویش فی ضوء نحو النص

نوع المستند : علمی پژوهشی

المؤلف

أستاذ مساعد بجامعة میریلاند، کولیج بارک، الولایات المتحدة الأمریکیة

المستخلص

نحو النص مصطلح من المصطلحات اللسانیة الحدیثة إذ یهدف إلى التحلیل اللغوی للنص، فهو نمطٌ من التحلیل ذو وسائل بحثیة مرکّبة، تمتدّ قدرتها التشخیصیة إلى مستوى ما وراء الجملة، بالإضافة إلى فحصها لعلاقة المکوّنات الترکیبیة داخل الجملة.
تهدف ﻫﺫﻩ ﺍلدﺭﺍﺴﺔ ﺇﻟﻰ معالجة نحو ﺍﻟﻨﺹ وتطبیقه على قصیدة "بطاقة هویة" لمحمود درویش. ﻭقد ساﺭ ﺍلبحث ﻟﺘﺤقیق مسعاه بما یقتضیه ﺍﻟﻤﻨﻬﺞ، ﻓﺘﻨﺎﻭل بدﺍیةً مفهوم نحو ﺍﻟﻨﺹ ﻭنشأته، ثم ﻋﺭﺽ ﻟﻐﺭضه ومهمته ﻭعناصره ﺍﻟﻨﺼﻴﺔ ﻭﻟﻤﺴﺎریه التطبیقیین ﻓﻲ قصیدة "بطاقة هویة" ﻭﻫﻤﺎ تفسیر الترابط ﺍﻟﻨﺼﻲ ضمن ﺍﻟﺴﻴﺎﻕ ﺍﻟﻠﻐﻭﻱ، وتفسیر الترابط ﺍﻟﻨﺼﻲ ﺍﻋﺘﻤﺎﺩاً ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻴﺎﻗﺎﺕ ﻏﻴﺭ اللغویة.
وخلصت الدراسة إلى أن هذا النص یتمتّع بإطار منسجم ومتماسک، وترتبط أجزائها بشکل متواصل ومتسلسل سواء فی الأبنیة الکلیة أو الجزئیة؛ فالتقنیات اللسانیة المستخدمة فی النص جاءت لتحقیق غرضه وهدفه. فمقاطعه الستة أو ما نسمیها بالأبنیة الکلیة، کلّها مترابطة ومتماسکة وعند تفکیک کل بنیة کبرى إلى أبنیة صغرى نجد الشاعر قد استخدم أسالیب لغویة -  لسانیة شتّى لتحسین صیرورة تکوّن النص. بالإضافة إلى ذلک، تبرز المعطیات اللغویة کالإحالات والحذف والتکرار والعطف بشکل جلی ّفی القصیدة بما یؤکد – مرة أخرى- قوة محمود درویش فی إنتاج العمل الإبداعی. کما تبیّن أن نص قصیدة "بطاقة هویة" قد ارتبطت قوالبه بعضها ببعض وشکّلت کلاً متکاملاً، فکانت تدلّ على فکرة متصلة من عنوانه وبدایته وجسده ونهایته ... بلغة تجبرنا على الاستمرار دون توقف.
 

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

A Reading of the Ode “Identity Card” Qasida ( Ode) in the Light of Linguistic Approach

المؤلف [English]

  • ali zaeri
المستخلص [English]

Text linguistics is a modern term referring to the study of linguistic elements of texts. In fact, it is a kind of analysis consisting of various methods and is characterized by its investigation into linguistic elements that are beyond the sentence level as well as the relationship among embedded elements of sentences. The present article attempts at exploring text linguistics. Then, it moves on to tap into this field of science in order to have a certain reading of Mahmoud Darwish’s “Identity Card”. Thus, the article first discusses the concept of text linguistics and the way it has been formed, and then goes on to explore its goals, duties, and linguistic elements. Then, it applies text linguistics in practice and on two bases on the ode“Identity Card”; the first basis is interpreting intra-textual coherence based on linguistic contexts and the other is interpreting such a coherence based on non-linguistic elements. The present study reveals that Darwish’s ode enjoys a cohesive and coherent framework and that its components are sequentially linked and intertwined with one another. In addition, techniques utilized in the text are thoroughly in line with the fulfillment of its goals. Therefore, the six stages of ode, which are known as the overall foundations, are completely coherent. Additionally, after breaking each of the overall foundations into smaller parts, we can see that the poet has tapped into a variety of linguistic techniques to improve the text development. Furthermore, linguistic data, such as references, omission, transition, and repetition are vividly seen in the text, which further add to Mahmoud Darwish’s poetic competency. This study also argues that the component textural elements of the ode “Identity Card” are properly inter-related and coherent, resulting in the overall unity of the ode. This unity is based on a coherent thought starting with the title, followed by the introduction, and body and ending in the conclusion, encouraging the reader to keep reading the text.  

الكلمات الرئيسية [English]

  • Text Linguistics
  • Linguistics
  • structure
  • Mahmoud Darwish

یعدّ نحو النص من الفروع الحدیثة فی علم اللسانیات، وهذا مصطلح من المصطلحات التی قررت لنفسها هدفاً واحداً وهو الوصف والدراسة اللغویة للأبنیة النصیة، وکذلک هو تحلیل المظاهر المتنوعة لجمیع أشکال التواصل النصی. وثمة مصطلحان آخران فی تحقیق هذا الهدف هما "علم النص"، و"نظریة النص"، ولکن مصطلح "نحو النص" أکثر اقتراباً من تحقیق الهدف وتوضیح صور التماسک والترابط النصی. بعبارة أخرى، نحو النص یتناول کل أشکال الأبنیة وأنواع السیاقات ومستویات اللغة، ودرجات الربط النحوی، والتماسک الدلالی والنماذج الهیکلیة المتنوعة.

ونظراً إلى حداثة نحو النص والأهمیة التی یحظى بها هذا العلم فی الساحة الأدبیة الغربیة، حاول عدد من اللسانیین العرب معالجة الأمر ما أدّى إلى تألیف وترجمة أعمال نظریة شتّى کـ"الأسلوبیة ونظریة النص" لإبراهیم خلیل، و"أصول تحلیل الخطاب" لمحد الشاوش، و"علم النص" لفان دیک. ولکن ما یمیّز هذه الدراسة عن سابقاتها أنها تحاول تبیین الأسس والمبادئ النظریة للبحث لیتسنّى للقارئ استیعاب الموضوع بشکل یسیر ومن ثمّ تطبیق النظریة على نص أدبی، وذلک بغیة الإجابة عن أسئلة منها: کیف ظهر وازدهر هذا العلم؟ ما هی مهام نحو النص؟ ما هی البنى النصیة؟ کیف یمکن تطبیق هذه النظریة على نص أدبی ومدى نجاح النص فی تحقیق الهدف المنشود؟ وفی سبیل الإجابة عن هذه الأسئلة اختار الباحث قصیدة "بطاقة هویة" لمحمود درویش وحاول تطبیق نظریة نحو النص علیها لنرى هل قصیدة محمود درویش تتمتع بمیزات نحو النص و ما مدى انسجام، وترابط وتماسک العناصر النصیة فی القصیدة و ما هی الأسالیب اللسانیة المستخدمة –سواء فی البنى الکلیة أو الجزئیة- فی العمل وهل یمکن تسمیته بکلّ متکامل؟

دراسة نظریة فی نحو النص

نحو النص (Text Linguistics) فرع من فروع علم اللغة، یدرس النص باعتباره الوحدة اللغویة الکبرى، ویبین جوانب عدیدة فیه منها التماسک والترابط ووسائله، وأنواعه، والإحالة أو المرجعیة وأنواعها، والسیاق النصی ودور المشارکین فی النص عند إنتاجه وتلقیه سواء کان منطوقاً أو مکتوباً. (الفقی، 2000م: 36)

ویذهب أغلب مؤرخی نحو النص إلى صعوبة نسبة هذا العلم إلى عالم معین أو حصره ببلدة أو بمدرسة أو باتجاه محدد، کما یصعب التأریخ له بسنة معینة، ولکنهم یرون أن ملامحه الممیزة ظهرت فی العقد الثامن من القرن العشرین (بحیری، 2001م: 1)، إذ شهدت الدراسات اللسانیة فی تلک الفترة تحولاً وتوجهاً نحو الاهتمام بقضایا النص واتخاذه موضوعاً للدراسة. (الشاوش، 2001م: 77)

وبعد ازدهار هذا الفرع المعرفی الجدید فی الثمانینات من القرن المنصرم، طرحت فی إطاره آراء عدیدة عن مهمة هذا العلم، ومنه ما هو متباین إلى حد ما، وأصبح الاعتماد على تصور موحد أمراً صعباً، ولکن برزت بین هذه الأطر جوامع مشترکة، منها: أن تلک الدراسات عالجت نصوصاً، وکانت فی معالجتها تسعى إلى إبراز الطبیعة الکلیة للنصوص من خلال الوصف والتحلیل وربط ذلک بالحاجات الاجتماعیة. (هاینه من، 1999: 3)

وهذه الجوامع المشترکة تخللها حدیث عن النتائج المرجوة من البحث النصی والمهام التی یمکنه القیام بها، فقد اتفقت آراء العدید ممن عالجوا النص وتکررت رؤاهم، إذ لا یغادرون – فی حدیثهم عن وظائف نحو النص ومهماته – أمرین هما:

أولاً: الوصف النصی

ثانیاً: التحلیل النصی. (الفقی، 2000م: 55)

ویشمل الوصف والتحلیل مختلف العلاقات الداخلیة والخارجیة للنص بأبنیته ومستویاته المختلفة، وشرح المظاهر العدیدة لأشکال التواصل واستخدام اللغة، وبیان التأثیرات التی تحدثها النصوص على المتلقین (فضل، 1996م: 318-319)، کما یشملان وصف الجوانب المختلفة لأشکال الاستعمال اللغوی وأشکال الاتصال وکیفیة قیام النص بوظائفه. (فان دایک، 2001م: 11)

فمهام نحو النص تتجاوز مهمة علم اللغة التقلیدیة، ولا تقتصر مهامه على مجرد تنظیم الحقائق اللغویة فحسب، ولا تقف عند المستویات اللغویة، والصوتیة، والصرفیة، والدلالیة من خلال وصف ظواهر کل مستوى وتحلیلها، وإنما تعدته إلى الاهتمام بالاتصال اللغوی وأطرافه وشروطه وقواعده وخواصه وآثاره، وأشکال التفاعل ومستویات الاستخدام وأوجه التأثیر التی تحققها الأشکال النصیة فی المتلقی، وأنواع المتلقین وصور التلقی وانفتاح النص وتعدد قراءاته (بحیری، 2001م: 162-163)، فهو یهدف إلى صیاغة نظریة نصیة عامة تشکل الأساس لوصف شامل للأشکال النصیة المتباینة وعلاقاتها المتبادلة یسهم بشکل فعال مع النظریة اللغویة فی تشکیل نظریة عامة للاتصال الفعلی الذی یتم عبر النص. (بحیری، 2000م: 146)

وهکذا، فمهمة نحو النص توضیح السمات والخواص الفردیة وأشکال الأبنیة وأنواع السیاقات ومستویات اللغة ودرجات الربط النحوی والترابط الدلالی، وتحلیل الخواص المعرفیة العامة التی تجعل من الممکن إنتاج البیانات النصیة المعقدة فی مرحلة الأداء، وإعادة إنتاجها فی مرحلة التلقی. (بحیری، 2001م: 143)

ومن مهمات نحو النص الأخرى التی توقعها فان دایک: أن یمکّن من صیاغة القواعد التی تمکننا من حصر کل النصوص النحویة فی لغة ما (المرجع نفسه: 156-157)، کما توقع دی جراند أن توثر مساهمات نحو النص فی دراسات الترجمة، لأنها أمر من أمور الأداء التی عجزت اللسانیات التقلیدیة عن تقدیم ما یساعدها فی الترجمة الآلیة. (بوجراند، 1998م: 576)

فالنص کیان متعدد المستویات یعرف تبعاً لمعاییر النصیة، تتفاعل فیه مجموعة من المرتکزات والتوقعات الداخلیة والخارجیة، تشترک فی معالجته مجموعة من الخبرات المتنوعة، من نفسیة واجتماعیة ولسانیة، لتبیان العلاقات القائمة بین المکونات النصیة وربطها بما یحیط بالنص من سیاق تواصلی وأبعاد نصیة. (المرجع نفسه: 89-96)

ولقد مثلت مقاربات تحلیل النص سیکولسانیاً، والربط بین الدلالة والتداولیة، صیرورة غنیة متشبعة، عنیت بالبحث فی مستویات النص ووحداته وقواعده لتتاح إمکانیة معاینة النص من خلال خصائص السیاق المعرفی والاجتماعی والإیدیولوجی للأشکال والدلالات والوظائف الناتجة عن مجموع البیانات النسقیة التی تتضمن الخطاب وتستوعبه. (یقطین، 2001م: 16)

ولما کان نحو النص نتاجاً لهذه الصیرورة، فقد سعى إلى معرفة القواعد التی تحکم بنیة المعنى فی النص ووضع إطار نظری یصف النص فی مستوییه الأفقی والعمودی، وینفذ إلى أعماقه، ویحاول الوقوف على جمیع العلاقات التی تساهم فی إنتاج الدلالة الکلیة المنبثقة عنه، دون أن یقتصر على الوحدات اللغویة الصرفة فی الکشف عن المکونات النصیة، وإنما یحاول دراسة النص، وتراکیب وأبنیة ووظائف، بمعاییر علمیة مشترکة (بحیری، 2001م: 219) من خلال المقابلة بین المحورین: الأفقی والعمودی، والبنیتین: النصیة الصغرى والکبرى.

أما البنیتان النصیتان: الصغرى والکبرى، فالأولى تشمل أبنیة النص النحویة والدلالیة التی تحددها الجمل أو المتوالیات الجمیلة وتتحکم فیها القواعد النحویة التی توصف من خلالها الجمل، وتشمل الثانیة النظام العام الذی یحکم حرکة النص، ویحدد الترتیب الکلی لأجزائه. (یقطین، 2001م: 330)

فطبیعة البنیة النصیة الکبرى الدلالیة، وتعلقها بمدى التماسک الکلی للنص تجعل من المتلقی محدداً أساسیاً لها، إذ إنّ مفهوم التماسک یرتبط کثیراً بمجال الفهم والتفسیر الذی یضیفه القارئ على النص؛ لأن المتلقی عندما یتلقى النص لا یتلقاه خلواً من أیة سابقة دلالیة، بل یتلقاه مزوّداً بالأعراف والتقالید القرائیة والثقافیة التی یوفرها له مجتمعه، فیصحّ لفهم النص عنده أفقان متقابلان: أفق النص، وأفق المتلقی، وهما ینصهران لیولدا عملیة القراءة أو التلقی (ریکور، 2003: 17) التی تساهم فی صنع الخطاب النصی.

فالتماسک النصی یتوقف على فهم المتلقین وتجاربهم ومعارفهم وأهدافهم، ولیس مجرد نوع من الظواهر الموضوعیة للقول فحسب، بل هو ظاهرة بنیویة تأویلیة دینامیکیة تتدخل فیها معارف شتى لتجعل من أجزاء النظام النصی کلّا موحداً تتخلله شبکة مترابطة من العلاقات الحمیمة. (فضل، 1996: 340)

وبذلک، فإن المعالجة النصیة ضمن هذا الإطار – نحو النص – تقتضی وصف الأشکال اللغویة ابتداءً من الوحدات الوظیفیة الشاملة، أی التی لها تأثیر جوهری فی بقیة العناصر، ومن ثَمّ الجوانب المحوریة الشاملة التی تبرز الموضوع الأساسی فی النص، ویرکّز فی ذلک کلّه على علاقة النص بالملقی وظروف الإلقاء ودور المشارکین فی العلمیة اللغویة، وکیفیة اختیار المبدع لأدواته اللغویة، ثم یأتی دور العناصر المکملة وغیرها من عناصر النص الثانویة.

وبناءً علیه، فإن الخطوات الإجرائیة التی سیتم معالجة النص وفقها ستکون على النحو التالی: (أبوزنید، 2009م: 51-52)

أولاً: النظر إلى الدائرة النصیة ومعالم النصیة، وذلک عبر:

  1. تحدید البنیة الکلیة للنص، وذلک من خلال البحث فی الدلالة العامة للنص، وإبراز أثر السیاق العام فی تحدید هذه الدلالة العامة.
  2. تحدید البنى النصیة الکبرى، وذلک من خلال حصر الأرکان العامة التی تتشکل منها البنیة الکلیة للنص، والتوقف عند أهم المحطات فی النص.
  3. تفکیک البنى النصیة الصغرى التی تشکل البنى النصیة الکبرى، وبیان الکیفیة التی تتماسک بها هذه البنى فیما بینها.
  4. أثر أدوات التماسک فی البنیة الکلیة للنص، والکفایة النصیة فیه.

ثانیاً: أداوت نحو النص وعلائقه التی تحکم النص من خلال البحث فی:

  1. الوحدة النصیة العامة: وتشمل موضوع النص، وقائله، وأین قیل النص، ومتى قیل، ولماذا قیل، والسیاق النصی الخاص، والإحالات الخارجیة.
  2. الوحدات النصیة الکبرى: وفیها یتم وصف النص شکلیاً، وتحدد الجوانب المحوریة التی تتفاعل عن طریق الترابط المفهومی والعناصر المنطقیة.
  3. الوحدات النصیة الصغرى: وتشمل وسائل الاتساق، وعناصر الترابط الوصفی وتعالق الوقائع مثل: الترتیب الزمنی، وعلاقة السبب بالنتیجة، والعلاقة بین معانی الکلمات الواردة فی الجمل.

دراسة تطبیقیة[1]

النص الشعری:

 سجِّل

أنا عربی

ورقمُ بطاقتی خمسونَ ألفْ

وأطفالی ثمانیةٌ

وتاسعهُم.. سیأتی بعدَ صیف!!

فهلْ تغضبْ؟

سجِّلْ

أنا عربی

وأعملُ مع رفاقِ الکدحِ فی محجرْ

وأطفالی ثمانیةٌ

أسلُّ لهمْ رغیفَ الخبزِ،

والأثوابَ والدفترْ

من الصخرِ

ولا أتوسَّلُ الصدقاتِ من بابِکْ

ولا أصغرْ

أمامَ بلاطِ أعتابکْ

فهل تغضب؟

سجّل

أنا عربی

أنا اسمٌ بلا لقبِ

صبورٌ فی بلادٍ کلُّ ما فیها

یعیشُ بفورةِ الغضبِ

جذوری

قبلَ میلادِ الزمانِ رستْ

وقبلَ تفتّحِ الحقبِ

وقبلَ السّروِ والزیتونِ

.. وقبلَ ترعرعِ العشبِ

أبی.. من أسرةِ المحراثِ

لا من سادةٍ نجبِ

وجدّی کانَ فلاحاً

بلا حسبٍ.. ولا نسبِ!

یعلّمنی شموخَ الشمسِ قبلَ قراءةِ الکتبِ

وبیتی کوخُ ناطورٍ

منَ الأعوادِ والقصبِ

فهل ترضیکَ منزلتی؟

أنا اسمٌ بلا لقبِ

سجلْ

أنا عربی

ولونُ الشعرِ.. فحمیٌّ

ولونُ العینِ.. بنیٌّ

ومیزاتی:

على رأسی عقالٌ فوقَ کوفیّه

وکفّی صلبةٌ کالصخرِ

تخمشُ من یلامسها

وعنوانی:

أنا من قریةٍ عزلاءَ منسیّهْ

شوارعُها بلا أسماء

وکلُّ رجالها فی الحقلِ والمحجرْ

فهل تغضبْ؟

سجِّل

أنا عربی

سلبتَ کرومَ أجدادی

وأرضاً کنتُ أفلحُها

أنا وجمیعُ أولادی

ولم تترکْ لنا.. ولکلِّ أحفادی

سوى هذی الصخورِ

فهل ستأخذها

حکومتکمْ.. کما قیلا؟

إذنْ

سجِّل.. برأسِ الصفحةِ الأولى

أنا لا أکرهُ الناسَ

ولا أسطو على أحدٍ

ولکنّی.. إذا ما جعتُ

آکلُ لحمَ مغتصبی

حذارِ.. حذارِ.. من جوعی

ومن غضبی!! (درویش، 1964م)

أولاً: النظریة التفصیلیة

البنیة الکلیة للنص:

موضوع النص:

هذا النص المعنون بـ"بطاقة هویة" کان مرآة لشاعر ذاق مرّ الاحتلال واغتصاب الأرض، فعبّر الشاعر عن نفسه وتجاربه تعبیراً مباشراً، بل خطابیاً صاخباً فی معظم الأحیان، فیقول:

سجِّل

أنا عربی

ورقمُ بطاقتی خمسونَ ألفْ

وأطفالی ثمانیةٌ

وتاسعهُم.. سیأتی بعدَ صیف!

فهلْ تغضبْ؟

سجِّلْ

أنا عربی

وأعملُ مع رفاقِ الکدحِ فی محجرْ

وأطفالی ثمانیةٌ

أسلُّ لهمْ رغیفَ الخبزِ،

والأثوابَ والدفترْ

من الصخرِ

ولا أتوسَّلُ الصدقاتِ من بابِکْ

ولا أصغرْ

أمامَ بلاطِ أعتابکْ

فهل تغضب؟

سجّل

أنا عربی

ویمضی النص بهذه الصورة المباشرة الخطابیة الصارخة التی تذکرنا بالهتاف بالمظاهرات، وتذکرنا، أیضاً، بالشعر القدیم وخاصة شعر الفخر فی صوته المرتفع وموسیقاه الصاخبة وخطابیته العالیة، ولکن محمود درویش یختلف عن أولئک المفتخرین فی الشعر القدیم بالفکر ونزعتهم المتعالیة والقبلیة المتعصبة.

لماذا قیل النص؟

فموقفه فی هذا النص موقف المدافع عن النفس ضد الاضطهاد الذی تصبه إسرائیل على وطنه فتحاول أن تثبت أن العربی بلا قیمة أو أهمیة.

فنص "بطاقة هویة" یُعرّف درویش بأنه شاعر له هویة عربیة، فنجد "أنا" الشاعر جاءت تمثل إنساناً فلسطینیاً عادیاً، حیاته مألوفة یعمل فی الحقل لکنه تمرد على الصهیونیة وعادى الظلم ... ومع ذلک لا یحمل حقداً على یهودی ولا یحمل نزعة عنصریة متعصبة ... لأن العدو محدد ومعروف بمنتهى الوضوح، فالعدو مستغل ومحتل وغاصب ... فیقول:

سجِّل

أنا عربی

سلبتَ کرومَ أجدادی

وأرضاً کنتُ أفلحُها

أنا وجمیعُ أولادی

ولم تترکْ لنا.. ولکلِّ أحفادی

سوى هذی الصخورِ

فهل ستأخذها

حکومتکمْ.. کما قیلا؟

إذنْ

سجِّل.. برأسِ الصفحةِ الأولى

أنا لا أکرهُ الناسَ

ولا أسطو على أحدٍ

ولکنّی.. إذا ما جعتُ

آکلُ لحمَ مغتصبی

حذارِ.. حذارِ.. من جوعی

ومن غضبی!!

      لمن قیل النص؟

قیل هذا النص للمحتل، لأنه یکره الاستغلال مهما کان مصدره، ویرفض موقفهم من العرب ثم یعلن أنه کأی عربی لا یکره الناس وإنما یکره المغتصبین لأنهم مغتصبون، فهذا المنطق الذی یسود نصه فهو منطق إنسانی سلیم ... (النقاش، لاتا: 128-130)

إذن، کان النص تفاصیل بطاقة هویة لإنسان بسیط یعانی الأمرین من المحتل.

البنى النصیة الکبرى

إن النص الذی نتعامل معه، نص شعری، ملتزم بالتفعیلة، وجاء النص فی مقاطع ستة، کلّها مترابطة ومتماسکة، وکانت على النحو التالیة:

البنیة الأولى: تعریف بذات الشاعر وأنه عربی، وله رقم بطاقة وعنده ثمانیة أطفال.

وفی البنیة الثانیة: ذکر لمهنته التی یکسب بها رزقه وهی العمل فی محجر مع رفاق الکدح.

    وفی البینة الثالثة: إثبات لمکان وزمان الولادة لأجداده وأبیه ولنفسه، وذلک على أرض فلسطین، التی هی ملک لهم جمیعاً.

وفی البنیة الرابعة: انتقل الشاعر لذکر أوصافه الخلقیة من لون الشعر والعینین وکذلک ذکر لوصف لباسه التراثی له ولأبناء شعبه، وحدد مکان إقامته فی قریة عزلاء، کل سکانها یعملون فی محجر وفی الحقل.

    وفی البنیة الخامسة: بدأ یکشف الحقائق بأن المحتل سلب أرض أجداده وکروم وطنه، والعدو یفکر فی أخذ الصخور.

وفی البنیة الأخیرة: یعلن الغضب لمن یسرق ویسلب، ویهدد بأنه یأکل لحم مغتصبه.

البنى النصیة الصغرى

وعند تفکیک البنى النصیة الکبرى إلى البنى الصغرى، نجدها ترتبط بهویة الإنسان البسیط الذی یحاول إثبات أحقیته فی الأرض، وأنه سیقف فی وجه المغتصب الذی سلب أرضه.

ومن البنى الصغرى:

  1. سجل أنا عربی: جملة ابتدأت بها المقاطع الستة فکانت بمثابة الکلمات المفاتیح للنص، وبها ارتبطت المقاطع حتى شکلت وحدة مترابطة، وتحمل لغة التحدی للعدو ولغة الإثبات للإنسان البسیط.
  2. أنا اسم بلا لقب: تدل هذه البنیة على إنسان بسیط، لا یمتلک الألقاب ولا الشهرة.
  3. وجاءت بنیة الجملة "الظرفیة المبدوءة بـ قبل":

قبل میلاد الزمان

قبل تفتح الحقب

قبل السرو

قبل ترعرع العشب

لتدل على أحقیة إثبات الذات فی هذه الارض...

  1. فهل تغضب؟

بنیة استفهامیة کانت قفلاً للمقطعین الأول والثانی، وفیها سخریة وتعجب من العدو.

  1. حذار .. حذار: کانت نهایة القصیدة باستخدام اسم فعل الأمر، فالشاعر استخدم لغة التحذیر التی لا مجال بعدها للتراجع عن حقوقه.

ثانیاً: نحو النص والمعطیات اللغویة (الاتساق وتحقیق الرؤى)

  1. الإحالة:

نجد الشاعر استخدم لعبة الضمائر القبلیة والبعدیة، وزاوج بین المخاطب والمتکلم والغائب فکان التفاته یضفی على النص روح الانسجام. فالشاعر بدأ بجملة (سجّل أنا عربی) فنجده یخاطب، بلغة التحدی مستخدما الفعل المضعف لیدلّ على المبالغة .. وانتقل من الخطاب إلى ضمیر المتکلم "أنا" واستخدم ضمیر "یاء" المتکلم فی بطاقتی وأطفالی ... وبعدها انتقل إلى ضمیر الغائب الذی یعود على أطفاله بقوله "تاسعهم" وأیضاً "سیأتی" ثم عاد إلى المخاطب بقوله: هل تغضب؟!

هذه المزاوجة استمرت فی کل القصیدة، وعاد ضمیر المتکلم لیسیطر على المقطع الثانی فی قوله "أسل" "ولا أتوسل" ولا أصغر" وعاد للخطاب فی قوله "أعاتبک"، "تغضب".

ونجد ضمیر المتکلم "الیاء" قد استعمله فی المقطع الثالث فی تعریف هویة أبیه وجده: "أبی" و "جدی" وإنهما إنسانان بسیطان یعملان فی الحراثة والحقول ... أی أنهما من المجتمع الریفی الذی یحب الأرض ویعشقها، ودلیل ذلک إثبات لحقهم فی أرضهم. ثم یعود لمخاطبة الآخر بقوله "فهل ترضیک" ویعود لضمیر المتکلم بقوله "منزلتی". وفی المقطع الرابع انتقل من المتکلم بعد تعریف مظهره ووصف لون شعره وعینیه ومیزاته وکفه وعنوانه، إلى ضمیر الغائب فی قوله: "یلامسها"، "شوارعها"، و"رجالها" ثم عاد للمخاطب بقوله "فهل تغضب؟"

وفی المقطع الخامس بدأ مخاطباً "سجّل" وانتقل إلى المتکلم "أنا" وعاد إلى مخاطبة العدو "سلبت" ثمّ عاد إلى المتکلم "أجدادی"، "أنا"، "أولادی"، "لنا" و"أحفادی" وبعدها انتقل إلى الغائب بقوله "ستأخذها" وانتقل إلى المخاطب "حکومتکم".

وفی المقطع الأخیر ظهرت فکرة الأنا فی قوله:

أنا لا أکرهُ الناسَ

ولا أسطو على أحدٍ

ولکنّی.. إذا ما جعتُ

آکلُ لحمَ مغتصبی

حذارِ.. حذارِ.. من جوعی

                                     ومن غضبی!!

إن حرکة الضمائر کانت تسیر وفق منهج الفعل وردة الفعل، واتضح ذلک عندی فی بدایة القصیدة إذ ظهرت لغة التحدی فی مخاطبة الآخر بقوله "سجل" وفی ثنایاه یعرف بذاته وهویته وحال أبیه وجده وأنهما یرمزان لکل مواطن أو لنقل فلاح فلسطینی ... ثم یأتی سخطه على الغاضب مخاطبه فی قوله: "سلبت"، "فهل ستأخذها حکومتکم" ... وتفجرت الأنا التی تعبر عن ردة الفعل والقهر فی أنا لن تسکت بقوله:

ولکنّی.. إذا ما جعتُ

آکلُ لحمَ مغتصبی

حذارِ.. حذارِ.. من جوعی

ومن غضبی!!

ومن خلال التقدیم السابق نجد الإحالة الضمیریة أخذت صوراً عدة منها:

  1. فعل أمر + ضمیر مستتر مخاطب + ضمیر متکلم + اسم منسوب = سجل أنا عربی.
  2. فعل مضارع + ضمیر مستتر متکلم = أعمل وأسل وأتوسل.
  3. اسم + ضمیر المتکلم (الیاء)= أطفالی وأولادی وأبی وجدی وأجدادی ومیزاتی وکفی وجوعی وغضبی..
  4. اسم + ضمیر المخاطب (الکاف) = بابک وأعتابک وحکومتکم.
  5. ضمیر المتکلم + مصدر صریح = أنا اسم بلا لقب.
  6. ضمیر المتکلم + حرف جر + اسم = أنا من قریة عزلاء.
  7. حرف استفهام + فعل مضارع + ضمیر مستتر مخاطب = فهل تغضب.

ونجد الإحالة فی بعض أجزاء النص ارتبطت بالزمان، وذلک لإثبات الأحقیة فی الوجود على هذه الأرض – فلسطین – ومن ذلک قوله:

سجّل

أنا عربی

أنا اسمٌ بلا لقبِ

صبورٌ فی بلادٍ کلُّ ما فیها

یعیشُ بفورةِ الغضبِ

جذوری

قبلَ میلادِ الزمانِ رستْ

وقبلَ تفتّحِ الحقبِ

وقبلَ السّروِ والزیتونِ

وقبلَ ترعرعِ العشبِ

فنجد کلمة "قبل" تحمل الدلالة الزمنیة التاریخیة.

ومن خلال تتبعی للإحالات فی القصیدة وجدتها فی أغلبها قبلیة (إحالة على السابق)، ومن ذلک قوله: "تاسعهم" ضمیر "هم" یعود على أطفاله السابقین الذکر، "صبور فی بلاد کل ما فیها" وضمیر الهاء یعود على البلاد، "وکفی صلبة کالصخر... تخمش من یلامسها" فضمیر الهاء یعود على الکف.

والنوع الآخر من الإحالات إحالة بعدیة (إحالة على اللاحق) ومن ذلک قوله:

ولم تترک لنا .. ولکل أحفادی

سوى هذی الصخور

فنجد اسم الإشارة (هذی) یعود على الصخور

  1. الحذف:

إن المتأمل لهذا النص سیجد الشاعر حذف بعض کلمات النص وجعل القارئ یفکر فی إتمام المعنى والوصول للدلالة ... وهذا الحذف لم یکن عشوائیاً وإنما قدم للنص إضافات من متلقیه، وهذه بعض الأمثال:

  • ·        فی المقطع الأول:

وأطفالی ثمانیة

وتاسعهم ... سیأتی بعد صیف

نجد الشاعر وضع علامة الترقیم "..." للدلالة على أن عدد الاطفال لا یمکن حصره یا عدوی، فحمل الحذف دلالة الکثرة.

  • ·        فی المقطع الثانی:

أسل لهم رغیف الخبز

 

والأثواب والدفتر

من الصخر...

ودلیل ذلک أنه لم یستسلم وسیکافح من أجل أبنائه وسنتزع لقمة الخبز من أی مکان.

  • ·        وفی المقطع الثالث:

قبل میلاد الزمان رست

وقبل تفتح الحقب

وقبل السرو والزیتون

... وقبل ترعرع العشب

یرید إثبات أن الأرض ملک شعبه منذ القدم.

  • ·        وفی المقطع الرابع:

أبی ... من أسرة المحراث

لا من سادة نجب

وجدی کان فلاحاً

بلا حسب .. ولا نسب

یرید إثبات أن أباه وجده وشعبه من هذه الأرض، وأنهم من البسطاء الریفیین الذین یعشقون أرضهم.

  • فی المقطع الخامس:

ولم تترک لنا .. ولکل احفادی

سوى هذی الصخور

فهل ستأخذها

حکومتکم .. کما قیلا!

الشاعر یعرف أموراً کثیرة عن تلک الحکومة الغاضبة أموراً یجهلها شعبه غیر المعلن أمام العالم.

  • فی المقطع الأخیر:

ولکنی .. إذا ما جعتُ

آکلُ لحم مغتصبی

حذارِ .. حذارِ .. من جوعی

ومن غضبی !!

نجد الشاعر طفح کیله؛ لأن الأمور اتضحت فهو یستدرک بحزم، ونجده یتوعد ویهدد باسم فعل الأمر لأن الأمور زادت عن حدها.

  1. العطف:

إذا تتبعنا حالات العطف الواردة فی النص وجدنا أن:

  1. أداة العطف الواردة فی النص کانت الواو.
  2. کانت حالات العطف الواردة لفظة على لفظة، ومنها:

سجل

أنا عربی

ورقم بطاقتی خمسون الف

وأطفالی ثمانیة

وتاسعهم... سیأتی بعد صیف

أسل لهم رغیف الخبز

والأثواب والدفتر

سلبت کروم أجدادی

وأرضاً کنت أفلحها

وبیتی کوخ ناطور

من الأعواد والقصب

  1. نجد عطف جملة على جملة، مثل:

أسل لهم رغیف الخبز

والأثواب والدفتر

من الصخر

ولا أتوسل الصدقات من بابک

ولا أصغر

أمام بلاط اعتابک

فالعطف جعل من کلمات وجمل النص نسقاً متصلاً، وکأنها کلّ متکامل.

وقد ربط الشاعر المقاطع الخمسة الأولى بالمقطع الأخیر عند استخدام "إذن" التی کانت نهایة وخاتمة لهذه البطاقة، وکانت عبارة عن خلاصة القول، لهذا المحتل الذی تجبر وسلب واحتل أرضنا ...، فکان استخدام "إذن" نتیجة حتمیة لأفعالهم.

  1. الاتساق المعجمی:

    التکرار التام:

عند قراءة ملمح التکرار فی هذه القصیدة، تجده ظاهرة بارزة، وقد ظهر من أولها إلى آخرها، فنجد ذلک فیما یلی:

  • جملة "سجل أنا عربی" تکررت ستّ مرات وبذلک کانت مع کل بدایة مقطع وکانت تحمل دلالة جدیدة، ففی المقطع الأول حمل التسجیل ورقم البطاقة وعدد الأطفال... وفی المقطع الثانی حمل التسجیل مهنة العمل وکانت فی المحجر... وفی المقطع الثالث التسجیل لمکان الولادة وبأنهم الأقدم وهذه الأرض أرض الآباء والأجداد وذلک قبل میلاد الزمان رست الجذور... والمقطع الرابع سجل فی البطاقة لون شعری وعینی وأنی أضع عقالاً فوق رأسی وکوفیة وکذلک کفی صلبة، وأسکن فی قریة ورجالها فی الحقل والمحجر ... وفی المقطع الخامس کانت کلمة التسجیل هنا تحمل طابع الإدانة فأنتم من سلبتم أرض أجدادی، وأرضی أنا وأولادی، وترکتم لی الصخور، وحکومتکم ستأخذها... وفی المقطع الأخیر سجل أننی سآکل لحم مغتصبی فاحذر من غضبی.

فنجد کلمة "سجل" مخاطبة للآخر فی تحد وهذه البیانات موجودة فی مجملها على أی بطاقة، فأنت تقرأ من البدایة للنهایة لتصل إلى تفاصیل البطاقة.

  • جملة "أنا اسم بلا لقب" تکررت مرتین لیثبت أنه مواطن عادی، وصاحب مبدأ.
  • تکرار ظرف الزمان " قبل" فی المقطع الثالث خمس مرات لیثبت الأحقیة فی الأرض منذ القدم.
  • تکرر سؤال السخریة من العدو بعدم تقدیم تفاصیل البطاقة وذلک مع نهایة  المقطع الأول والثانی والرابع، أی ثلاث مرات.
  • ونجد ضمیر المتکلم "أنا" قد تکرر عشر مرات وبذلک قصد إثبات الذات من أجل إثبات حق الشعب فهو عبّر عن اللاوعی الفردی وأراد اللاوعی الجمعی.
  • وکذلک ضمیر المتکلم "الیاء" تکرر ستّة عشرة مرة : أطفالی، بطاقتی، أبی، جدی، منزلتی، أولادی، أحفادی، مغتصبی، جوعی، غضبی، جذوری، بیتی، میزاتی، کفی، عنوانی، وأجدادی.

فأفاد تکرار الضمیر استمراریة فرضت على النص وحدة الاتصال، فخلا الخطاب النصی من الانقطاع والفجوات، ونجد أن هذا الضمیر قدم سلسلة ممتدة فی النص، من جذوری إلى أجدادی إلى جدی إلى أبی إلى أولادی وأطفالی إلى أحفادی .. وکلها مرتبطة بعنوانی وبیتی.

  • تکررت کلمة "حذار" مرتین وکانت فی خاتمة القصیدة، لتدل على طفح الکیل وقمة الغضب؛ فأنا أحذرک من ممارستک التی أصبحت لا تطاق.

مما تقدم نجد التکرار أدّى دوراً مهماً فی ربط أجزاء النص، فأصبح وکأنه کتلة واحدة وکذلک، هی البطاقة لا یمکن لمتصفحها إلا قراءتها متصلة.ونجد ملمحاً للتکرار الجزئی تمثل فی: تغضب والغضب وغضبی.

النتیجة

نحو النص من العلوم الجدیدة فی اللسانیات إذ أفرد له الکثیر من اللسانیین وعلماء اللغة والنقد. فحاولت فی بحثی هذا أن أعرض للإطار النظری للموضوع وفقاً لأهم النظریات العالمیة والعربیة المطروحة فی هذا المجال. فبعد تقدیم تعریف عن نظریة نحو النص ونشأته، تطرقت إلى مهامه من خلال الأدوات المستخدمة فی عملیة القراءة والتحلیل کالتماسک والانسجام وأبنیة التطابق والتنویعات الترکیبیة وتوزیعاتها فی نصوص فردیة، وغیرها من الظواهر الترکیبیة التی تخرج عن إطار الجملة المفردة، والتی لا یمکن تفسیرها تفسیراً کاملاً دقیقاً إلا من خلال وحدة النص الکلیة.

ومع قراءة نقدیة-لسانیة فی قصیدة "بطاقة هویة" لاحظنا أن هذا النص یتمتع بإطار منسجم ومتماسک، وترتبط أجزائها بعضها ببعض بشکل متواصل ومتسلسل. ففی البنى الکلیة للنص، أن مقاطعها الستة مترابطة، ومتماسکة، ومتسلسلة الفکر والهدف. أما فی البنى النصیة الصغرى وبعد تفکیکها عن البنى الکبرى فتبین ارتباطها بهویة إنسان مضطهد سُلبت أرضه فیحاول الوقوف فی وجه عدوه المغتصب. فاستخدام الشاعر لعبةَ الضمائر والمزاوجة بین أنواع الضمیر والإحالات الموجودة، والحذف المتعمّد، وحالات العطف وکذلک الاتساق المعجمی من خلال التکرار التام، کلها تدلّ على متانة النص الإبداعی لدرویش.بعبارة أخرى، هذا النص قد ارتبطت قوالبه بعضها ببعض وشکلت کلاً متکاملاً، فکانت تدلّ على فکرة متصلة من عنوانه وبدایته وجسده ونهایته ... بلغة تجبرنا على الاستمرار دون توقف وهذا ما یؤکد أهمیة نحو النص فی تقییم العمل الإبداعی.



[1] . لقد کتبت هذا المقال من ضمن متطلبات مادة اللسانیات الحدیثة فی العام الدراسی 2010/2009م، وذلک خلال دراستی دکتوراه الأدب المقارن بالجامعة الأردنیة. وبطبیعة الحال، قمت بطباعة البحث وتوزیعه علی الطلبة بغیة المشارکة والمناقشة فی المحاضرات إلا أننی أدرکت لاحقا (بعد التخرج) أن أحد الطلبة نشر الجزء التطبیقی فی موقع إلکترونی غیر أکادیمی دون إذن الباحث ومن ثم أخذت بعض المواقع الأخری تنشره بدون ذکر اسم المؤلف. فما قد ترونه من البحث فی بعض المواقع هو مسروق وغیر مکتمل. (المؤلف)

 

أبو زنید، عثمان. (2009). نحو النص: إطار نظری ودراسات تطبیقیة. إربد: عالم الکتب الحدیث.
بحیری، سعید حسن. (2000). اتجاهات لغویة معاصرة فی تحلیل النص. القاهرة: الشرکة المصریة العالمیة للنشر.
ــــــــ (2001). علم لغة النص:المفاهیم والاتجاهات. الطبعة الأولى. القاهرة: الشرکة المصریة العالمیة للنشر.
بوجراند، روبرت دی. (1998). النص والخطاب والإجراء. ترجمة: تمام حسان. القاهرة: عالم الکتب.
خلیل، إبراهیم. (1997). الأسلوبیة ونظریة النص. بیروت: المؤسسة العربیة للدراسات والنشر.
درویش، محمود. (1964). دیوان أوراق الزیتون. بیروت: دار العلم للملائین.
ریکور، بول. (2003). نظریة التأویل: الخطاب وفائض المعنى. ترجمة: سعید الغانمی. الطبعة الأولى. بیروت: المرکز الثقافی العربی.
الشاوش، محمد. (2001). أصول تحلیل الخطاب فی النظریة النحویة العربیة: تأسیس نحو النص. بیروت: المؤسسة العربیة للتوزیع.
العبد، محمد. (1989). اللغة والإبداع الأدبی. القاهرة: دار الفکر للدراسات والنشر والتوزیع.
فان دیک، تون. (2001). علم النص: مدخل متداخل الاختصاصات. ترجمة: سعید حسین بحیری. القاهرة: دار القاهرة للکتاب.
فضل، صلاح. (1996). بلاغة الخطاب وعلم النص. القاهرة: الشرکة المصریة العالمیة للنشر.
الفقی، صبحی. (2000). علم اللغة النصی بین النظریة والتطبیق. القاهرة: دار قباء للنشر.
النقاش، رجاء. (لاتا). محمود درویش، شاعر الارض المحتلة، بیروت: المرکز الثقافی العربی.
هاینه من، فولفجانج وفیهفیجر. دیتر. (1999). مدخل إلى علم اللغة النصی. ترجمة: فالح بنه شیب العجمی، الریاض: منشورات جامعة الملک سعود.
یقطین، سعید. (2001). انفتاح النص الروائی: النص والسیاق.  الطبعة الثانیة. الدار البیضاء وبیروت: المرکز الثقافی العربی.