مظاهر المفارقة فی قصیدة "لمن نغنّی؟!" لأحمد عبدالمعطی حجازی

نوع المستند: علمی پژوهشی

المؤلفون

1 أستاذة مشارکة فی فرع اللغة العربیة وآدابها بجامعة الزهراء (س)، طهران، إیران

2 طالبة الدکتوراه فی فرع اللغة العربیة وآدابها بجامعة الزهراء (س)، طهران، إیران

المستخلص

إنّ المفارقة هی لغة اتصال سرّی بین الکاتب والقارئ، ومن جمالیاتها هی: الإیجاز والتغریب وازدواجیة المعنی، وهی من أفضل وسائل التعبیر بأسلوب غیر مباشر، لإصلاح مثالب المجتمع؛ أمّا البحث فتناول المفارقة لغةً واصطلاحًا معتمدًا علی أهمّ المؤلفات فی المفارقة، یلی ذلک عناصر المفارقة وأهدافها، مرکزا علی دراسة تجلیات المفارقة فی قصیدة "لمن نغنّی؟!" للشاعر المصری المعاصر أحمد عبدالمعطی حجازی. (1950-)
والبحث اعتمد على المنهج الوصفی - التحلیلی، ویبرز ذلک من خلال تتبع أجزاء المفارقة وعناصرها، وتحلیل تجلیات المفارقة فی القصیدة المختارة وهی "لمن نغنّی؟!"، ومحاولة استنطاقها لبیان الدور الذی أدّته فی تجربة الشاعر.
توصل البحث إلى أنّ القصیدة المدروسة هی کمسرحیة تعتمد فیها المفارقة علی الغموض، واتّسم صاحبها بالسذاجة والغفلة أحیانا؛ إنّ الشاعر استخدم شتّی أنواع المفارقة من اللفظیة، والدرامیة، والنغمیة کأسلوب غیر مباشر؛ لإظهار الظروف السائدة فی مسقط رأسه مصر الّتی کبت فیها صوت الحریة، متمنیا إصلاح المجتمع.

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

Ironical Manifestations in Poetry of Ahmed Abdol Almo’ti Hijazi : Case Study: “Leman Naqanni” Ode

المؤلفون [English]

  • Roqayeh Rostampoor Maleki 1
  • Ensieh Khazali 1
  • Maryam Qolami 2
1 Associate Professor, Department of Arabic Language and Literature, Al-Zahra University, Tehran, Iran
2 PhD Candidate, Department of Arabic Language and Literature, Al-Zahra University, Tehran, Iran
المستخلص [English]

Irony is a mysterious communicative language between writer and reader and among its beauties, brevity and oddity and duality of meaning can be referred to. So it is considered as one of the best means of interpretation in an indirect way to reform society. This article elaborates on irony in terms of language and terminology with emphasis on the most important available works in this area. Then it investigates elements of irony and its objectives. Finally ironical manifestations are pictured in “Leman Naqnni” ode by Ahmed Abdol Almo’ti Hijazi. This ode is like a drama in which irony relies on ambiguity and complexity. Sometimes it is described as simplicity and sometimes as negligence. In this poem the poet with hope of reforming society, applies various types of verbal, dramatic, and musical irony to describe the situation being dominant in Egypt in which cry for  liberalism has been suppressed.

الكلمات الرئيسية [English]

  • irony
  • contemporary Egyptian poetry
  • Ahmed Abdol Almo’ti Hijazi

إنّ الحیاة حافلة بجملة من التناقضات والتضادات، وبما أنّ الأدیب هو الّذی یبدی کلّ ما یدور فی المجتمع، ویحاول انعکاس صور المجتمع فی الأدب، لهذا تظهر المفارقة فی مظاهر شتّى تتصل بالوجود والمجتمع والفرد؛ ولبیان مکانة المفارقة فی الأدب یکفی أن نشیر إلى قول توماس مان[1] حیث یقول: «إنّ المفارقة هی ذرة الملح الّتی تجعل الطبق شهیا.»

المفارقة فی تعبیر آخر، هی: صیغة من التعبیر تفترض من المخاطب ازدواجیّة الاستماع، یعنی ذلک أنّ هذا المنطوق یرمی إلى معنى آخر یحدّده الموقف، وهو معنى مناقض عادةً لهذا المعنى العرفی الحرفی. وبناءً على ذلک تعکس المفارقه نوعًا من التضاد بین المعنى المباشر للمنطوق والمعنى غیر المباشر.

تشکّل المفارقة مکونا أساسیا ومهمّا فی الشعر العربی، وقد نمت هذه الظاهرة فی الشعر المعاصر، فهی ظاهرة فنیة فی لغة القصیدة الحدیثة یستخدمها الشاعر المعاصر، مع ذلک لم تدخل کتقنیة حدیثة فی مجال النقد العربی إلّا مؤخرًا، وجرى استعمالها أداةً لتحلیل الخطاب الأدبی، خلال العقد الأخیر من القرن الماضی؛ فعلى الرغم من توفر مادة غزیرة تتناول موضوع المفارقة نظریا وتطبیقیا فی الکتابات النقدیة الغربیة، فإنّ هذا الموضوع لم یلفت انتباه الدارسین المحدثین بعد، ذلک أنّ النقاد العرب لم یهتمّوا بهذه التقنیة فی تعاملهم مع مکونات الأسالیب الشعریة والبلاغیة فی النتاجات الأدبیة العربیة قدیما وحدیثا. ولیس السبب لهذا أنّ الأدب العربی یفتقر إلی هذا النمط الأسلوبی والتقنی؛ بل کثیرا ما رکز الأدب العربی على هذه التقنیة فی بناء الأنماط المختلفة، کما تتوافر فی النص القرآنی.

وأول من صنع المفارقة فی الموروث القدیم هو الجاحظ، الّذی کان کلامه متناقضا، وفی نفس الوقت تمسّه السخریة، والمفارقة کمصطلح نقدی فی الأدب العربی، ظهر مؤخرًا فی نهایة القرن الثامن عشر؛ ولها مضامین ودلالات قریبة وبعیدة یمکن فهمها من الإشارات الّتی تنبّه القارئ. (البریسم، 2002م: 12)

کثیرا ما تعدّ المفارقة لغة العقل والفطنة، ولیست لغة الروح والخیال والشعر کما لیست أثرا شعریا خلّاقا و إنما هی عملٌ فکریٌ؛ وللمفارقة وظیفة مهمة فی الأدب بشکل عام وفی الشعر بشکل خاص، فهی تثیر الفطنة والانتباه فی الشعر، ذلک لخلق التوتّر الدلالی فی القصیدة عبر التضاد فی الأشیاء. (سعدیة، 2007م: 9-10)

ولما کانت المنهجیة العلمیة تفرض علینا ذکر الجهود السابقة؛ حتّى ننصف الآخرین من جهة، ونبیّن طبیعة جهدنا المتواضع من جهة أخری؛ فعلیه یمکن الإشارة إلى بعض ما کتب فی هذا الصدد، ومن أهمّها: بحثان لمیویک ضمن موسوعة المصطلح النقدی أوّلهما بعنوان المفارقه، وثانیهما بعنوان المفارقه وصفاتها؛ تناول الکاتب فیهما المفارقة وتطوّرها من حیث المفهموم والأنواع والعناصر والوظائف، غیر أنّ الکاتب لم یتطرّق إلی المفارقة إجرائیاً. والکتابان کما یتضح ینقسمان إلى أربعة أقسام، وهی:

أ) المقدمة: وفیها بیان أهمیة المفارقة.

ب) طبیعة المفارقة: وفیه الکلام عن المفاهیم السابقة واللاحقة عن المفارقة وعناصرها.

ج) اتخاذ المفارقة: وفیه الکلام على السخریة، والمفارقة اللاشخصیة، ومفارقة الاستخفاف بالذات، ومفارقة الکشف عن الذات، ومفارقة التنافر البسیط.

د) رؤیة الأشیاء بعین المفارقة: وفیه الکلام عن المفارقة الدرامیة، ومفارقة الأحداث، ومفارقة الرومانسیة.

فقد مهّد هذان البحثان السبیل أمام قارئ المفارقة فی الأدب العربی بطریقة اتضحت معهما جوانب خفیة من تاریخ المفارقة، ومفهومها، وأشکالها؛ مع کلّ التداخلات الکائنة بین مفهومها وأشکالها.

أمّا مقالة فن المفارقة والتی نشرت عام (1987م) لنبیلة إبراهیم فی مجلة فصول المصریة فقد استطاعت الباحثة من خلالها أنْ تتعامل مع المفارقة فی إطار من الحریة والتصرف. فجاءت دراستها مستقصیة ومحدّدة للتعاریف والضوابط المختلفة، محاولةً إبداء وجهة نظرها الخاصة أو فهمها الممیّز للمفارقة من خلال أمثلة من التراث العربی القدیم کما کان للمؤلفة وقفة مع القص العربی الحدیث، من مثل کتاب حصاد الهشیم لإبراهیم عبدالقادر المازنی، و زهر الآداب وثمر الألباب للحصری.

وفی مجال دراسة المفارقة فی الشعر، یمکن الإشارة إلی کتاب المفارقة فی الشعر العربی الحدیث لـناصر شبانةوهو تناول المفارقة على غرار میویک من حیث تعریفها وتقسیمها، وحاول أنْ یطبّقها فی الشعر المعاصر، لکنّه لایهتمّ بالبیئة الّتی أثّرت علی تجربة الشاعر من خلال أسلوب المفارقة.

رغم کلّ هذه الدراسات فی المفارقة لا توجد دراسة مرتبطة بالمفارقة فی أشعار أحمد عبدالمعطی حجازی بصورة مباشرة، فالدراسات المذکورة آنفاً، أفاد منها البحث الحاضر من حیث مبادئها النظریة فقط. إذنْ هذا البحث فضلًا عن تحلیل تقنیة المفارقة فی قصیدة "لمن نغنی؟!" للشاعر أحمد عبدالمعطی حجازی ودراستها لأول مرّة، یحاول الإجابة عن الأسئلة التالیة:

1-                                       ما الّذی دفع حجازی إلى استخدام المفارقة فی هذه القصیدة؟

2-                                       ما الأنواع المفارقة الّتی وظفها الشاعر فی هذه القصیدة؟

أضواءٌ علی المصطلح

المفارقة لغةً

ینبغی لنا قبل الخوض فی غمار المفارقة على مستوى الإجراء التطبیقی أنْ نبدأ بمقدمة نظریة لابدّ منها؛ أن تکون لنا بمثابة الأرض الصلبة الّتی نبنی علیها طوابق من المفارقة فی الأدب العربی. وبدایةً فی هذه المقدمة النظریة کما دأب الدارسون فی تحدیدهم لمصطلح، أو مفهوم على کتابة معناه اللغوی ثمّ الاصطلاحی. نبدأ بتعریف المفارقة من خلال المعاجم اللغویة؛ ذلک لأنّ المادة اللغویة لأیّ مصطلح تحکی عن منطق تنطلق منه الکلمة.

إنّ المفارقة، هی مصدر صریح[2] من فارق، ذلک لأنّ ما کان على وزن فاعَلَ من الأفعال، مصدره الصریح یأتی على وزنین وهما مفاعلة وفِعال؛ وجذرها الثلاثی فَرَقَ، ومصدرها فرق؛ «والفرق فی اللغة خلاف الجمع ، فرقه یفرقه فرقًا وانفرق الشیء وتفرقا وافترقا، أی: باینه المفرق، وفرق له الطریق أی: اتجه له طریقان.» (ابن منظور، 1997م: 299) أمّا المفاعلة فهی لا تتحقق إلّا بین اثنین أو أکثر، وهنا فی المفارقة، الفرق هو العنصر الرئیسی فی طبیعة العلاقة بینهما، وهذا التوتّر یمکن أنْ نلاحظه فی علاقات متناقضة وسلوکیات متباینة بین الناس، وفی أحوال مختلفة من مظاهر الکون وفی وجوه متضادّة بین وقائع الحیاة.

إنّ کلمة المفارقة لم ترد فی القرآن الکریم مطلقًا، ولکن ورد المصدر القیاسی الآخر فراق مرتین فی القرآن الکریم فی سورتی الکهف والقیامة: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَیْنِی وَبَیْنِکَ سَأُنبَئُکَ بِتَأْوِیلِ مَا لَمْ تَستَطِعْ عَلَیْهِ صَبْرا﴾ )الکهف: 78)، ﴿وَظَنَّ أَنهّ الْفِرَاقُ﴾ )القیامة: 28) والفراق فی الآیتین تعنی البعد والنأی؛ وفی الآیة الأولى یتحقّق الفراق بین الشخصین، وفی الثانیة یتحقّق بین الإنسان والدنیا. أمّا مشتقات فرق فقد وردت 72 مرة فی القرآن الکریم، کلّها جاءت فی معنى عکس الجمع. فإذا یکون الجمع یعنی التوحّد والإجماع، فالفرق یعنی التشتّت وعدم الاتفاق.

عرفها صاحب القاموس بمعنى التباین والتشعب؛ فهی عنده: «الموضع الّذی یفرق فیه الشعر، ومن الطریق: الموضع الّذی یتشعب من طریق آخر.» (الفیروزآبادی، 2005م: 917) وفی أساس البلاغة ذکر تحت مادة فرق «بدا المشیب فی مفرقه، فرق ومفرقةً وفرقةً، وفرق فی الطریق فروقًا وانفرق انفراقًا، إذا إتجه لک طریقان فاستبان ما یجب سلوکه منهما.» (الزمخشری، 1998م: 20) وهذا التعریف لـ فَرَقَ یدلّنا إلى معنى المفارقة الاصطلاحی الّذی سنشیر إلیه.

أمّا ما سبق ذکره فقد کان بعض التعاریف الّتی جاءت ضمن المعاجم اللغویة القدیمة، وفیما یتعلق بالمعاجم الحدیثة فقد ورد فی المعجم الوجیز: «فرق بین الشیئین أی: فصّل ومیّز أحدهما، وفارقه مفارقةً وفراقًا: باعده، وفرق بین القوم أی: أحدث بینهم فرقةً، فرق القاضی بین الزوجین، أی:حکم بالفرقة بینهما.» (مجمع اللغة العربیة، 1944م: 462( فأشار فی کلّ تفاصیله عن الفرق، إلى الانفصال والنأی.

إذنْ من خلال هذا الحشد من المعاجم الّتی ذکر منها معنى فرق، یتضّح جلیا أنّ جمیع الصیغ المنتجة من الفرق سواءً فی القرآن الکریم أم فی المعاجم العربیة قدیمًا وحدیثًا، تعنی التباین، وما یفرق وینفصل بین شیء وآخر؛ وتؤکّد على مدلول واحد، وهو الانقسام والابتعاد؛ فمدار المعنى اللغوی للمفارقة یکاد ینحصر فی معنى الافتراق والتباین والانفصال؛ وخیر ما یعبّر عن المفارقة فیما سبق قول الزمخشری: «فرق له الطریق، أی: اتجه له طریقان.» فالمفارقة تبیّن للقارئ أکثر من طریق وتترک له حریة الاختیار، فعلى القارئ أنْ یوظّف وعیه لاختیار الطریق المؤدّی إلى المعنى الحقیقی، دون المعنى الزائف؛ فإذا اختار القارئ سلوک الطرق الزائفة لا شکّ أنّه سیصبح ضحیة أخرى من ضحایا المفارقة.

إشکالیة مصطلح المفارقة فی المعاجم الأجنبیة

أمّا مفهوم المفارقة فی إطار المعاجم اللغویة الأجنبیة، فقد یندرج تحت عدّة من المصطلحات، استنادًا على مبادئ متنوعة تعتمدها هذه المعاجم فی تصنیف مفرداتها اللغویة، کالاعتماد على الجذر اللغوی وتعاریفه.

فلقد حدث التشابک فی النقد الأجنبی، على سبیل المثال فی الإنجلیزیة تشابکت حدود Irony مع مصطلحات عدة؛ مثلا نرى فی کتابات سعد مصلوح ترجمة للفظة Departure الإنجلیزیة (مصلوح، 1992م: 27)، غیر أنّ کمال أبودیب اختار مصطلح Paradox ترجمةً للمفارقة. (أبودیب، 1987م: 102) رغم وجود عدّة مصطلحات فی الإنجلیزیة للمفارقة یمکن القول بأنّ مصطلح Irony یشیر إلى المفارقة و إلى السخریة بشکل خاص، وهو مشتق من الکلمة الإغریقیة Eironeia، الّتی تعنی التصنع والادعاء، أی الاختفاء تحت المظهر الکاذب أو الخداع، وتصویر الحقیقة بشکل معاکس. (عبدالله محمد، 2001م: 6) ویتطلب من المتلقی المتدرّب أنْ یکون له ما یسمّى بازدواجیة الإستماعDouble Advance کی یکون قادرًا على إدراک تجاوز سطحیة المنطوق إلى معنى مفترض یکمن فی هذا السیاق بالذات.

ومصطلح  Paradoxیعنی التناقض الظاهری الّذی یحصل فی المفارقة اللفظیة، حیث نستطیع من الشکل اللّغوی للکلمة أنْ نتوصل إلى وجود معنیین متناقضین أو متضادین، وهذا مشتق من الکلمة اللاتینیة paradoxa. (العبد، 2006م: 15)

وأمّا عبدالواحد لؤلؤة فقد یذکر تجربته فی اختیار لفظ المفارقة فی العربیة دون غیره مقابلًا للفظ Irony فی الإنجلیزیة، قائلًا: المفارقة أحسن الحلول السیئة لترجمة الکلمة Irony إلى العربیة، والکلمة فی اللغات الأروبیة مشتقة من الکلمة الإغریقیة آیرونیئیا الّتی تفید التظاهر أو الادعاء، وهی صفة شخصیة فی الکومیدیا الإغریقیة باسم Irony، وتفید المفرق، أی: الّذی یفرق بین المظهر وواقع الحال... ولکن یصعب فی العربیة صیاغة صفة أو ظرف من مصدر التفریق.

أمّا هذا البحث فقد یرجّح Irony ترجمةً للمفارقة؛ لأنّها تحتوی فی بنیاتها على Paradox، ممّا یمکن لها أنْ تتسّم به، أو حتّى تعرّف به؛ ومن ثمّ یمکن القول بأنّه فی کلّ Irony یمکن أنْ نجد Paradox، ولیس العکس. والسبب الرئیسی، هو وجود سمة خاصة فی بنائه اللفظی تجعله یتماثل مع عنصر هام من عناصر بناء المفارقة، وهی ثنائیة الدلالة، کما سیتضح فیما بعد.

المفارقة اصطلاحا

قد یکون من الصعب التوصل إلى تعریف محدّد لمعظم المصطلحات الأدبیة والنقدیة، خاصةً إذا کان المصطلح المقصود تعریفه شائک، کما هو الحال مع مصطلح المفارقة؛ ویؤکّد هذا القول الفیلسوف الألمانی نیتشة: «أنّ ما لا تاریخ له هو الّذی یمکن تعریفه، أمّا ما یملک تاریخا طویلا تعریفه یصبح مسألة صعبة جدًا.» (سلیمان، 1999م: 14) وهذا راجع إلى تعدد المفاهیم الّتی یمکن أنْ یحملها المصطلح إثر مروره بعصور وثقافات متفاوتة؛ فأصبح تعریف المفارقة لامتلاکها تاریخًپا طویلا، مسألة صعبة.

رغم هذا التوسع والتشعب فی التعریف یعترف میویک بصعوبة تعریفها ویرى أنّ الکتابة عن هذا الموضوع أقرب ما یکون إلى المخاطرة (میویک، 1933م: 18)، ویقرّ أنّه: »من العسیر علیه- کناقد أدبی -أنْ یجد تعریفا دقیقا ومختصرا یمکن أنْ یشمل کلّ أنواع المفارقة، ویستبعد ما یقع خارج نطاقها، وأنّ التمییز بینها من زاویة معینة قد لا یکون کذلک من زاویة أخرى.» (میویک، 1933م: 42) فلا یمکن القول بأنّه أحاط بمفاهیم مصطلح المفارقة، بل لا تزال کثیر من جوانبه وملامحه خارجة عن هذا التحدید. غیر أنّ میویک حاول وضع تعریف مختصر وبسیط للمفارقة، حیث یرى أنّ «المفارقة قول شیء دون قوله حقیقةً.» (میویک، 1933م: 42)، وهذا یعنی أنّه یتمّ التوصّل إلى المغزى من الترکیب أو النص، لا من خلال النص الظاهر، بل من خلال ما یکمن فی اللفظ من دلالة لم یشر إلیها القول الصریح.

إذنْ بنیة المفارقة تقوم على اجتماع عناصر ثنائیة متضادة، لا یتوقع لها أنْ یجتمع فی سیاق واحد أو موقف واحد؛ فقد نرى من المواقف والأقوال، ما یبیّن تجاهل العالم، وتعالم الجاهل، وإنخداع الماکر، وما إلى ذلک من المظاهر الّتی تحمل فی إجتماعها وبین طیاتها، ذلک العنصر الّذی یقوم على المفارقة. ویذهب ناصر شبانة بقوله: »یمکن القول بأّنّ المفارقة انحراف لغوی، یؤدّی بالبنیة إلى أنْ تکون مراوغة وغیر مستقرة ومتعددة الدلالات وهی بهذا المعنى تمنح القارئ صلاحیات أوسع.» (شبانه، 2002م: 46) وکذلک فی تعریفها نری «أنّ المفارقة نوعاً من التضاد بین المعنى المباشر للمنطوق والمعنی الغیر المباشر له.» (العبد، 2006م: 15)

فالمفارقة لا تخرج عن کونها أسلوب أو صیغة بلاغیة یستعملها المرء، لیقول قولاً أو یتصرّف تصرّفاً یحمل معنیین أحدهما ظاهری سطحی والآخر باطنی. ومن أمثلتها أنّ إماماً ینصح و یعظ الناس بحسن الأخلاق وثباتها فی حینٍ یقوم بالرذائل کشرب الخمر، أو أنّ أستاذا ینهی تلامیذه عن الغش، لکنّه یقدّم الرشوة.

عناصر المفارقة

لمّا کان العمل الأدبی حلقة التواصل بین الکاتب والقارئ، فلابدّ من عناصر الاتصال المتمثلة فی المرسل والمتلقی والرسالة؛ وباعتبار المفارقة إحدى الأسالیب ومکونات الأدب فلا ملاذ أنْ تتوفر فیها هذه العناصر حتّى یحقق الغرض المقصود منها  وهی:

1-   المرسل: وهو صانع المفارقة، اللاعب المحترف، الّذی یحکم غلق بناء المفارقة الشکلی، وفتحها فی آنٍ واحد. إنّه وجه لثلاث حالات: والأوّل حینما یقول شیئاً، بینما یقصد شیئاً مناقضاً، والثانی یقول شیئاً، بینما یفهم المتلقی شیئاً آخر، والثالث یقول شیئاً، بینما - فی نفس الوقت- یقول شیئاً مخالفاً؛

2- المرسل إلیه: وهو المتلقی الواعی الحذر، الّذی یعید إنتاج الرسالة.

2-   الرسالة: وهی النص المفارق الخاضع للتأویل وحرکیة القراءة (سعدیة، 2007م: 12) فبناءً علی المواقف الثلاثة، یمکن القول: بأنّ المفارقة هی إمّا أنْ یعبّر المرء عن معناه بلغةٍ توحی بما یناقض هذا المعنی أو یخالفه، إذْ یستخدم لهجةً تدلّ علی المدح، ولکن یقصد السخریة أو التهکم، وإمّا هی حدوث حدثٍ ولکن فی وقتٍ غیر مناسبٍ.

أهداف المفارقة

توظیف المفارقة فی النصوص یتحقّق أغراضاً ثلاثة، وهی: «مباغتة القارئ لإثارة إنتباهه، تحفیز القارئ علی التأمل وتنشیط فکره فی موضوع المفارقة، ومنح القارئ حساً اکتشافیاً، یظهر فی نطاقه العلاقات الخفیة التی تحکمت فی النص، ومن ثمّ منعه من الانفعال المباشر السریع.» (شبانة، 2002م: 17) إنّ للمفارقة وظیفة مهمة فی الأدب «فهی تعکس جوهرها من خلال الصراع بین الذات والموضوع، والحیاة والموت، الداخل والخارج، لأنّها تعکس الرؤیة المزدوجة للحیاة.» (فریحة، 2010م: 116)

فالمفارقة یمکن أنْ تکون سلاحا للهجوم الساخر، أو تکون أشبه بستار رقیق یکشف عما وراءه من قصد الإنسان، وربّما أنّ المفارقة تهدف إلی إخراج ما فی قلب الإنسان لیری ما فیه من التناقضات والتضاربات الّتی تثیر الضحک.

نبذة عن حیاة الشاعر

أمّا أحمد عبدالمعطی حجازی، فهو شاعر وناقد مصری، ولد عام) 1935م( فی محافظة المنوفیة بمصر، حفظ القرآن الکریم وهو فی الرابعة من عمره؛ تدرّج فی مراحل التعلیم حتّى حصل على دبلوم دار المعلمین عام (1950م) ثمّ حصل على لیسانس علم الاجتماع من جامعة السوربون الجدیدة عام (1978موأخذ شهادة الدراسات المعمقة فی الأدب العربی.

یعدّ أحمد عبدالمعطی حجازی فی طلیعة شعراء المدرسة الحدیثة فی الشعر العربی، وله تجربة شعریة طویلة واکبت مختلف التحولات الّتی عرفتها القصیدة العربیة الحدیثة، وأسهم فی العدید من المؤتمرات الأدبیة فی کثیر من العواصم العربیة. سافر إلى فرنسا حیث عمل أستاذاً للشعر العربی بالجامعات الفرنسیة، ثمّ عاد إلى القاهرة لیعمل محررا فی جریدة الأهرام، ویرأس تحریر مجلة إبداع الّتی تصدر عن الهیئة المصریة للکتّاب. (زیزی، 2012م: 1-2)

إنّ دراسة الشاعر فی علم الاجتماع وعمله الصحفی جعله یعیش مع آلام مجتمعه، فلا یری بدّاً إلّا أنْ یکتبها، فی حینٍ إنّ الظروف الخانقة فی المجتمع جعلته ینشد أشعاراً مفارقیة آملاً بإصلاح شعبه؛ فصدر له المؤلفات العدیدة، منها: محمد وهؤلاء ، الشعر رفیقی، مدن الآخرین، عروبة مصر، وأحفاد شوقی؛ ومن دواوینه الشعریة: مدینة بلا قلب، مرثیة العمر الجمیل، وکائنات مملکة اللیل، وفی معظم آثاره نلاحظ أنّ روح المفارقة قد هیمنت علیها.

تجلیات المفارقة فی قصیدة "لمن نغنّی"

أمّا القصیدة المختارة، فهی قصیدة "لمن نغنّی؟!" من دیوان الشاعر الأوّل، أی دیوان مدینة بلا قلب. الشاعر یصوّر لنا فی نصه هذا، معاناة الفلاح الکادح فی الریف، وذلک فی ظلّ هیمنة وتسلط النظام الإقطاعی، الّذی حرّم هذه الشریحة الکادحة من أدنى حقوقها المشروعة. وقد جاءت المفارقة فی هذا النص، ضمن مجموعة من الصور الشعریة المتضمنة بمکابدات الشاعر فی حال تشجیعه الفلاحین للثورة ضدّ الاستغلال. أمّا المفارقة قد تنوعت فی القصیدة بین المفارقة اللفظیة والدرامیة، کما توجد مفارقة النغمة والسلوک؛ والبحث یحاول فیما یلی تبیین أنواع المفارقة الکامنة فی القصیدة.

مفارقة النغمة

کما یعتبر محمد العبد مفارقة النغمة نوعا من التهکّم الذی یبدو ذماً فی ثوب المدح. وممّا یضیفه أیضا أنّ هناک نوعاً آخر من مفارقة النغمة، وهو توجیه إهانة فی کیاسة أو أدب، لکن یشترط فی هذا البعد عن المغالاة أو المبالغة. (العبد، 2006م: 42) فمفارقة النغمة أکثر «إرتباطاً بالأداء المنطوق علی الکلیة ویظهر فیها التضاد بین ظاهر المنطوق وباطنه، وبین سطحه وعمقه.« (نفس المصدر: 53)

وفی هذا المجال یمکننا الوقوف أمام عنوان القصیدة، لاستخلاص کوامن المفارقة فیها لغةً ومضموناً، ذلک لأنّ العنوان فی الأعمال الإبداعیة شعراً أو نثراً، وحتى فی المقالات الصحفیة، السیاسیة، الاجتماعیة أو الاقتصادیة، هو الرسالة الأولى التی یرسلها الکاتب إلى المتلقی، وتلعب لغة العنوان وترکیبته الصوتیة والسیاقیة دوراً فاعلاً فی الإیحاء بدلالة النص، ومن یتمّ جذب المتلقی إلیه. (عبدالکریم، 2009م: 52)

لمن نُغَنّی؟! (حجازی، 1993م: 29)

إنّ العنوان ممزوج بروح المفارقة، حیث نری أنّ الإحساس بالتباین الشدید بین الأمل والیأس، قد أثار فی نفس الشاعر شعوراً بالتردید، وتکمن المفارقة هنا بین ما کان یأمله الشاعر وما یتمنّاه بل ویتوقعه، وبین ما سیحدث من قبل الفلاحین، وهو مخالف تماما مع توقعات الشاعر.

ذلک بأنّ الشاعر یحاول أنْ یعی الفلاحین ویثورهم ضد الاستغلال، فی حینٍ هو یعرف إنّه لا جدوى من هذه المحاولة، فإنّه یکشف عن حالته بین الخوف والرجاء والاستغراب بأسلوب الاستفهام والتعجب. فهذه المفارقة الّتی حدثت فی العنوان هی مفارقة النغمة، لأنّ الشاعر یعبّر عن أمله الممزوج بالیأس من خلال أسلوب الاستفهام والتعجب، وهذا أدّی إلی ظهور النغمة التهکمیة فی القصیدة؛ فالعنوان هنا یعبرّ عن حالة التناقض والتضاد الّتی سیطرت على روح الشاعر، وإمتدت إلى کامل النص، باعتبار أنّ العنوان هو جزءٌ من الدلالة الکلیة للنص، وهذا هو أهمّ مبدأ تقوم علیه المفارقة. وهذه المفارقة فی العنوان هی الّتی تنقذ النص من البرودة، وتبرز عادةً فی الظاهرات الاجتماعیة والمواقف السیاسیة. وما نلمح فی العنوان من میزة مفارقة النغمة، نراه وهی نغمة عالیة ،لاظهار التهکّم علی المستویین اللفظی والترکیبی. (شحادة، لاتا: 7)

وصنعت من نغمی کلاماً واضحاً کالشمس
عن حقلنا المفروش للأقدام
ومتى نقیم العرس؟
ونودّع الآلام؟  

(حجازی،1993م: 33)

کل ّ شیء جاهز لإشعال نیران الثورة والتحرّر، حتّی تقیم أعراس الفرح بعد استرداد الحریّة، وتودیع الآلآم والأحزان والمتلقی یتوقع هذا الأمر، لکنّ الشاعر بسؤاله عن زمن إقامة الأعراس ووداع الآلآم، یرید هدم کلّ ما فی ذهن المتلقی، ویوحی ببطئ الوعی والثورة وفی النهایة إقامة حفلة الحریة، فنری هنا النغمة التهکّمیة ظهرت عن طریق أسلوب الاستفهام.

والشاعر ضمن هذا المقطع حاول أنْ ینبّه الفلاح ویقنعه للثورة، و المتلقی ینتظر الثورة، لکنّ الفلاح مازال لا یعی بالأمر، والشاعر بهذا السؤال یعبّر عن یأسه وعدم نجاحه، وبالنغمة الّتی توحی بالیأس وفقدان الأمل.

أین الطریق إلى فؤادک أیّها المنفیّ فی صمت الحقول
لو أنّنی نای بکفّک تحت صفصافه
لأخذت سمعک لحظة فی هذه الخلوه

(حجازی،1993م: 33)

هنا یخاطب الشاعر الفلاح قائلاً: أین الطریق إلى قلبک المرهف وعقلک فی غیابات حقول العقل، یا من یعمل ویکدح دون ثمرة، هل أستطیع أنْ أتسرّب إلیهما مع نغمات النای الحزینة التی تفصح عن آلامک؟!

کذلک یتحدث الشاعر عن آماله وأحلامه، رغم أنّه یعرف أنّ هذا الانسان الغافل لا طریق للتسرّب فی قلبه، فیعبّر عن هذه المعرفة بـ"لو" وبالاستفهام یعرف جوابه وهو "لا"، لا یوجد طریق إلی قلب الغافل؛ ولکن رغم هذه المعرفة، یتمنّی أنْ یکون نغمةً على شفاه الفلاح؛ لیحرِّک فیه هذه الثورة الساکنة، فلحن الشاعر التهکمی یشیر إلی مفارقة النغمة.

المفارقة اللفظیة

تعتبر المفارقة اللفظیة أکثر أشکال المفارقة تعریفاً، حیث أجمع على تعریفها وتوضیحها کلّ من کتبوا عن المفارقة وأنماطها، إذْ أنّها تمثّل القاسم المشترک فی الدراسات التی تناولت المفارقة وأبحاثها، وهذا ما قاله شبانة: «المفارقة اللفظیة لا تخرج عن کونها دالاً، یؤدّی مدلولیین نقیضین أحدهما قریب نتیجة تفسیر البنیة اللغویة حرفیاً، والآخر سیاقی خفی یجمد القارئ فی البحث عنه واکتشافه.» (شبانه، 2002م: 64) وقول میویک هو: «المفارقة اللفظیة انقلاب فی الدلالات.» (میویک، 1988م: 32) وقد جمع عناصر لتحقیق المفارقة اللفظیة، وهی:

«عنصر یتعلق وجوده بالمغزى، وهو مقصد القائل، وهذا العنصر قد یتراوح فی درجات عنفه وقوته بین العدوان والتدلیل اللین وجود عنصر لغوی أو بلاغی یمثّل عملیة عکس الدلالة، فالشرط الأساسی فی إدراک المفارقة هو التضّاد؛ ولإدراک المفارقة ینبغی أنْ ننفّذ من الفعل اللغوی أو اللفظی إلى الفعل الإنجازی، ومن القول إلى مقصد القائل وفی المرحلة التالیة، یترک مقصد القائل تأثیره الّذی یصل إلیه منّا بواسطة بنائه على المفارقة فی المستمع أو المخاطب.« (العبد، 2006م: 55)

ولدت هنا کلماتنا
ولدت هنا فی اللیل یا عود الذرة

(حجازی، 1993م: 29)

کتب الشاعر أوّل بواکیره الشعریة فی الریف، وفی لیله المظلم البهیم، بین الحقول التی تعانی من الظلم والاستغلال. یقول الشاعر: "ولدت هنا" فالولادة هی البشارة والفرح، فی حینٍ یفاجئ المخاطب بکلمة "اللیل" وهو یوحی بالظلمة والأسی. فهنا ظهرت المفارقة اللفظیة؛ ذلک بأنّ الشاعر أتی بکلمتین معاً، کلّ واحد منهما یوحی المعنی الّذی یناقض الأخری، وهذا التناقض لا یکون إلّا بسبب سیطرة التفاؤل والتشاؤم معاً علی إحساس الشاعر. ومن ثمّ الشاعر ینادی عود الذرة وقوت الفلاح؛ ذلک لأن ّ الشاعر فقد أمله عن الناس، فبهذا النداء یستهزئ الفلاحین ولا یحسبهم إنساناً.

یا نجمة مسجونة فی خیط ماء

(نفس المصدر: 29)

یخاطب الشاعر نجمةً، والقارئ یشعر بأنّ الشاعر اعتمد علی الفلاح وأراد أنْ یمدحه، غیر أنّ الشاعر یکسّر هذا الفضاء بنعتٍ للنجمة وهو "مسجونة" وأراد بهذا سلب الإرادة والحریة عن الفلاح، ثمّ یواصل کلامه بـ "فی خیط ماء" ومن یعیش فی خیط ماء یصارع للبقاء، کأنّ الشاعر واقفٌ بین الأمل والیأس؛ والشاعر یرید مدح الفلاح من جهةٍ وذمه من جهةٍ أخری، والشاعر یخلق هنا ازدواجیة الألفاظ عن طریق النعت.

کلماتنا مصلوبَةٌ فوق الورق

وأنا أرید لها الحیاة

تمضی بها شفةٌ الی شفةٍ، فتولد من جدید!

(حجازی، 1993م: 30)

الشاعر یقول کلماتنا مصلوبة، فی حینٍ أنّ الکلمة لیست إنساناً کی یصبح مصلوباً، فکیف یمکن هذا؟! الشاعر أراد بالمصلوبة عدم استماع کلامها من قبل الفلاحین. غیر أنّه یأمل للکلمة المصلوبة الحیاة والروح ویتمنّی تولد کلامه من جدید. فکیف یمکن الحیاة للمصلوب؟! فالشاعر بهذه التناقضات یعبّر عن شعوره المفارقی المسیطر علیه. وکما نری فی تعریف المفارقة اللفظیة:» هی شکل من أشکال القول یساق فیه معنى ما، فی حینٍ یقصد منه معنى آخر  یخالف غالباً المعنى السطحی الظاهر.» (العبد، 2006م: 54)

یا أیّها الإنسان فی الریف البعید!

أدعوک أنْ تمشی علی کلماتنا بالعین، لو صادفتها

کی تنبتَ الأزهار فی نفس الجمیع

کی لا یحبّ الموتَ إنسان علی هذا الوجود!

(حجازی، 1993م: 31)

 

یخاطب الشاعر الإنسان کما یخاطبه فی مطلع القصیدة، أی: الانسان فی الریف البعید! وهذا یعنی أنّه مازال مأیوس بصحوة الفلاح، والبعد العقلی هو قصد الشاعر لا البعد المکانی.

ثمّ یدعو الشاعر أنْ یمشی الفلاح علی کلماته، والمشی علی الشیء یعنی عدم الانتباه به، فالقارئ یقف فی موضع متناقض من کلام الشاعر، غیر أنّ هذا التناقض اللفظی یزیل بکلمة العین، فیصبح غرض الشاعرالانتباه بکلامه؛ ثم یقول "لو صادفتها"، والشاعر جاء بلفظة "لو" وهی حرف امتناعٍ لامتناع وهذا یتناقض مع أمل الشاعر .

 

ولدت هنا کلماتنا

لک یا تقاطیع الرجال النائمین علی التراب

وبجانب العینینِ طیرٌ ناصعُ الزرقة

مدَ الجناحَ علی اصفرارٍ کالعدم

وهفا لیرتشفَ الدموع

 (نفس المصدر: 32 )

الولادة هی البشارة، بشارة الخیر والبرکة، لکنّ الشاعر جاء بألفاظٍ کـ: النائم وهو رمز للموت لدی الشاعر، الزرقة وهی رمز للعداوة، الاصفرار وهو رمز للعدم والزوال، وارتشاف الدموع رمز للحزن والهموم، فکل هذه الألفاظ برموزها ترسم صورة المفارقة اللفظیة مع کلمة الولادة.

 

وتلوت فی هذا السکون الشاعریّ حکایة الدنیا
ومعارک الإنسان والأحزان فی الدنیا

(نفس المصدر: 33)

کما نلاحظ المفارقة اللفظیة هی تغییر فی المعنی، أو تغییر للکلمة من المعنی المباشر إلی المعنی غیر المباشر، والتضّاد هو الشرط الأساس فیها؛ فهنا رغم أنّ "التلاوة" تأتی للقرآن الکریم والخیر ولکن الشاعر استخدمها لحکایة الأحزان والآلام، وهذه هی المفارقة اللفظیة.

مفارقة السلوک والحرکی

مفارقة السلوک تشیر إلی «عملیة التصور العقلی، أو تکوین صورة عقلیة واضحة لکلّ الأشیاء، ویبنی التضاد فی هذا النوع علی أساس التعارض بین اللفظ ومسلکه والغایة منها النقد.» (العبد، 2006م: 69)

«ترسم هذه المفارقة صورة للسلوک الحرکی للذی تقع منه وعلیه، عناصرها ومکوناتها؛ وتعدّ المفارقة حرکة عامة، تبرز فیها عناصر خاصة مثیرة للغرابة والسخریة.« (شحادة، لاتا: 9) أی المعنی غیر المباشر الذی یتضاد مع حقیقة الشیء، فینتج عنه معنی الاستهزاء والسخریة. وکما نلاحظ هناک المفارقة بین الأمّ ومسلکها الحنان والعطوفة وما تفعله الآن، أی: الکف عن العطاء.

یا ثدی أمّ لم یعد فیه لبن

یا أیّها الطفل الذی ما زال عند العاشرة

لکنّ عینیه تجوّلتا کثیراً فی الزمن

(حجازی، 1993م: 29)

یخاطب الشاعر النیلَ معبّراً عنه بالأمّ، فانتقى لذلک أجمل وأروع الصور المعبّرة عن هذا الواقع المریر، حیث إنّ الأمّ مظهر العطوفة، فاختارها بدلاً عن النیل لیظهر مدی خصوبته ولکن هنا الأمّ لاتعطف لأبنائها، وکفّت عن العطاء، ها هنا ظهرت صورة مفارقیة من جدید؛ ثمّ یخاطب الأطفال فی سن العاشرة، الّذین یتخلج فی نفوسهم الأمل ویصارعون من أجل البقاء.

إنّ الشاعر بهذا النداء یدّعی بأنّ معاناة أعواد الذرة للوصول إلی قطرة من المیاه، لا تختلف عن معاناة أطفال الرِّیف، الأطفال الذین فی وجودهم الروح وقدرة التعقل لافرق بینهم بین النبات، وهما محرومان من أدنی حقوقهما المشروعة، الماء بالنسبة للذرة والحریّة بالنسبة للطفل.

فالشاعر اکتشف فی هذا المقطع عن الألم والحزن والأسی، الشاعر ینادی النبات والإنسان وبهذا یرید أنّ الإنسان والنبات لهما قیمة واحدة فی هذا الریف.

یامن تعاشر أنفساً بکماء لاتنطق

وتقودها،

(نفس المصدر: 29)

یشیرالشاعر إلی الکمأ فی فم الإنسان التی أدّت إلی کبت صوت الثورة، ولکن الفلاح رغم تعبه من هذا الأمر، ورغم عیشه فی خیط ماء بالصعوبة، تقود الکمأ حیثما یذهب؛ فمفارقة السلوک ظاهرة هنا؛ ذلک لأنّ الإنسان بسبب امتلاک قدرة التعقل عادةً لا یتحمّل الظلم، ولکن الفلاح رغم الصعوبة التی یراها من قبل الإقطاعیین لا ینبس ببنت شفةٍ بل یقود الکماء مع نفسه دوماً دون الاعتراض.

وأنا الذی هرولت أیاماً بلا مأوی، بدون رغیف

کی تخرج الکلمات راجفةَ، مروعة بکل مخیف

(حجازی، 1993م: 32)

ثمّ یشیر إلی محاولاته، ولکن دون المأوی والرغیف، ویرمز بذلک إلی عدم وجود الأنصار ونتیجة ذلک خروج الکلمات راجفة ومخیفة، والانسان یهرول ویحاول لیصل إلی أفضل النتائج، ولکن شاعرنا یهرول لخروج الکلمات راجفة ومخیفة، وهذه هی مفارقة السلوک.

یا أیّها الإنسان فی الریف البعید
یا من یصمّ السمع عن کلماتنا... بالعین لو صادفتها
کیلا تموت على الورق

(نفس المصدر: 30)


یخاطب الشاعر الفلاح الریفیّ والّذی فرض علیه واقعُ عمله الزراعی أن یکون بعیداً لا من حیث المکان، بل البعید من التعقل والوعی، فالشاعر استفاد بدلاً من عدم التعقّل والبعد عن الوعی، البعد المکانی، ونعرف بعد المکانی لایحسب عاراً، بل العار هو البعد عن الوعی؛ والشاعر یحاول من خلال هذا استهزاء الفلاح، لیؤثر علی روحه و قلبه.

فأنا الذی عالجت نفسی بالهوی

کی تخرج َ الکلماتُ دافئةَ الحروف

(المصدر السابق: 32)

والشاعر عالج نفسه بالهوی، فکیف یمکن المالجة بالهوی؟! نهی العظماء والکبار الانسان عن الهوی، مشیراً إلی أنّها هی تؤدّی إلی الشقاوة، ولکن الشاعر یعالج نفسه بالهوی، وهذه الصورة المفارقیة تعنی أنّ الشاعر یئس عن الدواء، وهی وعی الفلاحین فلجأ إلی الداء؛ وهنا یحضرنا کلام أبی نؤاس الشاعر الشهیر فی العصر العباسی حینما یقول:

«دع عنک لومی فانّ اللوم إغراءٌ                  وداونی بالتی کانت هی الداء«

فالشاعر فقد الأمل ولجأ إلی الهوی التی حصیلتها هی الشقاوة، ولکنه یعالج نفسه بالهوی کی تنتج الدفئ وهذه هی مفارقة السلوک والحرکی.

 

المفارقة الدرامیة

إنّ مصطلح المفارقة لم یأت عفویاً، بل إنّ جذوره لها إرتباط وثیق بالمسرح، حتّى أنّها تسمّى مفارقة سوفوکلیس[3] نسبةً إلى المسرحی المعروف سوفوکلیس (شبانة، 2002م: 66) بما أنّ المسرح ما هو إلّا اختصار لحیاة الناس ومحاکاة لأعمالهم، فلا محالة أنْ یکون أبطاله وجمهوره هؤلاء الناس، ولما کانت المفارقة أساسها التناقض الّذی یکتشفه المراقب فإنّ المفارقة الدرامیة تقوم على بنیة العمل أکثر من إعتمادها على علاقة الکلمات بدلالتها. (فریحة، 2010م: 18) وللمفارقة الدرامیة شروطٌ لتحقیقها، وهی:

«توافر التواتر فی العمل من خلال وضع شخصیة، تتسم بالغفلة فی مقابل أخرى أقوى منها؛ و أنْ تکون الشخصیة الأولى غافلة جاهلة بالظروف التی حولها مما یولد التناقض بین المظهر والحقیقة؛ وأنْ یکون الجمهور على علم تام بالوضع الحقیقی للشخصیة الغافلة التی هی ضحیة المفارقة، إذْ کلمّا کان الجمهور على علم سابق، بما سوف تکتشفه الضحیّة فیما بعد ازداد تأثیر المفارقة فیه.» (شبانة، 2002م: 69)

أسقط علیها قطرتین من العرق
کیلا تموت
فالصوت إن لم یلق أذناً ضاع فی صمت الأفق

(حجازی، 1993م: 30)

إنّ الشاعر یبحث عن قلبٍ واعی معبراً عنه بأذن، لیشیر إلی یأسه ممتزجاً بالأمل، یرید القلب وهو ذروة أمله، ویرید بذل الجهود کی تصلَ کلماته إلیه. فی حینٍ یقول أرید الأذن، لأنّ لا أمل یبقی له بسبب کسولة الناس فالکلامُ الّذی لا یُسْمع لا جدوى من نطقه.

فی هذا المقطع الرجاء والیأس ممتزجان، وروح المفارقة الدرامیة ظاهرة، الشاعر یدعو الفلاحین إلی استجابة کلماته محذرّاً عن حصیلة عدم الاستجابة، والتناقض ظاهرٌ بین ما یأمل الشاعر وما یفعل الفلاح؛ والشاعر یعرف عاقبة الفلاح تماماً. والمفارقة الدرامیة ظاهرة بین العنوان وفضاء القصیدة، حیث نری التعارض أو التناقض الشدید بین الأفکار فی النص. الشاعر یعرف مدی غفلة الفلاحین ومصیرتهم، ولکن یحاول ویسعی لتغییر مصیرة الفلاحین السیئة. ولقیام المفارقة الدرامیة لابدّ من وجود علاقة مبنیة على التضاد بین ما تعمله الشخصیات وما یعمله الجمهور؛ فإن مشاعر الجمهور کما یقول محمد العبد: «ینتابه نوع من الخوف ما بین الترقب والتعاطف.» (العبد، 2006م: 67) فهذه القصیدة کمسرحیة، الشاعر فیها یحاول إیقاظ الفلاح، والفلاح هو الذی غافلٌ عن الوعی والثورة.

 

النتیجة

إنّ المفارقة هی اللغة التی تعبّر عن شیئین متباینین، والمبدع هو الذی یثیر انتباه المتلقی ویحثّه على التفکیر فی معنى الألفاظ، والبحث عن المعنى غیر الظاهر؛ فهی لغة التواصل والاتصال بین الکاتب والمتلقی. کما وجدنا أنّ الشعر العربی المعاصر، اعتمد فی بناء نسیجه على عنصر المفارقة؛ وأغلب القصائد الشهیرة فی الشعر العربی تعتمد فی شعریتها وبنائها اللسانی على المفارقة؛ ولکن لیس کلّ شاعر قادراً علی أن یتلبس فلسفة المفارقة، إنّ المفارقة لا یقدم علیها إلا الشعراء الکبار، ویفرّ منها من کانت تجربته بسیطة ومحدودة؛ أمّا أحمد عبدالمعطی حجازی بوصفه أبرز الشعراء المصریین، وبصفته مهتما بالسیاسة السائدة فی وطنه، فإنه استفاد من أسلوب المفارقة لتبیین الظروف السیاسیة والاجتماعیة السائدة فی مصر آنذاک.

أکثر أنواع المفارقة اسخداما فی هذه القصیدة المفارقة اللفظیة ومفارقة السلوک الحرکی، والسبب فی ذلک تشجیع الناس مباشرةً إلى الثورة والاحتجاج ضدّ الظلم. ومن أغراض الشاعر فی استخدام المفارقة: المبالغة وهی وسیلة لإبراز المعانی وتأکیدها، والسخریة التی لازمة من لوازم المفارقة، لأنّها تکون أکثر تأثیراً إذا اجتمع فیها عنصر السخریة. إنّ المفارقة فی أشعار حجازی، لا تعنی الاختلاف أو التباین فقط فی النص أو الجملة المعبرة، بل التعارض أو التناقض الشدید بین الأفکار فی النص المکتوب؛ وکما نلاحظ المفارقة هی التی تنقذ النص من البرودة. وأکثر ما تبرز فی اللغة الساخرة الجادة للظاهرات الاجتماعیة والمواقف السیاسیة.

استطاع حجازی مع لغته المفارقیة فی هذه القصیدة أن یخلق الصورة المتناقضة، صورة من مدینته الفاضلة وهی حافلة بالرفاهیة والسرور للبشریة الجمعاء، وصورة من الفلاحین الذین لا یسمعونه ولا یفکّرون بالثورة والحریة.

رغم أنّ الشاعر یعبّر عن یأسه من الثورة، لکنّه یحاول دوماً وهو یعرف النتیجة، ونری کلّ هذه المحاولات ضمن صورة مفارقیة درامیة فی کلّ القصیدة من المطلع حتی نهایتها، غیر أنّنا نری مفارقة النغمة، والمفهوم، والسلوک و... فی القصیدة تتمهّد الأرضیة لظهور قصیدة حافلة بالتناقض، ولعبت الأسالیب البلاغیة، أداة الاستفهام، وعلائم الترقیم دوراً هاماً فی ترسیم الصور القصیدة المفارقیة بشکلٍ عام ومفارقة النغمة بشکلٍ خاص. وأخیراً البحث یقترح علی الباحثین، القیام بمقارنة المفارقة والأسالیب البلاغیة فی دیوان الشاعر، لتضمّنه ثروة عظیمة من الأسالیب القریبة من المفارقة.



[1] - هو أدیب ألمانی، ولد عام (1875م)، وله روایات شهیرة.

[2]- غیر أنّ عبد القادر الرباعی فی دراسته المفارقة فی شعر عرار یرى أنّ «المفارقة مصدر میمی من فعل فارق.» (الرباعی، 1996م: 303)؛ فی حینٍ لم یکن کلّ مصدر یبتدأ بالمیم مصدرا میمیا.

  1. ولد عام (496 ق.م) بأثینا، و هو أحد آباء المسرح الإغریقی. (Sophocles )
ابن منظور، جمال الدین محمد بن مکرم. 1997م. لسان العرب. ج10. بیروت: دار صادر.

البریسم، قاسم. 2002م. المفارقة فی شعر عدنان صائغ. النمسا: لانا.

الزمخشری، محمود بن عمر. 1998م. أساس البلاغة. المجلد الثانی. بیروت: دار الکتب العلمیة.

زیزی، شوشة. 2012م. أحمد عبد المعطی حجازی. حصّاد الشعر. مصر: لانا.

سعدیة، نعیمة. 2007م. المفارقة. مجلة جوان. بیروت: لانا.

شبانه، ناصر. 2002م. المفارقة فی الشعر العربی الحدیث. دمشق: المؤسسة العربیة للدراسات والنشر.

شحادة علی، عاصم. لاتا. المفارقة اللغویة فی معهود الخطاب العربی. مجلة الأثر. العدد العاشر. مالیزیا.

حجازی، أحمد عبد المعطی. 1993م. الأعمال الکاملة. الکویت: سعاد الصباح.

عبدالکریم علی، آمنة. 2009م. المفارقة فی شعر ابن رومی. رسالة ماجستیر. العراق: جامعة بغداد.

العبد، محمد. 2006م. المفارقة القرآنیة. القاهرة: دار الفکر العربی.

فریحة، یبریر. 2010م. المفارقة الأسلوبیة فی مقامات الهمذانی. رسالة الماجستیر. الجزائر: جامعة قاصدی مرباح.

مجمع اللغة العربیة. 1944م. المعجم الوجیز. بیروت: لانا.

میویک، سی. 1998م. المفارقة وصفاتها. ترجمة عبد الواحد لؤلؤة. المجلد الرابع. لامک: المؤسسة العربیة لدار النشر.

نبیلة، إبراهیم. لاتا. فن القص فی النظریة والتطبیق. مصر: مکتبة الغریب.