دراسة صَدی المقاومة فی شعرعدنان الصائغ

نوع المستند: علمی پژوهشی

المؤلفون

1 الاستاذ ومدیر قسم اللغة العربیة وآدابها بجامعة الخوارزمی، طهران، إیران

2 الاستاذ المساعد لقسم اللغة العربیة وآدابها بجامعة الخوارزمی، طهران، إیران

3 الاستاذة المساعدة لقسم اللغة العربیة وآدابها بجامعة الخوارزمی، طهران، إیران

4 طالبة مرحلة الدکتوراة لفرع اللغة العربیة وآدابها بجامعة الخوارزمی، طهران، إیران

المستخلص

یعدّ أدب المقاومة مظهراً للضمیر الیقظ المتصدّی لتعسّف الأعداء والمطالب بإعادة الحقوق الإنسانیة المغتصبة، وردَّ فعلٍ جماعی أمام هیمنة الظالمین، سواء کانوا من داخل البلاد أو خارجها. لقد شهد العراق فی العقود الأخیرة سنوات سوداء استفحلت فیها سیاسة الرعب، والکبت، والتنکیل، ورزح تحت وطأة حروب طاحنة أذکى نیرانها النظام البعثی البائد، هذا بالإضافة إلى الهجوم الأمیرکی الغاشم والعقوبات العالمیة المفروضة التی لم تثقل إلّاکاهل الشعب العراقی البائس، ممّا مهّد لظهورأدب المقاومة وبروز شعراء مناضلین عراقیین فی العراق والمنفى. ومن هؤلاء، الشاعر المعاصر عدنان الصائغ (ولد 1955م). حیث تتکوّن مادّته الشعریة من: صرخات الاعتراض تجاه الظلم البعثی والاحتلال الأمیرکی وغطرسة قوى الاستکبار العالمی، ونداءات التضامن مع الحرکات الشعبیة، والدفاع عن الشعب الفلسطینی المظلوم. وهذا المقال هوعبارة عن محاولة لاستجلاء مظاهر المقاومة فی شعر الصائغ ضمن أسالیبه البیانیة وذلک فی إطار وصفی- تحلیلی. حیث نراه یوظّف شتى الأسالیب من أجل البوح بما تجود به قریحته الشعریة، ومن تلک الأسالیب: استدعاء الحوادث الدینیة والتاریخیة، واستخدام قناع بعض الشخصیات التاریخیة، والقصائد القصصیة، وعنصر الحوار، والفکاهة والسخریة والرموز الطبیعیة.­

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

Reflection of Elements of Resistance in the Poetry of Adnan Alsaeq

المؤلفون [English]

  • Hamed Sedqi 1
  • Sayyed Adnan Ashkoori 2
  • Soqra Falahati 3
  • Sabri Jalilian 4
1 Full Professor,Department of Arabic Language and Literature ,Kharazmi University, Tehran, Iran
2 Assistant Professor ,Department of Arabic Language and Literature , Kharazmi University, Tehran, Iran
3 Assistant Professor ,Department of Arabic Language and Literature , Kharazmi University, Tehran, Iran
4 PhD Candidate , Department of Arabic Language and Literature , Kharazmi University, Tehran, Iran
المستخلص [English]

 
Literature of resistance is the sign of conscious conscience against violence of enemies and restoring human rights and also a collective reaction against domination of oppression that may be imposed from inside or outside. As a country in  which policies of terror, oppression and war by the "Baath regime" ,attacks of America ,and imposing global sanctions observed during recent few decades, Iraq has been a proper context for rise of resistance literature and warrior and exiled poets. "Adnan Al-Saeq" (born1955), contemporary Iraqi poet, is one of these poets whose poetic concepts are an outcry against the oppression of "Baath regime" and American occupation and abuses of world superpowers and a cry for union with mass movements and defense of the oppressed Palestinian people. Adnan uses different techniques in expressing his purposes including calling religious-historical events, applying masks of some historical figures, fictional odes, conversation elements, satire , burlesques, and symbolism. 

الكلمات الرئيسية [English]

  • Modern Iraqi literature
  • resistance poem
  • Adnan Al-Saeq

إنَّ اللغة مرآة حال الأمة وسجلّ مفاخرها والشاهد علی مجدها فی المجالاتِ الاجتماعیة  والأدبیة  والسیاسیة والإداریة، تعزُّ بعزّةِ أمتها، وتذلُّ بذلتها. (أحمدعثمان، 2011م: 9) وللأدب والمجتمع صلات متقابلة حیث یؤثّر أحدهما فی الآخر. وأدب المقاومة شاهد على هذه الحقیقة. وأدب المقاومة هی «الشحنة الّتی تنقدُ الوجدان المتعب من الاستسلام أمام (الأمر الواقع) أو الوحش البحری الّذی قد یتجسدُ حینا فی غازٍ أجنبی، وحینا أخر فی سلطة طاغیة وحیناً ثالثاَ فی قهر اجتماعی... إلی غیر ذلک من صور الضغوط الّتی تلاحقُ الانسان أینما کان و فی أی زمانٍ» (شکری، 1970م:6) لقد عاش الشعبُ العراقی فی عهد سطلة البعث حقبة من الزمن ملؤها القتل، والقمع، والحروب المتواصلة، والاحتلال، والمقاطعة، والفقرالمدقع فی فترةِ سلطةِ حزبِ البعثِ. هذه الظروفِ مهّدت الأرضیةَ المناسبةَ لظهورِ أدبِ المقاومةِ والشعراء المناضلین کـ­«عدنان الصائغ». وُلِدَ عدنان الصائغ فی مدینةِ الکوفةِ عام 1955م. وقد زجّت به السلطات جندیاً فی الحرب العراقیة المفروضة على جمهوریة ایران الإسلامیة. شارک فی العدید من النشاطاتِ السیاسیةِ ضدّ السلطةِ البعثیةِ وأطلقت علیه السلطات البعثیةُ تهمةَ «الردة». (حمدی، 2010م: 459-461) غادرَ الوطن صیف 1993م نتیجةً للمضایقات الفکریةِ والسیاسیةِ الّتی تعرض لها. وتنقّل فی بلدان عدیدة، منها عمان وبیروت، حتی وصولهِ إلی السوید فی خریف 1996م، وإقامتهِ فیها لسنواتٍ عدیدةٍ، ثمَّ استقرّ بعدها فی لندن منذُ منتصفِ 2004م. صدرت له مجموعات شعریة عدیدة، منها: «انتظرینی تحت نصبِ الحریةِ»، «أغنیات علی جسر الکوفة»، «العصافیر لا تحبّ الرصاص»، «سماءٌ فی خوذة»، «غیمةُ الصمغ»، «تحتَ سماء غریبة»، «خرجتُ من الحرب سهواً»(مختارات شعریة)، «تکوینات»، «نشیدأوروک»، «صراخٌ بحجمِ الوطن»(مختارات شعریة)، «تأبّط منفی»، و... حصل عدنان الصائغ علی جوائزعالمیة مختلفة. (مؤسسة عبدالعزیز السعود البابطین، مج3، 1995م: 474 والزریبی، 2008م: 1-10) ومجموعاته الشعریة ملیئةٌ بمشاعر المقاومة أمام الظلمِ  والاضطهاد الداخلی  والخارجیّ.

یهدفُ هذا المقال دراسةَ عناصر المقاومةِ فی أشعار عدنان الصائغ ضمنَ دراسة أسلوبهِ الشعری فی هذا المجال. وقد تمّت دراساتٌ مختلفةٌ فی الأدبِ المقاوم. أما موضوع شعرالصائغ، فقد نوقش فی جامعة بغداد عام 2006من خلال رسالة ماجستیر حملت عنوان «شعر عدنان الصائغ؛ دراسة أسلوبیة» قدمَها الباحث والشاعر عارف الساعدی، وفی موقعِ الشاعر على شبکة الإنترنت ثمة مقالاتٌ عدیدةٌ فی موضوعات مختلفةٍ، وفی بعضِها إشاراتٌ عابرةٌ إلی معانی المقاومةِ عندَ الصائغ. یعدُّ مقالُنا هذا تکملةً لکلّ ما فی موقعِ الشاعر.أمّا فی ایران فإنّ هذه الدراسة تعدّ الأولى من نوعها إذ لم یسبق لباحث أن تطرّق لشعره المقاوم وأسالیبه الشعریة.

ویهدف المقال الإجابة عن هذه الأسئلة:

1. ما هی أهمُّ عناصرِ المقاومةِ الّتی انعکست فی شعر عدنان الصائغ؟

2. ما هوَ أسلوبُهُ الشعری فی تبیین عناصرِ المقاومةِ؟

منهج البحث وصفی- تحلیلی. وقد استخرجنا عناصرَ المقاومةِ من دواوینِهِ الشعریة مباشرةً وحلّلناها ضمنَ دراسةِ بعض أسالیبِهِ الشعریة.

عناصرُ المقاومة فی شعرِ عدنان الصائغ:

لیست المقاومةُ، هی الصمودَ أمامَ الاحتلالِ الأجنبی فقط، بل یندرج الصمودُ أمامَ الحکمِ الاستبدادی فی البلد مقاومةً أیضاً. ففضح السیاسة المکیافیلیة الخادعة وإماطة اللثام عن الوعود الزائفة وتنبیهُ الشعبِ وتوعیته بواقعه المریر تعدّ نوعاً من المقاومةِ. والأدبُ الّذی یسیرُ فی هذا الطریق لا یلیق به إلاّ أن یسمّى بأدب المقاومةِ. وقد شمّر عدنان الصائغ عن ساعد الجدّ فی تعریة حزب البعث وعارضَ بشدّة سیاسة الغطرسة والاستبداد، بحیث أدرجته جریدة «بابل» العراقیة فی عددها الصادر فی 13 اکتوبر 1996م ضمن قائمة من «المرتدّین» شملت عدداً من المثقّفین والأدباء العراقیّین فی المنفى. والمعروف عن هذه الجریدة أنّ «عدی صدام حسین» هو الذی کان یشرف علیها مباشرة. (حمدی، 2010م: 447) إلاّ أنّ ذلک لم یمنع الصائغ عن مواصلة الدرب بفضح مقاصدِ السلطةِ البعثیةِ المشؤومةِ مِن جانبٍ وبالتندید بالاحتلالِ الأمریکی مِن جانبٍ آخر.

ومن هنا فإنّا نقسّمُ عناصرَ المقاومةِ فی أشعارهِ على قسمَینِ: الأوّل: المقاومةُ أمامَ الاستبداد الداخلی (البعث) والثانی: المقاومةُ أمامَ الاحتلالِ الأجنبی.

أوّلاً: مقاومةُ الاستبداد الداخلی (سلطة البعث):

سیطرت سلطةُ البعثِ علی العراق سنة 1968م. حینما تولّی زمامَ الحکمِ «أحمدحسن البکر» وتولّی «صدام تکریتی» الأمانَة العامّة لحزبِ البعث العراقی. قد تربّعت هذه السلطة على العرش بعد أن أزاحت جمیع معارضیها ونکّلت بکثیر منهم، وقد وظّفت ریع الموارد النفطیة لخدمة أهدافها التوسّعیة وتجهیز الجیش وتعزیز قدراته الحربیة. (کاگلن، 1383ش: 237- 238) وکان للقدرة العسکریة الفائقة التی تزوّد بها صدام حسین أثر بارز وجلیّ دفعه إلى زجّ العراق فی حربین عدوانیّتین ضدّ الدول المجاورة سُمّیتا فیما بعد بحربی الخلیج [الفارسی] الأولى والثانیة. وقد أدّى تعطّش صدام لکسب القدرة إلى إحلال العراق فی دار بوار زادت من مأساة شعبه وأرجعت تطوّره إلى الوراء لعدّة عقود من الزمن. (رفیعی، 1382ش: 131 و 139)

وقد تمثّلت مواقف عدنان الصائغ تجاه سیاسات القمع والإرعاب البعثیة فی الأمور التالیة:

 

أ‌-     معارضة سیاسةِ الکبت والقمع والإرعاب التی انتهجتها السطلة البعثیة:

لقد انتهج صدام حسین فی الحقبة التی فرض سلطته على الشعب العراقی سیاسة رقابة صارمة وعنیفة، بحیث عبّر أحد الساسة العراقیّین فی الثمانینات من القرن المنصرم، إنّ صدام بات یُحکم قبضته على العراق من خلال نظام تجسّسی متطوّر، یقوم خلاله ثلاثة ملایین مخبر بمراقبة أحد عشر ملیون نسمة من الشعب العراقی. (رفیعی، 1382ش: 75-91) وقد تعدّدت أجهزة الرقابة والتجسّس فی العراق تحت مسمّیات عدیدة من أمن، ومخابرات، واستخبارات، ومنظمات حزبیة، وجیش شعبی، وطلائع، وفتوّة واتحادات الطلبة والعمّال وسائر الشرائح، وفدائیّی صدام، وما إلى ذلک من أجهزة کانت تتبارى فیما بینها للإیقاع بأکبر عدد من المشتبه بهم، والفتک بأبناء الشعب، وإرعابهم. وجلّ اعتراضات عدنان الصائغ توکّد على سیاسات الإرهاب والتهدید والمطاردة التی عجّت بالعراق. دیوانُهُ، «نشید أوروک» تفوح منه مشاعر الخوف والرعب حیث ینقل حکایاتِ شخصٍ اسمُهُ «عبود». وقد جعل عدنان من «عبود» هذا رمزاً للذین اعتُقلوا وزُجّ بهم فی السجون وعُذِّبوا بأبشعِ صورٍ للاستجواب:

فوقَ طاولةٍ للمحقّق، ممسوحةٍ / و هوَ یسألُنی عنک.... وکانَ لعابُ السبابِ

یسیلُ  / علی شفتَیهِ / فیمسَحُ فی کمّهِ المتآکل شاربَهُ الکثّ، متّسخاً مثلَ الخنازیرِ

-        أینَ أخفیتَ عبود؟

-        فی الریحِ ...

-        أیها الکلبُ، هل تتجرّأُ تسخرُ منّا؟ (الصائغ، 1996م: 70- 71)

هناک یجری حوارٌ بینَ مفتّشٍ ومخاطبٍ مجهولٍ حولَ «عبود»، یقصدُ المفتّشُ الّذی یصفُهُ الشاعر بالخنزیر، الاطّلاعَ علی أحوالِ «عبود»، یغضبُ ویسبّ المخاطبَ بأقذع الشتائم ویعذّبه حینما یُجیبُه بجوابٍ غیر مرتبط. ثمّة مقطوعات شعریة کثیرة تجدها فی دیوانِ «نشید أوروک» حولَ هذه الشخصیةِ. وکأنّ الشاعر لا همّ له إلّا أن یوضّح الظروفَ السیاسیةَ التی سادت العراق آنذاک وخاصةً الظروف التی صودرت فیها حرّیة الرأی، کلّ ذلک یجری عبرَ الحوارات الّتی تدور بین هذه الشخصیة ومستجوِبیهِ. ینظمُ الشاعرُ کلَّ هذه الأشعار بأسلوبٍ مسرحیٍّ لیجسّمَ شدّةَ الإرعابِ والوحشةِ للسامعینَ، ومن الأمثلةِ الأخری فی هذا المجال:

وعبودُ أینَ؟

-..........

....................

عبودُ فی السجن یرکلُهُ الحارسُ الفظّ

کان المفوّضُ ینقلُ عینیهِ

بینّ الأضابیرِ والزرّ

-        أکنتَ تخطُّ الشعارات ضدَّ الوطن

-        الحکومة لیست وطن

-        ...............................

..........................................

-        خائن (الصائغ، 2006م: 488-489)

لغةُ الحوار تبتعدُ بالقصیدةِ عن الغنائیةِ، عن جوّ المباشرة والتقریر والامعان فی الذاتیة بها من النزعة الدرامیة، والتفکیرالواقعی ولغة الحوارقریبةٌ من أسلوبِ التجسیم، والصور المحسوسةِ، وتبتعدُ بالشعر عن لغةِ التجرید والشاعر المعاصر استغل التخاطبَ فی شکلِ الحوار فی جزء من القصیدةِ وبالقدر الذی یستطیعُ فیه أن یجسدَ الصراعَ، ویضفی الحیویةِ، والتفاعل، والحرکة علی قصیدته (الکبیسی، 1982م: 114-115) یصوّرُ الشاعر فی هذا الحوار أوضاعَ «عبود» السیّئةَ، یشرحُ کیفَ یرکلُهُ الحارسُ  ویتّهمُهُ المفتّشُ بالخیانة دونَ دلیلٍ وسندٍ ویعربُ الشاعرعن لسانِ عبود عن هذه الحقیقة أنّ الحکومةَ لیست الوطن وإن خالَفَ عبودُ الحکومةَ فإنّه لم یخن الوطن. الافتراء علی المعارضین طریقةُ البعثیین الّتی یصوّرها عدنان الصائغ فی حوارٍ دقیقٍ وبأسلوبٍ قصصیٍ ومسرحیٍ لیحرّض المخاطبینَ علی متابعة القصة ویجسّد لهم الوضع الراهن فی العراق.

یشبّهُ عدنان الصائغ قوّاتِ الأمن بالکلبِ کما شبَّههم بالخنزیر لیُمیطَ اللثامَ عن حقیقةِ الذاتِ لهذه الشخصیات. ویتصوّرُ الشاعر أنّ هذه الکلاب البولیسیة ستداهم بیته فی یوم ما وستأتی على شعره کلّه لتبیده عن بکرة أبیه حتی ولو من وراءِ ذهنِهِ وستقتله بکلّ برودة أعصاب:

.......فأنا أعرفُ بالتأکید /  إنّهم سیقرعونَ البابَ ذات یومٍ / وستمتدُ أصابعهم المدربةُ کالکلابِ البولیسیة إلی  / جواریرِ قلبی / لینتزعوا أوراقی / و........ / حیاتی /  ثمّ یرحلونَ بهدوءٍ (الصائغ، 2004: 11)

لقد أنشد عدنان هذه المقطوعة بعدما قُتل صدیقه الشاعر «علی الرماحی»، وقد کانت تربطه به صداقة حمیمة وعلاقات ودّیة، فترک مقتله فی عدنان مجموعة من التساؤلات البدهیة عن أسبابه فلم یهتد إلى أجوبة مقنعة وهدّته الفجیعة والشعور المحبط بأجواء الرعب والکبت التی فُرضت على بلده. والملفت فی شعرعدنان أنّه یصف حذاقة کلاب الأمن والمخابرات فی استخراج کلّ دفین فی مخبأ أسرار الذات، ومن ذلک شعره الذی لم یبح به لأحد بعد، وبذلک یصوّر لک وخامة الأمر ومدى توجّسه من أجهزة الأمن والمخابرات الصدامیة.

وفی موقف آخر یوظّفُ الشاعر فی تصاویرِه شخصیةً تاریخیةً کـ«هولاکو» قناعاً لصدام حسین وشدّةِ ظلمِهِ واستبدادهِ. فقد هجمَ المغول علی بغداد سنة 617 واحتلَّ هلاکو بغدادَ وبدأ مسلسلٌ جدید من العذابِ والمشقّةِ للشعبِ العراقی (الغریری، 2004م: 14) وکان لشدّة الدمار الذی تعرّضت له بغداد آنذاک أثرٌ بالغٌ لتُوظَّفَ شخصیةُ هولاکو فی الشعر العربی قناعاً للتوحشِ والدمارِ. فنرى عدنان مثلا یستدعیها من طیّات التاریخ لیرسمَ شدّة القمع فی حکومةِ صدام حسین. یصوّرُ الشاعر کابوساً، یری نفسَهُ والحرّاسُ یجرّونه إلی عرشِ هولاکو ویریدُ الجلّادُ أن یسلخَ رأسَهَ لأنّهُ لم یمدح الحاکمَ القاسی، ثمَّ یهوی الجلّادُ بسیفه العریض علی عنقِ الشاعر، وفی النهایةِ یستیقظُ الشاعر من کابوسِهِ مبلّلاً بالعرقِ:

قادنی الحراسُ إلی هلاکو /کان متربعا علی عرشهِ الضخم / وبینَ یدیهِ حشدٌ من الوزراءِ والشعراءِ والجواری / سألنی لماذا لم تمدحنی / ارتجفتُ مرتبکا هلعا: یا سیدی أنا شاعرُ قصیدةِ نثر / ابتسمَ واثقاً مهیباً: / لایهمک ذلک.. / ثمّ أشارَ لسیّافهِ الأسود ضاحکاً / علِّمهُ إذاً کیفَ یکتبُ شعراً عمودیاً / وهوی بسیفِهِ الضخم / علی عنقی / فتدحرجَ رأسی، / واصطدمَ بالنافذةِ الّتی انفتحت من هول الصدمةِ فاستیقظتُ هلعاً یابس َالحلقِ، / لأری عنقی مبللاً بالعرقِ، وکتابَ الطبری مازالَ جاثماً علی صدری (الصائغ، 2004م: 81)

نظمَ الشاعر هذه الأشعارَ بأسلوبٍ قصصیٍّ وفیها عناصرُ القصةِ کـ«الشروع» و«العقدة» (أنا شاعرُ قصیدةِ النثر) و«ذروةُ الأزمة» (وهوی بسیفِهِ الضخمِ علی عنقی) و «الحلّ» (فاستیقظتُ هلعاً) لیصوّرَحقیقةَ حریةِ الرأی فی العراق. یتوقّع صدام حسین من المفکرین والأدباء أن یخضعوا لهُ ویصفّقوا لجرائمِهِ. لکنّ عدنان الصائغ شاعرٌ ثاقب ُالرأی، یسلط الأضواء على الحقائق فی أشعارِهِ؛ لهذا ماکانَ مرغوباً به عندَ النظامِ الحکومی وکانَ مطارداً مِن قِبَلِ السلطةِ البعثیةِ وأدرک الخطرَبتمامِ وجودِهِ. الجوُّ الّذی یصفُهُ الشاعر، سیطَرَ علی الحیاةِ الیومیةِ فی العراقِ ویدرکه الناس تماماً؛ لذلک رسمه عدنان فی أسلوبٍ قصصیٍ واستخدم الأفعال الماضیة أکثر من المضارعة، بما أنّ الشاعریستذکر مشاهد الرعب والوحشة التی کانت تحیط به من قبلُ فی الوطن، وبما أنّه لایریدُ أن یتکرّر ویستمر الکابوس، فإنّه یتعمّد وصفه بأفعال ماضیةٍ وکأنّها قصّة مریرة مضت ولن تعود.

 

ب-التندید بالفقر والاختلافِ الطَبَقی وإساءة استعمال النفطِ:

إنّ الفقر والفاقة فی أیّ بلدٍ، دلیلٌ علی عدمِ کفاءةِ زعمائِهِ فی تدبیرِ الظروفِ الاقتصادیةِ المثلى لِشعبِهِ. والعراق مع کلِّ ما فیه من ذخائر النفطِ، کانَ یکثرُ فیه الفقرُ والمسکنةُ، لأنَّ السلطةَ الحاکمةَکانت تصرفُ الأموالَ الناتجةَ من بیعِ ثروةِ النفطِ لشراءِ المعدّاتِ العسکریةِ أو لضمانِ الرخاءِ والراحةِ لعددٍ معدودٍ من کوادر السلطاتِ العلیا أو ممّن ینتمی إلیهم. یعتمد عدنان الصائغ لتصویر المفارقات فی العراق إلی أسلوب التقابل بینَ التناقضات لیوقدَ التوهج الشعوری والعاطفی فی الکلمات:

إلی مَ یظلُّ بکلِّ العصورِ / یجوعُ العراق / وتلک روابیه تطفو علی النفطِ / إلی مَ یجفُّ الفرات

/ وفی کلِّ بنک جداولُهُ تترقرقُ/ فی کلِّ صک نری دمعة ثاکلة / آهِ.. أحلامنا الذابلة[i] (الصائغ، 1996م: 129)

فقد قابل الشاعر بینَ المتناقضات، حینما وضع صوراً متفارقة کـ«جوع العراق» و«روابیة تطفوعلی النفط»، و«جفاف الفرات» و«ترقرق الجداول فی البنوک»، «الصک» و«دمعة ثاکلة» جمع بین الصورتَینَ لیوازنَ بینهما وبینَ الواقع الّذی یشاهدُ فی العراق. والاستفهاماتُ المکرّرةُ تُعَدُّ إعتراضاً جلیّاً علی الظروفِ الحاکمةِ.

وفی قصائدَ أخری ینتقدُ الشاعر کیفیةَ تقسیمِ الثروةِ فی العراقِ ویوظّفُ التقابلَ بینَ التناقضاتِ إلی جانبِ اهتمامه بجرسِ الکلمات وإیقاعها:

سهواً تجیءُ الملوک / وسهواً نجیءُ  / فمَن قسَّمَ الأرضَ ما بیننا: / فلهُم قمحُها / ولنا قحطُها / ولهُم نفطُها    ولنا لَغطُها[ii] (الصائغ، 1996م: 130-131)

کرّر الشاعر کلمة «سهواً» مرّتین لیبینَ أنّ الملوک والناس فی الولادةِ سواسیةٌ ولکن التفاوت یظهر بعد ذلک، وبعد تقسیم الأرض وتقسیم الصور المضادّة من الفقر والثروة.