قراءة سوسیولوجیة فی تجدید أبی نواس الشعری

نوع المستند: علمی پژوهشی

المؤلف

أستاذة مساعدة فی قسم اللغة العربیة وآدابها بجامعة قم، قم، ایران

المستخلص

أبونواس حسن بن هانئ، الشاعر الإیرانی (196ق) یعدّ من کبار شعراء العرب وعباقرته علی الإطلاق، ومحاولاته التجدیدیة فی الشعر من القضایا الأدبیة الکبری التی أثارت دراسات أدبیةونقدیة علی مرّ العصور. قد ذکرت أسباب شتّی لهذه الظاهرة الأدبیة الهامة فی مختلف المصادر والمراجع، ولکن هذا البحث قام باستقصاء دعوة أبی نواس التجدیدیة من منظور سوسیولوجبا الأدب، واستهدف دراسة أحکام هذه المنهجیة الحدیثة من خلال المقدمات الطللیة فی بعض المدائح النواسیة وقیاسها بالعناصر المستحدثة فی فواتح بعض قصائده الأخری، مضافاً إلی معالجة أسباب ظهور هذه النزعة الأدبیة فی تلک الفترة التی عاش فیها أبونواس. لقد تناولت هذه المقالة أشعار أبی نواس علی المنهج الوصفی التحلیلی، وقد وجدت أنّ تجدید أبی نواس الشعری جاء إثر نزعته الشیعیة المبنیة علی مواقف الرفض والثورة، والتناقضات الموجودة فی العصر العباسی الأول التی سادت من خلال نشوء الطبقات الاجتماعیة الجدیدة، والتغیّرات السریعة التی حدثت جرّاء امتزاج الثقافة العربیة بالثقافات الأخری کما لیس ینبغی أن یُهمل دور تضّاد القیم والمعاییر الاجتماعیة القدیمة والحدیثة، وعدم تطابق الإیدئولوجیة القدیمة والظروف الراهنة، وعدم توافقهما عند المثقفین فی المجتمع العباسی آنذاک.

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

A Sociological Reading of Poetic Innovations in AbuNuwas’s Poetry

المؤلف [English]

  • Azade montazeri
PhD Candidate of Arabic Language and Literature , Isfahan University , Iran.
المستخلص [English]

Abu Nuwas Hasan Ibn Hani,Persian poet, is one of the greatest poets in Arabic literature and his innovative effortsinthe poetry have been followed by different Studiesanddiscussions throughtheages. In this study, it is tried to analyze  AbuNuwas'spoetic innovations based on sociological  reading .It is aimed  to find motives and reasons for this literaryeventinthefirstAbbasid period, like hisShiitetendenciesand appearanceof new socialclasses whichcameaftermixing ofArabculturewith other cultures,in addition to contradictions and the rapid changes in the new society. 

الكلمات الرئيسية [English]

  • firstAbbasid period
  • poeticinnovations
  • AbuNuwas
  • sociological reading

إنّ الأدباء والفنّانین هم أبناء بیئتهم؛ منها ینهلون ویتناولون ویغرفون وفیها تشع إنتاجاتهم وتتدفق إبداعاتهم، والعلاقة بین الأدب والمجتمع علاقة جذریة متماسکة حیث یسمّی الأدبُ مرآة المجتمع، فلا ینتج أدب إلّا فی الجماعة ومتأثراً بها، إذ إن الأدیب لا یکتب نصاً لیتمتّع به وحدَه دون الآخرین، ولا یقول شعراً لیسمعه وحدَه، ولا یقتبس صُوره وقیمَه إلاّ من الثقافة التی تلقّاها منذ الصغرواکتسبه من تجاربه فی بیئته، ومن المستحیل أن یشعر بالرضی والراحة إلاّ عندما یجد من یقرأ نصه أو یستمع إلیه أو یواجه من یتمتع بالفن فیشارکه فی أحاسیسه المبدَعة.

ضرورة البحث وأهدافه

لا یخفی علی أی باحث فی الأدب العربی أن أهمیة الشعر عند العرب بالقیاس إلی الفنون الأدبیة کبیرة لا یمکن مقارنتها بأیّ فنّ أدیی آخر، فقد کان من أهمیته أنهم اعتبروا الشعر دیوانهم الذی سجّلوا فیه مآثرهم ومفاخرهم وأخبارهم وأیامهم. ولاسیما إذا کان «الشعر فی العصر العباسی الذی یعدّ أطول العصور الأدبیة زمناً وأکثرها تقدّماً وتفنناً وحضارةً ولأنّه العصر الذی نبغ فیه من الشعراء الکبار الذین لا یطاولهم شاعرٌ فی عصر آخر.» (السامرایی، 1426ق: 4) منهم أبونواس (196ق) الذی عُرف فی "طبقات الشعراء" بأنّه کان «عالماً فقیهاً، عارفاً بالاحکام والفتیا، بصیراً بالاختلاف، صاحب حفظ ونظر ومعرفة بطرق الحدیث، یعرف ناسخ القرآن ومنسوخه ومحکمه ومتشابهه، وقد تأدّب بالبصرة، وهی یومئذٍ أکثر بلاد الله علماً وفقهاً وأدباً، وکان أحفظ لأشعار القدماء والمخضرمین وأوائل الإسلامیین والمحدثین.» (ابن المعتز، 1978م: 201) مضافاً إلی ذلک کلّه أن الباحثین قد اعتبروا أبانواس زعیم الثورة التجدیدیة رغم اختلافهم فی تحدید أبعاد هذه الثورة، وسعتها ومدی تأثیرها فی فن الشعر العربی بصورة عامة.

وثمة قراءات عدیدة تکمن فی کل نص أدبی مصوغ فی برهة من العصور التاریخیة، والشعر القدیم لا یعنی بالیاً ولا متخلّفاً بل هو «الشاهد الحاضر والحی علی الدوام لتقدیم ما تحتزنه صورته الفنیة من معلومات ومعطیات، وظواهر نفسیة واجتماعیة وفکریة وطبیعیة واقتصادیة ودینیة؛ وبمعنی آخر هو وثیقة ذاتیة وموضوعیة لصاحبه وبیئته وعصره.» (جمعة، 1998م: 25)، ولیس من الصواب اعتبار أن المناهج والآلیات الحدیثة تتطلب الإنتاجات الأدبیة الحدیثة بحتاً، بل توجد فی الأعمال القدیمة طاقات کثیرة لمثل الدراسات التی تُلبس علی قامتها الجدّةَ والطراوةَ. ومن هذا المنطلق تستهدف هذه المقالة إلی استقصاء تجدید أبی نواس الشعریة من منظور سوسیولوجیا الأدب ویعالج هذه النزعة الشعریة وجوانبها، وقد یکشف عمّا تبدو فی الوهلة الأولی من البدیهیات، لکنّها تضمر فی خفایاها حقائق کثیرة.

خلفیة البحث

أجری عن خروج أبی نواس علی مبادئ الشعر الجاهلی،کثیرٌ من الدراسات والبحوث منذ القدیم إلی زمانننا الراهن، من أحدثها: مقالة "أبونواس بین مطرقة الحکام وسندان التاریخ" لـ "هادی پور نهزمی" (1390ش) المطبوعة فی مجلة " أدب عربی" المحکمة؛ مقالة "أبونواس بین نقادة القدامی والمعاصرین" لعبدالغفور (1980م) المطبوعة فی کلیة الأداب بجامعة بغداد؛ کتاب "أبونواس بین العبث والاغتراب والتمرّد" لـ"الزعیم (1981م)، وکتاب "حرکة الشعر العباسی فی مجال التجدید بین أبی نواس ومعاصریه" لـ"خریس"(1994م). ولا یوجد فی هذا المجال کتاب أو مقالة مستقلة قد قامت بدراسة القضایا الاجتماعیة المرتبطة بالنزعة التجدیدیة النواسیة رغم أننا قد نواجه اشارات عابرة مبعثرة فیما یخصّ بأبی نواس وثورته الشعریة.

منهج البحث

هذا البحث یسلّط الضوء علی الجوانب الاجتماعیة لنزعة أبی نواس التجدیدیة فی الشعر معتمداً علی منهج سوسیولوجیا الأدب، فیقوم بتحلیل ظاهرة التجدید فی الشعر العباسی نشأتها وتطوّرها ویستقصی أهم مؤثراتها السوسیولوجیة وما یتعلّق بها.

  1. نبذة عن سوسیولوجیا الأدب

ظهر أول الدراسات فی سوسیولوجیا الأدب، فی القرن التاسع عشر فی کتابات "مدام دی ستیل" لدی دراستها الأدبَ من حیث علاقاته بالمؤسسات الاجتماعیة ثم جاء "کارل مارکس"، وهو أول من أعطی تفسیراً موضوعیاً للعلاقة بین الأدب والمجتمع، وعین لها موضوعاً داخل مجموعة العلوم الاجتماعیة، واعتبر أن الأدب واقعة اجتماعیة تاریخیة نسبیة، وإن الکاتب یعبّر فی اعماله عن وجهة نظر الطبقة التی ینتمی إلیها بوعی أو بغیر وعی، ووافقه لوکاتش علی مقدماته، ثم جاء "غولدمن"، وهما متفقان علی توجیه الروایة نحو الدراسة السوسیولوجیة. (حجازی، 2007 م: 140) والذین جاؤوا بعد هؤلاء قد جعلوا سائر الأنواع الأدبیة مثل الشعر مجالاً مناسباً لهذه الدراسة، مع هذا لا تزال تخصص الروایة سهماً أوفر من هذه الدرسة لنفسها بالنسبة إلی الشعر.

وقد نجد فی فکر ابن خلدون جذوراً للنظریة الاجتماعیة فی الظاهرة الأدبیة وقد تمثلّت هذه الجذور عنده فی أمرین: «الأول: هو نظرة ابن خلدون للشعر بوصفه نشاطاً إنسانیاً یوجد فی کل لغة، وله أسباب تخصّه وشروط لأحکام صیاغته؛ والثانی: هو ربط ابن خلدون بین أحوال الأدب والأدباء وبین أطوار الدولة، نشأتها وازدهارها ثم اضمحلالها.» (ابوشقراء، 2005م: 24 نقلا عن ابن خلدون، المقدمة: 472)، فلا ریب أن للنوعیة المجتمع والسلطة دور هام فی تحدید القضایا الأدبیة وما تستوعبه.

 

  1. النزعة التجدیدیة نشأة وتطوّراً

 

قد عُرف العصر العباسی الأول بالثورة التجدیدیة فی الشعر، وأسبابها ما اقتصرت علی أسباب أدبیة بحتة، کما لا تختص مؤثراتها ونتائجها بحقل الأدب فحسب بل تتعداه إلی المجتمع ومجالاته العدیدة؛ فإن الأدب لیس بمعزل عن الحیاة الاجتماعیة وما تقتضیه حیاة کائن اجتماعی، وهو إنسان.

و إذ إن لا تحدث أی ظاهرةٍ دفعةً واحدة بل تتدخّل فی حدوثها وتطورها أسباب وعوامل شتّی منذ سنین عدیدة، فلیس من الصواب أن تُدرس النزعة التجدیدیة الشعریة فی العصر العباسی الأول بمعزل عن تطوّرها وبواعثها فی العصور السابقة. وقد وصف بروکلمان تطوّر الحرکة التجدیدیة، قرب نهایة الدولة الأمویة، أی فی الأوائل القرن الثانی للهجرة قائلاً: «کانت قالب القصید -کما هو معروف فی الشعر الجاهلی – قد صار طرازاً قدیماً بالیاً فی أواخر عهد الدولة الأمویة، فلم یقو علی مسایرة العصر لقد کانت مواده ومعانیه المتوارثة المحدودة فی نطاق ضیق، مرتبطة بحیاة البادیة، فلم تعد تتفق مع الروابط والصلات الجدیدة التی تختلف عن علاقات البادیة اختلافا کلیاً، والتی قامت بین السکان المختلطین من العرب والعجم فی المدائن الکبیرة التی غدت مراکز الحیاة العقلیة، وهکذا انحلّ عمود الشعر، فما کان من فقرات القصید القدیم صالحاً للحیاة بعد تناوله کبار الشعراء فی هذا العصر، فصاغوا منه أنواعاً مستقلة من الشعر کالخمریات والغزل والطردیات وغیر ذلک.» (بروکلمن، 1961م: 2/9)

والمقدمات الطللیة صارت صفحة من حیاة الناس فی العصر الجاهلی، فالشعر الجاهلی مرآة الحیاة العربیة، والصورة الصادقة لعادات العرب وتقالیدهم ومُثُلهم بغضّ النظر عن القیم الفنیة والصور الجمیلة الرائعة والمعانی الدقیقة، وإن الأطلال وصاحبة الأطلال ورحلتها فی أعماق الصحراء وغیرها من الخصال الإنسانیة کالجود والکرم والحبّ والوفاء - التی هی من مقتضیات حیاة العرب القبلیة والمنتقلة بین مختلف الأودیة والصحاری للتغلّب علی الفناء ومواجهة قسوة الحیاة - فهی صارت بمثابة القیم والمعاییر الاجتماعیة – الأدبیة للحیاة الجاهلیة والشعر القدیم.

وهذه الفکرة تنطبق رأی "مدام دوستال" من أوائل روّاد علم اجتماع الأدب إذ تقول «إنّ الأدب یتغیر بتغیر المجتمعات، ویتبدّل بتبدّلها، ویتطوّرحسب تطور الأوضاع الاجتماعیة، ومن هنا رأت أنه أصبح من الضروری بعد قیام الثورة الفرنسیة عام 1789 ظهور أدب جدید یعبّر عن مجتمع ما بعد الثورة، ویختلف کثیراً عن أدب ما قبل الثورة، وصار لزاماً علی النقد أن یحوّل سوأله من "کیف یکتب الأدباء؟" إلی "عن ماذا یکتبون؟".» (برکات، 2004م: 49)

فإن کل مجتمع یتمیز أدبه عن مجتمع آخر إذ إنّ الثقافات والتقالید والأعراف تتعددّ وتتکثّر بعدد المجتمعات، والتغیرات التی تطرأ علی حیاة الناس فی العصور المختلفة یترک تأثیرها فی الحیاة الأدبیة لهؤلاء الناس أیضاً، وبما أن الأدب یقتضی التکیف مع روح العصر ومسایرتها للحیاة الاجتماعیة فلیس له إلا أن یتغیر بتغیر المجتمع أو العصر، إذن الحیاة الجاهلیة تتطلّب أدباً لا یلاءم الأدب الأموی أو العباسی والحیاة الحضریة تتطلّب أدباً لا یلاءم الأدب الجاهلی، فذلک شأن أدب کل مجتمع، ولا یقتصر علی المجتمع العربی.

ولم یکن أبونواس أول من دعا إلی التجدید، فقیل إن الکمیت بن زید الأسدی، صاحب الهاشمیات وشاعر الشیعة فی العصر الأموی، هو أول من رفع صوته لترک الوقوف علی الدیار العافیة بدافع دینیّ، وهو حبّه لأهل البیت (علیهم السلام) حیث یقول فی مطلع قصیدته:

طربت وما شوقا إلى البیض أطرب        ولا لعبا منی وذو الشیب یلعب

(هدارة، 1963م: 144)

ونجد أیضاً قرب نهایة الدولة الأمویة، فی بدایة القرن الثانی حرکة تجدیدیة، من أبرز شعرائها مطیع بن أیاس وحماد عجرد من شعراء الکوفة، ولا ننکر تأثیر الولید بن یزید فی تشجیع هذه الحرکة واستمرارها وقوتها وإن تأثر بهما فی شعره التجدیدی. (المصدر نفسه، 1963م: 145-148)

فأخذت حرکة التجدید تتسرّی فی مطلع القرن الثانی، ویثور علی عمود الشعر القدیم ومنهجه وقوالبه، وممّا أعان هذه الحرکة بجانب الأسباب التی ذکرناها من قبل، هو ظهور طبقة جدیدة فی المجتمع من ناحیة جنسها وثقافتها إذ کانت مزاجاً بین العرب وبین الأجناس الأخری التی دخلوا تحت رایة الإسلام فی بدایة القرن الثانی.

وهذه الطبقة الجدیدة المولّدة - التی یمکننا أن ندرجها فی ضمن الطبقة المثقفة للمجتمع العباسی- کانت لها خصائص نفسیة وطرائق تفکیر تختلف بالعادة عن العرب الخلّص الذین کانوا یحملون لواء الشعر دون منازع حتی حدود نهایة القرن الأول، أمّا فی البدایة القرن الثانی فقد ظهر هؤلاء الشعراء المولّدون الذین کانوا یجیدون العربیة فی معظم الأحیان بجانب لغاتهم الأخری، فکانت ثقافة اللغتین تمتزج فی نفوسهم امتزاجاً قویاً، فتولّدت عن هذا الامتزاج روح جدیدة لا تنظر إلی التراث الشعری القدیم نظرة التقدیس والتعظیم کما کان العرب الأصیل ینظر إلیه، ولم تعد تلک القوالب الجاهلیة القدیمة  تثیر عواطفهم أو تربطهم بإحساس أو عاطفة ما، فانعدمت الرابطة العاطفیة بین هؤلاء الشعراء الجُدد وبین معالم الحیاة العربیة الجاهلیة بما فیها من الأطلال والخیام وما إلی ذلک، فلم توافق رؤیتهم وما کان سائداً فی مجال الأدب، فأدّی ذلک إلی الجدلیة بین القیم والمعاییر التی کانت سائدة فی المجتمع العباسی وما قائماً فی مجال الشعر والأدب.

وهذه الواقعیة الاجتماعیة - الأدبیة تتّفق ما قاله "هیپولیت تین" فی ثلاثیته المشهورة التی استند بها فی نظریته الاجتماعیة؛ إنّ البیئة أو الوسط، الجنس أو العرق، اللحظة التاریخیة أو العصر هی عناصر لا یمکن فهم العمل الأدبی وتفسیره ونقده دونها، لأن العمل الأدبی لیس مجرد نوع من عبث الخیال الفردی، بل إنّه یعکس بعض الحقائق والانفعالات المحددة والقابلة للتمحیص (عزیزالماضی، 1986م: 81) ومع أنّه لا تقبل نظریته بأسرها لکنّها تدلّ علی أن الموّلدین قد تأثّروا فی اتخاذ موقفهم التجدیدی فی الأدب بالبیئة والعصر وکذا الجنس باعتبارهم أجناس غیر العرب الذین یعیشون فی البیئة العربیة تحت لواء الحکم العباسی.

فغدا ظهور هؤلاء الشعراء قوة دافعة شدیدة للحرکة التجدیدیة فی الشعر فی أواخر العصر الأموی، وتواصلت بقوة أکثر فی العصر العباسی الأول لشدة الدوافع والمؤثرات الاجتماعیة فی هذه الفترة من نفوذ البرامکة الفرس فی نظام الحکم العباسی وتصرفهم فی الشؤون المالیة والاقتصادیة للحکومة وما إلی ذلک. فإن تغیر الحیاة الاجتماعیة والسیاسیة والاقتصادیة والفکریة فی العصر العباسی الأول دفع کثیرا من الشعراء إلی التمرّد والإحساس بالاغتراب إزاء بروز العناصر الجاهلیة فی الشعر العباسی، فقد برزت هذه الظواهر بروزاً جلیاً فی أشعارهم. (الشتیوی، 2004م: 85) والحق أنّ حرکة التجدید ظهرت بوادرها القویة الأولی فی شعر بشار بن برد حیث کاد یجمع النقاد علی أن بشار زعیم المولّدین ورأس المحدثین وکبیرهم رغم اعترافهم بتقدّم أبی نواس وتفوّقه علی معاصریه (الزیبدی، 1966م: 45) بید أن أبانواس باعتباره واحداً من المولدین یعبرّ تعبیراً صادقا عن ذلک الشعور الذی کان یخالجه هو وأمثاله من المولّدین حیث یقول:

ما لی بِدارٍ خَلَت مِن أَهلِها شُغُلُ
وَلا رُسومٌ وَلا أَبکی لِمَنزِلَةٍ
 وَلا قَطَعتُ عَلى حَرفٍ مُذَکَّرَةٍ
بَیداءَ مُقفِرَةً یَوماً فَأَنعَتها 
وَ لا شَتوتُ بِها عاماً أَدرَکَنی
وَ لا شَدَدتُ بِها مِن خَیمَةٍ طُنُباً
ما  بَینَ  رَبعٍ  وَلا  رَسمٍ  وَلا  طَلَلٍ      
 لا الحَزنُ  مِنّی بِرَأیِ العَینِ أَعرِفُهُ 
لا أَنعَتُ الرَوضَ إِلّا ما رَأَیتُ بِهِ

 

وَلا  شَجانی  لَها شَخصٌ  وَلا  طَلَلُ
لِلأَهلِ عَنها ولِلجیرانِ مُنتَقَلُ  
فی مِرفَقَیها إِذا اِستَعرَضتَها فَتلُ
وَ لا سَرى بی فَأَحکیکِ بِها جَمَلُ
فیها المَصیفُ فَلی عَن ذاکَ مُرتَحَلُ
جاری بِها الضَبُّ وَالحِرباءُ والوَرَلُ
أَقوَى وبَینیَ فی حُکمِ الهَوى عَمَلُ
وَلَیسَ یَعرِفُنی سَهلٌ وَلا جَبَلُ 
قَصراً مِنیفاً عَلَیهِ النَخلُ مُشتَمِلُ
(الدیوان، 2002م: 3/260)            

فقد دعا أبونواس بقوة إلی التجدید فی عمود الشعر، وجهر بهذه الدعوة، إذ هو وجد إنّ استدعاء العناصر الجاهلیة فی أدب مجتمعه الحضری ینافی ما ظهر فی المجتمع من ضروب الطرب وألوان الحضارة، فهو نقد معظم عناصر البداوة الشعریة التی لا تعکس فی الأدب واقع الحیاة التی یعیشونها ویحیونها، ولا تُبدی ما حدثت فی هذه الحیاة من التغییرات المبدئیة فی مستوی معاش الناس وثقافتهم وحضارتهم وما یکون فیها، بل هی غیر واقعیةٍ ملتصقة إلی ماضیها.

 

 الف: عناصر الحیاة الجاهلیة فی الشعر النواسی

أدرکنا مما سبق أن ظاهرة المقدمة الطللیة قد نشأت مرتبطة بالبیئة ونوع الحیاة والحضارة فیها، وإن هی لم تتّخذ شکلا واحداً بل تعددّت أشکالها وتنوعّت صورها، فالشعراء العباسیون أخذوا یغیرون فی شکل المقدمة الطللیة، بل لقد استحدثوا أنواعاً من فواتح المقدمات استمدّوها من بیئتهم المتحضرة وحیاتهم المترفة، فحذفوا کثیراً من عناصرها البدویة المتصلة بالبیئة الصحراویة.

ولکن هذا الکلام لا ینطبق علی جمیع الشعراء فی العصر العباسی، وعلی سبیل المثال فلمروان ابن أبی حفصة الکثیر من المدائح التی التزم فیها بوصف الأطلال وصفا بدویاً (عطوان، 1974م: 406) إضافة إلی عدد من الشعراء الآخرین الذین ما برحوا یصرّون علی القصیدة العربیة، فوقع نزاع بینهم ومن یخالفهم أو بعبارة أخری النزاع بین أصحاب الجدید والقدیم. ومن الشعراء الذین أسهموا سهماً کبیراً فی الثورة الشعریة فی العصر العباسی الأول، فهو أبونواس إذ دعا دعوة حادّة إلی نبذ الحیاة البدویة وما فیها من العادات والتقالید ثم التعبیر عن الحیاة الحضریة ومظاهرها.  

ومهما یکن من شئ فما نسمّیه من هذه المفاهیم بعناصر الحیاة الجاهلیة أو الحیاة البدویة أو عناصر الشعریة القدیمة، لانقصد إلّا مفهوماً واحداً، ومن تلک العناصر ما تلی:

-        الأطلال والربوع: وما یتعلق بها من هبوب ریاح الجنوب علیها:

دَعِ الأَطلالَ تَسفیها الجَنوب

 

وَتُبلی عَهدَ جِدَّتِها الخُطوبُ
(الدیوان، 2002م: 3/ 54-55)

وطلب نزول المطر علیها:

سَقیاً لِغَیرِ العَلیاءِ وَالسَنَدِ
وَ یا صَبیبَ السَحابِ إِن کُنتَ قَد
لا تَسقِیا بَلدَةً إِذا عُدَّتِ الـ

 

وَغَیرِ أَطلالِ مَیَّ بِالجَرَدِ
جُدتَ اللِوى مَرَّةً فَلا تَعُدِ
بُلدانُ کانَت زِیادَةَ الکَبِدِ
(المصدر نفسه: 109-111)

والبکاء علیها:

لاتَبکِ رَسماً بِجانِبِ السَنَدِ

 

وَلا تَجُد بِالدُموعِ لِلجَرَد
(المصدر نفسه: 3 /115)

 أو:

فَذاکَ خیر مِنَ البُکاءِ عَلى الـ

 

رَبعِ وَأَنمى فی الروحِ وَالجَسَدِ
(المصدر نفسه، 3: 109-111)

والحمی: موضع فیه کلأ یحمی من الناس أن یرعی: وَلا تُعَرِّج عَلى حِمَـی عَـرَجٍ. (الدیوان، 2002م: 3/ 115)

والنؤی: مجری یحفر حول الخیمة أو الخباء یحفظها من السیل حیث قال فی الشطر الثانی:

                       والنُؤی کالحوض بالملا الجَلَدِ   (المصدر نفسه: 3 /115)

والخیام واتصالها بالأوتاد:

وعدِّ عنها إلی دساکرَ لم

 

تُربَط بها خیمةٌ إلی وَتَدِ
(المصدر نفسه: 3/ 115)

 

-        الإبل مع أنواعها:


وَخَلِّ لِراکِبِ الوَجناءِ أَرضاً

 

تَخُبُّ بِها النَجیبَةُ وَالنَجیبُ
(المصدر نفسه: 3/ 54)

-        النباتات البدویة:

بلادٌ نَبتُها عُشَرٌ وَطَلحٌ  ( المصدر نفسه: 3/ 55)

وَنَحنُ بَینَ بَساتینٍ فَتَنفَحُنا       ریحُ البَنَفسَجِ لا نَشرَ الخُزاماءِ

(المصدر نفسه: 3/21)

-        الصید

وَأَکثرُ صَیدِهاضَبعٌ وَذیبُ (المصدر نفسه: 3/ 55)

أسماء العربیات:

       دَعِ الرَبعَ ما لِلرَبعِ فیکَ نَصیبُ       وَما إِن سَبَتنی زَینَبٌ وَکَعوبُ

(المصدر نفسه: 3/ 56)

أو:

لا تَبکِ لَیلى وَلا تَطرَب إِلى هِندِ (المصدر نفسه: 3/ 112 )

-        تشاؤماتهم الخرافیة: وخصّ الغرابُ غالبا بالتشاؤم.

إِن أَتَحَرَّز مِنَ الغُرابِ بِها             یَکُن مَفَرّی مِنهُ إِلى الصُرَد

(المصدر نفسه: 3/ 110)

وَالعَن غُرابَ البَینِ بَغضاً لَهُ

 

فَإِنَّهُ داعـیَـةُ الشــؤمِ

(المصدر نفسه: 3/ 285)

-        النظام القبلی:

راحَ الشقیُّ على دارٍ یسائلُهـا
یبکی على طللِ الماضین من أسَدٍ
ومَن تمیم ومَن بَکرٌ سُقُوا مُهُلاً  

 

ورحتُ أسـألُ عن خمّارةِ البلـدِ
فنکتُ اُمّکَ قل لی مَن بنــو أسد؟
لیس الأعاریبُ عند اللِه من أحدِ
(المصدر نفسه: 3/ 115-116)

یسمّی أبونواس الشاعرَ المقلّد بالشقی، إذ إنه لا یستطیع فی شعره أن یعیش واقع الحضارة الحدیثة بل لا یزال یقلّد القدماء دون أن یصبّ فی شعره أحاسیسه الصادقة التی تنبعث من واقع الحیاة، ولا یزال یتحدث عن القبائل العربیة المنسوخة فی النظام الحضری والمدنی، ولقد بلغت النزعة التجدیدیة من خلال هذه الأبیات مبلغاً جعلت أبا نواس یعجز عن الاستماع إلی الشعراء الذین یصفون الأطلال والمنازل الخالیة، ویدعو علیهم.

ویبدو أن الشاعر لایقصد هجو القبائل العربیة علی وجه التحدید بل أراد أن ینقد النظام القبلی القائم فی المجتمع العربی القدیم قائلا:

ما شئتُ من بلدٍ دانٍ منازهُهُ        لکنّ فیه قبیلاتٍ وأفخاذاً

(المصدر نفسه: 3/ 131)

فنلفی أبانواس کانّه وقع فی دائرة التناقض؛ یری بعینیه المتنزهات المتنوّعة والمتکثرة والمنفتحة التی تدلّ علی حریة مجتمعه من جانب، ومن جانب آخر یصادف العرب ینظرون إلی أنسابهم القبلیة بنظرة عصبیة واحتقار للآخرین، فلیس هذا برأیه إلاّ حاجزاً یحول دون تحقیق الإنسانیة بأکملها.

وربما هو ردّ فعل لِما علی الموالی بأن یقوموا به فی الحضارة الجدیدة، وهو انتمائهم بقیبلة عربیة، وقد یمکننا بأن نتلقی ترددّ أبی نواس بین مختلف الأنساب من الیمنیة والنزاریة وغیرها دلیلاً علی قولنا، وکأنه ینظر إلی هذا السلوک نظرة استهزاء، فلیس لنا أن نوجّه إلیه سهام الاتهام بالنزعة الشعوبیة التی نتحدث عنها بالتفصیل فی مجال آخر.

مشروباتهم من اللبن والحلیب:

ذَرِ الأَلبانَ یَشرَبُها رِجـالٌ 
 إِذا رابَ الحَلیبُ فَبُل عَلَیهِ

 

رَقیقُ العَیشِ عندهم خَصیبُ
وَلا تُحرَج فَما فی ذاکَ حُوبُ
(المصدر نفسه: 3/ 55)

هذه کانت عدة من العناصر البدویة التی استخرجناها من شعر أبی نواس حیث جعلها أبونواس مظاهرَ بل رموزاً للبداوة، وهذا لا یعنی أنها لا توجد فی الحضارة الحدیثة بل یعنی أن الشاعر جعلها رمزاً للحیاة البدویة لحضورها الفعّال فی مضمار حیاتهم، إذ منها ما زالت قائمة بین الحضریین مثل اللبن والحلیب الذی لا یقتصر علی من یعیش فی البادیة دون غیرهم أو بعض أسماء العربیات التی تستعمل حتی زمننا الراهن.

وإذا ننظر نظرة عابرة بهذه الأبیات المختارة نجد أبا نواس یعلن تمرده علی کل من یستخدم قوالب القدماء وطریقتهم من معاصریه، فیکثر من استخدام أسالیب الإنشاء الطلبی مثل (دَع – خلِّ- لا تبکِ-سقیاً- عَدِّ و...)، ومن المحتمل أیضا أن یکون هذا الأسلوب الخطابی متأثرا بأسلوب القدماء الشعری فی خطابهم لمن یصحبهم فی رحلتهم الشعریة کما قال امرؤالقیس:

قفا نبک من ذکر حبیب ومنزل     بسقط اللوی بین الدخول فحومل

ولکن أبونواس استخدم هذا الأسلوب فی اتجاه معاکس، فأخذه منهم علیهم، وهو عدم الوقوف وعدم البکاء علیها.

أو یمکننا أن نؤوّله علی الأسلوب المونولوجی، لکنّه لا ینافی أن یکون مخاطب مثل هذه الأبیات الشعراءَ المتعصبین للمنهج الشعری القدیم فهو من خلال التصریح لأبرز عناصر الحیاة الجاهلیة ثم رفضها واحدة بعد أخری، کأنّه بذل غایة جهده فی أن یجهر بدعوته وتفصیلها وشرحها بصورة دقیقة حتی لا یبقی أی مجال لریب الشاکین، وسؤال السائلین، وردع الرافضین.

والدلیل علی قولنا هذا، ما قاله فی الأبیات التالیة وهو یحددّ مخاطبه الخاص تحدیداً:

صِفَةُ الطُلولِ بَلاغَةُ القِدمِ
 فَعَلامَ تَذهَلُ عَن مُشَعشَعَةٍ      
تَصِفُ الطُلولَ عَلى السَماعِ بِها
وَإِذا وَصَفتَ الشَیءَ مُتَّبِعاً

 

فَاِجعَل صِفاتَکَ لِاِبنَةِ الکَرمِ
وَتَهیمُ فی طَلَلٍ وَفی رَســمِ
أَفَذوالعِیانِ کَأَنتَ فی العِلمِ؟
لَم تَخلُ مِن غلط وَمِن وَهــمِ
(المصدر نفسه: 3 /266)

 فإن الوهم واللبس والخطأ هی کلها حصیلة عمل من یتبعّ القدماء تقلید الأعمی، إذ یکتب عمّا سمعه من القدماء، ولا یکتب عمّا شهده بنفسه.

 

 ب: العناصر المستحدثة فی فاتحة القصائد النواسیة

یتمرّد أبونواس علی العناصر الشعریة القدیمة، فعلی مذهبه الشعری الجدید تستبدل تلک العناصر بعدد من عناصر الحضارة الحدیثة، ومن أهمّ هذه المستبدلات هی الخمر، وما یتعلق بها حیث یقول:

 لا تَبکِ رَبعاً عَفا بِذی سَلَمِ
وَعُج بِنا نَجتَلی مُخَدَّرَةً

 

وَبَزَّ آثارَهُ یَدُ القِــدَمِ
نَسیمُها ریحُ عَنبَرٍ ضَرِمِ
(المصدر نفسه: 3/ 285)

یدعو أبونواس الشاعر الباکیَ علی الأطلال إلی أن یماشیه فی اتجاه الخمر التی تعبق منها رائحة طیبة کرائحة العنبر، ویتغنی بالورود والزهور الحضریة أمثال النرجس والآسولا "عرفج" و"شیح" و"قیصوم" وأمثالها التی تنبت فی البوادی والصحاری. ویظهر حقده علی الأعراف الجاهلیة الخرافیة مثل التشاؤم بالغراب فیتوّلی وجهه جانب الخمر وتقالیدها، وعلی دأبه فی معظم القصائد یدعو صاحبه باتّباعه فی هذا الطریق معرضاً عن البیداء والصحراء ومتعلقاتها إلی المدینة والحضارة وما تشتمله:

إِبخَل عَلى الدارِ بِتَکلیمِ
وَالعَن غُرابَ البَینِ بَغضاً لَهُ
 وَعُج إِلى النَرجِسِ عَن عرفَجٍ
 وَاغدُ إِلى الخَمرِ بآیینها    
  فَمن عَدا الخَمرَ إِلى غَیرِها      

 

فَما لَدَیها رَجعُ تَسلیمِ
فَإِنَّهُ داعِیَةُ الشومِ
وَالآسِ عَن شیحٍ وَقَیصومِ 
لا تَمتَنِع   عَنها  لِتَحریمِ
عاشَ طَلیحاً عَینَ مَحرومِ
(المصدر نفسه: 3/ 285)

أو نلفی أبانواس یوازن بین العیش فی البادیة وملحقاتها، وبین إیوان کسری الذی یعدّه من مظاهر الحضارة الحدیثة:

ذاک العَیشُ لا خِیَمُ البَوادی
فَأَینَ البَدو مِن إیوانِ کِسرى

 

وَذاک العَیشُ لا اللَبَنُ الحَلیبُ
وَأَینَ مِنَ المَیادیـنِ الزُروبُ
(المصدر نفسه: 3/ 56)

 ویفضّل الثانیة تمجیداً لشأنه باستخدام مکرّر لاسم إشارة البعید (ذاک) وکذا ما وجده من البون الشاسع بین الأولی والثانیة من خلال تعبیره بـ"أین البدو من إیوان کسری" و"أین من المیادین الزروب" فهذا یماثل "أین الثری من الثریا".

وفی ردّ علی من قال بأن هذا البیت یظهر شعوبیة أبی نواس (الحاوی، 1987م:1/ 54)، فلیس هذا إلّا تجسیداً وتمثیلا للحضارة الحدیثة التی تبدو فی معظم جوانبها استنساخاً من الحضارة الساسانیة لاسیما فی بناء بغداد علی شاکلة المدائن، وکذا قصور الخلفاء علی منوال قصور الأکاسرة.

وما یدفع أبانواس إلی المقارنة بین البداوة والحضارة هو لیس النزعة الشعوبیة، وإنما هو النزعة الحضاریة وهذه الأبیات شاهد لما ندّعیه:

بِحَیثُ لا تَجلِبُ الفِجاجُ إِلى
أَحسَنُ عِندی مِنَ اِنکِبابِکَ بِالـ
وُقوفُ رَیحانَةٍ عَلى أُذُنٍ
یَسقیکَها مِن بَنی العِبادِ رَشاً

 

أُذنَیکَ إِلّا تَصایُحَ النَقَدِ
فِهرِ مُلِحّاً بِهِ عَلى وَتَدِ
وَ سَیرُ کَأسٍ إِلى فَمٍ بِیَدِ
 مُنتَسِبٌ عیدُهُ إِلى الأَحَدِ
(الدیوان، 2002م: 3/ 110)

فیقوم الشاعر بالموازنة بین عدد من عناصر البداوة والحضارة منها: زهور صحراویةٌ تستحیل أن یعلّقها شخصٌ علی أذنیه لتشققّها، بینما هو من عادة الحضریین فی مجالس الخمر تعلیق الریحانة علی آذانهم، والأهمّ فی هذه الأبیات هو تأکید الشاعر علی یوم الأحد الذی یعتبر من أعیاد المسیحیة أو بعبارة أخری قارن أبونواس بین البداوة وبین الحضارة المزیجة بالحضارات الأخری، وقصده هنا لیس إلّا الحضارة المسیحیة، فلیس لنا أن نحسب مثل هذه المقارنات والموازنات النواسیة من قبیل النزعات الشعوبیة.

وقد نلفی أبا نواس لا یلتزم فی مقدمات بعض مدائحه بقضایا التجدید الشعریة، بل کان یتردد فیها بین المذهب القدیم والجدید، فهو أحیاناً یمدح هارون الرشید علی الطریقة القدیمة فیذکر الأطلال، ویصف راحلته التی أوصلته إلی الممدوح، وما إلی ذلک من قصائد یحافظ فیها علی التقالید القدیمة کما فی مدیحته لهارون الرشید مطلعها:

حَیِّ الدِیارَ إِذِ الزَمانُ زَمانُ

 

وَإِذِ الشِباکُ لَنا خَوىً وَمَعانُ
(المصدر نفسه: 1/113-115)

أو فی قصیدة یمدح فیها الخلیفة الأمین:

یا دارُ ما فَعَلَت بِکِ الأَیّامُ
عَرَمَ الزَمانُ عَلى الّذین عَهِدتُهُم

 

ضامَتکِ وَالأَیّامُ لَیسَ تُضامُ
بِکِ قاطِنینَ وَلِلزَمانِ عُرامُ
(الحاوی، 1987م: 2/368)

و إذا ما سئل سائل هل ما کان أبونواس یعتقد بما صرّحه وصاحه من التجدید فی الشعر العربی أو کان قد حالت دون تحقیق أمنیته حواجزاً ما؟ فقد تکون إجابته فیما یلی.

 

  1. الدواعی النواسیة فی الثورة التجدیدیة

اتخّذ الدارسون فی العصر الحدیث مواقف نقیضة من ثورة أبی نواس الشعریة فمنهم من یعتقد أن مذهبه الجدید لیس مذهباً شعریاً وفنیاً فحسب، بل هو مذهبٌ شعوبی أیضاً، إذ کانت غایته إعلاء الفرس، ورفعهم، والحطّ من شأن العرب، وتحقیرهم ومنهم من دافع عن أبی نواس وعدّ ثورته التجدیدیة ثورة حضاریة بحتة.

وعلی رأس الفریق الثانی، الدکتور شوقی ضیف الذی یخففّ عنه تهمة الشعوبیة قائلا: «وأبونواس لا یشغب علی العرب شغبَ الشعوبیة کشعوبیة بشار، فشعوبیته من لون آخر، ذلک أنه لا یوازن بین الخشونة وحضارة الفرس کما یصنع بشار، وإنّما یوازن بین تلک الخشونة والحضارة العباسیة المادّیة، وما یجری فیها من خمر ومجون کان یعکف علیها عکوفاً، ویأخذ ذلک عنده شکل ثورة جامحة علی الوقوف بالرسوم والأطلال وبکاء الدیار ودعوة حارّة إلی المتاع بالخمر.» ( ضیف،1980م: 3/231) علی شاکلة قوله:

کم بین ناعتِ خمرٍ فی دساکرهِ      

 

وبین باکٍ عل نوءٍ ومنتضدِ

(الدیوان،2002م: 3/116)

 

ومن الباحثین الذین دافعوا عن أبی نواس ونزعته التجدیدیة هو الدکتور حسین عطوان حیث یعلّق علی هذه الظاهرة بقوله: «إنّ دعوته إلی الجدید کانت ثورة حضاریة خالصة لا تشوبها شائبة من شعوبیة وغیر شعوبیة، وإنّما هی دعوة لمعاصریه من الشعراء کی یکونوا صادقین مع الناس صدقهم مع أنفسهم وحیاتهم، فکیف یصفون مناظر الأطلال ومشاهد الصحراء، وهم بعیدون کل البعد عنها.» (عطوان، 1974م: 113)

وکذا لا غرو إذا ما ندعی أن أبانواس قد فطن بأن الالتزام بالمقدمات الطللیة رمزٌ خفی للحضارة العربیة وما یتبعها من العصبیة العربیة والتمییز بین الجنس العربی وسائر الأجناس غیر العربیة الدخیلة فی نطاق الحکم الإسلامی، وقد وعی بأن الخلفاء لاسیما الرشید العباسی یتمسکون بهذه المقدمة وهذا التقلید الشعری باعتبارها سبباً من أسباب توطید حکمهم العربی الذی وقع فی وجه عاصفة حضاریةٍ أخذت تهبّ علی العناصر العربیة الخالصة والعصبیة العربیة، وکأنهم صاروا بمثابة "غریق یتشبث بکل حشیش" کی یسلموا ممّا حمّل علیهم دوران الدهر.

یبدو تماماً بأنّهم لم یکونوا راضین بنفوذ العناصر غیر العربیة فی نطاق حکمهم، والدلیل علی ذلک ما فعلوه بالنسبة لأبی مسلم الخراسانی والبرامکة، لکنهم اضطروا بهذا التحول الجذری لأجل اتّساع منطقة نفوذهم، تنوع الثقافات والحضارات التی کانت تتطلّب حکماً یتسّع لهذه کلها ویرضاها، فأضحوا مضطرّین باستسلامهم إزاء التغیرات والتحولّات الطارئة فی المجتمع.

فقد اصطبغ اتّباع منهج القدماء فی الأدب بصبغة أرستقراطیة من قبل الحکومة، إذ هی تحافظ علی الرؤیة الجنسیة فی الأدب، والتی تغلّل أجنحة خیال الأدیب، وتقیدها، وتحول دون تحلیقه فی سماء الخیال بأحاسیسه ومشاعره الواقعیة.

وأبونواس الشاعر العبقری الواعی لا یستثنی من هذه القاعدة الهامة، وهو یسعی بأن یحطّم هذه القیود والأغلال أینما کانت، لاسیما أنّه شیعیٌ، وکثیرٌ من مواقفه السیاسیة والأدبیة والاجتماعیة ینشأ من نزعته إلی نزعته الشیعیة، وهی مذهب رفض النظام الفاسد وهو طریقة من لا یخضع للنفاق والکذب، «ولا یمثل تشیعه دعوة إلی التعصب أو التمذهب، بل کان وسیلة لإذکاء شاعریة تحرکّ کوامنها مواقفُ الرفض والثورة، ووسیلة للتلاحم مع قضایا التحرر الإنسانی والفکری، وموقفاً یجسّد من خلاله مبادئ التمرّد والثورة التی تبنّته الشیعة وعلی الدوام.» (الزعیم،1981م: 63) أو «نزعة أبینواس إلی التجدید کانت مجرد نزوة یراد بها التخلص من أثقال الأرسقراطیة المتعرجفة.» ( زکی، 1971م: 169)

فلیس لنا إلّا أن نمعن فی قراءة النص النواسی، وأن نجعل الظروف السیاسیة والاجتماعیة القائمة علی هذه الفترة نصب أعینننا، فنفتح عقولنا وقلوبنا علی استقرائنا الحدیث للقضایا والأبحاث التی قد تبدو بدیهیة للوهلة الأولی، فنخلع أزیاء الأفکار السطحیة والأحادیث المکرّرة من قامتها، ونلبس علیها أزیاء حدیثة، وإن قد لا تکون أنیقا وشیقاً. فإن الظروف القائمة فی المجتمع قد حدت بأبی نواس إلی أن یتفاعل معها، فتارة یتخذ المجون ستاراً علی معتقداته الدینیة الشیعیة وقناعاته الإنسانیة الحرّة، وتارة أخری یثور ویهجم علی أصول القصیدة العربیة، فهو یغتنم الفرص لإبراز وجوده الفردی والاجتماعی، وإخراج مواهبه وأفکاره فی مجال تحقیق الحریة والدیموقراطیة فی مجتمعه آنذاک.

ومن هذا المنطلق، نجد أبانواس بیدأ مدحه فی الرشید العباسی بمقدمة تقلیدیة قصیرة یذکر فیها الأطلال، وکأنّه إغواء منه للرشید العباسی، بینما هو یضمر رغبته فی التمرّد علی المنهج القدیم، واستبداله بمذهبه الجدید، فقد بیدوأنه کان متردداً حذراً فی مدح الرشید علی المذهب الجدید. هذا، إلی ما رُوی عن عیسی بن عبد العزیز بن سهل الحارثی أنّ «کان الرشید لا یسمع من الشعر ما فیه رفث ولا هزل، وکان لا یذکر فی تشبیب مدحه قُبلة ولا غمزةً.» (الدیوان، 2002م: 1/ 127)، لکن أبونواس لم یطق صبراً من أن یغمض عینیه علی ما یتمنّاه، فاتّخذ تلک الطریقة فی هذه القصیدة وهی:

لَقَد طالَ فی رَسمِ الدِیارِ بُکائی
کَأَنّی مُریغٌ فی الدِیارِ طَریدَةً
فَلَمّا بَدا لی الیَأسُ عَدَّیتُ ناقَتی
إِلى بَیتِ حانٍ لا تَهُرُّ کِلابُهُ

 

وَقَد طالَ تَردادی بِها وَعَنائی
أَراها أَمامی مَرَّةً وَوَرائی
عَنِ الدارِ وَاستَولى عَلَیَّ عَزائی
عَلَیَّ وَلایُنکِرنَ طُولَ ثَوائی
(المصدر نفسه: 1/126)

 وبعد أبیات قلیلة من هذه المقدمة التی یجری فیها أبونواس علی مذهب الأقدمین، فلمّا بلغ وصفه للخمر یفاجئ الرشید بهذه الأبیات:

فَإِن تَکُنِ الصَهباءُ أودَت بِتالِدی
وَکَأسٍ کَمِصباحِ السَماءِ شَرِبتُها
أَتَت دونَها الأَیّامُ حَتّى کَأَنَّها
تَرى ضَوءَها مِن ظاهِرِ الکَأسِ ساطِعاً

 

فَلَم توقِنی أُکرومَتی وَحَیائی
عَلى قُبلَةٍ أو مَوعِدٍ بِلِقاءِ
تَساقُطُ نورٍ مِن فُتوقِ سَماءِ
عَلَیکَ وَإِن غَطَّیتَها بِغِطاء
(المصدر نفسه: 1/ 127)

ویبدو أن هذا المذهب الجدید فی شعر المدیح قد صدم الشعور الدینی عند هارون، إذ یذکر لنا الرواة أن وجهه قد تغیر عند سماع تلک الأبیات فی وصف الخمر وذکر الحان، وأراد أن یأمر بأبی نواس لو ما انتقل إلی مدیحه الذی سرّ الخلیفة:

تَبارَکَ مَن ساسَ الأُمورَ بِعِلمِهِ

 

وَفَضَّلَ هاروناً عَلى الخُلَفاءِ
(المصدر نفسه: 1/ 127)

ویظهر أنّ هذه المدیحة، کانت أول قصیدة من قصائده علی المذهب الجدید، فأعلنها فی حضرة الرشید، ومدح بها الخلیفة الرشید العباسی، ولکن أرستقراطیة الحکم تحکم علیه ماذا یفعل، وماذا لا یفعل، وإلّا فیصاب بما لا یرضیه:

أَعاذِلَ لا أَموتُ بِکَفِّ ساق
هَجَرتُ لَهُ الَّتی عَنها نَهانی
فَأَصبَحتُ اعتَجَرتُ عَلى مَشیبٍ

 

وَلا آبى عَلى مَلِکِ العِراق
وَکانَت لی کَمُمسِکَةِ الرِماقِ
وَوَقَّرَنی الخَلیفَةُ عَن نِزاقی
(المصدر نفسه: 3/ 216-218)

ولا یستبعد إذا ما یحمَّل علی "أعاذل لا أموت بکفّ ساق" الموت الذی من المحتمل، أن یحدث جرّاء وصفه للخمر، وهو یتعاطیها فی کبر سنّه، ویبدو أنّ أبانواس من الواجب علیه أن یتّبع ما یأمره الخلیفة به، ویجتنب ما ینهاه عنه فی سلوکه وتصرّفاته رغم رغبته فی ذلک.

ومع ذلک کلّه، فلم یأل أبونواس جهده فی تحطیم سطوة الخلیفة، وبذل قصوی جِدّه فی انتهاک أرستقراطیة الحکم بوعیه ودهائه، وإن تعرّض إلی تهدیدات بالحبس أو القتل کما عرفناه من خلال هذه القصیدة وما ورد فی المصادر التاریخیة من أنّه قد حُبس دفعات عدیدة لأجل شعره الذی لم یرضِ الخلیفة لا سیما الرشید.

ومن أسباب وجود المقدمات التقلیدیة فی بعض مدائح أبی نواس مع أنه یدعو إلی التجدید، هو أنّ النص النواسی هو مرآة لواقع مجتمعه فی مختلف أبعاده، فإذا نفاجئ بالمقدمة الطللیة فی مدائحه، فهذا یدّلنا إلی سیادة الأرستقراطیة فی المجتمع العباسی بمثابة ظاهرة هامة فیه لاسیما فی فترة حکم الرشید العباسی، بالقیاس إلی فترة الأمین إذ تکاثر عدد هذه المقدمات الطللیة فی مدح الرشید کما تکاثرت المقدمات التجدیدیة فی فترة الأمین العباسی.

ومع تقلص ظلّ الأرستقراطیة فی فترة الأمین العباسی، وجد أبونواس الفرصة سانحة للخروج علی المذهب القدیم فی المدح، وکان أول قصائده فی مدح الأمین، یوم تهنئته بالخلافة علی المذهب الجدید، فقدّم لها تمهیداً واعیاً یبین فیه فسادَ المذهب القدیم فی المدح بالصراحة، وینقله لنا حمزه الإصفهانی فی شرح دیوان أبی نواس قائلاً: «الأمین العباسی جلس یوماً لعامة فدخل علیه القوّاد والأولیاء علی منازلهم ومراتبهم، فلمّا استقّر به المجلس والمقام قام الخطباء فخطبوا، والأشراف فنشروا، والشعراء فمدحوا ووصفوا حتی قام آخرهم، أبونواس، قال امیر المؤمنین إن الشعراء والملوک قبلی شبّوا بالمَدَر والحَجر والشاء والبَقر والصوفِ والوَبَر فغلظت طباعهم واستغلقت معانیهم ولا بَصَر لهم بامتداح خلفائنا، إن رأی أمیر المؤمنین أن یأذن لی فی الإنشاد فقال: قد أذنّا لک. فأنشده ما مطلعه:

                        ألا دارها بالماء حتی تلینها      فلن تُکرّمَ الصهباء حتی تهینها»

 ( الدیوان، 2002م: 1/ 136)

وحین استشعر أبونواس برضی الخلیفة فی مذهبه الجدید، فتقدّم خطوات واسعة فی قصیدة تالیة، فمزج وصف الخمر بالغزل المذکر فقال:

یَسقیکَها ذو قُرطَقٍ
خَنِثُ الجُفونِ کَأَنَّهُ
أَضحى الإِمامُ مُحَمَّدٌ

 

یُلهی وَیُعجِلُ مِن حَبَس
ظَبیُ الرِیاضِ إِذا نَعِس
لِلدینِ نوراً یُقتَبَس
(المصدر نفسه: 1/ 139)

وإن نتدقق فی هذه الروایة فنستکشف نقطتین هامتین منها، أولهما: إن المقدمة التقلیدیة قد غدت بعداً من أبعاد الحکم الأرستقراطی فی المجتمع العباسی حیث قام بها الطبقات العلیا والوسطی من المجتمع من الأشراف والخطباء والشعراء، فقد وصف أبونواس القائلین بها بالملوک إذ أنهم یحافظون علی هذا البعد الأرستقراطی کما یفعل الملوک ومن یحکمون علی الناس.

ثانیهما: إن أبا نواس یدین هؤلاء الشعراء بأنّهم "لا بصر لهم بامتداح خلفائنا". فلربما هو أراد من هذه العبارة بأنهم لا یعرفون الخلیفة ورغباته، ولا یماشون مقتضیات تلک الفترة التی یعیشون فیها هم والخلیفة، إذ لا یمیزون بین تلک الفترة المتصّفة بالمَدَر والحَجَر والشاء والوَبر، وبین هذه الفترة المتصفة بألوان جدیدة من الحضارة والثقافة التی تتطلّب الحداثة فی شعرهم. ثمّ "بخلفائنا" قد یکون تأکیداً منه علی ضرورة الجِدّة والطَراوة فی الشعر حسب مقتضیات الیوم.

ومن الأجدی فی هذا المجال أن نضیف إلی کل ما قلناه عن مذهبین القدیم والجدید موقف العلماء والرواة والمتعصبین بالقدیم فی تلک الفترة، والذی اتّسم بالتعصب والجمود، ولا یعترف بتطور المجتمع وتحوّله، وقد هاجم ابن قتیبة أمثال هؤلاء العلماء والرواة فیما رأی من بعضهم یستجیدون الشعر السخیف لتقدّم قائله ویرذلون الشعر الرصین لکونه محدثاً. (ابن قتیبة، 1932م: 6)

فنجد العلماء والرواة لا یعدّون الشعر شعراً إلّا إذا کان جاریاً علی النظام القدیم أی فی إطار عمود الشعر ونهج القصیدة العربیة، ولکن المحدثون خرجوا علیها، ولو أننّا قارنّا بین النهج القدیم والنهج الحدیث یتبین لنا أهمیة ما دعاه الشعراء المحدثون بالثورة علی الأطلال وقیمته، بالرغم من المعارضات القویة التی لقیتها دعوتهم من العلماء والرواة المتمسکین بالمنهج القدیم الذین لم ینحادوا عن موقفهم، وما خضعت أفکارهم لما حدث فی المجتمع من التغیرات والتحوّلات.

ویظهر تمام الظهور أن أبانواس لم یفتتح قصائدة بقدمات تقلیدیة طواعیةً بل هو وجد نفسه فی معظم الأحیان لابّد أن یکون سامعاً ومطیعاً وخاضعاً لقرود زمنه:

هذا زمان القرود فاخضع                وکن لها سامعا مطیعاً

(الدیوان، 2002م: 2/60)

النتیجة

- إن النزعة الشیعیة النواسیة التی بُنیت علی مواقف الرفض والثورة، قد ترکت تأثیراً ملحوظاً فی موقفه التجدیدیة للأدب، وحدت به إلی تلاحم مع قضایا التحرر الإنسانی والفکری، لاسیما أنّه عاش فی فترة حکم فیها الخلفاء العباسیین الحاقدین علی العلویین، وصار اتّباع منهج القدماء فی الأدب یصطبغ بصبغة أرستقراطیة من قبل الحکومة.

- یمثل أبونواس فی شعره النزاع القائم بین العلماء المتعصبیین وبین المجدّدین خیر تمثیل، ولا یتخلّی عن هذه الظاهرة الاجتماعیة الهامة التی احتلّت مساحة کبیرة من القضایا الاجتماعیة آنذاک. وتلک التناقضات والتعارضات التی نشهدها بین أبی نواس باعتباره من المجددّین وبین العلماء المتعصبین المتتبعین للنهج القدیم هو قوام الطاقة المحرّکة للأدب تجاه إزدهاره وتطوّره فی العصور التالیة، وقد تکون بمثابة مقدمة لظهور شعر الحر وتأسیس مدارس أدبیة أخری.

-إن موقف الرشید الأرستقراطی من الشعر والشعراء عموماً وفی النص النواسی علی الخصوص، تأکیده علی احتفاظ الشعراء بالمنهج القدیم، وضغطه علیهم للالتزام بهذه السنة الشعریة یعدّ من إحدی أسباب ظهور النزعة التجدیدیة الشعریة . وکأن هذا الإلحاح من الخلیفة العباسیة قد ظهرت آثاره فی أوائل المحاولات التجدیدیة لأبی نواس وفی زمن الرشید العباسی نفسه، وقد أعطى ثمارَه فی زمن الأمین، إذ نواجه فیه کثرة المقدّمات الغزلیة الجدیدة فی فواتح المدائح النواسیة. 

-ومن أهمّ المؤثرات السوسیولوجیة فی وقوع النزعة التجدیدیة النواسیة هی کما یلی:

الف: تضاد القیم والمعاییر الاجتماعیة القدیمة والحدیثة وعدم تطابق الإیدئولوجیة القدیمة والظروف الراهنة وعدم توافقهما -الذی یحول دون تقدّم الإنسان- عند المثقفین فی المجتمع، فإن ظهور الشعراء الموّلدین الذین أضحوا یشکلون نسبة عالیة من الشعراء، صارت بمثابة قوة دافعة شدیدة لحرکة التجدید فی الشعر فی أواخر العصر الأموی، وتواصلت بقوة أکثر فی العصر العباسی الأول لشدة الدوافع والمؤثرات الاجتماعیة فی هذه الفترة -من نفوذ البرامکة الفرس فی نظام الحکم العباسی وتصرفهم فی الشؤون المالیة والاقتصادیة للحکومة وما إلی ذلک- لفقدان ای علاقة عاطفیة بینهم ومجتمعهم الحضری الراقی الذی یعیشون فیه وبین معالم الحیاة الجاهلیة من أطلال خربة ودمن بالیة، خلافاً لشعراء العرب الذین یخضعون لعاطفتهم القویة التی تربطهم بموطنهم الأول، فکانوا یبکون الأطلال باعتبارها مظهراً بارزاً من مظاهر وطنهم القدیم.

ب: حدوث تغییرات سریعة فی المجتمع حیث أدّی إلی عدم الانسجام بین النظام الاجتماعی الحضری والحکومة العباسیة التی لا تزال تلح علی المقدمات التقلیدیة فی الشعر.

ج: التضاد إثر نشوء الطبقات الاجتماعیة الجدیدة وتغیرات سریعة جاءت تِلو امتزاج الثقافة العربیة بالثقافات الأخری وهذا کان یتطلب ایدئولوجیات تختلف عما کان فی السابق .

د: دخول القیم والحوائج الجدیدة فی المجتمع العباسی، دون أن تملک الطبقة المثقفة لاسیما معظم الشعراء الموّلدین آلیة یستمدّون بها فی تحقیق تلک الغایات، فإنّ الحداثة فی الحیاة تدعو حداثة فی الآلیات والأدب أیضاً، إذن هم یشعرون بالاستیاء ویقومون بما یغایر النظام التقلیدی ویثورون علیه.

ابن قتیبه، ابو محمد عبد الله بن مسلم. (1932م). الشعر والشعراء. مصر: المعاهد.

ابن المعتز، عبدالله بن محمد. (1956م). طبقات الشعراء. مصر: دار المعارف.

أبوشقراء، محیی الدین یوسف. (2005م). مدخل إلی سوسیولوجیا الأدب العربی. ط1. بیروت: المرکز الثقافی العربی.

اسکاربیت، روبیر. (لاتا). سوسیولوجیا الأدب. ترجمة: عرمونی، عطوان. بیروت: منشورات عویدات.

أبونواس، الحسن بن هانئ. (2002م). الدیوان. شرح حمزه اصفهانی. تحقیق: غریغور شولر. ط1. بیروت: دار المدی.

الحاوی، ایلیا. ( 1987م). شرح دیوان أبی نواس. بیروت: منشورات الشرکة العالمیة للکتاب.

برکات، وائل وآخرون. (2004م). اتجاهات نقدیة حدیثة ومعاصرة. دمشق: منشورات جامعة دمشق.

بروکلمن، کارل. (1961م). تاریخ الأدب العربی. ترجمة: عبد الحلیم النجار. القاهرة: دار المعارف.

حسن، عزة. (1968م). شعر الوقوف علی الأطلال، من الجاهلیة إلی نهایة القرن الثالث دراسة تحلیلیة. دمشق: طبعة الترقی.

حسین، طه. (1937م). حدیث الأربعاء. مصر: البابی.

حجازی، سمیر سعید. (2007م). مناهج النقد الأدیی بین النظریة والتطبیق. ط1. القاهرة: دار الآفاق العربیة.

خریس، حسین. (1994م). حرکة الشعر العباسی فی مجال التجدید بین أبونواس ومعاصریه. ط1. بیروت: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزیع.

الزبیدی،علی. (1966م). «التجدید بین الشعر العباسی والشعر المعاصر». الآداب. السنة الرابعة عشرة. العدد الثالث. صص: 47-40.

الزعیم، أحلام. (1981م). أبونواس بین العبث والاغتراب والتمرّد. ط1. بیروت: دار العودة.

زکی، کمال. (1971م). الحیاة الأدبیة فی البصرة إلی نهایة القرن الثانی الهجری. القاهرة: دار المعارف.

ضیف، شوقی. (1980م). تاریخ الأدب العربی (العصر العباسی الأول). ط6. مصر: دار المعارف.

عطوان، حسین.(  1974م). مقدمة القصیدة العربیة فی العصر العباسی الأول. مصر: دار المعارف.

عزیز الماضی، شکری. (1986 م). فی نظریة الأدب. ط1. بیروت: دار الحداثة.

هدارة، محمد مصطفی. (1963م). اتجاهات الشعر العربی فی القرن الثانی الهجری. القاهرة: دار المعارف.

جمعة،حسین. (1998م). «شعرنا القدیم صورة ودلالة». مجلة جامعة دمشق للآداب والعلوم الإنسانیة والتربویة. المجلد 14. العدد الأول. صص: 70-9.

السامرایی، یونس أحمد. (1426ق). «ثقافة الشاعر العباسی الشعریة». المورد. المجلد الثانی والثالث. العدد1. صص: 17-4.

هادی پور نهزمی، یوسف. (1390ش). «أبونواس بین مطرقة الحکام وسندان التاریخ». مجلة أدب عربی. جامعة طهران. الرقم الثالث. ص: 67-47.

الشتیوی، صالح علی سلیم. (2004م). «ظواهر من التمرّد فی شعر العصر العباسی الأول». مجلة جامعة دمشق للآداب والعلوم الإنسانیة والتربویة. المجلد20. العدد (1+2). صص: 199-85.