الأدب الساخر فی الصحافة المصریة: أحمد رجب نموذجا

نوع المستند: علمی پژوهشی

المؤلفون

1 أستاذ مساعد بجامعة تربیت مدرس، طهران، إیران

2 طالب مرحلة الدکتوراه بجامعة العلامة الطباطبائی، طهران، إیران

المستخلص

إن الصحافة لیست وسیلة للتعبیر عن الـآلام أو أداة تسلیة فحسب، بل هی وسیلة للتعبیر عن الأفکار والآراء أیضا لأنها تأخذ فاعلیتها من قوة الکلمة. وقد احتلّ الأدب الساخر حیزاً واسعاً من الصحافة. وتصویر الأدب الساخر للأوجاع فی قالب ساخر یرسم البسمة على وجه القارئ أو المتلقی وتکون السخریة سلاحاً حاداً للتنبیه على النقائص. یعتبر الصحفی المصری أحمد رجب ممن شعر بالمسؤولیة تجاه شعبه وسجل آراءه الانتقادیة فی الصحف المصریة باللغتین الفصحی والعامیة. ویلاحظ القارئ من خلال هذه الدراسة أن السخریة لدیه غیر جارحة ولکنها تنال من الغایة أشد النیل.
 وهذا المقال یستعرض دور الأدب الساخر فی مصر ومکانته فی الصحافة معتمدا على المنهج الوصفی- التحلیلی. ومن النتائج التی توصل إلیها المقال هی أن نثر رجب موجز، والصور لدیه حسیة مأخوذة من واقع الحیاة وأن اللغة الدارجة تلعب دوراً هاما فی أدبه إلى جانب اللغة الفصحی.

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

Satirical Literature in the Egyptian Press (Case study: Ahmed Rajab)

المؤلفون [English]

  • Hadi Nazari Monazzam 1
  • Majid Bayati 2
1 Assistant Professor, Department of Arabic Language and Literature, Tarbiat Modarres University, Tehran, Iran
2 PhD Candidate , Arabic Language and Literature, Alameh Tabatabaee University, Tehran, Iran
المستخلص [English]

Newspaper is not merely a tool for showing sufferings, but  considered as a tool for expressing thought that receives its effect from power of words. Satirical literature has taken up a great area of the newspaper to express different issues. Expressing sufferings in a humorous way makes the audience or reader laugh and is useful as a sharp tool for warning about defects. Egyptian journalist , Ahmed Rajab, is among those who has understood responsibility for his nation and published his critical opinions in Egyptian newspapers. The reader of this paper will find that his satire is not sarcastic, while it reaches its objective well. Rajab utilizes both informal and eloquent language in his writings. It is stated in this paper that the press and society can't be separated. This paper shows the role of satirical literature and its position in the press and utilizes stylistics and descriptive-analytical approach. The conciseness of Ahmed Rajab's prose and his sensational imagery using current realities and important role of informal language with eloquent language are major findings of this paper.

الكلمات الرئيسية [English]

  • Satirical literature
  • Egyptian press
  • Ahmed Rajab
  • Egypt
  • newspaper
  • Satire

من الأسباب التی تدفع الکاتب نحو السخریة والأدب الساخر أنه یعایش فی مجتمعه مشاکل لا یستطیع التعبیر عنها بشکل صریح؛ فلهذا قد یلجأ إلى أسلوب ساخر وله أیضاً دوافع فردیة أو اجتماعیة تدفعه نحو الحصول على الحقوق المسلوبة أو تنبیه الظالمین والأشرار أو تعویض ما یفتقده من جمال ظاهری أو فقر مادی أو مکانة اجتماعیة وغیرها.

و«الصحافة فی حقیقتها مهنة ورسالة ولیست تجارة ولا شعارات تتغیر وتتبدل بتغیر الأبواق ولکنها عقل مفکر مدبر، له هدف وغایة، وهی صوت یخاطب الرأی العام المسؤول.» (همام، 1987م: 5) ولهذا نجد أنها تترک أثرا عمیقا فی المجتمعات وتوقظ روح الوطنیة والقومیة فی أبنائها  وتدفع نحو محاربة الاستبداد والمطالبة بالحریة فی مجتمعات تتواجد فیها بیئة ملائمة لإثارتها.

و«یسعى الأدب الساخر بوصفه انتقادیاً إلى السخریة من الظواهر المدانة ونقدها من خلال أفراد بعینهم أو جماعة بعینها أو تقلید بعینه؛ سواء أکانت هذه الظواهر الموجه إلیها النقد أو المسخور منها اجتماعیة أو سیاسیة أو أدبیة أو سلوکیة شخصیة.»  (واقف زادة، 1390ش: 106)

والحقیقة أن الانحیاز إلی الأدب الساخر و إلی هذا النوع من التعبیر فی عهود الاضطراب یعدّ لوناً من ترک التصریح فی مواضع الانتقاد. والأدب الساخر-إن کان لدیه تطلع اجتماعی وسیاسی-مظهر من أدب النقد یمکن من خلاله إیقاظ الناس واستنهاض المجتمع.

و«تقف السخریة على رأس الأسالیب الفنیة الصعبة، إذ إنها تتطلب التلاعب بمقاییس الأشیاء تضخیماً أو تصغیراً أو تطویلاً أو تقزیماً. هذا التلاعب یتمّ ضمن معیاریة فنیة هی تقدیم النقد اللاذع فی جو من الفکاهة والإمتاع، غیر أن أسلوب السخریة یختلف من عصر إلى عصر ویتفاوت من کاتب إلی آخر.» (المصدر نفسه: 102)

والأدب فی کل أمة «ابن للمجتمع، عنه یصدر وإلیه یعود. إن نفس الأدیب تبل بآلام مجتمعه وتطرب لأفراحه وإن أدبا یفارق هذه السنة هو أدب بعید عن أن یمثل حیاة أبنائه وبالتالی بعید أن تکتب له الحیاة السرمدیة.» (سکاف، 1966م: 97)

والأدیب الذی ینساق وراء هذا النوع من الأدب هو الأکثر قرابة وصلة بکافة الناس علی اختلاف ثقافاتهم وطبقاتهم وأعمارهم ولابد له أن یتعایش معهم ویسبر أغوار کیانهم وبیتهم لینقب عن مادته وبالتالی مادة أدبه «تعتمد بمعظمها على شعب معین فی امتداد زمنی غیر متقدم کثیرا. وهی بالتالی تسجیل لأخلاقیاته ومزاجه وتفکیره. والشعب نفسه لا یضحک ولا یشجع هذا الأدب إلا إذا کان مرآة صادقة له.» (فرشوخ، 1989م: 26)

و«فی أوائل القرن العشرین کان الشعب المصری یتعرض لمشکلات اجتماعیة واقتصادیة وثقافیة...وهذه الحالة استثارت ضمائر الکتّاب لکی یجعلوا لأدبهم هدفاً، بدلاً من أن یقتصروا على الفن للفن.» (مندور، لاتا: 67) ولذا «کان الترحیب المصری بالفکاهة أکبر وألحّ وأعطى نتاجاً غنیاً ومفیداً فی نقده.»(فرشوخ، 1984م: 34)  وإذا ما أردنا أن نمیز الآفاق التی یدور الأدب الساخر فی فلکها نقول: إن أدب السخریة یتجاوز الحدود أیا کانت ویشتمل هذا النوع من الأدب علی الکلام الساخر والکلام الجاد.

وتعتبر مصر هی المهد الأول للصحافة العربیة، حیث تأسست فیها سنة 1828م جریدة الوقائع المصریة وکانت هذه الصحیفة فی عهد محمد علی تنشر أخبار الحکومة بالترکیة، ثم بالترکیة والعربیة. إذن لیس من الغریب أن تصبح للصحافة فی مهدها مکانة رفیعة تعکس حیاة شعب مرّ بأدوار مختلفة من الظلم والاضطهاد والحرمان.

ووفقاً لما أسلفنا، یتناول هذا البحث ما کتبه الصحفی أحمد رجب تحت عنوان «نصف کلمة» وهو مکتوبات صحفیة یومیة فی «جریدة الأخبار» ویحاول استخراج آراءه الساخرة تجاه بعض القضایا الاجتماعیة والسیاسیة. ویعتبر رجب من أهم الکتاب الساخرین والصحفیین ویسمى عمیدَ الکتاب الساخرین فی مصر. وانطلاقا من مکانة أحمد رجب الرفیعة بین الکتاب المصریین وصیته الذائع فی الإعلام العربی وقلمه الساخر، ونظرا لعدم حصولنا علی بحث یتناول أدبه و شخصیته، فقد قمنا بکتابة هذا المقال وطرحنا بعض الأسئلة نحو التالی:

کیف تجاوب أحمد رجب مع الأحداث فی مجتمعه؟ وأی لغة اختارها للتعبیر عن الواقع ؟

ما هی سمات نثر أحمد رجب؟

واعتمد البحث فی على الفرضیات التالیة:

أخذت الصحافة من المجتمع المصری حیزا واسعا وتجاوبت تماما مع روح المرح لإیصال المعانی الجادة وأصبح الأدب الساخر عضوا لا یتجزأ من الصحافة المصریة الحدیثة ویحمل علی کاهله الدور التوجیهی وکذلک استفاد هذا النوع من الأدب من الصحافة وذیوعها فی المجتمع لعرض ما یعتبره سیئا مصحوبا برؤیة إصلاحیة وأسهم نثر أحمد رجب بوصفه إیجازیاً ساخرا فی تصویر مجتمعه تصویرا صادقاً.

ولکن ما یمیز البحث عن غیره هو أن هذا المقال عن أحمد رجب والأدب الساخر فی الصحافة المصریة یعد – فی حدود علمنا- أول بحث مستقل فی الأوساط الأدبیة عن هذا الصحفی والأدیب، ولم نعثر علی مقال أو بحث کتب عن الأدب الساخر والسخریة الانتقادیة فی الصحافة المصریة.

ویناقش هذا البحث عدة قضایا عن الأدب الساخر والصحافة وتلاحم الأدب والصحافة وهی: تحدید مکانة الصحافة فی المجتمع المصری، والأدب الساخر ومدی صلته بالصحافة ودور الصحافة والأدب الساخر فی تطویر المجتمع ونزعتهما الإصلاحیة.

2.خلفیة البحث

-کتاب (الفکاهة فی الأدب، أصولها وأنواعها، 1956م). ألفه أحمد محمد الحوفی. والکتاب من أهم ما کتب عن أنواع الفکاهة حیث یتضمن تسعة عشر فصلا وأورد نماذج کثیرة لأنواع الفکاهة وجعل لکل نوع فصلا خاصا به. وأفرد الکاتب فی هذا الکتاب صفحات کثیرة للحدیث عن الشعب المصری وطبیعته الفکهة  وکیف کان المصریون یلجأون إلی سلاح الفکاهة ضد حکامهم من الممالیک والأتراک والبریطانیین.

-المقالة المعنونة بـ «فی الأدب الساخر، 1977م»کتبها عزت عدلی فی مجلة الجدید (رقم 122). وتناول الکاتب فی هذا المقال الأدب الساخر من حیث نشأته وتحدث عن الجذور البعیدة لهذا النوع من الأدب. فی هذه الدراسة القیمة تعرض الکاتب لأسس الأدب الساخر وما یثیره من دوافع نحو التعبیر ودراسة أشکال التعبیر الساخر والواقعیة فی هذا الأدب وموقف کاتبه من أدب السخریة.

-کتاب (الفکاهة فی الأدب الأندلسی، 1998م) ألفه ریاض قزیحة. وجعل دراسته للفکاهة فی خمسة فصول حیث تعرض لأدب الفکاهة فی الأندلس. تحدث الکاتب فی الفصل الأول عن البیئة الأندلسیة وخصّ الفصل الثانی بظاهرة الفکاهة فی التراث الأدبی العربی ودورها فی التعبیر عن الواقع الإنسانی. وهو إلی حد ما ینهج منهج الکتاب السابق الذکر فی التحدث عن أنواع الفکاهة وجعل باباً خاصا لکل نوع من أنواع الفکاهة.

- المقالة «طنز پردازی مظفر نواب وعلی اکبر دهخدا، 1387ش» (=توظیف السخریة لدی مظفر نواب وعلی أکبر دهخدا)کتبتها الباحثة طاهرة گودرزی فی مجلة الأدب المقارن. وأجرت الکاتبة فی هذه المقالة مقارنة بین الشاعر العراقی مظفر نواب والأدیب والصحفی الإیرانی علی أکبر دهخدا ودرست الکاتبة ظاهرة الفکاهة لدی هذین الأدیبین وعرض لمضامینهما فیما کتبا عن القضایا الاجتماعیة والسیاسیة.

-المقالة «الأدب الساخر وأنواعه وتطوره مدى العصور الماضیة» عام 1390ش کتبته شمسی واقف زادة التی تطرقت فیه إلى نشأة الأدب الساخر وناقشته لغویاً. ثم تحدثت الکاتبة عن أنواع السخریة وقسمتها إلى أقسام منها السخریة العقلیة والانتقادیة وغیرها.

3.الأدب الساخر

هذا النوع من الأدب یسمی فی الغرب «satire» ویعنی الأسلوب الخاص فی الکتابة الذی یصور مغامز الحیاة ومفاسدها والحقائق المرة الاجتماعیة فی صورة أکثر إغراقاً، ناهیک عن أنه یقدم صورة  هجائیة من أنحاء الحیاة السیئة لکی یبرز لنا الجانب المشرق للحیاة من جانبها المظلم ویمیز لنا الوضع السائد للحیاة من وجهها المأمول. (آریان پور، 1375ش: 36) وهذا النوع من الأدب یختلف عن الهجاء فی الصراحة ویعرض المشاکل والمساوئ بشکل غیر مباشر ویحکی العیوب معرضا للأشخاص.

وبدأ الأدب الساخر یتطور ویکتمل علی أیدی کتاب الرومان والیونان الذین أرسوا القواعد الأساسیة لهذا النوع من الفن ومنهم لوسیلیوس، وکان من رواد هذا الفن، وإن مال إلی المسبة والتی کانت هی الشکل القدیم للانتقاد الساخر. (عدلی، 1977م: 42) والأدب الساخر ضرب من الکتابة التی تقودنا إلی أن نکشف عما فی کیاننا من آلام وهموم ونصبّ عصارتها فی قالب کومیدیة تعبر عما یوجد فی أعماقنا من مشاکل.

4.الصحافة والانتقاد الساخر

یتبین من خلال النظرة الموضوعیة إلی الصحافة أنها صناعة وحرفة ورسالة فی آن واحد. واشتدت النقاشات حول الصحافة باعتبارها صناعة للاستثمارات الضخمة فیها. مهما یکن الاختلاف، «فإن النظرة الموضوعیة لمفهوم الصحافة والإدارک الشامل لکونها صناعة، یبین لنا أنها صناعة ذات طبیعة خاصة، بسبب ارتباطها بمصالح الجماهیر الثقافیة والاجتماعیة.» (سید محمد، 1985م: 7)

وبعد أن مر العالم الحدیث بعدة أدوار و شهد حروبا وانقلابات وثورات، واکبت الصحافة هی الأخری  قافلة التطورات فی العالم الحدیث وتحولت إلی منصة لکل ما یجری فی العالم وتجلت فی الصحافة مضامین جدیدة وانحاز کثیر من الصحفیین إلی القضایا التی تهمّ الرأی العام وأصبحت الصحافة مرآة للمجتمع تعکس معتقداته والمؤثرات الاقتصادیة والاجتماعیة والسیاسیة التی یتأثر بها المجتمع. واستمدّت الصحافة من الأدب ولم تقف بعیدة عنه واستفادت من وظیفة الأدب ومهمته لتوجیه الرأی العام فیما یطرأ علی الساحات المختلفة ولجأت إلی اللغة الساخرة لبیان الانتقادات الساخرة، والتأثر المتبادل بین الأدب والاجتماع صنع مادة للأدب الساخر لکی یتصدی لمغامز الحیاة ومفاسدها وبیانها بشکل أکثر إغراقا. و«الأدب إضافة إلی أنه حادث ومظهر اجتماعی، حافز ومحرک اجتماعی ویحقر الشاعر والکاتب ظروفه المادیة والاجتماعیة ویحارب بیئته ویسعی إلی تغییرها. وبما أن الأدب والمجتمع کلیهما یتحولان ویتقدمان ویتبادلان التأثیر لا یمکن الفرق بین النشاطات الأدبیة والنشاطات العامة الاجتماعیة.» (زرین کوب، 1354ش: 42)

وللسخریة دور مؤثر وإیجابی؛ لأنها تمتلک لغة خاصة فی النقد الاجتماعی. ویمکن القول إن «السخریة تنقد بواسطة استخدام التمثیل والاستعانة بالإشارة والکنایة، بعیدة عن لغة الاستدلال والصراحة وتمکّن الإنسان من أن ینظر من زاویة أخری.» (صدر، 1381ش: 9)

وشهدت مصر منذ نهایة القرن الثامن عشر أحداثا خطیرة حیث غیرت حیاة المصریین الاقتصادیة والاجتماعیة والفکریة. ففی عام 1798م تمت الحملة الفرنسیة علی مصر وفی عام 1882م حدث الاحتلال البریطانی. والصحافة المصریة منذ أن نشأت حتی الیوم سجلت ما مر به الشعب المصری. «فهی لسان الأمة الذی یعبر عن حاضرها ومستقبلها وهی أیضا جزء من ماضیها ولم تکن لغة الصحافة بمعزل عن هذه التغییرات التی حدثت فی مصرـ» (محمد حسن، لاتا: 4) فأدت الصحافة فی مصر دورها الجوهری فی استنهاض العقول حیث نجدها تصور النقائص وتحاول توجیه الشارع إلى الصواب.

5.أحمد رجب، حیاته وآثاره وأسلوبه فی الأدب الساخر

5.1.حیاته

ولد أحمد رجب معوض متولی فی 20 نوفمبر(تشرین الثانی) 1928 للمیلاد، وحصل على شهادة اللیسانس فی الحقوق، والتحق للعمل بمکتب أخبار الیوم بالإسکندریة، ثم انتقل إلى القاهرة، وتولی مسؤولیة سکرتیر التحریر بعد أن اکتشف الأخوان مصطفى وعلی أمین مهارته الصحفیة. (موقع الجزیرة نت)

واشتهر رجب بقدرته الهائلة على السخریة، وانتزاع البسمة الموجعة، تعلیقا على ما یجری فی الواقع السیاسی أو الثقافی أو الاجتماعی، عبر الشخصیات الکاریکاتیریة التی ابتکرها مع رفیق دربه فنان الکاریکاتیر مصطفى حسین، الذی رحل قبله بثلاثة أسابیع فقط.(موقع وکالة الأنباء الدولیة)

ویعد أحمد رجب من أهم الکتاب والصحفیین المصریین وهو کاتب مصری ساخر وکان یکتب فی صحیفة أخبار الیوم ویسمى رجب فی مصر "عمید الکتاب الساخرین". کانت له مقالة ثابتة یومیاً فی جریدة الأخبار بعنوان «نصف کلمة» وله آراء سیاسیة وشارک رسام الکاریکاتیر مصطفی حسین فی کاریکاتیر الأخبار وأخبار الیوم یومیا وألف شخصیات کاریکاتیریة منها "فلاح کفر الهنادوة ومطرب الأخبار وعبده مشتاق وکعبورة" وغیرها کثیر وله کذلک مقالة أسبوعیة علی صحیفة الشروق. (صحیفة الیوم السابع المصریة)

وتوفی الکاتب الصحفی المصری الساخر أحمد رجب 12 سبتمبر عام 2014 م عن عمر ناهز 86 عاما، بعد مرض طویل، حیث کان یتلقى العلاج فی المرکز الطبی العالمی، وتعرض للانتکاسة عقب معرفته برحیل صدیقه الفنان مصطفى حسین مؤخرا.

أما بعض النقاد فیذکرون له شجاعته وجرأته فی انتقاد الحکومات المصریة بأسلوبه القوی الساخر، وکیف استطاع نقل نبض الشعب إلى المسؤولین، فی أوقات کان الانتقاد فیها یؤدی إلى السجن والملاحقة. یقول نقیب الصحفیین السابق مکرم محمد أحمد عن أحمد رجب: «إن مصر فقدت نصف ابتسامتها بوفاته، مضیفاً أنه کان یعرف مشاکل بلاده ویلخصها فی عبارات محدودة. ووصفه الفنان التشکیلی ورسام الکاریکاتیر عصام الشرقاوی بأن أحمد رجب کان صاحب مدرسة فنیة ممیزة، لها بصمتها الواضحة فی تاریخ الفن الساخر، سواء فی مصر أو فی الوطن العربی، لا یمکن تعویضها بسهولة.» (موقع الجزیرة نت)

5.2.آثاره:

جُمع ما کتبه أحمد رجب بقلم ساخر فیما یلی:

صور مقلوبة؛ ضربة فی قلبک؛ الحب وسنینه؛ نهارک سعید؛ کلام فارغ؛ فوزیة البرجوازیة؛ توتة توتة؛ أی کلام؛ یومیات حمار؛ الأغانی الأرجبانی.کل هذه المؤلفات لها سمات انتقادیة یرمی کاتبها إلی إصلاح الوضع السائد فی المجتمع المصری.

5.3.أسلوبه فی الأدب الساخر

والأسلوب اصطلاحاً «هو الطریقة التی یأخذها الفنان أو الأدیب لبیان أفکارهما وما یجول فی نفسهما من المعارف والعواطف والانفعالات والابتداعات.» (فاضلی، 1388ش: 267) والحقیقة أنه «کلما کانت نفسیات الأفراد وطبائعهم متباینة، وبیئاتهم متفاوتة وثقافاتهم متنوعة، ونزعات الفردیة قویة والحریة والاعتماد بالنفس وإبراز الشخصیة بینهم شائعة کانت طرق التعبیر وأسالیب البیان وقوالب عرض الأفکار مختلفة ومن التشابه والتکرار والتقلید بعیدة.» (المصدر نفسه: 268)

وتختلف الأسالیب من حیث الموضوع والأدیب. والموضوع هو الفن الذی یختاره الکاتب لیعبر عما فی نفسه، علماً وأدباً، نظماً ونثراً ومقالة وقصة و...وهو السبب الأول الذی یقوم اختلاف الأسالیب علیه. فإن شخصیات الأدباء تتفاوت من حیث أذواقهم ومواهبهم العقلیة ودرجات انفعالاتهم وطبائعهم الخشنة أو الرقیقة وطریقة تفکیرهم وتصویرهم. (الشایب، 1991م: 55)

وکتب مصطفی أمین عن أحمد رجب فی مقدمة مجموعة من مکتوبات أحمد رجب، التی جمعت وعنونت باسم «نصف کلمة»:«کان علی أمین یدرب أحمد رجب فی شبابه علی أن یکتب باختصار وکان یعطیه مقالاً فی أربعین صفحة ویطلب إلیه أن یلخصه فی عشرة سطور. وکان أحمد رجب یتعذب من هذه المهمة العسیرة إلی أن أصبح یؤمن بأن البلاغة فی الکلمات القلیلة والمعانی الکثیرة.» (رجب، لاتا: 6) متابعاً أن «سخریة أحمد رجب سریعة وهی أشبه بالمدفع الرشاش.ولکن الفرق بینه وبین المدفع الرشاش أنه یجرح ولایسیل دماً. وهو یحب الذین یهاجمهم ولایحقد علیهم ویقاتل الحکام وهم فوق الحصان، فإذا وقعوا من فوق الحصان توقف فورا عن حربهم واشترک فی تضمید جراحهم.» (المصدر نفسه: 6)

5.3.1.السهولة والابتعاد عن الکلمات البذیئة

ویکتسب أحمد رجب أفکاره من مجتمعه والحیاة الواقعیة؛ فیصوغ کلماته فی عبارت سهلة لینة دون تکلف وتعمل. أما العبارات لدی رجب فلا یحوجها تفسیر ولا تأویل، بل یأخذ الکاتب کلماته مما تفهمه العامة ولایستعصی إدراکها علی الفهم.

فنرى أحمد رجب یعرض لقضیة الغش بین الطلبة وانهیار مستوى التعلیم فی المجتمع المصری فصهر کلامه فی عبارت محددة تحمل معانی کثیرة حیث تناول هذه الظاهرة:«طبعاً بعد تفاقم الغش الجماعی وانهیار المستوى التعلیمی لا یوجد أی مبرر للابتسامة الدائمة التی یظهر بها وزیر التعلیم، لکن یجوز أنه مبتسم دائماً بحکم الاسم إذ لا یخفى علیک أن اسمه الدکتور سرور.» (رجب، لاتا: 14) ونشاهد الکاتب یسخر من حالة التعلیم فی مصر ولا یراها مجدیة ولکن وزیر التعلیم المصری یبدی رضاه بابتسامته الدائمة کأن اسمه أی سرور یفرض علیه أن یتناسى الواقع العلمی الذی انخفض مستواه. فهو یتجاهل ظاهرة الغش المتفشی بین الطلبة ویظهر أمام الإعلام بابتسامة دائمة. فهذه العبارات المعدودة تثقل بکثیر من المعانی وتستعرض توانی وزیر التعلیم عن مهمته.

إن نثر أحمد رجب سهل لا یمیل إلى الغلو والإکثار والکلمات النابیة وهو بعید عن التکلف والصنعة. فنجده یسخر من قلة العمل ووقت العمل الضائع لدى الموظفین إذ قال:«أسعدتنا هیئة التنظیم والإدارة فقالت: إن متوسط عدد ساعات العمل للفرد منا لا یزید على 27 دقیقة فی الیوم ومعنى هذا الخبر السار أن أی واحد منا إذا اشتغل أکثر من 27 دقیقة فی الیوم فمن حقه أن یقبض أوفرتایم. ألف مبروک.» (المصدر نفسه: 16) فالکاتب یتعرض لمشکلة اجتماعیة بین الموظفین والمؤسسات المصریة ألا وهی قلة العمل. لقد عبر الکاتب فی هذا الموضع عن هذه المعضلة بکلمات بسیطة وقام بتکرار الدوام الذی یعمل فیه الموظف المصری إشعارا بقلته. لقد تجنب رجب الکلمات العویصة والنابیة فی نثره  یدعو دائما مخاطبه إلى التأمل والتأنی. فنثره مصبوب فی عبارت محددة لها تأثیر قوی؛ لأن رجب یترک التفاصیل الطویلة ویتمسک بالإیجاز والإجمال ویصوغ معانی کثیرة فی کلمات قلیلة وأسلوب واضح بدون تعقید.

فکان التهکم سلاح رجب ولم یلجأ إلى الفحش والإقذاع. إذن لا تکون سخریة رجب غلیظة بل هی رقیقة تنعی على المجتمع التخلف والفساد. فدعا رجب قارئه إلى التفکیر والتدقیق عبر صیاغة کلماته فی عبارات محددة. فانظر کیف یشکو الکاتب انخفاض مستوی الرواتب فی مصر وتفشی الرشوة بین الموظفین ویحذر من الظاهرة هذه:

«إذا استمرت الأسعار فی صعودها واستمرت المرتبات فی هبوطها، فمن المنتظر ظهور الإیدز الوظیفی وهو انهیار جهاز المناعة ضد الرشوة.» (المصدر نفسه:34)

5.3.2. حسیة الصور

أما الصور لدى أحمد رجب فهی حسیة یأخذها الکاتب من المرئیات وکثیراً ما یقوم رجب بمقابلة الحقائق وإظهار المفارقات. والمقصود من المقابلة هنا عقد تشبیه بین بلده وبلد آخر بغیة تبیین مدى الخلاف بین البلدین عبر التشبیه لإظهار مدى التخلف والتطور حیث قال:«لا یوجد بلد فی الدنیا یعطی البنوک إجازة أربعة أیام من الجمعة إلى الاثنین القادم!! وهناک تفسیران لهذا الإجراء العجیب. الأول: هو الحکومة تفترض أننا بلد لیس فیه استثمار ولا تعامل اقتصادی، أما التفسیر الثانی فهو أن إغلاق البنوک أربعة أیام حداداً على الجنیه المصری.» (رجب، لاتا: 39)

فالکاتب هنا یستعرض الظروف الاقتصادیة السىیئة فی بلاده معتمدا على مقابلة الظروف العالمیة بما یجری فی مصر. فیوازن الکاتب بین الاقتصاد المصری والاقتصاد العالمی ویرجع التراجع الاقتصادی المصری إلى اجراءات السطات المصریة وذلک عبر تشبیه ما یجری فی البلاد بما یجری فی الدول المتطورة. فکذا ینجح رجب فی تصویر البون الشاسع بین الاقتصاد المصری والاقتصاد العالمی وبین الإجراءات المالیة فی العالم والنهج الاقتصادی الخاطئ فی مصر.

إن أسلوب المقابلة کثیر فی نثر أحمد رجب حیث یقیم مقابلة بین الظروف السائدة فی مصر والدول الأخرى المتطورة. ویسعى رجب عبر المقابلة للکشف عما ینقص شعبه وعما یجعل الدول الأخرى تتطور اقتصادیاً وثقافیاً وعلمیاً.

ونرى رجب فی موطن آخر یوجه نقداً إلى المجتمع المصری وینعی علیه ظاهرة الکذب المتفشیة فیه، ثم یقوم بالمقابلة بین مجتمعه وبین مجتمع أوروبی بقوله:«ملیونیر مصری ناجح فی السوید مهدد بالحکم علیه بالسجن لأنه کذب. وکانت بدایة کشف کذبه أنه ادعى – على شاشة التلفیزیون – أنه یحمل لقب الدکتور. الکذب فی البلاد المتحضرة جریمة کبرى ولهذا یکذبون مرة واحدة مع أول أبریل ویترکون لنا 364 یوماً فی السنة لقول التصریحات.» (رجب، لاتا: 44)

فما أجمل الصورة التی یمثلها أحمد رجب عن هبوط سعر العملة المصریة مقابل العملات الأخری بمقابلة الظروف الاقتصادیة المصریة مع الظروف السائدة فی أمریکا، حیث یتمثل بقضیة إرسال الولایات المتحدة  الأمریکیة الإنسانَ إلی القمر لکی یفصح عن شدة ما حدث فی مصر:

«احتفلت أمریکا أمس بذکری هبوط أول رجل على القمر واحتفلنا فی نفس الیوم بذکری هبوط الجنیه علی الأرض.» (المصدر نفسه: 9)

فصور أحمد رجب قویة مأخوذة من البیئة التی عاشها الکاتب والتشبیهات والمقابلات موفقة مصیبة غایة الإصابة. فالتشبیهات تأخذ فاعلیتها من المفارقات التی ذکرها الکاتب خلال سخره من الظواهر المعیبة. فهذه التشبیهات تجسد ألم الکاتب ومعاناته وتوحی بالقلق والضیاع.

5.3.3.توظیف اللغة الدارجة

والأدب الساخر بحاجة إلی وسیلة لکی یظهر أثره فی المجتمع مثل: الکلام والرسم والتمثیل. و«اللغة وسیلة تعبیر حیة مسموعة تتبلور فی شکلین: عامی وفصیح. والشکلان یخدمان معا أغراض الإنسان فی تمیز وظیفی.» (فرشوخ، 1989م: 146)

أما أحمد رجب فهو یراعی أحوال المخاطبین إذ لجأ إلى اللغة الدارجة للتعبیر عن آرائه؛ لأن للعامة أدباً کما للخاصة وتتمازج اللغتان الفصحى والدارجة فی کتاباته کما یفعل فی مکتوباته الصحفیة بعنوان: نصف کلمة حیث مزج بین اللغتین أحیانا. وللغة الدارجة أثر مهم، وذلک لأننا نفهم من خلال الأدب الشعبی العامی جوانب هذا الأدب الملتصق بالحیاة الیومیة والمناسبات المحببة وقد نری العامیة أکثر استیعاباً لقوالب الفکاهة دون نفی قدرة الفصحی مطلقاً فی ذلک. والدارس للمجتمع المصری یرى العامیة أکثر انتشارا بین المواطنین؛ فلیس من الغریب أن یتمسک رجب باللغة الدارجة، إذ المراد إصابة الغایة أدق الإصابة.

 ومن الأمثلة علی ذلک قوله: «فی افتتاح معرض الکتاب ضحک الرئیس وهو یقلب کتاب اقتصاد قائلاً: یا أخی، کتب اقتصاد کثیرة جدا.. والاقتصاد بیبوظ من الکتب دی.. ثم قال: من غیر کتب اقتصاد..احنا بنصلح. یا ریت یا ریس.» (رجب، لاتا: 78) فیتوجه الکاتب نحو حالة مصر الاقتصادیة ویسخر من الکتب الاقتصادیة التی لا طائل تحتها ویرى أن هذه الکتب لا تسمن ولا تغنی من جوع وأنها هی التی أفسدت الاقتصاد. ثم یقول للرئیس المصری مخاطبا إیاه: یجب علینا ترک هذه الکتب؛ لأنها لن تجدینا. والکاتب عدل فی هذا الموقف عن اللغة الفصحى ومال نحو الدارجة کی یشعر المواطن المصری بمدى سوء الحالة الاقتصادیة. وفعل بیبوظ أی: أفسده بحیث لا یمکن إصلاحه إطلاقا. و احنا بمعنی: نحن، و یا ریت: أی لیت، و ریس: أی الرئیس.

ونجد أحمد رجب فی موضع آخر متمسکاً باللغة العامیة حیث یقول: «من المعروف أن النار تزدهر فی موسم البرد وموسم الجرد وقد مرّ موسم الجرد مع بدایة السنة المالیة الجدیدة - أول یولیو- دون أی حرائق وهذا شیء مدهش ولم یحدث من قبل ویحمل على التساؤل: هل البلد ما عادش فیها حرامیة؟ أم إن البلد فیها أزمة کبریت؟ طبعاً البلد ما عادش فیها حرامیة.» (المصدر نفسه:41) والحرامی هو اللص وکلمة عادش تعنی لم یعد. فهو بهذه الکلمات العامیة یوجه نقداً إلى السلطات المصریة الفاسدة التی تقوم بسرقة ثروات الشعب وبما أن هذه السنة لم تشهد أزمة مالیة فهذا الأمر یثیر التساؤل لدى الکاتب عن مصیر سارقی ثروات الشعب.

والأمثلة علی ذلک کثیرة فی مکتوبات أحمد رجب.

6.المجتمع المصری فی مرایا أدب أحمد رجب الساخر

یحتک الأدیب بمجتمعه دائما ویتطرق إلی المواضیع التی عرضت له من خلال معایشته للمجتمع والأفراد؛ فیخرجها فی أنواع من الوسائل وأشکال من التعبیر. وشأن الأدیب الساخر شأن کل أدیب آخر؛ فهو یتعرض لمؤثرات معینة تحدث فی مجتمعه، وبالتالی یمتلک مادة خصبة لتوجیه سخریته نحو ما یراه سیئا ویحاول إصلاحه بقلمه.

أما المواضیع الرئیسة التی نجدها فی أدب رجب الساخر- ومن خلالها نسبر أغوار المجتمع المصری- فهی الاجتماع والسیاسة.

6.1.الاجتماع

«...إن قراءة الصحف تؤدی إلی فهم أفضل للمجتمع ومشارکة فعالة سیاسیا واقتصادیا واجتماعیا.» (همام، 1987م: 11) والصحافة تسهم فی تکوین الرأی العام وتؤدی مهمة تزوید القارئ بالأخبار وتفسیرها وتوجیهه  وتثقیفه و... إلخ. إذن یمکن القول: «إن موضوع الصحافة والمجتمع من الموضوعات التی لاتبلی بمرور الزمن إذ هو موضوع یتجدد بتجدد الظروف المحیطة بالمجتمعات، وفی کل ظرف منها تحتاج الصلة بین المجتمع والصحافة إلی جدید من التشریعات والتنظیمات.» (حمزة، 1963م: 5) ویحتلّ الاجتماع فی «نصف کلمة» حیزاً واسعاً وقد اهتم أحمد رجب بالقضایا الاجتماعیة للمجتمع المصری وجعلها محطة لتوجیه انتقاداته الساخرة.

6.1.1.إهمال الأدباء وفقرهم

یولی أحمد رجب اهتماماً خاصاً بالأدیب ومکانته فی المجتمع ویؤلمه عدم تقدیره علی نحو مطلوب من قبل الناس والسلطات. ولذلک عندما توفی الأدیب الشهیر المصری توفیق الحکیم عزّ علیه أن رأی وزیر الثقافة یهمل هذا الخبر العظیم ولایقدر هذا الأدیب بعد رحیله کما کان یستحقه. ویعتبر أحمد رجب توفیق الحکیم من أساطین الأدب المصری الذی یستحق مکانة عالیة. فیعد عدم وجود وزراة الثقافة من أسباب ازدهار أدیب کتوفیق الحکیم، منذ نشأ وترعرع وأصبح أدیباً ولکن حین تأسست وزارة مختصة بالثقافة أهملت کل أدیب. وهو عبر عن هذا النسیان والإهمال للأدباء ووجه نقدا ساخرا حیث قال:

«إن رحیل توفیق الحکیم حدث ثقافی کبیر ومؤثر. وکان علی وزارة الثقافة أن تدرک أبعاده، فتأخذ زمام المبادرة وتعلن الحداد الرسمی باسم الدولة.فإن توفیق الحکیم هرم شامخ فی سلسلة أهرامات أحمد شوقی والعقاد وطه حسین؛ أولئک الخالدون الذین کان من أهم أسباب ظهورهم عدم وجود وزارة ثقافة زمانهم.» (رجب، لاتا: 19)

فی هذه العبارة تعریض أیضا لما یحدث لکل أدیب أو عالم مصری تنساه الحکومة المصریة بعد رحیله ویرى أن هذا الإهمال مصیر کل مثقف مصری.

6.1.2.النفاق والرئاء المتفشی

عانی المجتمع الإنسانی منذ القدیم من النفاق والرئاء إذ وجد فیه أناس منافقون لا یفصحون عن وجههم الحقیقی ویقولون ما لا یفعلون وعلی العکس تماما یفعلون ما لایقولون. وقد تبدو مسألة النفاق والرئاء فی الساحة السیاسیة أکثر من أی مجال آخر وهذا الأمر لفت انتباه أحمد رجب حیث تعرض لقضیة النفاق بین السلطات المصریة کقوله:

«لکثرة ما نقرأ من إعلانات التهانی للوزیر الذی حاز الثقة والمحافظ الذی بقی، فقد أصبح من الضروری أن تفرد الصحف باباً خاصاً لهذه التهانی فی صفحة الإعلانات المبوبة تحت عنوان "منافقون".» (المصدر نفسه: 23)

یعتقد أحمد رجب أن تقدیم التهانی إلی وزیر قد تولی حقیبة وزاریة لاینتج عن خالص الحب والصدق، بل الارتقاء إلی المناصب العالیة یثیر حسد الآخرین الذین یطمعون فیها ولکنهم یرسلون رسائل التهانی إلی الوزیر المختار، بینما یضمرون فی نفوسهم حقداً دفیناً علیه ویعتبرهم منافقین فی صنیعهم.

6.1.3.الضیق باضطراب العدالة

العدالة من الأرکان الأساسیة بالنسبة للمجتمع وکان الإنسان ولایزال یبحث عن العدالة. والمجتمع المصری فی عهوده التاریخیة شهد الحرمان والاضطهاد والظلم من قبل القوات البریطانیة ومن حکوماته المحلیة وعانی کثیراً من اضطراب العدالة وفقدانها. وجه أحمد رجب نقداً لاذعاً بقلمه الساخر إلی مسألة الدراسة بین الأبناء المصریین وبین أبناء السلطات المصریة وتناول مسألة الغش بین هؤلاء ویتهمهم بأنهم لم یرتقوا إلی مناصبهم إلا بالمحسوبیة وهضم حقوق الأبناء المصریین الأکفیاء. یقول الکاتب:

«رداً علی تساؤلات المواطنین: تخرج أبناء الأساتذة من کلیات الطب بتفوق مسألة نبوغ ولا علاقة له بالغش العلنی الذی تکافحه الدولة الآن. ولهذا لن تثار هذه المسألة؛ لأنها مشروعة وأصبحت تقلیداً راسخاً؛ بل إن أبناء أساتذة الطب من الخریجین یکتسبون ثقة الزبائن بفضل أسماء آبائهم ولذلک نجد زبائنهم دائما من القادرین علی نفقات العلاج و عمر مکرم.» (المصدر نفسه: 16)

6.1.4.التخلف الإعلامی

یوجه أحمد رجب انتقاداته إلی وسائل الإعلام المصریة ویتعرض إلی ما تبثه هذه الوسائل للمصریین ویعتبر البرامج المعروضة غیر ملائمة للمجتمع الذی یسعی نحو التقدم والتطور فی العصر الحدیث. وهو یقیم مقارنة بین الإعلام المصری والإعلام الغربی ویری أن برامج التلفزیون المصری کأنها أعدت للمعتوهین والمتخلفین عقلیاً:

«نحن لانرید أن نظلم التلیفزیون فنکتفی بما یشکو منه الناس من الملل والکآبة، بل یجب أن نقول ما للتلفیزیون وما علیه وقد سمعت من مصدر ثقة أن خبیراً أجنبیاً درس برنامج التلفیزیون عندنا وانتهی إلى أنها برامج مثالیة تحمل کل المواصفات الناجحة للبرامج التی تبث للمتخلفین عقلیا.» (المصدر نفسه: 11)

6.2.السیاسة

بین الفکاهة والسیاسة علاقة وطیدة؛ فالسیاسة تعریفاً هی فن الحکم وتُحوِج رجالها إلی الذکاء لإدارة معاش الناس بلباقة. والفکاهة أیضا إخراج لبق لتناقضات واقع الحیاة فی ربط ذکی بین المطلوب والموجود. والفکاهة والسخریة سلاح غیر ضعیف لنقد الإدارة وکشف عیوب الحکم.

«إن الصحافة جزء من الحیاة الیومیة للقارئ العادی فی عصرنا هذا وهی فی الوقت نفسه جزء من الاهتمام الیومی لقادة الشعوب وحکامها. فمن خلالها یری الناس صورة العمل الوطنی بصفة عامة ومن خلالها یری القادة والحکام صورة الأمانی الوطنیة واتجاهات الرأی العام.» (سید محمد، 1985م: 5)

فالملاحظ أن القضایا السیاسیة تحتل حیزا واسعا من مکتوباته «نصف کلمة» وقد قام رجب من خلاله بنقد السلطات السیاسیة فی مصر.

6.2.1.صلة الشعب بالحکومة

 علی الحکومات تلبیة مطالب الشعوب وعلی القادة أن یستمعوا إلی أصوات رعایاهم، والحکومات الناجحة  تعقد دائما صلة وثیقة مع شعبها، لأن الشعب إذا وجدوا ساسة وقادة یرعونهم باحترام ولباقة؛ فهم یحترمونهم ویساعدونهم فی الأیام العصیبة. ولکن الوضع یختلف فی رأی أحمد رجب بین السلطات المصریة، إذ لیست لهم آذان صاغیة لاستماع أصوات الشعب؛ لأن الحکومة المصریة تری من حقها ألا تردّ علی رسائل المصریین. یقول أحمد رجب عن الفجوة الموجودة بین القیادة المصریة وبین الشعب المصری:

«الحکومة لاتردّ علی ما نکتبه، لأنها تعتقد أن لکل مواطن الحق فی أن یتکلم وأن للحکومة الحقّ فی ألا تتکلم.» وقال أیضا:«نحن نکتب یا سیدی والحکومة تقرأ، ونحن نختلف عن الحکومة فی شیء وهو أننا نکتب ولا نستطیع أن نفعل شیئا والحکومة تتفق معنا فی شیء واحد وهو أنها تقرأ ولا تفعل شیئا.» (المصدر نفسه: 101)

6.2.2.السخریة من الوزراء والسلطات

یجعل أحمد رجب أعمال السلطات المصریة تحت المجهر وینقب عن مسؤلیاته تجاه الشعب ویتناول تقصیرهم فی أداء واجباتهم. فربط الکاتب بلسان ساخر ناقد مسألة التقصیر فی عدم وصول الرسائل إلی أصحابها بزهد المدیر فی هیئة الاتصالات وبکراهته من النمیمة حیث أهمل المدیر وظیفته وانشغل بأمور أخری.فقال:

«کثر عدم وصول التلغرافات إلى أصحابها وتبین أن مدیر التلغرافات فی هیئة الاتصالات رجل تقی وطیب وصالح لایحب نقل الکلام بین الناس وبعضها.» (المصدر نفسه: 9)

قال أحمد رجب عن وزیر الکهرباء المصری الذی یحتفل بعید میلاده الخمسین ویسبب بذلک أذی للمصریین: إنه یحتفل بمیلاده الخمسین وإثر ذلک انطقع التیار الکهربائی فی خمسة أحیاء فی القاهرة.

«احتفل ماهر أباظة وزیر الکهرباء بعید میلاده الخمسین وأطفأ خمسة أحیاء فی القاهرة.» (المصدر نفسه: 9)

إن أحمد رجب یأخذ على السلطات المصریة تقصیرها فی أداء مهامها وتوفیر الأمن والراحة للمواطن المصری ونقد الساسة یحتل مکانة واسعة فی أدب الکاتب إذ یقوم رجب بتوجیه النقد نحو المسؤولین ساخراً منهم ولکنه بلغة بعیدة عن المسبة لکی لا یقع فی شباک الحکومة ویساق إلى السجن.

6.2.3.السخریة من الحکم الفاسد

لأحمد رجب باع طویل فی نقد الحکم الفاسد والاهتمام بالقضایا السیاسیة وهو یتناول الساحة السیاسیة المصریة بکل مکوناته بنظرة ثاقبة مدققة ولایفوته ما یحدث فی مصر. یصبّ عصارة تجاربه فی انتقاداته الساخرة ویوجهها نحو المسؤولین فی أدق المعانی وألطفها.

یشکو أحمد رجب من القرارات الوزاریة الخاطئة وعدم تخصص الوزراء فی إدارة دفة الحکم ویری أن الوزراء والمدراء یتعسفون فی أعمالهم ویصنعون القرارات اعتباطیاً وتسیر أعمالهم من دون تخطیط ویلقون کلامهم جزافاً. وهو یعتقد أن الوزراء نسوا طاقات مصر الکامنة، واهتموا بالأمور التی لا طائل تحتها:

«لسنا موهوبین فی التسویق أو فی التجارة عموما؛ ولذلک لا نخطط للإنتاج کما ینبغی. فأنت تجد مثلاً سلعاً کثیرة مطلوبة للتصدیر، لکن إنتاجنا منها قلیل جداً، بینما نری وفرة عظیمة وهائلة فی إنتاج سلع أخری غیر قابلة للتصدیر مثل الموالید والقرارات الوزاریة.» (المصدر نفسه: 11)

النتیجة

وجدنا أن الصحفی المصری أحمد رجب یتمسک بالأدب الساخر لنقل نبض الشارع إلى الحکومات المصریة والتعبیر عن المشاکل الاجتماعیة والسیاسیة والثقافیة وغیرها. وإذا نظرنا إلى الصحافة المصریة ومدى تأثیر کتابات رجب نجد أن الشعب المصری تجاوب تماماً مع السخریة الانتقادیة التی تمسک بها الکاتب. ومن الملاحظ أن السخریة لدیه رقیقة لا تجرح ورأینا أن لغته الساخرة لیست لاذعة بل هی لغة لینة تعبر عن الواقع السیاسی والثقافی والاجتماعی وتتجنب الکلمات النابیة والسب الإقذاع بل یستخدم الکاتب کلمات سهلة لایستعصی فهمها على القارئ ویفهمها العامة. واستخدم أحمد رجب فی "نصف کلمة" عبارت محددة تحمل کثیراً من المعانی فیتسم نثره بسمة الإیجاز.

وخلصت المقالة إلی أن العامیة المصریة تساعد الکاتب الساخر على التفاعل مع الشعب حیث یراعی مقتضى حال المواطن المصری ویتکلم بلغة أکثر انتشارا فی المجتمع وهو یقصد من توظیف اللغة الدارجة هو التأثیر الأعمق والنیل من الغایة نیلاً.

ومن سمات نثره أیضا التمسک بالمقابلة عبر تشبیه الظروف المتماثلة فی مصر والعالم لعرض المفارقات والمتناقضات. فالصور لدی رجب مأخوذة من واقعه المعیش؛ فهی بالتالی صور حسیة یدرکها القارئ العربی عامة والمصری خاصة. و کشفت المقالة أن الأدب الساخر عند الکاتب مرآة صادقة تنعکس فیها القضایا السیاسیة والاجتماعیة والثقافیة للمجتمع المصری ویمکن التعرف من خلالها إلى نفسیات هذا المجتمع.

.آریان پور، یحیی. (1375 ش). از صبا تا نیما. ط2. زوار: تهران.

2.بلارد، آرتور. (1378ش). طنز. نشر مرکز: تهران.

3.بییر، البیر. (1987م). الصحافة. ترجمة فاطمة عبد الله محمود. الهیئة العربیة العامة للکتاب.

4.تیمور، محمود. (لاتا). اتجاهات الأدب العربی فی السنین المائة الأخیرة. مکتبة الآداب.

5.حمزة، عبد اللطیف. (1963م). الصحافة والمجتمع. دار القلم: القاهرة.

6.الحوفی، أحمد محمد. (2005م). الفکاهة فی الأدب أصولها وأنواعها. ط2. نهضة مصر: القاهرة.

7.ذبیان، سامی. (1987م). الصحافة الیومیة والإعلام الموضوع والتقنیة والتنفیذ. الطبعة الثانیة. دار المسیرة: بیروت.

8.زرین کوب، عبد الحسین. (1354ش). نقد ادبی جست وجو در اصول وروش ها ومباحث نقادی با بررسی در تاریخ نقد ونقادان، ط1. ج1. امیر کبیر: تهران.

9.رجب، أحمد. (لاتا). نصف کلمة. دار أخبار الیوم: القاهرة.

10.سکاف، أسعد. (1966م). مارون عبود الناقد. دار الثقافة:بیروت.

11.سید محمد، محمد. (1985م). الصحافة بین التاریخ والأدب. دار الفکر العربی: القاهرة.

12.الشایب، أحمد. (1991م). الأسلوب، الطبعة التاسعة. مکتبة النهضة المصریة: القاهرة.

13.صابات، خلیل. (لاتا). الصحافة رسالة واستعداد وفنّ وعلم. دار المعارف.

14.صدر، رؤیا. (1381ش). بیست سال با طنز. هرمس: تهران.

15.الفاخوری، حنا. (1387ش). تاریخ الأدب العربی. چاپ پنجم. توس: تهران.

16.فاضلی، محمد. (1388 ش). دراسة ونقد فی مسائل بلاغیة هامة. چاپ سوم. سمت: تهران.

17.فرجیان، مرتضی ونجف زاده، بار فروش. (1378ش). طنز سرایان ایران از مشروطه تا انقلاب. چاپ ونشر بنیاد: تهران.

18.فرشوخ، محمد أمین. (1989م). أدب الفکاهة فی لبنان. دار الفکر اللبنانی: بیروت.

19.قزیحة، ریاض. (1998م). الفکاهة فی الأدب الأندلسی. المکتبة العصریة: صیدا- بیروت.

20.محمد حسن عبد العزیز. (لاتا). لغة الصحافة المعاصرة. دار المعارف: القاهرة.

21.مندور، محمد. (لاتا). المسرح النثری. معهد الدرسات العربیة العالیة. جامعة الدول العربیة: القاهرة.

22.موسی، سلامة. (1963م). الصحافة حرفة ورسالة. سلامة موسی للنشر والتوزیع: القاهرة.

23.همام، طلعت. (1987م). مائة سؤال عن الصحافة. الطبعةالثانیة. دار الفرقان: عمان. مؤسسة الرسالة: بیروت.

المقالات

1.گودرزی، فاطمة. (1388ش). «طنز پردازی مظفر نواب وعلی أکبر دهخدا». مجلة ادبیات تطبیقی. العدد الثامن، صص 174-159.         

2.عزت، عدلی. (1977م). «فی الأدب الساخر». مجلة الجدید. فبرایر. رقم 122.

3.واقف زادة، شمسی. (1390ش). «الأدب الساخر، أنواعه وتطوره مدى العصور الماضیة». فصلیة دراسات الأدب المعاصر. العدد 12. صص 123-101.

المواقع الإلکترونیة

1.موقع الجزیرة نت2014/9/12

2.موقع صحیفة الیوم السابع المصریة2014/9/14

3.موقع وکالة الأنباء الدولیة 2014/9/15