التفرد الإبداعی عند الشریف المرتضى منهجا ورؤیة؛ قراءة فی کتاب طیف الخیال

نوع المستند: علمی پژوهشی

المؤلف

أستاذة فی النقد الأدبی الحدیث بالجامعة المستنصریة، بغداد، العراق

المستخلص

یتناول هذا البحث مفهوم التفرد الإبداعی بوصفه هاجسا نفسیا وملمحا ذاتیا یدفع المبدع إلى التمیز عن أقرانه ومجایلیه رؤیة وتشکیلا لما اکتسبه من أدب وعلم.
ویتضح هذا المفهوم عند الشریف المرتضى فی کتابه (طیف الخیال) من ناحیتی نظم الشعر ونقده، وهو یرصد المعانی ذات الصلة بالطیف والخیال؛ محللا ألفاظه وتراکیبه، وموزعا أشکاله فی أربع صور: أولا، التفرد بالمؤاخذة والرد وثانیا، التفرد بالتمحیص والتأویل وثالثا، التفرد بالانحیاز ورابعا، التفرد بالسبق والصدارة.

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

Sharif al-Murtaza's Uniqueness of Creativity inLiterary and Critical Approach;A Study of Teyf-e- Al-Khial (Spectrum of Imagination)

المؤلف [English]

  • Nadia Hannavi Sa'adoon
Professor in Contemporary Literary Criticism, MostansariehUniversity, Baqdad, Iraq
المستخلص [English]

This research deals with the concept of uniqueness in creativity as one of the artist's concerns and her personal features differentiates her from her peers in literary approach and critical view horizon based on her learned knowledge and literature.The reflection of such concept can be found in the book Teyf-e- Al-Khialwritten by Sharif Al-Murtazain both poetry and its criticism. The poet mentions words and expressions  related to imagination. Next, shedraws its different types in four forms: first, uniqueness in interpellation and rejection, second, in trial and interpretation, third, in dependency and forth ,in uniqueness in sublimity and presidency.

الكلمات الرئيسية [English]

  • Uniqueness
  • interpellation
  • interpretation
  • Dependency
  • Sublimity

إذا کان الشریف المرتضى شاعرا ممیزا، فإنه أیضا ناقد فذ وکاتب مرموق له أکثر من سبعین مصنفا جمعها الأستاذ أبوالفضل إبراهیم وأضاف الأستاذ الدکتور محمد حسن آل یاسین ثلاثة رسائل نشرتها سلسلة المعارف للتألیف والترجمة والنشر بالنجف. (الشریف المرتضی، 1962م: 32-26)

ولم یکن تفرد الشریف المرتضى فی عصره مقتصرا على الأدب والنقد، بل شمل العلم والمعرفة بمختلف صنوفها وقد تخرج على یدیه طائفة من تلامذته أصبحوا بعد ذلک أعلاما کأبی جعفر محمد بن الحسن الطوسی وأبی یعلى سالار بن عبد العزیز الطبرستانی. (المصدر نفسه: 47؛ الآمدی، 1972م)

ویظهر الشریف المرتضى فی کتابه "طیف الخیال" حسا دقیقا وفهما عمیقا وبیانا قویا مفصحا عن فهم الشعر بنظرة الشاعر وإحساسه لا بنظرة اللغوی ومقیاسه؛ وضمن رؤیة انفتاحیة تمزج الشعر بالنقد والتألیف بنقد النقد عبر تناوله لآراء المتقدمین فی الطیف والخیال مظهرا فیها مقدرة أدبیة ونقدیة باهرة.

ویحفل الکتاب باستخراجات شعریة فی الطیف لمتقدمین ومتأخرین، وبوقفات نقدیة إزاء قضایا أدبیة کثیرة وقد عدَّ المحقق حسن کامل الصیرفی هذا الکتاب من عیون کتب النقد الأدبی «لأن مؤلفه ناقد من الطراز الأول: دقة حس وعمق فهم وقوة بیان وکان یفهم الشعر بنظرة الشاعر وإحساسه لا بنظرة اللغوی ومقیاسه وبذلک استطاع أن یصوب أخطاء من سبقوه ویزید من قیمة هذا الکتاب انه یضم فصلا من کتاب الموازنة للآمدی.» (المصدر نفسه: 47؛ والآمدی، 1972م)

وأضاف واصفا الشریف المرتضى بأنه «عالم متمکن من لغة العرب واسع الاطلاع قوی الحجة ناصع العبارة بلیغها یرتفع بأسلوبه النثری الجمیل الرشیق الأنیق إلى ذروة سامقة.» الشریف المرتضی، 1962م: 20)

والمرتضى بحسب رأیه شاعر لا یرتفع إلى مرتبة الناثر أما کونه ناقدا فإن مکانه فی الصدارة فهو بصیر بمعانی الکلم دقیق الحس ذواقة للجید من الشعر یمزج بین الأدب والعلم ویتجلى اطلاعه الواسع فی التحلیل والنقد. (المصدر نفسه: 21-20)

وجدیر بالذکر أن الصیرفی بعد أن انتهى من تحقیق کتاب "طیف الخیال" ألحق به مراجع  لمؤلفین سبقوا الشریف المرتضى أو تأخروا عنه حقبة من الزمن وقد اثبتوا أقوالا للشعراء فی الطیف من خلال وضع فصول فی مؤلفاتهم عن الطیف فیها مختارات شعریة لبعض الذین ذکرهم المرتضى أو الذین لم یذکرهم مبتدئا بالشعر والشعراء لابن قتیبة مارا بالموازنة والزهرة وزهر الآداب والحماسة وغیرها، ومنتهیا بنهایة الأرب فی فنون الأدب لشهاب الدین النویری.

وغایة المحقق من وراء ذلک کما قال: «لیکمل هذا الموضوع ویتم لهذا العقد جمانه» (المصدر نفسه: 182) ویبدو أن المحقق قد أراد بإدراج تلک الاستخراجات من أمهات الکتب القدیمة أن یستدرک على الشریف اختیاراته أو أن یتحفظ على دعوى الشریف بالسبق والتفرد ولیدلل على أن المصادر القدیمة قد تناولت ذلک أیضا.

وقد شکل هذا الملحق ما نسبته 50% من الکتاب فمن صفحة 187 إلى صفحة 375 أی ما یقارب 188 صفحة مقابل 181 هی کامل عدد صفحات کتاب طیف الخیال!

التفرد ومنهجیة نقد الشعر

التفرد الإبداعی هاجس نفسی وملمح ذاتی یدفع صاحبه إلى التمیز رؤیة وتشکیلا متباهیا بالموهبة الفطریة التی حباه الله بها وبما اکتسبه من أدب وعلم.

وهو فی ذلک کله متزود بحوافز معلومة ودوافع مقصودة تؤهله لأن یسلک هذا المسلک فیکون بالنسبة للآخرین ممن جایلوه أو لم یجایلوه مثالا یحتذى وصورة مشرقة للتفرد الإبداعی الطامح إلى التألق بفاعلیة وإیجابیة أصلا وفرعا.

وعلى مستوى الأدب والنقد کان التفرد عند الشریف المرتضى سمة من سمات الموهبة الفذة والفطرة السلیمة لیکون علما أدبیا له مسلکه الخاص لغة وصیاغة سواء أکان ذلک فی نظم الشعر أم نقده وتلقیه أم فی صوغ النثر والبیان بأشکاله المختلفة.

 وقد درس المرتضى بعض الظواهر الأدبیة کما شخص قضایا فنیة وجمالیة وعن ذلک قال الشجری: «انظر هذا الطبع المتدفق والنسج المطرد المتسق من أعرابی قح قیل إنه أول مفتتح لوصف الطیف وکأنه لانطباع سبکه وجودة رصفه لما قال هذا المعنى الکبیر وقلب باطنه ظاهره وباشر أوله آخره.» (الملوحی، 1970م: 621-613)

ولا یغدو التفرد سمة یحملها صاحبها ما لم یکن على ثقافة عالیة ودرایة عمیقة ووافیة فی الأدب والعلم لیکون له طابعه الخاص ورؤیته الفکریة المخصوصة به لوحده دون غیره وقد کانت للمرتضى «جولات فی علم الکلام إذ کان من أقطاب المتکلمین فی القرنین الرابع والخامس الهجریین ... وظهر ذلک فی مؤلفاته الأمالی والشافی والمحکم والمتشابه وتنزیه الأنبیاء.» (قصاب، 1985م: 127)

وشعریا تفرد الشریف المرتضى بالنظم فی مختلف فنون الشعر شأنه شأن أخیه الشریف الرضی الذی قال عنه الدکتور زکی مبارک: «أفحل شاعر عرفته العربیة وأعظم شاعر تنسم هواء العراق» (مبارک، ج1، 1952م: 9)

 ولا غرو أن الشاعر لن یحتل موقعا مهما فی العملیة الإبداعیة ما لم یحمل فی داخله هاجسا نقدیا یدفعه إلى أن یتمم بنیة کتابة النص بما یضمن لها شروط التلقی والتأویل وقد أدرک المرتضى أن «القارئ شریک إیجابی فی إعادة الخلق الشعری الذی لا یتم إلا به.» (لطفی، 1970م: 136)

ولقد جمع الشریف المرتضى الهاجس النقدی جنبا إلى جنب الهاجس الإبداعی فکان قارئا ناقدا لا یقوم الفعل النقدی عنده إلا على معاییر تتعاقد بینه بوصفه منشئا وبین نصه ومتلقیه وهذا ما حقق له «تحریک طاقات اللغة الکامنة واعتمادها فی أداء المعنى على الإیحاء والإشارة وترک التصریح ... حتى لکأن عملیة القراءة تنقلب إلى ضرب من الاستبطان الذاتی وإذ ذاک تصبح لغة النص مجرد قادح تتداعى له المعانی فی النفس..» (حمادی، 1981م: 620)

ولما کان للعامل النقدی أثر مهم فی صحة القراءة؛ فإن ذلک لیس مطلقا بل قد یخضع لحدود وأطر فنیة فالقارئ للشعر یستطیع أن یجدد باستمرار أفکارا ومعانی جدیدة له والشعر فوق أسالیب الکلام وفوق التحلیل اللغوی والترجمة والموضوع، ذلک أن الشعر فی رأی ابن المدبر (ت270هـ) «موضع اضطرار یغتفر فیه الإغراب وسوء النظم والتقدیم والتأخیر.» (الدسوقی البساطی، 1965م: 261)

ویتخذ منهج التفرد فی کتاب طیف الخیال عدة رؤى استطاعت أن ترصد المعانی ذات الصلة بالطیف والخیال وتحلل ألفاظه وتراکیبه غزلا وصبابة ووجدا وعشقا؛ وعلى هذا الأساس تنوعت أشکال التفرد الإبداعی عند الشریف المرتضى وکالآتی:

ـ التفرد بالمؤاخذة والرد.

ـ التفرد بالتمحیص والتأویل.

ـ التفرد بالانحیاز أو التغاضی.

ـ التفرد بالسبق والصدارة.

 

  1. التفرد بالمؤاخذة والرد

إن اعتداد الشریف المرتضى بمقدرته النقدیة قد مکنه من تحقیق التفرد الإبداعی الذی کثیرا ما یأخذ صیغة المؤاخذة والرد عبر قراءات تؤسلب قراء سابقین أو مجایلین أو ترفض قراءات شعریة متقدمة وهو مما یدخل فی حقل نقد النقد.

ولکی یحقق الناقد قراءة رادة أو مؤاخذة فلا بد أن یمتلک ذاتا قادرة على استنطاق المقروء واستلهام مکوناته، وقد اتخذ التفرد بالمؤاخذة سبیل الموازنة ما بین قراءات الآمدی لشعر أبی تمام وبین قراءات المرتضى لشعر هذا الشاعر ومن ذلک تعقیب المرتضى على قراءة الآمدی للأبیات:

زار الخیال لها لا بل ازارکه       فکر إذا نام فکرُ الخلق لم ینمِ

ظبی تقنصته لما نصبت له       من آخر اللیل إشراکا من الحلم

ثم اغتدى وبنا من ذکره سقمٌ      باق وان کان معسولا من السقم[1]

(عزام ومحمد عبدة، 1970م: 186-185)

وقد عدَّ الآمدی الشطر الأول من البیت الأول لیس بالجید فرد المرتضى علیه معتذرا لأبی تمام «فأی معنى لقوله إنه لیس بالجید وقد فطن من غرضه لما فیه العذر وزوال العیب والقدح فکأنه جمع بین الشیء وضده» (الشریف المرتضی، 1962م: 9)، ثم أخذ یفصل الرد بالوقوف عند الألفاظ واحدة واحدة منتقلا إلى الشطر الثانی من البیت الأول فلم یجد مشکلا فیه لاسیما أن إبدال لفظ الخلق بالخلو لا بأس بها، لینتقل إلى الشطر الثانی من البیت الثالث الذی وجده الآمدی لیس بشیء «یرید أنه لا ینام باللیل وأنه یسهره وأنه یهوم فی آخره تهویما فیطرقه الخیال فی ذلک الوقت.» (المصدر نفسه: 11)

فردَّ المرتضى داحضا تلک القراءة مضیفا وجها آخر لقول الشاعر آخر اللیل ولیس أول اللیل لیقول: «إن الخیال لا یطرق فی العادة إلا مع وقور النوم وغزارته والاستثقال فیه وهذا إنما یکون فی أواخر اللیل ومع استمرار النوم وطول زمانه فلهذا خص آخر اللیل.» (المصدر نفسه: 11-7)

ومن المؤاخذات الأخرى التی سجلها الشریف المرتضى على الآمدی طعن الأخیر على أبیات لأبی تمام فرد المرتضى «فأما طعن الامدی على الأبیات المیمیة التی لأبی تمام ودعواه أنه لا حلاوة لها ولا طلاوة فمن قبح العصبیة لأن قوله .. صحیح الوضع ملیح المعنى لأنه إذا کان لا تلاقی بینه وبین محبوبه نهارا ولا وصل ولا قرب وأن ذلک کله یکون لیلا فاللیل أنفع له من النهار وأمتع وأی شیء یراد من أبی تمام أن ینتهی إلیه فی هذا البیت أکثر من هذا.» (المصدر نفسه: 19)[2]

 وإذا ما أعجب الآمدی ببیتین للبحتری لأنه «لا شبهة على متعصب فی حسنها ونصوعها» فإن المرتضى یرد مؤاخذا الآمدی ومتسائلا کیف أنه وجد فی أبیات أخرى أنها أحسن وأحلى مرجحا أن تفضیلها على الأولى غیر صحیح. (المصدر نفسه: 23-22)

ومثل ذلک أیضا إعجاب الآمدی بأبیات للبحتری إذ قال: «وهذا والله الکلام العربی والمذهب الذی یبعد على غیره أن یأتی بمثله ـ فجاء المرتضى بقراءة رادة ـ ونقول: إن الوصف یقصر عن بلاغة هذه الأبیات وبراعتها وسلامتها وإنما بعجب من طروق الخیال مع الأرق الذی یشِّرد الخیال فلا یکون معه فی موضع العجب.» (المصدر نفسه:  30)

ولما وجد الآمدی فی أبیات تسعة للبحتری أنها «لو وردها الظمآن لروى لکثرة مائه» رد المرتضى معتدا بذوقه ومنفردا بالقراءة لا أکثر «وأقول: إنه قد تقدم فیما أوردناه للبحتری من هذا الباب ما هو من هذه الأبیات انصع وأطبع وأحلى وأعلى وأعبق بالقلوب واعلق بالنفوس.» (المصدر نفسه: 25)

وعن قراءة الآمدی لأبیات البحتری (البحتری، 1962م: 199-179)[3] قال المرتضى رادا: «أن الأبیات ناصعة الجمال بعیدة المثال وفی البیت الأخیر .. معنى جلیل القدر ثقیل الوزن له غور عمیق وأس وثیق وإنما أراد البحتری أن الذی یراد من الحق من بلِّ الغُلة وإمساک الرمق وتمنع النفس هو فی هذا الباطل فقد تساویا فی الغرض المقصود وقام الحق فیه مقام الباطل.» (الشریف المرتضی، 1962م: 29-28)

وعلى الرغم من أن المرتضى کان فی أغلب قراءاته لموازنات الامدی مؤاخذا ورادا إلا أنه کان فی بعض الأحیان یوافق الآمدی على بعض قراءاته فمثلا أنه وافق الآمدی فی أربعة أبیات کان قد قرأها الآمدی فوجد أنها قول لیس بینه وبین القلب حجاب فعقب المرتضى «وقد صدق فی مقالته وأنصف فی شهادته.» (المصدر نفسه: 37)

وقد یکون المرتضى فی قراءاته الرادة معنِّفا الآمدی ومزدریا علیه فمثلا أن الآمدی کان قد أعجب بأبیات للبحتری فقال: «وهذا کله إنما حسن هذا الحسن وقبلته النفوس لأنه اعتمد أن یخبر بالأمر على ما هو به من غیر زیادة ولا نقصا.» (المصدر نفسه: 39؛ وصقر، 1972: 140)

فرد المرتضى ردا قاسیا لا یخلو من التهکم والتعنیف «لا فصاحة لکلامه ولا بلاغة ولا براعة وکم من مخبر عن الشیء على خلاف ما هو به لکلامه القبول وإلى القلوب الوصول وهذا یدل على أن حظ الألفاظ فی الکلام الفصیح منظوما ومنثورا أقوى من حظ المعانی وقد نبهت على ذلک فی مواضع من کلامی من أراد الاستقصاء وقف علیها.» (المصدر نفسه: 39)

وکذلک عارض المرتضى الآمدی حین رأى فی أبیات لأبی تمام أنها لا حلاوة فیها ولاطلاوة بالرد أن فی الأبیات «إحسانا لا یجحد وفضلا لا ینکر.» (المصدر نفسه: 18-17؛ صقر، 1972م: 135)

ولما کان المرتضى یؤاخذ الآمدی فإنه کثیرا ما کان یعتذر للشاعر البحتری (المصدر نفسه: 49)، وقد یدفعه تفرده فی المؤاخذة والرد أن یصطنع قراءات نقدیة تبنى على افتراض أن قائلا ما تساءل طالبا منه جوابا فیقوم بالرد بقراءة معقبة ومن ذلک أن قول البحتری:

کان الکرى حظ العیون ولم أخل   أن القلوب لهن حظ فی الکرى (البحتری، ج1، 1962م: 243)

فقال «لقائل أن یقول: أی حظ للقلوب فی الکرى لم یخله ثم وجده؟ وأی حظ معهود للعیون من الکرى فان هذا لیس یبین فی کلامه؟ والجواب: أن العیون من حیث تودعت وسکنت عن موالاة النظر..کان لها بذلک حظ من الکرى دون القلوب.» (الشریف المرتضی، 1962م: 26-25)

ومن المعروف أن المرتضى کان میالا إلى البحتری الذی کان أثره فیه وفی أخیه الرضی واضحا جلیا لاسیما اهتمامه بالطیف فاقتفیا أثره فی هذا الباب. (المصدر نفسه: 21 مقدمة المحقق)

وبذلک یتخذ التفرد عند المرتضى منحى نفسیا أساسه التنافس الشعری والمیل النقدی الذی یمنحه القدرة على الرد بحزم والمؤاخذة بجدارة.

  1. التفرد بالتمحیص والتأویل

سلک الشریف فی النقد مسلکا منهجیا یقوم على تتبع دلالات الألفاظ ومعانیها وتقلیبها بما یوصل للمتلقین تأویل المعانی، متفحصا المسائل الأدبیة متأملا الظواهر الشعریة بموضوعیة وعلمیة مدعمة بحجج عقلیة فیها علم بالشعر وفنونه .. ومن ذلک تأویله هذا البیت، وهو لأخیه الشریف الرضی:

أراغب من طیف الخیال وصالا    ویأتی خیالا أن یزور خیالا

(الشریف الرضی، ج2، 1307ق: 640)

فقال مؤولا البیت الشعری: «فإنما أراد أن الخیال الذی یطرق فی النوم ویتمثل للراقد یأبى أن یزور النحیل المدنف الذی قد صار خیالا من النحافة والنحول، وإنما سمى الناحل الذی قد ذاب جسمه وذهب لحمه وغاضت نضارته وذهبت غضاضته خیالا تشبیها بالخیال الذی یتمثل للنائم وهو مما لا حقیقة له ولا وجدان فأجرى من زاد نحوله فصار عند الرؤیة غیر متحقق ولا متیقن مجرى الخیال فی النوم الذی لا یتحقق وإنما یتخیل وما زالت الشعراء تصف الناحل بأنه خیال لا یحس ولا یدرک ولا یعلم.» (الشریف المرتضی، 1962م: 99-98)

وهو إذ یستشهد بأبیات من شعره هو فإنه قد یشرح معنى لفظ أو یفسر صورة، ومن ذلک قوله:

وکیف اهتدى والقاع بینی وبینه    ولماعة القطرین مناعة القطر

(الشریف المرتضی، ج2، 1958م: 67)

فعلق مفسرا للمتلقی رؤیته ومبینا وجهة نظره «وإنما قلت مناعة القطر وهی على الحقیقة ممنوعة لا مناعة لأقابل بین لماعة ومناعة والمعنى مع ذلک صحیح لأنها تمنع القطر السائر فیها وتعدمه منها فجاز أن یقال مناعة وان کانت هی أیضا ممنوعة.» (الشریف المرتضی، 1962م: 123)

ومن دلائل النظر النقدی المتمحص تناول المرتضى لقضایا اهتم النقد القدیم بالوقوف عندها ومنها قضیة السرقات لیتفرد برأی نقدی موضوعی یقطع بان التوارد فی الخواطر جائز «وکما قلت فی کثیر من کتبی إنه لا ینبغی لمنصف أن یقول: هذا البیت مسروق المعنى من فلان لأنه قاطع على ما لا یأمن هذا أن یکون کذبا فربما تواردا فیه من غیر قصد والأولى أن یقال هذا نظیره وشبیهه.» (المصدر نفسه: 141)

وبذلک یصبح بإمکان الشاعر أن یأخذ المعنى فیکون ثمرة خاطره لیختص به کما أن الشاعر إذا أحسن الصیاغة فلیس ذلک سرقة «ومن عبر عن معنى متداول بأحسن عبارة وابلغها فکأنه مبتدئه ومنشئه وما یضره أن سبق إلیه إذا کان منفردا بإحسان العبارة عنه فحظ العبارة فی الشعر أقوى من حظ المعنى.» (المصدر نفسه: 168)

وقد یقع التوارد من دون عمد وهذا ما لا سلب فیه ولا نقض ایضا ومن ثم تکون المحصلة الموضوعیة من ذلک کله «وهکذا یجب أیضا ألا یطلق احد فی معنى من المعانی أنه منفرد به وسابق إلیه وإن کان لم یسمع له نظیرا ولا عثر له على شبه لأنه لا یأمن أن یکون فیما لم یبلغه ولا اتصل به ... ومن ذا الذی یحیط علما بکل ما قیل وسطر وذکر والانصاف أن یقال: فی مثل هذا المعنى ینفرد به فلان على ما بلغنی واتصل بی وانتهى إلیه تصفحی وتأملی.» (المصدر نفسه: 141)

وفی إطار قضیة اللفظ والمعنى کان الشریف المرتضى من أنصار النسج والصیاغة إذ أن الغلبة لیست فی الاشتراک فی المعانی وإنما یقع الإحسان فی حسن النسج وسلامة السبک على المعانی (المصدر نفسه: 21) وان حظ الألفاظ فی الکلام الفصیح أقوى من حظ المعانی (المصدر نفسه: 39)، وعدَّ لفظة الدعوة هجنة لأن الألفاظ ینبغی ألا تکون عامیة قلما یستعملها فصحاء الشعراء. (المصدر نفسه: 20)

وان الصنعة کلما کانت أخفى کانت أحلى (المصدر نفسه: 23) وان لا فضل للمعانی على الألفاظ بل «الخواطر مشترکة والمعانی معرضة لکل خاطر جاریة على کل هاجس. وکیف جرى الأمر وعلى أی القسمین کان فان العنصر واحد والمعدن واحد.» (المصدر نفسه: 95)

وقد تابعه فی ذلک نقاد کثیرون ومنهم ابن الأثیر الجزری (ت637ق) الذی ذهب إلى أهمیة «أن تکون المعانی المقصودة ذات ألفاظ حسنة رائقة و… معرفة اللفظ الجید من الردیء والفرق بینهما .. واعلم أن المعنى هو عماد اللفظ واللفظ هو زینة المعنى.» (ابن الأثیر الجزری، 1956م: 21)

 ولذلک اهتم المرتضى ببیان معانی بعض الألفاظ مثل «الخاطر والقود وهلهل والنائر والصدى والمصرَّد والتصرید ومحسوب التی تحمل شیئین احدهما التقلیل لان الشیء القلیل یوصف بأنه محسوب .. والوجه الآخر أن معنى محسوب متوقع منتظر.» (الشریف المرتضی، 1962م: 46-31)

وتفرد فی شرح معانی لفظة النفس عبر تنقیب لغوی واصطلاحی یرفض المغالاة فی التأویل أو الغلو فی التفسیر «والنفس عبارة فی اللغة العربیة عن أشیاء کثیرة منها: الدم ولذلک قالوا: ما لا نفس له سائلة .. وسمیت النفساء بهذا الاسم لأجل الدم ویعبر بالنفس عن الذات یقال فعلت ذلک بنفسی وجاء زید نفسه ونفسی تتوق إلى کذا وکذا أی: أنا تائق إلیه. والذی تهذی به الفلاسفة من أن النفس جوهر بسیط وینسبون الأفعال إلیها مما لا حصول له وقد بینا فساده فی مواضع کثیرة من کتبنا ودللنا على أن الفاعل الممیز الحی الناطق هو الإنسان الذی هو هذا الشخص المشاهد دون جزء فیه أو جوهر بسیط یتعلق به.» (المصدر نفسه: 51)

ومن صور تفرده النقدی التزامه الحیاد والاعتدال من دون أی تمادٍ معتمدا تمحیص النصوص على وجوه عدة لا على وجه واحد متخذا من التأویل منهجیة نقدیة تتیح له تقلیب النص على مختلف القراءات وهذا ما تقره نظریات القراءة والتلقی و«لقد رأى الدارسون أن من خصائص الفن أن یکون قابلا لاختلاف التأویل دون أن یفقد شیئا من قیمته لا بل انه کلما تباینت ضروب التأویل ازداد الفن قیمة وارتفع مقاما فکل أثر فنی هو حمال أوجه .. واختلاف التأویل دلیل على أن وراءه حقیقة إنسانیة یحاول المؤولون أن یصلوا إلیها.» (محمود، 1979م: 47-46)

ومن ذلک انه لما وقف عند وصف البحتری للتثنی بالرود فی (رود التثنی) فإنه وجد أن هذا الوصف لا یلیق لکنه اعتذر للبحتری بوجهین «أحدهما انه استعار للتثنی وصف صاحبه للمقارنة والآخر أن سرعة الشباب لا تکون إلا مع النعمة والرطوبة فحمل على المعنى وأراد أنها ناعمة التثنی أو رطبة التعطف.» (الشریف المرتضی، 1962م: 61؛ والبحتری، ج1، 1962م: 194-193)

ولکونه یضع المتلقی دوما فی باله لذلک تعدد قراءاته على افتراض أن قائلا قد یقول: «التخیل والاعتقاد إنما هو بالقلب فی نوم أو یقظة ولا حظ للعین فیه فی الحالین: فالجواب أن الأمر على ذلک لکن العین فی الیقظة تکون سببا لتخیل القلب فرط حسن بعض الأشخاص وان لم یکن کذلک فأضیف التمویه إلیها لأنها کالسبب فیه وفی النوم یعتقد النائم بقلبه ویتخیل انه یرى بعینه ما لیس یراه على الحقیقة فصار القلب سببا لتخیل شیء یضاف إلى العین من رؤیة ما لیس یراه فکان التمویه ههنا من القلب على العین ولیس یحتمل الشعر هذه المحاسبة والمناقشة والإشارة فیه تکفی.» (الشریف المرتضی، 1962م: 122)

ومن تأویلاته لمعنى أن الأرواح لا یصح علیها فی الحقیقة التلاقی والتزاور وهو ما اعتاد السابقون على تداوله وقد تابعهم لأنه لا یرید أن یشط عن معانیهم فقال: «الشعراء لما رأوا أن الأجساد فی طیف الخیال لم تتلاق ولا تدانت نسبوا التلاقی إلى الأرواح تعویلا على قول من جعل النفس لها قیام بنفسها وأنها غیر الجسد وان التصرف لها: فجرینا على هذه الطریقة وان کان ذلک باطلا فی التحقیق.» (الشریف المرتضی، 1962م: 131)[4]

وقد تتخذ نمطیة التفرد فی التأویل عند المرتضى أن یأتی بوجوه قرائیة کما فی شرحه لقوله (ما زار إلا فی سنة) الذی حمله على وجهین تأویلیین «إحدهما انه ما زار لجبنه وشدة خوفه إلا زیارة هی تخییل وغیر تحقیق والوجه الآخر أن یرید انه ما زار إلا فی اللیل فعبر عن اللیل بما لا یکون فی الأغلب إلا فیه: واللیل یستتر بظلمته الجبان الخائف.» (المصدر نفسه: 167)[5]

ومن آرائه الموضوعیة التی اعتمدت أسلوب التعلیل رفضه التفریق بین لذة الخیال ولذة اللقاء والسبب أنه «وبعد زوال الأمرین ومفارقة الحالین ما احدهما فی فقد متعته وزوال منفعته إلا کصاحبه» (المصدر نفسه: 5)، وفسر إعجابه باستعارة أبی تمام فی "سرا من الأجسام" مجوزا للشاعر أن یستعیر فی بعض کلامه تغریبا وتقریبا. (المصدر نفسه: 19)[6]

ولم یر فی الشعر الذی یتعجب من اهتداء الطیف إلى المضاجع تجدیدا أو ابتکارا والسبب أنها «جادة مسلوکة وطریق مهیع وما ورد فی ذلک أکثر من أن یحصى.» (المصدر نفسه: 102)

وعلل کیف أن الشعراء قد تعجبوا من اهتداء الطیف بالقول: «لأنهم فرضوا زیارته زیارة حقیقیة وطروقا صحیحا فتعجبوا مما یتعجب من مثله فی ذلک من طی البعد فی اقصر زمان ومن الاهتداء بغیر هاد ولا مرشد مع تراکم الظلم وتشابه الطرق وفقد الظهر ومن فرض شیئا أجرى أوصافه له على ما فرضه دون ما هو علیه فی نفسه.» (المصدر نفسه: 108)[7]

وشرح سبب اسناد (یخدعنی) إلى الکرى «إنما أضفت خدیعة الطیف إلى الکرى لأنه لولا النوم وأسبابه ما تخیل الطیف ولا تمثل.» (المصدر نفسه: 120)

وبین لمَ جعل عین الرقیب مطروقة بالکرى بالقول: «ولما کانت طرفة العین تحجز عن أبصارها وکان الکرى أیضا کذلک جعلت عین الرقیب من حیث منعها النوم عن الرؤیة کأنها به مطروقة والعادة أن عین المحب تموه على قلبه حتى یستحسن ما لیس بحسن أو ما لم یبلغ الغایة التی تخیلها واعتقدها وفی النوم انقلبت هذه العادة وصار القلب یخیل أن العین ترى ما لیس تراه على الحقیقة.» (المصدر نفسه: 122-121)

وقد دفعه اعجابه ببیت من شعره کان قد وجده فی غایة التحکم فی القلوب إلى تفسیر ذلک بالقول: «لأن انقضاء الطیف بغیر اثر ولا بقیة کسطور تمحى بغیر اثر ولا بقیة وإضافة المحو إلى الصبح فی موقعه وموضعه.» (المصدر نفسه: 179؛ والشریف المرتضی، ج2، 1307ق: 60)[8]

وعادة ما تخلو قراءاته الممحصة والمؤولة من التعنیف أو التهکم أو المغالاة إزاء النقاد أو الشعراء کونه یظل ملتزما بموقف منصف عماده التعلیل والاحتجاج والتأویل.

  1. التفرد بالانحیاز أو التغاضی

إن لهذا الشکل من التفرد الإبداعی سببا ذاتیا ومیلا انطباعیا یجعل المرتضى یتحیز إلى احدهم نظم شعرا فی الطیف أو یتغاضى عن اخر متجاهلا له أو متحاملا علیه.. 

 ومن صور ذلک التفرد ما کان من انحیاز المرتضى إلى البحتری فی معرض الرد على ما أخذه الامدی علیه من إمکانیة أن یبدل قولا بقول آخر فاعتذر له المرتضى بأن «وزن الشعر لم یمکنه من ذلک فعدل إلى لفظ آخر وما أراد إلا هذا المعنى بعینه.» (الشریف المرتضی، 1962م: 49)

ولا غرو أن نجد لدیه تعصبا لأولئک الشعراء الذین أولوا الطیف اهتماما إذ رأى أن العتابی مجود فی أربعة أبیات وان مسلم بن الولید أحسن فی بیتین وان النمر بن تولب أحسن فی بیتین (المصدر نفسه: 87-55) والسید الحمیری «قوی الطبع جزل اللفظ سلیم التصرف والتقلب» (المصدر نفسه: 107) وإن ذا الرمة أحسن فی بیتین. (المصدر نفسه: 113)

وعلى الرغم من أن الشعراء الذین جرى ذکرهم فی سیاق التحلیل والقراءة کثیرون وهم: ابن المعتز ولجران العود والکمیت وقیس بن الخطیم ومالک بن اسماء ودعبل وجریر وطرفة وعمرو بن قمیئة وقیس بن الملوح وعبید بن الأبرص والفرزدق والأقرع بن معاذ وذو الرمة؛  إلا إن إعجابه بالبحتری وما قاله فی طیف الخیال قد حمله على التحیز غاضا الطرف عن أی شاعریة أخرى متقدة فی عصره.

واغلب انتقاداته للآمدی تأتی من باب التعصب للبحتری والانتقاد لشعر أبی تمام وهو ما کان قد صرح به فی المقدمة «ولأبی تمام فی هذا المعنى التافه الیسیر فانه ما عنی به ولا رزق منه ما رزق البحتری فانه کان مغرما متیما بالقول فی الطیف فأکثر فیه وأغزر مع تجوید وإحسان وافتنان.» (المصدر نفسه: 5-4)

وعلى الرغم من تقدیمه البحتری على أبی تمام إلا انه کان یقف إلى جانب أبی تمام متحاملا على الامدی قائلا: «وما رأیناه أثنى على البیت الثانی ..بما یستحقه وقدح فی البیت الأول بما لیس یقدح على اعترافه فلیته جمع بین القدح للمقدوح والمدح للممدوح.» (المصدر نفسه: 12)[9]

ولکی لا یبدو فی قراءاته تلک متغاضیا عن الامدی متحاملا علیه فإنه قد یستدرک بأن الامدی قد یعترض على مثل هذه القراءة کأن یقول: «قد مدحت جملة الأبیات وقلت إنها حسان وأغراضها مستقیمة قلتُ هذا مدح تکلفته وما نراک أذا أعجبک أو أطربک مغنى للبحتری تقتصر على هذا القدر من المدح وقد کان ینبغی أن تخص البیت الثانی بزیادة الإطراء والمدح وتوقظ على جودة طرحه وسبکه فانه لا یجری مجرى ما تقدم علیه ولا تأخر عنه وما فعلت ذلک.» (المصدر نفسه: 12)

وجدیر بالذکر أن الشریف المرتضى کان قد تغاضى فی کتابه طیف الخیال عن الوقوف عند شعر المتنبی کما تجاهل نقاده ..

وقد ذهب المحقق الصیرفی إلى أن السبب هو أن «فی شعر المتنبی هجوا فی بعض العلویین ..ولکننا لم نجده یطلق لسانه فی المتنبی کما أطلق بعض معاصریه ألسنتهم فیه.» (المصدر نفسه: 25)

فی حین أنه انحاز إلى عمرو بن قمیئة کونه أول من نطق بوصف الطیف «فانظر إلى هذا الطبع المتدفق والنسج المطرد المتسق من أعرابی قح قیل أنه مفتتح لوصف الطیف وکأنه لانطباع سبکه وجودة رصفه قد قال فی هذا المعنى الکثیر ونظم منه الغزیر وقلّب ظاهره وباطنه وباشر أوله وآخره وکأنه قد سمع فیه من أقوال المحسنین وإجادة المجیدین ما سلک منهجه وأخرج کلامه مخرجه لکن الله تعالى أودع هؤلاء القوم من أسرار الفصاحة وهداهم من مسالک البلاغة إلى ما هو ظاهر باهر ولهذا کان القرآن معجزا وعلما على النبوة لأنه اعجز قوما هذه صفاتهم ونعوتهم.» (المصدر نفسه: 100-99)

والمیل التأثری قد یدفع المرتضى إلى أن یمدح الطیف ویتغنى به تارة أو قد یتحامل علیه مقللا من شأنه تارة أخرى، ومن أمثلة ذلک أنه مدح الطیف فهو «وصل من قاطع وزیارة من هجر وعطاء من مانع وبذل من ضنین وجود من بخیل وللشیء بعد ضده من النفوس موقع معروف غیر مجهول» (المصدر نفسه: 5) وانه «تمتع وتلذذ لا یتعلق بهما تحریم ولا یدنو إلیهما تأثیم ولا عیب فیهما ولا عار.» (المصدر نفسه: 6)

 ولکنه فی موضع آخر ذمه ورآه باطلا جامعا بین الاستحسان مدحا وإشادة والاستغراب ذما وإبطالا وأکد ذلک بالقول: «ولی فی وصف الخیال بأنه باطل ومحال زائل ..ومما یتکرر فی شعری من هذا المعنى کثیر..وإنما اشرنا ههنا إلى القلیل منه.» (المصدر نفسه: 114)

وقد یدفعه تعجبه بما نظمه هو من شعر فی الطیف إلى تقدیم نقد انطباعی ذاتی فیه علو للأنا إلى درجة التباهی والزهو کقوله معقبا على قطعة شعریة له «البیت الثانی عجیب المعنى لان تخیل الطیف إنما یتم بالنوم الذی حجز بین الیقین وبین النائم فاعتقد ما لا حقیقة له..وما وجدت إلى الآن تشبیه الطیف الذی لا مقتنى له ولا محصول باللفظ الخالی من معنى الباطل من غرض وان کان قیل قدیما وحدیثا أن الطیف باطل وزور ومحال ولا عائدة له فما شبهوه هکذا باللفظ الفارغ فهذا التشبیه هو الغریب.» (المصدر نفسه: 143)[10]

ولا خفاء أن فهم الذات للعملیة الإبداعیة واستشراف آفاقها إنما ینعکس على أداء العملیة النقدیة أیضا وقد بدا تأثیر المرتضى الشاعر فی المرتضى الناقد قویا لیغدو فی بعض نقده انحیازیا ترتفع لدیه نبرة الأنا ویعلو صوت الذات، ومن ذلک ما أورده الشریف المرتضى (ت436هـ) عن أبیات نظمها بنفسه وأخذ بشرحها فی قوله:

لا طرق الطیف الذی کان من         أکبر همی أنه یطرق

 (الشریف المرتضی، ج3، 1307ق: 299)

فقال : «إنما قلت (لا طرق الطیف) لأننی بنیت هذه القصیدة على ذم إتباع الهوى والانخراط فی سلکه لا فائدة له من طروق الطیف. وإنما جعلت ظنون النائم وفساد أحادیته لنفسه واعتقاداته..» (الشریف المرتضی، 1962م: 151)

وقد أخذه تعصبه إلى الاستزادة فی التمثیل بشعره على حساب شعر الطائیین لیکون ذلک أهم ملمح فی التفرد الإبداعی بالتحیز فقد شغل شعر الشریف المرتضى ما یقارب ثلث الکتاب مکررا عبارات "ولی من قصیدة أوله" (المصدر نفسه: 138-27) أو "ولی من قطعة مفردة" أو "وشمل قولی". (المصدر نفسه: 181-143)

وقد یکون لصلة الرحم أو القرابة دور فی الانحیاز فمثلا انه لما مثّل ببیتین من شعر دعبل بن علی الخزاعی ذکرهما من دون تحلیل (المصدر نفسه: 58) ولکنه لما مثّل بقصیدة بائیة من تسعة أبیات من شعر أخیه الشریف الرضی فانه قدم لها قراءة طویلة شارحا معانی بعض الأبیات. (المصدر نفسه: 94-93)

لیکون المرتضى فی هذا الشکل من أشکال التفرد قد مارس دورین معا أحدهما دور الشاعر الذی لا ینفک یتحرى السبق فی المعانی والآخر دور الناقد الذی یتحرى الصدق والموضوعیة وتبقى الفضیلة انه أراد التفرد فتفرد وأراد المغالبة فغلب وما کان ذلک لیکون لولا تعاضد الوظیفتین الإبداعیتین داخل ذاته وظیفة الشعر ووظیفة النقد.

  1. التفرد بالسبق والصدارة

کثیرا ما تباهى الشریف المرتضى بالتفرد فی ابتکار المعانی الجدیدة والسبق فی ابتداعها متفاخرا بذلک موجها نقده لمعانی طیف الخیال وجهة تفضیلیة موازنا بین شعره وشعر الآخرین.

وقد یکون وراء ذلک البحث عن السبق الریادی والرغبة فی التصدر الافتخار بالشاعریة اعتدادا بما حباه الله من موهبة وفطرة.

ولعلنا لا نغالی إذا قلنا أن المرتضى ما وضع هذا المصنف إلا رغبة فی إثبات تفوق الأخوین فی النظم فی الطیف على الطائیین، وقد قال المرتضى فی المقدمة: «أن اعتمد على إخراج ما فی دیوانی الطائیین ثم ما فی دیوانی شعری وشعر أخی نضر الله وجهه وأحسن منقلبه فانقله على جهته من غیر إخلال بشیء منه.» (المصدر نفسه: 4)

 وأغلب مفاخراته إنما تأتی من منطلق أنه جوّد فی طرق معانی الطیف أکثر من غیره ولا سیما البحتری وقد ختم کتابه طیف الخیال بتأکید هذا الأمر «وقد أخرجت من دیوان شعری فی وصف الطیف ثلاثمائة وخمسة وعشرین بیتا وهذا أکثر مما أخرجناه للبحتری على شغفه بوصف الطیف ولهجه به، فان الذی أخرجناه له مائتان ونیف وعشرون بیتا بل هذا المبلغ الذی اختصصنا به یزید عددا على کل ما سطر فی هذا المعنى لمکثر من الشعراء ومقل فأما التجوید فالتقدیر یخرجه والفطنة مع الإنصاف الحکم فیه ولعله أن اتفق منا نظم شیء فی هذا المعنى ضممناه إلى هذا الکتاب وأضفناه إلیه.» (المصدر نفسه: 181)

 وقد تأخذه إطراءاته الذاتیة فی التصدر والتفرد أن یجزم بأن لا نظیر له فی ذلک مستعملا عبارات مثل «أن قولی ...أجود وأشد تحقیقا من کل نظیر له فی ذا المعنى» (المصدر نفسه: 151) أو أن «هذه الأبیات لا فقر بها إلى تفسیر وتنبیه کما لا حاجة بها إلى مدیح وإطراء» (المصدر نفسه: 153) أو أن «من شعری فانی کررته وقد بینت سبقی إلیه.» (المصدر نفسه: 165)

ونظرا لدقة المرتضى فی التمحیص والنظر فانه إذا ما افتخر بالسبق والتفرد والریادة فانه یعود لیقرر أن لیس لأحد أن یقطع بأنه لم یسمع مثله أو لم یقل أحد قبله (المصدر نفسه: 141)، فمن ذلک أنه بعد أن ذکر قصیدة له ومنها قوله:

ولیلة بتنا بالابیرق جاءنی            على نشوة الأحلام وهنا رسولها

خیال یرینی أنها فوق مضجعی       وقد شط عنی بالغویر مقیلها

(الشریف المرتضی، 1307ق: 37-36)

علق مفتخرا بشاعریته وأنه قد سبق فی معنى (الخیال رسولها) مشیرا إلى أن هناک نظیرا له فقال: «وإنما أردت الطیف رسولها لأنه مذکر بها ومشوق إلیها ولأنه مثال لها ومترجم فجرى مجرى الرسول ....وکان عندی أنی سابق إلى وصف الطیف بأنه رسول ومتفرد بهذا المعنى لأننی ما کنت وقفت فیما تصفحته ورویته على نظیر له إلى أن رأیت لأشجع السلمی فیما رواه أبو عبید الله المرزبانی عن شیوخه ...ووجدت أیضا فیما استأنفت تصفحه وتأمله للبحتری.» (الشریف المرتضی، 1962م: 140-138)

وتباهى بشعره مقدما نفسه على سائر الشعراء الذین ناظروه المعنى مثل مجنون لیلى والتمار والنظار الفقعسی وعبید بن الأبرص والغلابی والبحتری والحمیری والرضی والفرزدق وذو الرمة. (المصدر نفسه: 113-107)

ولما وازن بیتین من شعره ببیت لأبی تمام علق قائلا: «وهذا المعنى أیضا مما ابتدعته واخترعته فی وصف الطیف لأننی ما علمت سابقا إلیه وعاثرا به.» (المصدر نفسه: 7)

ولکی یدلل أکثر على تفرده وسبقه فانه عادة ما یجزم بأن معنى الطیف یجیء فی شعره کثیرا مستخرجا من دیوانه أبیاتا عدیدة فی طیف الخیال (المصدر نفسه: 168-119)، مقتصرا على استخراجها من دون قراءة (المصدر نفسه: 70-73) وقد یقطع أن قوله:

ومن ملتقى عذب المذاق ربحته    فلم یرض لی حتى ربحت أثامه

(الشریف المرتضی، ج3، 1307ق: 222)[11]

ما وجد له نظیرا لأن فیه «معنى فی الطیف عربیا ما ظفرت بنظیر له إلى الآن فی الشعر المدون لان بلوغ الغایة فی المتعة بطیف الخیال لا یکون إلا مباحا لا أثم فیه ولا عار وقد یکون حراما وإثما وعارا لو کان فی الیقظة وعلى الحقیقة وقد تکرر هذا المعنى فی شعری.» (الشریف المرتضی، 1962م: 146)

 ولما اشتبه علیه أن قد یکون البحتری قد سبق فی المعنى فکان جوابه «أن البحتری إنما عنى أن النوم یبذل لما جدواک بعد أن کانت ممنوعة فعبر عن البذل بالتحلیل وعن المنع بالتحریم وذلک ملیح منه ولم یرد التحلیل والتحریم الحقیقیین وإنما أراد أنّا لا نلتقی إلا فی النوم الذی بذل من الالتقاء ما کان ممنوعا فکأنه أحل حراما» (المصدر نفسه: 147)، وبذلک دحض أن یکون البحتری قد سبق إلى المعنى أو أن الفرزدق قال مثله لأن ما قصداه هو خلاف ما عناه المرتضى. (المصدر نفسه: 149-147)

وقد ینتصر لآرائه فی السبق والتصدر بدعوى أن من حق «من أخرج إلیه خاطره بعض المعانی من غیر أن یکون سمعه ولا قرأه ولا احتذاه فله فضل الاستخراج والاستنباط الدالین على قوة الطبع وصحة الفکر وما علیه بعد ذک أن یکون قد تقدمه متقدم فیه فوقع التوارد فیه من غیر عمد فان تجویز ذلک لا یسلب مدحا ولا ینقص فضلا.» (المصدر نفسه: 142-141)

 وربما اوقعه هذا الولع بالتفرد سبقا وتصدرا فی مأزق تفضیلی بین أن یکون هو السابق فی معنى أو یکون الشریف الرضی هو الأسبق ومن ذلک انه لما سبق فی ابتکار معنى کان قد سمعه الرضی فأعجب به، وشهد أهل الأدب بأنه مستبدأ غیر مسبوق إلیه ولا متعرض له أما الرضی فانه نفسه شهد لهذا المعنى بأنه مبتکر مخترع وأنه مستحسن مستعذب. (المصدر نفسه: 95-94؛ الشریف المرتضی، ج3، 1307ق: 9)[12]

ولکن تبین له بعد حین أن أخاه الرضی قد طرقه فتساءل «ولست اعلم کیف جرت الحال فی هذا المعنى وهل قصد رحمه الله إلى نظمه على علم حتى لا یخلو شعره من هذا المعنى المستغرب المستعذب أو انسی رحمه الله سماعه له وقذف به خاطره وجرى على هاجسه، فأثبته تقدیرا منه أنه مبدع له لا متبع فیه فکثیرا ما یلحق الشعراء ذلک فیتواردون فی بعض المعانی المسبوق إلیها وقد کانوا سمعوها فأُنسوها فالخواطر مشترکة والمعانی معرضة لکل خاطر جاریة على کل هاجس وکیف جرى الأمر وعلى أی القسمین کان فان العنصر واحد والمعدن واحد وأینا سبق إلى معنى فالآخر بالنجر والسنخ (الأصل) إلیه سابق وبه عالق.» (الشریف المرتضی، 1962م: 95)

وبذلک الموقف النقدی والتأویل الموضوعی استطاع أن ینقذ نفسه من الإحراج عبر رؤیة فاحصة ترى ان الخواطر یمکن أن تتوارد وأن المعانی مشترکة ومن ثم لا یکون هناک فرق أن یکون المرتضى سابقا أو الرضی.

وکثیرا ما سعى الشریف المرتضى إلى أن یکون ناقدا معتدا بمقدرته فی نظم الشعر کما أراد أن یکون شاعرا ممیزا بالسبق فی ابتکار معانی طیف الخیال وهذا ما توصلت إلیه استخراجاته من شعر الشعراء لاسیما البحتری لکی یؤکد تقدمه فی القول بالطیف على سائر الشعراء المتقدمین والمجایلین انطلاقا من شاعریة فذة وقدرة نقدیة متمیزة.

النتیجة

 بناءً على ما تقدم یتبین لنا أن الشریف المرتضى تمتع بقدرات فنیة وممیزات قرائیة جعلته متفردا إبداعیا سواء أکان ذلک على مستوى المنهجیة النقدیة شرحا وتفسیرا وتأویلا، أم کان على مستوى الرؤیة الشاعریة فنا وجمالا؛ مستلهما ذلک کله من موهبة أصیلة ولغة نقدیة عالیة وخیال شاعری بارع.

ولقد اتخذ التفرد الإبداعی لدى الشریف المرتضى أربعة أشکال؛ اتجه الشکل الأول؛ نحو الرد على الآمدی فی موازنته بین الطائیین فضلا عن مؤاخذة شعراء آخرین، واهتم الشکل الثانی من التفرد، بالتحلی بدور الناقد الموضوعی الذی یهتم بالتمحیص والتأویل مقدما وجوها قرائیة متعددة ومعللة بموضوعیة وعلمیة.

 وتمثل الشکل الثالث من التفرد، بتوجهات ذاتیة فی النقد أساسها النظر الانطباعی انحیازا أو تحاملا مصوبا للآخرین أو منتقدا لهم، بحسب ما تزوده به ذائقته من دقة فی الحدس والفهم والبیان، وعنی الشکل الرابع من التفرد، بالسبق فی طرق معانی طیف الخیال وابتکارها والتباهی بالتصدر الشعری فیها لیکون شاعرا ناقدا إلى جانب کونه ناقدا شاعرا.



[1]. وفی الدیوان (فی آخر اللیل) و(مشغولا عن السقم).

[2]. والبیت الذی مثل به، هو: اللیالی أخفى بقلبی إذا ما    جرحته النوى من الأیام

[3]. وأول الأبیات: أما راعک الحی الحِلال بهجرهم   وهم لک غدوا بالتفرق أروع

[4]. وینظر: دیوان الشریف المرتضى، المجلد الأول، 265؛ والبیت هو: تلاقینا بأرواح     وفارقنا بأجساد

[5]. وینظر: دیوان الشریف المرتضى، المجلد الثالث، 309؛ والبیت هو: من زائر ما أجبته    ما زار إلا فی سنة

[6]. والبیت هو: یا لها لذة تنزهت الأر    واح فیها سرا من الأجسام

[7]. والبیت هو: إنی اهتدیت وکیف زرت وبیننا       دون الزیارة مربخ وزرود

[8]. والبیت هو: ولما انقضى ما صرت إلا کأننی     محوت بضوء الصبح منه سطورا

[9]. والأبیات ثلاثة أولها:  زار الخیال لها ، بل ازارکه     فکرٌ اذا نام فکر الخلق لم ینم

وکذلک ینظر: الصفحة 4 من هذا البحث.

[10]. ویعنی بذلک قوله : إنما الطیف کلفظ     فارغ ما فیه معنى، ینظر: دیوان الشریف المرتضى، المجلد الثالث، 303.

[11]. وفی الدیوان وتحته ولیس ربحته.

[12]. والأبیات هی: وعهدی بتمویه عین المحب     ینم على قلبه الطائر

          فلما التقینا برغم الرقـا         د موه قلبی على ناظری

ابن الاثیر الجزری، ضیاء الدین. 1956م. الجامع الکبیر فی صناعة المنظوم من الکلام والمنثور. تحقیق مصطفى جواد وجمیل سعید. بغداد: مطبعة المجمع العلمی العراقی.

الآمدی، الحسن بن بشر. 1972م. الموازنة بین شعر أبی تمام والبحتری. تحقیق السید أحمد صقر. الطبعة الثانیة. القاهرة: دار المعارف.

البحتری. 1962م. دیوان البحتری. تحقیق حسن کامل الصیرفی. المجلد الأول. الطبعة الثالثة. القاهرة: دار المعارف.

حمادی، صمود. 1981م. التفکیر البلاغی عند العرب مشروع قراءة. تونس: المطبعة الرسمیة للجمهوریة التونسیة.

الدسوقی البساطی، إبراهیم. 1961م. الرسالة العذراء ضمن کتاب رسائل البلغاء. تحقیق. مصر: دار المعارف.

الشریف الرضی، محمد بن الحسین الموسوی العلوی.  1307ق. دیوان الشریف الرضی. المجلد الثانی. بیروت: لانا.

الشریف المرتضی، علی بن الحسین الموسوی العلوی. 1962م. طیف الخیال. تحقیق حسن کامل الصیرفی. مراجعة إبراهیم الأبیاری. الطبعة الأولى. مصر: دار إحیاء الکتب العربیة.

ـــــــــــــ 1958م. دیوان الشریف المرتضی. تحقیق عیسی الحلبی. المجلدالثانی. لامک: لانا.

 

عزام، محمد ومحمد محمد عبدة. 1970م. تحقیق دیوان أبی تمام بشرح الخطیب التبریزی. المجلد الثالث. الطبعة الثانیة. القاهرة: دار المعارف.

قصاب، ولید. 1985م. التراث النقدی والبلاغی للمعتزلة حتى نهایة القرن السادس الهجری. الدوحة: دارالثقافة.

لطفی، عبدالبدیع. 1970م. الترکیب اللغوی للأدب. الطبعة الأولی. مصر: مکتبة النهضة المصریة.

مبارک، زکی. 1952م. عبقریة الشریف الرضى. الجزء الأول. الطبعة الثانیة. القاهرة: مطبعة المجازی.

محمود، زکی نجیب. 1979م. فی فلسفة النقد. الطبعة الأولی. بیروت: دار الشروق.

الملوحی، عبدالمعطی الحمصی وأسماء ابن الشجری. 1970م. تحقیق الحماسة الشجریة لهبة الله بن حمزة العلوی الحسنی. الجزء الثانی. دمشق: منشورات وزارة الثقافة.