فضاء النقد فی شروح المعلَّقات (دراسة سانکرونیة)

نوع المستند: علمی پژوهشی

المؤلفون

1 أستاذة مساعدة بجامعة إصفهان، إیران.

2 أستاذ مساعد بجامعة إصفهان، إیران.

المستخلص

إنّ للمعلَّقات مکانةً مرموقةً فی الأدب العربی، فضلاً عن أهمیتها فی العلوم المختلفة التفسیریة، واللغویة، والنحویة واحتوائها علی کثیر من الألفاظ الجاهلیة وغریبها، ولهذا فقد اهتمّ بها کثیر من الشرّاح، وقد أبدوا آراءهم النقدیة ضمن شرحهم هذه القصائد النفیسة.ومن هذا المنطلق یحاول هذا البحث استخلاص المنهج النقدی الذی تمیّز به الشرّاح فی شرح المعلَّقات مستخدماً المنهج التوصیفی ـ التحلیلی. وانسیاقاً من هذا تقوم الدراسة علی خطة تنهض علی محورین بارزین هما: المقام والمقال.
وقد اتّضح من البحث أن الشرّاح اهتمّوا بالنقد فی شروحهم وإن لم یکونوا مکثرین منه، وظهرت آراؤهم النقدیة فی المستویات المختلفة منها المستوی الفنیّ (المعجم، والصوت والإیقاع، والنحو والبلاغة)، والمستوی الدلالیّ. 

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

The Criticism of the Explanations of the Muallaqat (synchronized study

المؤلفون [English]

  • Somayeh Hasan Alian 1
  • sayyedmohammadreza Ibnorrasool 2
1 Assistant professor of Arabic Language and Literature , University of Isfahan, Iran.
2 Assistant professor of Arabic Language and literature , University of Isfahan, Iran.
المستخلص [English]

Considering the importance of Muallaqat in Arabic literature, as well as  its importance in the various sciences of language , literature, grammar and also containing  many of  the  Jahelliah words  a great number of commentators paid attention to them.  In the present study, it is intended to study the critical method of commentators in  their explanations of the Muallaqat, descriptive - analytical method being employed.
The results of the study reveals that commentators paid attention to criticism although it isn’t much. And their critical views are focused on technical levels (Dictionary, phonetics, syntax, rhetoric) and semantic level.  

الكلمات الرئيسية [English]

  • Muallaqat
  • Explanations
  • Criticism
  • synchronization
  • Discourse

 للشعر الجاهلی عامة وللمعلَّقات خاصة مکانةٌ مرموقةٌ بین ما أثر من أدب العرب طوال حیاتهم التاریخیة، منذ ذلک الزمن البعید الذی عاشوا فی حدود الجزیرة العربیة إلی العصور التی انتشروا فیها حاملین مشاعلَ الإسلام فی مختلف بقاع الأرض.

وما من عصر من عصور التاریخ الطویلة التی عاشت فیها الأمّة العربیة إلا وبرزت فیه العنایةُ الواضحةُ بالشعر الجاهلی والمعلَّقات بروزاً واضحاً، کأنهم ورثوا طبیعةَ الحرص علی هذا التراث. وذلک لأنّ الشعرَ الجاهلیّ یُعدّ أهمَّ مصدر من المصادر التی یستمدّ منها الباحثون فی دراسة تاریخ هذه الأمة وحضارتها ولذلک عُنِیَ الباحثون فی الأدب العربی والمشغوفون بها فی البلاد العربیة وغیرها بدراسة هذا الأدب.

هذا من جهة ومن جهة أخری إنّ الشعر کان یحتلّ مکانةً مرموقةً بین الناس وأصبح شاعره جزءاً مهماً فی نظام القبیلة یمجّد بطولاتِها ویصوِّر آمالَها ویفخر بمآثرها. ولمّا کانت المعلَّقات بوصفها جزءاً من هذا المیراث القیّم هی «الصورة الأخیرة التی انتهت إلیها تجاربُ الجاهلیین فی التعبیر الشعریّ ولذلک فاقت شهرتها شهرةَ ما سواها من الشعر الجاهلی، بل الشعر العربی علی الإطلاق وأصبح لأصحابها من الذکر فی تاریخ الأدب العربی ما لم یظفر به غیرُهم من الشهرة وذیوع الصیت ومن الممکن اعتبارُ تلک الصورة التی وصلت بها إلینا المعلَّقات، الصورةَ الکاملةَ للشعر العربی بما اجتمع لها من حسن الوزن وجودة القافیة، وقوة المعانی، وجزالة الألفاظ، ومتانة الصیاغة.» (طبانة، 1958م: 5)، فلا شکّ أن العلماء والأدباء‌ اهتمّوا بها واستشهدوا بها فی مؤلفاتهم الأدبیة، والتاریخیة، والبلاغیة، والنحویة، والتفسیریة. کما أنّ أثر المعلَّقات فی النحو لایقلّ عنه فی التفسیر؛ فقد حَظیت هذه القصائدُ بجهود النحاة قدیماً وحدیثاً فکثرت الشواهدُ النحویةُ من شعر المعلَّقات وخاصة إذا اعتمدت بروایاتها المختلفة ولبعض هذه الشواهد أثرٌ کبیرٌ فی تثبیت القاعدة النحویة ولا سیّما القواعد التی انفردت شواهد المعلَّقات دون سواها فی تثبیتها. (دویکات، 2000م: 14)

ولایخامرنا شکٌّ أنّ هناک أسباباً مهّدت لنشأة شروح الشعر عامة والمعلَّقات خاصة، منها: سبب تاریخی، وسبب لغویّ وسبب عاطفی.

ومن أهمّ هذه الشروح القدیمة: شرح المعلَّقات التسع لأبی عمرو الشیبانی[1] (ت 206ق)، شرح القصائد السبع الطوال الجاهلیات لأبی بکر الأنباریّ (ت 328ق)، وشرح القصائد المشهورات الموسومة بالمعلَّقات لأبی جعفر النحاس (ت 338ق)، وشرح المعلَّقات السبع للزوزنیّ (ت 486ق)، وشرح المعلَّقات العشر للخطیب التبریزی (ت 502ق).

وقد ظهر النقاطُ النقدیة الهامة فی هذه الشروح فکان من الأهمیة بمکان تسلیط الضوء علی طبیعة النقد عند شرّاح المعلَّقات ومنهجهم النقدی فی شرح هذه القصائد النفیسة.

ومن أهمّ الأهداف التی تقصد هذه المقالةُ تحقیقَها: دراسة منهج شرّاح المعلَّقات النقدی فی شروحهم، والإشارة إلی آراء‌ الشرّاح النقدیة. والمنهج الذی یتبعه هذا البحثُ هو التوصیفی ـ التحلیلی. فقد تمّ ترکیزنا فی هذه المقالة علی عدة شروح قدیمة مذکورة آنفاً وتعاملنا مع آثار الشرّاح وفق العقیدة البنیویة بطریقة سانکرونیة أی علی أساس أنها آثار متزامنة مع ذواتها عبر رصْد الفضاء والحَیّز.

والجدیر بالذکر أنه بالنسبة إلی منهج شرّاح المعلَّقات النقدی فنکاد لانعثر علی ما یُذکر فی هذا الکتاب أو علی بحث آخر شامل وافٍ للموضوع.

أما الخطة التی اخترناها للبحث عن النقد فی شروح المعلَّقات فتنهض علی محورین بارزین هما: المقام والمقال[2].

وإلیک الآن تعریف بعض المصطلحات التی وردت فی البحث:

  • المقام[3]: هو مجموعة الأوضاع النفسیة والاجتماعیة والتاریخیة أو العناصر غیر اللسانیة التی تحدّد بثّ ملفوظ أو أکثر فی فترة من الزمن محدّدة وفی مکان بعینه. أما فی اللسانیات فعوضاً عن المقام یقع الحدیث عن السیاق أو السیاق المقامیّ. (الوردنی، 2009م: 44)
  • المقال[4]:‌ هو اللغة فی حالة استعمال أی لسان من الألسنة ینهض بوظیفة فاعل/متکلم. (الوردنی، 2009م: 44)
  • الشرح[5]: «هو الکشف، یقال: شرَح فلان أمرَه أی أوضحه وشرح مشکلة بیّنها وشرح الشیء یشرحه شرْحاً وشرّحه فتحه وبیّنه وکشفه وکلّ ما فُتح من الجواهر فقد شُرح أیضاً تقول: شرحتُ الغامض إذا فسّرتُه والشرح الفتْح والشرح البیان والشرح الافتضاض للأبکار.» (ابن منظور، مادة: ش‌ر‌ح) وهناک بعض المصطلحات والمفاهیم یقترب فی معناها من الشرح، ألا وهی: التفسیر والتحلیل والتأویل وبین کل هذه المصطلحات متصوّرات جامعة تؤلف بینها علی نحو یجعلها تضطلع فیه بنفس الوظیفة الدلالیّة وإن تعددت العلامات وتباینت. (الوردنی، 2009م: 18 نقلاً عن الزیدی: 40)

قبل الدخول فی صلب الموضوع علینا أن نوضح الأصول التی وضعها السلفُ فی شرح النصّ وتوارثها الخلف منهم وقد تجلّت علی ثلاثة أصعدة هی:

نواة‌ الشرح: وهی البیت الشعریّ کوحدة دنیا فهو عندهم النصّ وعلیه المدار.

حدود الشرح: فالشارح امتدّت عنایتُه إلی نصّیْن: نصّ المقام ونصّ المقال.

نمط الشرح: إذ کان الشارح یتعامل مع النصّ الشعریّ تعاملاً ثلاثیّ الأبعاد: البعد اللغویّ، والبعد المعنویّ، والبعد الفنیّ.

ولسنا ممن یریدون إخراج القدیم فی ثوب جدید بل نحن ممن جعلوا دیدنهم التأصیل بفهم القدیم بالقدیم فی ضوء الحدیث، کما یدلّ عنوان الدراسة هذه علیها.

2. مظاهر تعامل الشروح فی ضمن فضاء النقد:

فی هذا القسم من المقال نهتم بالمحورین الأساسیْنِ للبحث عن النقد فی شروح المعلَّقات مشیراً إلی الشواهد المختلفة لها.

2. 1. المقام:

«إن المقام ینهض علی عدة أطر تتواصل تراکباً أو تعاقباً. ویعمد الشارح إلی أن ینزّل ضمنها النصَّ الشعریّ باعتباره حدثاً قولیاً یرتبط بأحداث غیر لسانیة مؤثرة فیه فاعلة، لذا أمکن النظر فی نوعین من المقام: مقام خارجیّ یضمّ إطارین: التاریخ والاجتماعیات، ومقام داخلیّ یضم إطارین: روایة النصّ وفضاء الإنشاد.» (الوردنی، 2009م: 44)

2. 1. 1. الخارجیّ:

یحتوی هذا النوع من المقام علی إطارین، هما:

2. 1. 1. 1. التاریخ:

یُلاحِظ قارئُ شروح المعلَّقات أنّ أصحاب هذه الشروح یعرضون ضمن شرحهم لنوعین من الأحداث: أحداث عامة مثّلت حافزاً من حوافز القول الشعریّ وباعثاً علیه، واتصلت بالنصّ فی کلیته؛ وإلیک بعض النماذج منها:

امتازَ ابنُ الأنباریّ بین الشرّاح بأنه کان یأتی بمقدمات طویلة فی بدایة کل معلَّقة مشیراً إلی نسب الشاعر، موضحاً‌ سبب إنشاد القصیدة مروراً بالحوادث التاریخیة مستنداً إلی العلماء والرواة الذین سمع منهم أو أخذ عنهم هذه الأخبار وزوّد قارئ شرحه بمجموعة ضخمة من المعلومات التاریخیة والأخبار التی تتعلق بذاک العصر.

ولکن النحاس لم یُشِر فی مقدمة شرحه لکلّ قصیدة إلی سبب إنشاد هذه القصائد إلا فی معلَّقة زهیر إذ ذکر أنّه قال هذه القصیدة لمدح الحارث بن عوف وهرم بن سنان المریین. (النحاس، لاتا: 1/99)

لانکاد نجد شرحاً وافیاً للحوادث التاریخیة وأخبارها مما یتعلّق بالمعلَّقات فی شرح الزوزنیّ وکأن الشرح بعید کلّ البعد عن أتّون الشطحات التاریخیة. ولم یصدّر الزوزنیّ فی شرحه کلّ معلَّقة بمقدّمة إلا معلّقتین؛ هما: معلَّقة امرئ القیس ومعلَّقة طرفة بن العبد. فی مقدمته لمعلَّقة امرئ القیس بدأ من قصة حبّ الشاعر لعنیزة ابنة عمّه وما فعل فی یوم دارة جلجل بفتیات الحیّ من سرقة ملابسهنّ واشتراطه إعادتها إلیهنّ بخروج کلّ فتاة من الماء ومجیئها متجردة، وعقره ناقته لهنّ، وحملهنّ أمتعته. أشار الزوزنیّ إلی هذه القصة موجزة ومع أن بعض الشرّاح الآخرین کابن الأنباریّ یعدّ هذه الحادثةَ سبباً لنظم القصیدة ولکن الزوزنیّ قال: «وذکر (أی امرؤ القیس) هذه القصة فی أثناء القصیدة.» (الزوزنیّ، 1963م: 6) وکأنّه لم یقبل کون هذه الحادثة سبباً فی نظم القصیدة کلّها؛ ولعلّه علی حقّ إذ من الصعب القول بأنّ المعلَّقة بکاملها قیلت من أجل هذه الحادثة إذ أشار الشاعر إلی یوم دارة جلجل فی الأبیات 10 ـ 15، ولکنّه لم یذکر من القصة التی ساقها الرواةُ إلا ذبحَه الناقةَ للفتیات، ولم یُشِر إلی خروج الفتیات من الماء‌ متجرّدات علماً بأنّ امرأ القیس لم یکن من الشعراء الذین یتعفّفون فی شعرهم.

وفی مقدمة معلَّقة طرفة بن العبد یبدأ حدیثه عن قول المفضّل بن الضبیّ فی ذکر حسبه الکریم، وشعره الهجائیّ فی زوج أخته وما دار بینه (أی زوج أخته عبد عمرو) وبین عمرو بن هند الملک. وقال الزوزنیّ بعد ذکره روایة المفضّل وقد کان قال فی ذلک قصیدته التی أوّلها "لخولة أطلالٌ" وکأنّه یرید القول إن سبب إنشاد المعلَّقة هو شعورُ الشاعر بقرب موته بالبحرین. وانفرد الزوزنیّ ببیانه السبب هذا ولکنّنا لا نجد أیةَ إشارة إلی الحادثة التی انتهت بقتله. ویشیر الزوزنیّ أیضاً إلی سبب آخر فی قتل طرفة من روایة العتبیّ فی المقدمة.

النوع الثانی من الأحداث التی أشار إلیها الشرّاح هی أحداثٌ خاصةٌ ترتبط بجانب من جوانب النصّ، منها:

قال الخطیب التبریزیّ فی شرح البیت الـ49 للحارث، مشیراً إلی حادثة محاربة کسری لإیاد، وذکر أن لقیط بن یعمر الإیادیّ الذی کان ینزل الحیرة عندما اطّلع علی ما قصده کسری کتبَ إلی إیاد وهو کانوا بالجزیرة لیستعدوا قواهم فی مقابلة العدو: «فلما بلغ کتاب لقیط إیاداً استعدّوا لمحاربة الجنود التی بعث بهم کسری، فالتقوا فاقتتلوا قتالاً شدیداً حتی رجعت الخیلُ وقد أصیبَ من الفریقین، ثم إنّهم بعد ذلک اختلفوا فیما بینهم وتفرّقت جماعتُهم فلحقت طائفة منهم بالشام، وأقام الباقون بالجزیرة.» (الخطیب التبریزی، 1997م: 314)

وقال ابن الأنباریّ مثلاً فی شرحه البیت السابع عشر لزهیر:

فَأقسَمتُ بِالبَیتِ الَّذی طافَ حَولَهُ

 

رِجالٌ بَنَوهُ مِن قُرَیشٍ وَجُرهُمِ

مشیراً إلی حادثة بناء الکعبة ناقلاً عن أبی عبیدة وقال: «کانت الکعبة رُفعت حین غَرِقَ قومُ نوح علیه السلام، فأراد الله تبارک وتعالی تکرمةَ قریشٍ، فأمرَ الله عزوجلّ أبویهم إبراهیمَ وابنَه إسماعیلَ علیهما الصلاة والسلام أن یُعیدا بناءَ الکعبة شرّفها الله تعالی علی أسِّها الأول فأرادا بناءَها لما أراد الله عز وجلّ من تکرمة قریش، فأنزل الله تعالی فی القرآن: ﴿وَإذْ یَرْفَعُ إبْرَاهِیمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَیْتِ وَإسْمَاعِیلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ (البقرة 2: 127) ... الآیة. ألا تری أنهما أولُ من رفَع البیت بعد ما کان رُفع، فلم یکن وهو مرفوع له ولاة منذ زمن نوح علیه الصلاة والسلام ... .» (ابن الأنباریّ، لاتا: 253)

2. 1. 1. 2. الاجتماعیات:

یهتمّ الشارحُ فی هذا الإطار -للمقام الداخلی لشرح النصّ- بالثقافة الاجتماعیة التی أظهرها الشاعر فی شعره فهو متمثل إما فی شجرة الأنساب وما ینشأ من علاقات وإما فی الآداب التی أشار إلیها الشاعرُ فی شعره.

بالنسبة إلی شجرة الأنساب فکثیراً ما نلاحظ مثلَ هذه التوضیحات فی شرح ابن الأنباریّ، إذ کان حریصاً علی تدقیق روایة أقواله وشواهده، قال فی مقدمة شرحه معلَّقة لبید: «وأخبرنا أبو عمران موسی بن محمد الخیاط قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهیم الخراسانی ـ وهو ابن أبی إسرائیل.»  (ابن الأنباریّ، لاتا: 510)

قال النحاس مشیراً إلی عدم اهتمامه بمثل هذه الأمور کالحوادث التاریخیة وتوضیح الأعلام الواردة فی أبیات المعلَّقات: «ولم أکثر الشواهد ولا الأنساب لیخفّ حفظ ذلک إن شاء الله.» (النحاس، لاتا: 1/3)

أما الزوزنیّ فلم یتعرّض إلی تعریف أعلام الإنسان والقبائل التی أورد أسماءها فی شرحه وقد اکتفی فی تعریف العلم بذکر نسبه کما قال فی البیت الـ27 للحارث: «إرم: جد عاد وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام.» (الزوزنیّ، 1963م: 160)، بل ربّما اکتفی باسمه معرّفاً إیّاه بأنه "رجل" کما فعل فی شرحه للبیت الـ61 لمعلَّقة عمرو والعلم هو "علقمة بن سیف". (المصدرنفسه: 129) أو شرحه للبیت الـ69 لطرفة والعلم هو "قرط بن معبد" إذ قال فی شرح البیت: «یلومنی ما لم وما أدری ما السبب الداعی إلی لومه إیّای کما لامنی هذا الرجل فی القبیلة، یرید أنّ لومه إیّاه ظلم صراح کما کان لوم قرط إیّاه کذلک.» (المصدرنفسه: 63) وکذلک موقفه بالنسبة إلی الملک "عمرو بن هند". (المصدرنفسه: 122) و"حصین بن ضمضم" (المصدرنفسه: 82) وغیرهما من الأعلام المذکورة فی أبیات المعلَّقات.

أما الخطیب فذلک فی ثلاثة مواضع من شرحه، منها أنه قال فی شرح البیت الأول للأعشی عند ذکر اسم "هریرة" أشار إلی "خُلید": «قال أبو عبیدة: هریرة قینة کانت لرجل من آل عمرو بن مرثد أهداها إلی قیس بن حسان بن ثعلبة بن عمرو بن مرثد فولدت له خُلیداً وقد قال فی قصیدته: جهلاً بأمِّ خُلَیْدٍ حَبْلَ منْ تَصِلُ.» (الخطیب التبریزی، 1997م: 329)

وأما بالنسبة إلی الآداب الجاهلیة التی أشار إلیها الشرّاح فی شروحهم فمنها:

فقال الشیبانیّ فی شرح البیت الـ75 لمعلَّقة امرئ القیس قال موضحاً لفظة "دوار" فی البیت، مشیراً إلی ما کان لهم من آدابهم فی طواف الکعبة عراةً: «ودوار اسم صنم فی الجاهلیة کانوا یطوفون حوله وهم عراة وأتی بعضهم إلی بنی عدی فوجدهم یطوفون بدوار عراة فأعجبه ما رأی من محاسن النساء، فقال:

ألا یا لَیْتَ أخْوالی عَدیاً

 

لـهُم فی ما أتَوا دَوارُ

وکذلک کانوا یطوفون فی البیت الحرام عراة أیضاً فی الجاهلیة، فقالت امرأة:

الیومَ یبدو بعضه أو کلّه

 

وما بَدا منه فلا أحلُّهُ

أصَمُّ مثلُ القَعْبِ بادٍ ظِلُّهُ

 

 

 

إلا الحمس وهم قریش فیطوفون فی ثیابهم، النساء فی اللیل والرجال فی النهار وکانت المرأة منهم تتخذ مسابح من سیور فتعقلها بحقویها وتضمهما وتدور الدوران بعینه.» (الشیبانیّ، لاتا: 167)

 أو قال ابنُ الأنباریّ مشیراً إلی أن العرب کانوا: «یوقدون النار فی شدة البرد وینحرون الجزور ویضربون بالقداح وأکثر ما یفعلون ذلک بالعشیّ فی وقت مجیء الضیف. قال النمر:

وَلَقَد شَهِدتُ إذا القِداحُ تَوَحَّدَت

 

وَشَهِدتُ عِندَ اللَیلِ موُقِدَ نارِها

عَن ذاتِ أولِیَةٍ أساودُ رَبَّها

 

وَکَأنَّ لَونَ المِلحِ فَوقَ شِفارِها

(ابن الأنباریّ، لاتا: 230)، وقال أیضاً فی شرح البیت الـ21 لامرئ القیس مشیراً إلی ما کان عند الجاهلیین من أمر الطلاق قائلاً: «وقال خالد بن کلثوم: کان طلاق أهل الجاهلیة أن یَسُلَّ الرجلُ ثوبه من امرأته وتسلّ المرأة ثوبها.» (المصدرنفسه: 46) 

أو قال الزوزنیّ مستشهداً بالآیة القرآنیة لشرح آداب العرب أنه استشهد بالآیتین مبیّناً ما کانت تقوم به المرأةُ من آداب فی وفاة زوجه، فی شرح عبارة "إذا تطاول عامها" فی البیت الـ88 للبید:

وَهُمُ رَبیعٌ لِلمُجاوِرِ فیهِمُ

 

وَالمُرمِلاتِ إذا تَطاوَلَ عامُها

إذ أن: «المرأة کانت إذا توفّی عنها زوجُها أقامت عاماً ونزل بذلک القرآنُ فی أول شیء، قال الله عز وجلّ: ﴿وَالَّذِینَ یُتَوَفَّوْنَ مِنکُمْ وَیَذَرُونَ أزْوَاجًا وَصِیَّةً لِّأزْوَاجِهِم مَتَاعًا إلَى الْحَوْلِ غَیْرَ إخْرَاجٍ﴾ (البقرة2: 240)، ثم نُسخ هذا بقوله: ﴿وَالَّذِینَ یُتَوَفَّوْنَ مِنکُمْ وَیَذَرُونَ أزْوَاجًا یَتَرَبَّصْنَ بِأنفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (البقرة2: 234).» (الزوزنیّ، 1963م: 207)

2. 1. 2. الداخلیّ:

أما المقام الداخلیّ فیحتوی إطارَ الروایة:

2. 1. 2. 1. الروایة:

یُلاحَظ فی هذا الإطار أنّ الشارح یعتمد علی تقدیم أکثر من روایة للبین الذی هو بصدد شرحه، إلیک بعض النماذج منها:

الشیبانیّ بما أنه کان راویة شهیراً فی روایاته وجمع مجموعةً کبیرةً من الشعر الجاهلی فله المنّ علی کلّ من یهتم بالعربیة لحفظه هذه الأشعار من ید الضیاع فنراه فی شرحه المعلَّقات أیضاً اهتمّ بروایة أبیاتها المختلفة، قال فی شرح البیت الـ38 لمعلَّقة امرئ القیس: فی بیانه جواب "لمّا" مشیراً إلی جواز کون الواو مقحمة أو غیر مقحمة وذکر روایة البیت تالیه بناءً علی الإعراب: «وزعم بعضهم أن جواب لمّا قوله: انتحی بنا، والواو مقحمة ویجوز أن تکون الواو غیر مقحمة والجواب محذوفاً تقدیره: فلمّا أجزنا ساحة الحّی أمنّا وعلی هذا الوجه تکون روایة البیت الذی یلیه: إذا قلت هاتی نوّلینی تمایلت، ویروی: مددتُ بغُصْنی دَوْمَةٍ.» (الشیبانیّ، لاتا: 144)

أو یُلاحظ أنه أشار إلی الروایة فی شرح البیت دون أی توضیح آخر، قال فی شرح البیت الحادی عشر للنابغة:

سَرَت عَلَیهِ مِنَ الجَوزاءِ سارِیَةٌ

 

تُزجی الشَّمالُ عَلَیهِ جامِدَ البَرَدِ

«ویُروی جامدُ البرد.» (الشیبانیّ، لاتا: 88)

أو قال فی بیتٍ لعنترة:

عَهدی بِهِ مَدَّ النَهارِ کَأنَّما

 

خُضِبَ البَنانُ وَرَأسُهُ بِالعِظلِمِ

«ویروی: خَضِبُ البنانِ.» (الشیبانیّ، لاتا: 247)

أما ابن الأنباریّ فإنه فی مقدمات القصائد التی هو بصدد شرحها عندما أشار إلی الحوادث التاریخیة والأنساب والأحساب اهتمّ بروایاتها وذَکَرها مستنداً إلی قائلیها، وکذلک فعله فی شرح الأبیات، قال فی شرح البیت السبعین لعنترة: «قال یعقوب بن السکیت: أنشدنی هذا البیت محمد بن سلام الجمحی عن یونس ...» (ابن الأنباریّ، لاتا: 360)

ولم یکن ابن الأنباریّ ملتزماً بأن یأتی بالروایة فی موضع معین من شرحه البیت، بل أتی به فی مواضع مختلفة؛ بدایة شرح البیت أو فی ضمن الشرح وبعد شرحه الألفاظ أو فی خاتمة شرح البیت.

 وکما لاحظنا أنه کان یهتمّ بالمعنی ویوضحه علی أساس الروایات المختلفة، فکذلک یهتمّ بالنحو علی أساس الروایات أیضاً ومثال ذلک أنه قال فی شرح البیت الـ72 لامرئ القیس:

یُضیءُ سَناهُ أو مَصابیحُ راهِبٍ

 

أمالَ السَّلیطَ بِالذُّبالِ المُفَتَّلِ

«ویروی: أو مصابیح راهب بالخفض، فمن رفع المصابیحَ قال: هی منسوقة علی ما فی الکاف من ذکر البرق، ومن خفض المصابیح قال: هی منسوقة علی اللمع، کأنه قال: کلمع الیدین أو مصابیح راهب.» (ابن الأنباریّ، لاتا: 100)

وأشار أیضاً إلی روایة الأبیات غیر أبیات المعلَّقات، قال فی مقدمة قصیدة امرئ القیس مشیراً إلی حادثة تاریخیة وقد اسشتهد بأبیات له، قال فی شرح البیت:

وَقَاهُمْ جَدُّهُم بِبَنی أبیهِم

 

وبِالأشقَیْنَ ما کانَ العِقابُ

«ویروی "وقاهم جدّهم ببنی علیّ" وعلی هو عبد مناة بن کنانة.» (ابن الأنباریّ، لاتا: 6)

ذهب ابن الأنباریّ أبعد من هذا واستشهد بالشعر حیناً وبالآیة حیناً آخر لشرح الروایة التی ذکرها للبیت الذی کان بصدد شرحه، قال فی شرح البیت الـ24 لامرئ القیس:

تَجاوَزتُ أحراساً إلَیها وَمَعشَراً

 

عَلَیَّ حِراصاً لَو یُسِرّونَ مَقتَلی

«ویروی: "یُشِرّون مقتلی" بالشین أی یُظهرون، یُقال: أشررتُ الشئ، إذا أظهرته، قال الشاعر یذکر أصحاب علی رضی الله تبارک وتعالی عنه:

فما بَرِحوُا حتّی رأی اللهُ صَبْرَهُمْ

 

وحتّی أُشِّرَتْ بالأکُفِّ المصاحفُ

یرید: حتی أظْهِرت.» (ابن الأنباریّ، لاتا: 49)

لم یکن الزوزنیّ حریصاً علی الروایة کثیراً فلا نعتبره من العلماء الذین یسندون روایاتهم إلی المؤلفین ولکنّ هذا لایعنی أنه لم یُراعِ الأمانة العلمیة، بل أشار إلی بعض أسماء العلماء الذین أخذ عنهم ـ کما أشرنا فی مصادره ـ وذکر أصحاب الدواوین الذین استشهد بأبیاتهم فی شرحه.

اهتمّ الزوزنیّ بالشکل الکلّی للروایة وحاول أن یحفظ علی الهیکل العام لشرحه ولم یضف إلیه من عنده ما لیس فیه وإذا اضطرّ إلی ذلک نصّ علی ما فعل کالذی نراه فی شرح معلَّقة امرئ القیس یبدأ شرح البیت الـ48:

وَقِربَةِ أقوامٍ جَعَلتُ عِصامَها

 

عَلى کاهِلٍ مِنّی ذَلولٍ مُرَحَّلِ

وقال: «لم یروِ جمهور الأئمة هذه الأبیات الأربعة فی هذه القصیدة وزعموا أنّها لتأبّط شرّاً أعنی: وقربة أقوام إلی قوله وقد أغتدی، ورواها بعضهم فی هذه القصیدة هنا.» (الزوزنی، 1963م: 28)

من مظاهر اهتمام الزوزنیّ بالروایة هو أنّ الروایة عنده وسیلةٌ للغایة (شرح المعنی) ویوضّح معنی البیت علی أساس الروایات المختلفة له کما وضّحنا شرحه المعنی فی البیت الثانی، و الـ41 من معلَّقة عمرو بن کلثوم.

وعلی الرغم من تصرفه فی الروایة لم یتتبّع الروایات عند الشعراء ولم یبیّن ما أجروه من تعدیل لأشعارهم بدافع من النقد الذاتیّ ولم یعرض الروایات علی مقاییس نقدیة لیمیّز الجیّدَ من الردیء.

اهتمّ الخطیبُ التبریزیّ بالروایات المختلفة لألفاظ البیت أو لما تعلق بالنحو والإعراب وإن لم یُشِر فی کثیر من المواضع إلی أسماء العلماء الذین قد أوردوا تلک الروایات. والظاهرة اللامعة فی ذکره الأخبار التاریخیة أنه کان یسقط منها الإسنادُ فی غالب الأحیان ویسردها مباشرة کأنه هو الذی تلقاها من منشئها ملحقاً بها بعض التصرف فی عباراتها وألفاظها.

2. 2. المقال:

یمکننا فی هذا الضرب الوقوفُ عند صنفین بارزیْن هما الشرح من الداخل والشرح من الخارج.

2. 2. 1. الشرح من الداخل:

یضمُّ هذا الإطارُ المستوی الفنیّ، والمستوی الدلالیّ وأساسه معانی القول مقاصده.

2. 2. 1. 1. المستوی الفنیّ:

إنّ نسیج هذا المستوی هو الصرف والصوت والإیقاع والنحو والبلاغه. ونذکر هنا لکل من هذه المقاصد نماذج.

أ. الجانب الصرفیّ المعجمیّ:

أهمُّ الظواهر التی تجلّت فی الجانب الصرفیّ المعجمیّ ویمکننا الإشارةُ إلیها، هی:

  • الإشارةُ إلی جمع الألفاظ ومفردها: یقول ابن الأنباریّ فی شرحه للبیت الـ34 لامرئ القیس:

وَفَرعٍ یَزینُ المَتنَ أسوَدَ فاحِمٍ      

 

أثیثٍ کَقِنوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثکِلِ

«القِنْو والقُنو والقَنَا: العذق وهو الشمراخ والعَذْق بفتح العین: النخلة ویقال فی جمع القنْو قِنْوانٌ وقُنْوانٌ، وحکی الفراء قُنْیان فی جمع قِنْو.» (ابن الأنباریّ، لاتا: 62)

  • الإشارةُ إلی تذکیر لفظةٍ ما أو تأنیثها: قال النحاسُ فی شرح البیت الـ76 لامرئ القیس:

ومَرَّ عَلَی القَنان من نَفَیانِه

 

فَأنزَلَ مِنهُ العُصمَ مِن کُلِّ مَنزِلِ

«العُصْم: الوعول، واحده أعصم، والأنثی أرویة وعصماء.» (النحاس، لاتا: 1/47)

  • الإشارةُ إلی معنی الکلمات وتوضیحه من خلال تصریف الألفاظ المذکورة فی البیت بذکر ماضیه ومضارعه ومصدره: قال الخطیب فی لفظة "عفَا" فی البیت الثانی لامرئ القیس:      

فَتوضِحَ فَالمِقراةِ لَم یَعفُ رَسمُها

 

لِما نَسَجَتها مِن جَنوبٍ وَشَمألِ

«عفَا الشیء یَعْفوُ عَفْواً وعُفُوّاً وعَفَاءً.» (الخطیب التبریزیّ، 1997م: 26)

  • الإشارةُ إلی تکوین المفردات صرفیاً کذکرهم عند کون الکلمة مصغّرة: قال الشیبانیّ فی شرح لفظة "الضُّحی" فی البیت الـ47 لمعلَّقة امرئ القیس، إذ تصغیرها "ضُحَیّ" «والقیاس ضحیَّة، إلا أنه لو قیل ضحیة لأشبه تصغیر ضحوة.» (الشیبانیّ، لاتا: 150)
  • الإشارةُ إلی القلب فی الکلمات: وأشار النحاس إلی ذلک فی شرحه البیت الـ44 للأعشی:

أبلِغ یَزیدَ بَنی شَیبانَ مَألُکَةً

 

أبا ثُبیتٍ أما تَنفَکُّ تَأتَکِلُ

"المألُکة": الرسالة ومَلَکٌ عند بعض أهل اللغة من هذا لأن الأصل ملأک والدلیل علی هذا أنه یقال فی الجمع ملائکة، إلا أن هذا عند أهل النظر لا یجوز إلا علی القلب، لأن مألُکَة الهمزة فیها فاء الفعل، والملأک الهمزة فیه عین الفعل وأجود من هذا أن یکون ملأک من قولهم: ملأکةٌ، لأنه قد حُکی مَلأکة بمعنی مألکة.» (النحاس، لاتا: 2/148)

  • الاهتمام بأصل اللغات للکلمات أهی کلمة رومیة أم فارسیة معربّة: وفی الحقیقة تتسع دائرةُ شرح الکلمة الغریبة عنده لتظهر لنا صلة العربیة باللغات المجاورة کقول ابن الأنباریّ فی شرح اللفظة "بوصیّ" فی البیت الـ28 لطرفة:

وَأتلَعُ نَهّاضٌ إذا صَعَّدَت بِهِ      

 

کَسُکّانِ بوصیٍّ بِدِجلَةَ مُصعِدِ

«البوصیّ: السفینة وهو فارسیّ معرّب.» (ابن الأنباریّ، لاتا: 172)

  • الإشارةُ إلی المرادفات للکلمة التی وردت فی البیت: کقول الزوزنیّ فی البیت الـ59 للبید:

أُغلی السِباءَ بِکُلِّ أدکَنَ عاتِقٍ

 

أو جَونَةٍ قُدِحَت وَفُضَّ خِتامُها

قال: «الخاتم والخاتام والخیتام والختام واحد.» (الزوزنیّ، 1963م: 110) وکأنّ المعنی واضحٌ إلی حد لم یذکره الزوزنیّ.    

  • الإشارةُ إلی الکلمات التی تدخل فی الأضداد: وذلک کقول الخطیب فی شرح لفظة "یسرّون" فی البیت الـ24 لامرئ القیس:

تَجاوَزتُ أحراساً إلَیها وَمَعشَراً

 

عَلَیَّ حِراساً لَو یُسِرّونَ مَقتَلی

«ویروی: یُسرّون بالسین غیر معجمة، ویُشرّون، بالشین معجمة، فمن رواه بالسین غیر معجمة  احتمل أن یکون معناه: یکتمون ویحتمل أن یکون معناه: یُظهرون وهو من الأضداد.» (الخطیب التبریزیّ، 1997م: 85)

  • بیان ما فی اللفظة من المدّ والقصر وکیفیة کتابتها: وهی کثیرة فی شرح ابن الأنباریّ ولعلّ مردّه إلی أنّه کان یُملی شرحه وأشار إلی هذه المسائل لتیسیر الأمر لتلامذته الذین کانوا یکتبون ما کان یملیه علیهم، منها أنه قال فی لفظة "الهوینی" فی البیت الـ86 لعمرو: «وسبیله أن یُکتب بالیاء لأنه یجری مجری متی.» (ابن الأنباریّ، لاتا: 424) وقال فی شرح البیت السادس للحارث: «ویقال: وهو من عُلیا مَعَدّ، بضمّ العین مع القصر، ومن عَلْیاء مَعَدّ بفتح العین مع المدّ.» (المصدرنفسه: 437)
  • توضیح دلالة المشتقات: کدلالة المصدر إذ وضّح ابن الأنباریّ أنها اتسعت للدلالة علی الحال، کقوله فی شرح البیت الخامس لامرئ القیس:

وُقوفاً بِها صَحبِی عَلَیَّ مَطِیّهُم      

 

یَقولونَ لا تَهلِک أسىً وَتَجَمَّلِ

«قال البصریون: نصب أسیً لأنه مصدر وُضع فی موضع الحال والتقدیر عندهم: لا تهلک آسیاً أی حزیناً.» (المصدرنفسه: 25)

ب. الجانب الصوتیّ الإیقاعیّ:

للجانب الصوتیّ أهمیةٌ کبیرةٌ فی الشعر، فالشاعر یصبّ معانیه وینسج ألفاظه فی قالب موسیقی یشدّ الآذان ویعطف القلوبَ. وبالرغم من أنّ شرّاح المعلَّقات قلما یقفون عند الظواهر الصوتیة فإننا لانعدم إشاراتٍ طفیفةً تخصّ هذا الجانبَ مثلما یتضح ذلک من خلال الشواهد التالیة:

قالل ابن الأنباریّ فی شرح البیت الـ91 لطرفة:      

وَقالَ ذَروهُ إنَّما نَفعُها لَهُ

 

وَإلّا تَرُدّوا قاصِیَ البَرکِ یَزدَدِ

قال: «وزن یزدد یفتعل أصله یزتَیِد، فأبدلوا من التاء دالاً لأنها أشبه بالزای وأسکنوا الدال الثانیة للجزم وجعلوا الیاء ألفاً لتحرکها وانفتاح ما قبلها ثم أسقطوها لسکونها وسکون الدال الثانیة وکسرت الدال الثانیة للقافیة.» (المصدرنفسه: 221)

فهذه المماثلة الصوتیة منشأها جهرُ الزای وهمسُ التاء والدال أخت التاء فی المخرج وأخت الزای فی الجهر، قربوا بعض الصوت من بعض فأبدلوا التاء أشبه الحروف من موضعها بالزای (ابن جنّی، 1988م: 72)، وفسّر محمود فهمی حجازی هذه الظاهرةَ وقال: «فالسمة الحاسمةُ هنا أن الزایَ صوتٌ مجهورٌ؛ أی أنَّ الوترین الصوتیین یهتزّانِ بشدة عند النطق به، أمّا التاء التی کنا نتوقعها فی وزن "افتعل" من المادة "زهر" لیکون الفعل "ازتهر" فهی صوتٌ مهموسٌ أی: لایتوتَّر الوتران الصوتیان عند نطقهما وما حدث یتخلّص فی أنّ توترَ الوترین الصوتیین فی نطق الزای استمرّ بعد المدة الوجیزة جداً التی ینطق فیها صوت الزای ... لقد استمرّ توتر الوترین الصوتیین عند النطق بما کان یظن أنه سیخرج تاء وهنا نطقت الدال، وهذا یعنی (ز + ت) = (ز+د)  أی: (مجهور + مهموس) = (مجهور + مجهور).» (المصدرنفسه: 51)

ومن ذلک أیضاً قول ابن الأنباریّ فی شرح البیت الـ53 لعمرو بن کلثوم إبدال الواو تاءً فی کلمة "التراث" وأصله الوُرَاث لأنه فُعَال من ورثت فأبدلوا من الواو تاءً لقربها منها فی المخرج. (ابن الأنباریّ، لاتا: 406)

وقال فی شرح البیت الـ58 لزهیر:     

وَمَهما تَکُن عِندَ إمرِئٍ مِن خَلیقَةٍ

 

وَإن خالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَمِ

«قوله "مهما" معناه وما تکن عند امرئ فأرادوا أن یصلوا "ما" بما التی یوصل بها حروف الجزاء کقولک "إمّا" و"متی ما" فثقل علیهم أن یقولوا ماما؛ لاستواء اللفظین فأبدلوا من الألف الأولی هاءً ووصلوها بالثانیة فقالوا: مهما.» (المصدرنفسه: 289)

وأشار ابن الأنباریّ إلی ما التقت الحرفان من جنس واحد فحذفت إحداهما کما أشار فی شرح البیت السابع لطرفة:

خَذولٌ تُراعی رَبرَباً بِخَمیلَةٍ

 

تَناوَلُ أطرافَ البَریرِ وَتَرتَدی

«وقوله "تناول أطراف البریر" أصله تتناول، لأنّه فعل للمؤنث مستقبل، قال الله عزّوجل: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِکَةُ وَالرُّوحُ﴾ (القدر: 4) تتنزّل الملائکة والروح، فمعناه تتنزّل الملائکة فاستُثقل الجمعُ بین تاءین فحُذف إحداهما. قال الفراء: یجوز أن یحذف الأولی ویجوز أن یحذف الثانیة، لأنّ حرکتَهما متّفقة، وقال هشام: المحذوفة هی الأولی، وقال البصریون: المحذوفة هی الثانیة لأنّ الأولی عَلَم استقبالٍ، وعَلمُ الاستقبال لا یسقُط.» (المصدرنفسه: 143)

تخفیفُ اللفظ؛ ونقصد منه ترکُ الثقل فی النطق ویُلاحظ أنّ ابنَ الأنباریّ أشار إلی التخفیف فی مواضع مختلفة ورد فی شعر المعلَّقات. وللتخفیف أنواعٌ مختلفةٌ؛ منه تخفیفُ الحرکات فی الکلمات المختلفة ومنه تخفیفُ الحرف أی حذفها.

أما تخفیفُ الحرکة فقد یتحقّق التخفیف فی کلمةٍ ما بتخفیف حرکة الضمّة کما قال ابن الأنباریّ فی شرح البیت السبعین لعمرو بن کلثوم:

کَأنَّ مُتونَهُنَّ مُتونُ غُدْرٍ      

 

تُصَفِّقُها الرِّیاحُ إذا جَرَینا

«وتصفّقها الریاح صلة غُدْر، وأصله غُدُر فسکنّت الدال تخفیفاً وهو کقولهم: کتاب، وکُتُب وکُتْب.» (المصدرنفسه: 416)

وأما الثانی أی تخفیف الحرف فقال فی شرح البیت الـ 74 لعمرو بن کلثوم:

بأنّا العاصِمونَ بکلّ کَحْلٍ

 

وأنّا الباذِلوُنَ لمُجْتَدینا

«فالأصل فی "أنّا" "أنّنا"، فحذفت النون تخفیفاً وقال الفراء: أنّا أجود من أنّنا وکلاهما جائز.» (المصدرنفسه: 418)

أو قال فی شرح البیت الخامس لزهیر:

أثافِیَّ سُفعاً فی مُعَرَّسِ مِرجَلٍ

 

وَنُؤیاً کَجِذمِ الحَوضِ لَم یَتَثَلَّمِ

«یقال: أثافیّ وأثافٍ بالتثقیل والتخفیف، واحدتها أثفیة مشددة وقال هشام: إذا کانت الواحدة مشدّدة ففی الجمع التثقیل والتخفیف، کقولک: أمنیّة وأمانیّ، وأمان ... وأثفیّة وأثافیّ وأثافٍ، وأواریّ وأوارٍ فی جمع آری.» (المصدرنفسه: 241)

فی الأمثلة المذکورة تحقق التخفیفُ بحذف حرف کما وضّح ابنُ الأنباریّ، ویمکن أن یکون التخفیفُ بتسهیل الهمز أیضاً کما کان فی البیت الـ 23 للحارث:

فَبَقینا عَلى الشَّناءَةِ تَنمِیـ      

 

ـنا حُصونٌ وَعِزَّةٌ قَعساءُ

وقال ابن الأنباریّ: «ویروی «تُنبیها حصونٌ»، أی ترفعها؛ أخذ من النّبوة والنباوة وهی المکان المرتفع ... وقال أبوعبیدة: العرب تترک همز ثلاثة أحرف أصلها الهمز وهی النبی من أنبأ عن الله عز وجلّ والخابیة وهی مأخوذة من خبأت، والذریة وهی من ذرأ الله تعالی الخلق وبعض العرب یهمز "النبی" ویخرجه علی أصله.» (المصدرنفسه: 458)

ولایفوتنا أن نذکر أن النحاسَ أشارَ فی شرحه إلی بعض الأسباب الصوتیة التی أثرت فی الضبط الإعرابی للکلمة فی أبیات المعلَّقات واضطرّ الشاعر أن یغیّر حرکة الکلمة، منها:

  • وزنُ البیت واستواؤه؛ وذلک کقوله فی شرح البیت الـ74 لامرئ القیس:

عَلَا قَطَناً بِالشَّیمِ أیمَنُ صَوبِهِ

 

وَأیسَرُهُ عَلى السِّتارِ فَیَذبُلِ

إذ "یذبل": «کان یجب ألاینصرف لأنه معرفة وهو علی وزن الفعل المستقبل إلا أنه صَرَفَه ضرورة، لأنه یجوز للشاعر أن یَصرف ما لا ینصرف.» (النحاس، لاتا: 1/46)

  • اتباعُ حرکة الإعراب ما قبلها فی اللفظة؛ وذلک فی البیت الـ57 لعمرو:

مَتى نَعقِد قَرینَتَنا بِحَبلٍ

 

نَجُذُّ الحَبلَ أو نَقصِ القَرینا

إذ قال: «وقوله "نجذّ الحبل" جواب الشرط، یجوز فیه الکسرُ والفتحُ والضمُ وإظهار التضعیف فی غیر هذا البیت فمن کسَر وهو الاختیار فلالتقاء الساکنین وإنما کان الاختیار لأنه لمّا لَقیَ الساکن ألفٌ ولامٌ أشبَهَ اضربِ الرجلَ ومن فَتَحَ فلأنّ الفتحةَ خفیفةٌ والمضاعفَ ثقیلٌ ومن ضمّ أتبعَ الضمّةَ الضمّةَ ومن أظهرَ التضعیفَ فلأنّ الساکن الثانی من نجذّ فی موضع سکون.» (المصدرنفسه، لاتا: 2/112)، وهذا نوع من التوافق الصوتی بین حرفی کلمة.  

  • الجرُ بالمجاورة؛ وذلک فی شرحه البیت الـ78 لامرئ القیس:

کَأنَّ ثَبیراً فی عَرانینِ وَبْلِهِ

 

کَبیرُ أُناسٍ فی بِجادٍ مُزَمَّلِ

وقال: «وقوله "مزمل" أی مدّثر وکان یجب أن یقول: "مزملُ" لأنه نعتٌ للکبیر، إلا أنه خفضه علی الجوار.» (المصدرنفسه، لاتا: 1/48)

إن الخطیبَ لم یهتمّ بالقضایا الصرفیة والصوتیة التی أشار الشرّاح وخاصة ابن الأنباریّ والنحاس إلیها فی شرحهم کالإبدال، والإدغام، والإعلال وتخفیف الألفاظ.

ج. الجانب النحویّ:

من مظاهر اهتمام شرّاح المعلَّقات بالنحو فی شرحهم المعلَّقات أنه:

  • ذکرُ الأوجه الإعرابیة المحتملة لمفردات البیت: قال الشیبانیّ فی شرح هذا البیت لامرئ القیس:

مُهَفهَفَةٌ بَیضاءُ غَیرُ مُفاضَةٍ

 

تَرائِبُها مَصقولَةٌ کَالسَّجَنجَلِ

«ومهفهفةٌ مرفوعٌ علی أنه خبرُ مبتدأ محذوف والکافُ فی قوله کالسجنجل فی موضع رفعٍ نعتٌ لقوله "مصقولة"، ویجوز أن یکون فی موضع نصب علی أن یکون نعتاً لمصدر غدَوْنَ، کأنه قال مصقولة صقلاً کالسجنجل.» (الشیبانیّ، لاتا: 146)

  • تحدیدُ متعلَّق الظرف والجار والمجرور: کقول الشیبانی فی حرف "علی" فی البیت التالی لمعلَّقة طرفة:      

عَلی غَیرِ ذَنبٍ قُلتُهُ غَیرَ أنَّنی

 

نَشَدتُ فَلَم أعْقِل حَمولَةَ مَعبَدِ

«علی متعلقة بلامَنی، ویحتمل أن تکون متعلقة بأیأسنی [فی البیت السابق].» (الشیبانیّ، لاتا: 70)

  • الاهتمامُ بإعراب الجمل: إذ لا یقلّ أهمیةً عن إعراب المفردات والألفاظ فی الجملة وبإمکانها أن تکشف عن علاقة کلّ جملة بما قبلها وما بعدها ولذلک اهتمّ به ابن الأنباریّ وأشار إلی إعراب الجمل فی شرحه عند تتبعه إعراب المفردات، ونماذجه کثیرة فی شرحه، منها: أنه أعرب جملة أن ومعمولیها بأنها سدّت مسد مفعولی خال، فی شرح البیت الـ41 لطرفة:      

إذا القَومُ قالوا مَن فَتىً خِلتُ أنَّنی

 

عُنیتُ فَلَم أکسَل وَلَم أتَبَلَّدِ

«وأنّ کافیة من اسم خِلْتُ وخبره.» (ابن الأنباریّ، لاتا: 183)

  • بیانُ العوامل الإعرابیة: باعتبارها الرکن الهام من أرکان الإعراب، ذلک أنّ العامل فی النحو هو العمود الفقری الذی تدور حوله کثیرٌ من الأبحاث الرئیسیة والفرعیّة، ومعنی العامل یتجلّی عند النحویین لتحقق المعنی الذی اقتضاه الإعراب أو هو ما أوجب کون آخر الکلمة علی وجه مخصوص. (الجرجانی، 1938م: 126) وابن الأنباریّ لا یکاد یتخلی عن بیان العامل الإعرابی وهو حیناً عنده بیان مختصر یکتفی فیه بمجرد ذکر العامل علی نحو قوله فی الشطر الثانی للبیت الـ21 للحارث «عندَ عمروٍ وهلْ لذاک بقاءُ»: «والبقاء رفع باللام فی قوله: (لذاک).» (ابن الأنباریّ، لاتا: 454)
  • الإشارةُ إلی آراء الکوفیین والبصریین فی قضایا نحویة: قال النحاس فی شرح البیت الـ33 للبید:

فَمَضى وَقَدَّمَها وَکانَت عادَةً

 

مِنهُ إذا هِیَ عَرَّدَت أقدامُها

«وفیه من النحو أنه قال: وکانت مؤنث والأقدام مذکر، فزعم الکوفیون: أنه لمّا أولی کان خبرها وفرّق بینها وبین اسمها، توهم التأنیث فأنّث وحکی الکسائی عن العرب: کانت عادةً حسنة من الله المَطَرُ. وقال بعض البصریین أنه إنما أنّث الأقدام لأنه مضاف إلی مؤنث وهو مشتمل علیه وشبّهه بما أنشد سیبویه:

رأت مرَّ السِّنین أخَذْنَ منّی

 

کمَا أخَذَ السِّرارُ منَ الهِلالِ

فأنّث المرّ لأنه مشتمل علی السنین.» (النحاس، لاتا: 1/147)

  • الإشارةُ إلی معانی الحروف والظروف فی البیت: إذ نلاحظ أنّ بعضَها تأخذ معنی بعض فی البیت لیناسب المعنی. قال النحاسُ فی معنی حرف "الباء" فی البیت الـ39 لامرئ القیس:

تُضیءُ الظَّلامَ بِالعِشاءِ کَأنَّها

 

مَنارَةُ مُمسی راهِبٍ مُتَبَتِّلِ

إذ قال: «"بالعشاء" معناه "فی العشاء"، کما یقال: فلان بمکة وفی مکة وإنما صارت الباء فی موضع "فی" لقربها من معناها.» (النحاس، لاتا: 1/27)

  • الإشارةُ إلی بعض قضایا نحویة وقواعدها: کقول الزوزنیّ فی شرح البیت الـ34 لامرئ القیس، إذ قال: «یکون لا مع الفعل الماضی بمنزلة لم مع الفعل المستقبل فی المعنی.» (الزوزنی، 1963م: 83)

من الشرّاح الذین اهتمّوا بالنحو والإعراب هم ابن الأنباریّ إذ کان إماماً فی النحو وکذلک النحاس إذ ضاع صیتُ شرحه بالنحو والإعراب.

یبدو لنا بعد التأمل فی کتاب ابن الأنباریّ أنه کان یتعصّب للمذهب الکوفیّ فی النحو ویظهر ذلک لنا من خلال أمرین: الأول خلال تنبیهه آراء الکوفیین وکثرة استشهاده بأقوال أئمة هذا المذهب کأبی جعفر أحمد بن عبید، والفراء، وأبی عبیدة والثانی خلال اعتماده المصطلحات الکوفیة فی بیان إعراب الأبیات.

أما القضایا النحویة التی أُولِعَ بها النحاسُ فی شرحه فقلّما اعتمد فیها علی ابن الأنباریّ ولعلّ ذلک یعود إلی اختلاف المنهجین، لأنّ ابنَ الأنباریّ کان ذا نزعةٍ کوفیة فی النحو، بینما النحاسُ کان یمیل إلی المذهب البصریّ. وأما عنایته بالنحو والإعراب فجلیةٌ کل الجلاء، الأمر الذی جعل کتابَه تطبیقاً لقواعد النحو وأحکامه ومسائله فی النصوص الجاهلیة.

ظهر اهتمامُ النحاس بالقیاس فی کتابه فی شرح المعلَّقات فی مظاهر، منها أنه کان یشیر إلی القیاس وما هو الأصل فی اللغة، قال فی شرح لفظة "الهیام" فی البیت الـ41 للبید: «والهِیام قیل هو الرَّمل اللین وقیل هو ما تناثر من الرمل، یقال: انهام وانهار وانهال بمعنی واحد وجمعُه فی القیاس أهیِمَة.» (النحاس، لاتا: 1/152) والدلیلُ علی اختیار أشیع الأقوال أنّ فی مدرسة البصرة اشترط البصریون فی الشواهد أن تکون جاریةً علی ألسنة العرب وأن تکون کثیرةَ الاستعمال.

وأما موقفُه من العلة والتعلیل، فلایفوتنا أن نشیر هنا إلی أنّ النحاة ـ وخاصة نحاة البصرة ـ قد اهتمّوا بالعلة اهتماماً کبیراً فبحثوا وأوجدوا لکلّ ظاهرةٍ یرونها أو یتحدّثون عنها علة، فالنحاس بوصفه نحویاً اهتمّ بالعلة والتعلیل فی بیانه إعراب الأبیات فی شرحه القیّم. ممّا یُلاحظ علی منهج النحاس فی العلّة أنه کان یفاضِل بین العلل إذا تعددت فی المسألة الواحدة ویختار الراجحَ منها، وإلیک مثالاً یوضِّح هذه السمةَ المنهجیةَ، کما قال فی شرح البیت الـ56 للبید:

تَرّاکُ أمکِنَةٍ إذا لَم أرضَها

 

أو یَرْتَبِطْ بَعضُ النُّفوسِ حِمامُها

بعد أن أشار إلی الأقوال المختلفة فی إعراب لفظة "یرتبط" قائلاً: «وجَزَم "یرتبط" عطفاً علی قوله: "إذا لم أرضها" هذا أجود الأقوال، ... وقیل: "یرتبط" فی موضع رفع إلا أنه أسکنه لأنه ردّ الفعل إلی أصله، لأن أصل الأفعال ألاّ تُعرَبَ وإنما أُعرِبت للمضارَعة، وقیل: إن "یرتبط" فی موضع نصب ومعنی أو بمعنی (إلا أن).» (النحاس، لاتا: 1/161)، ذکَرَ القول المفضّل عنده معلّلا: «وإنما اخترنا القول الأول وهو أن یکون فی موضع جزم لأن أبا العباس محمد بن یزید قال: لایجوز للشاعر أن یُسکّن الفعلَ المستقبل، لأنه قد وجب له الإعراب لمضارعته الأسماء وصار الإعرابُ فیه یُفرّق بین المعانی، ألاتری أنک إذا قلت: لاتأکل السمکَ وتشربَ ‌اللبن، کان معناه خلاف معنی قولک: وتشربِ اللبن، فلو جاز أن تُسکّن الفعل المستقبل لجاز أن تُسکن الاسم ولو جاز أن تُسکّن الاسمَ لما تبیّنتِ المعانی.» (المصدرنفسه: 1/161)

والجدیر بالذکر أنَّ النحاسَ استخدم لغةَ العرب مادةً لتعلیلاته النحویة وأشار إلی کثرة استعمال العرب وهذه العلة ـ حسب تقسیم الزجاجی للعلل ـ علّةٌ تعلیمیةٌ وهی التی یُتوصّل بها إلی تعلّم کلام العرب، فإذا سمعنا بعضاً قیس علیه نظیره. (الزجاجی، 1959م: 64) واستخدم أیضاً لغةَ القرآن مادةً لتعلیلاته النحویة، وأصدر مثلَ هذه التعلیلات بقوله: «وبه جاء القرآن»، وهذا ما جاء به فی توجیهه تفضیل إعراب النصب علی الرفع فی قول النابغة. (النحاس، لاتا: 2/158)

من سمات منهج الزوزنیّ عدمُ اهتمامه الکثیر بالقضایا النحویة ولکنّه قد یتعرّضها لبیان مواقع الکلمات والجمل، واهتمامه بالنحو ومسائله کان فی الحدّ الذی یساعده علی کشف المعنی، إذ یُعدّ النحو وسیلة مهمة فی تکوین العلاقة بین الشعر ومعناه والتحلیل النحوی من أهمّ وسائل الکشف عن معنی الشعر کما قال صاحب "الخصائص" موضّحاً علاقة التجاذب بین المعنی والإعراب: «وذلک أنک تجد فی کثیر من المنثور والمنظوم الإعرابَ والمعنی متجاذبین؛ هذا یدعوک إلی أمر وهذا یمنعک منه، فمتی اعتورا کلاماً ما أمسکتَ بعروة المعنی وارتحتَ لتصحیح الإعراب.» (ابن جنّی، ‌1988م: 1/36)

وأما الخطیب فممّا عابَ بعضُ الباحثین علیه فی تعامله مع النحو فی شرح المعلَّقات هو التکرارُ المُمِلُّ الذی لا فائدةَ فیه أحیاناً، وأشار إلی أن الخطیبَ أصرَّ علی إعادة ما ذکره أنه شیء جدید وذکر مثالاً له وهو قول الخطیب فی الکاف، قال: «والکاف فی قول الشاعر: "یعودُ کما یلوُحُ الضّیاءُ" فی موضع نصب، لأنها نعت لمصدر محذوف، وقوله: والکاف فی قوله: "کخافیة الغراب" فی قول الشاعر: "سوداً کخافیة الغراب الأسحم" فی موضع نصب، والمعنی: سوداً مثل خافیة الغراب الأسحم، وقوله: والکاف فی قول الشاعر: "کفعل الشارب" فی قوله: "غرِداً کفعل الشاربِ المُتَرَنّم" فی موضع نصب، لأنها نعت لمصدر محذوف، والمعنی: یفعل مثل فعل الشارب.» (الفتلی، 1366ش: 107)

ولکنّنا نظن أنه لیس عیبٌ للخطیب فی منهجه وأحسن الظن بأن الخطیب أراد أن یکون شرحه لکلّ بیت کاملاً وافیاً لکلّ ما فیه من النحو واللغة وغیرهما.

د. الجانب البلاغیّ:

بما أن شرحَ النحاس قد وُضع للغایة النحویة وللاهتمام بمختلف قضایاه فی المعلَّقات فنکاد لانحصل علی ما تعلّق بالبلاغة بمختلف فروعها ـ المعانی، البیان والبدیع ـ فی شرحه وکأنه جعل النحوَ نصبَ عینیه ولم یدخل فی البلاغة.

ولم یفرد الزوزنیّ قسماً خاصاً بعنوان "البلاغة" فی شرحه لیوضّح فیه المقولاتِ البلاغیةَ فی أقسامه الثلاثة ـ المعانی، والبیان، والبدیع ـ ولکنّه اهتمّ بها فی أثناء شرحه معنی البیت، لأن المعنی الذی اهتمّ به کثیراً لم یتّضح دون بیان طرفی التشبیه ووجه الشبه بینهما أو الاستعارة، وإذا کان لکلمة دلالة أثّرت علی المعنی الکلّی شرح الزوزنیّ المعنی مشیراً إلی تلک الدلالة، مثلاً فی البیت السادس لقصیدة امرئ القیس:

وَإنَّ شِفائی عَبرَةٌ مُهَراقَةٌ

 

فَهَل عِندَ رَسمٍ دارِسٍ مِن مُعَوَّلِ

 خرجتِ الاستفهام عن معناها الحقیقی ودخلت فی حقل المعانی الثانویة ونبّه الزوزنیّ هذه المسألةَ إذ قال: «وهذا استفهام یتضمّن معنی الإنکار، والمعنی عند التحقیق: ولا طائل فی البکاء فی هذا الموضع، لأنّه لا یرد حبیباً ولا یجدی علی صاحبه بخیر، أو لا أحد یعول علیه ویفزع إلیه فی مثل هذا الموضع.» (الزوزنی، 1963م: 9) کما أشار إلی معنی التهکم والاستهزاء فی کلمة "تشتمونا" فی قول عمرو بن کلثوم فی البیت الـ32 من قصیدته. (المصدرنفسه: 124) ولم یُشِر الشرّاحُ إلی وجه الشبه بین طرفی التشبیه فی کلّ التشبیهات إلا فی بعضها، منها:

  • · قال الزوزنیّ فی البیت 15 للبید قال: «فکأنّ الظعن منعطفات وادی بیشة أثلها وحجارتها العظام، شبهها فی العظَم والضخم بهما.» (المصدرنفسه: 96) لم یُشِر الشرّاحُ إلی التقسیمات المختلفة للتشبیه کالمرسل، والمجمل، والتمثیل، والبلیغ و...

أمّا فی شرح الاستعارات التی وُجدت فی أبیات المعلَّقات فأشار الزوزنیّ بین الشرّاح إلی بعض الألفاظ التی تتعلق بها کـ "یستعار، مستعار، استعار، استعارة". کقوله فی شرح بیت 51 لمعلَّقة امرئ القیس. (المصدرنفسه: 29)

ـ غفل الشرّاحُ ذکرَ الکنایات الموجودة فی الأبیات وهی فی ستة مواضع من المعلَّقات إلا الزوزنیّ وأشار إلیها ضمن شرحه المعنی دون أن یهتمّ بأنواعها، وأتی بلفظ "کنّی" أو "کنایة عن" للتعبیر عنها.

ـ أمّا المجاز فسمّاه الزوزنیُّ فقط مرّة واحدة فی شرحه للبیت 24 للحارث:  

قَبلَ ما الیَومِ بَیَّضَت بِعُیونِ الـ

 

ناسِ فیها تَغَیُّظٌ وَإباءُ

قال: «جعل التغیّظ والإباء للعزة مجازاً وهما عند التحقیق لهم.» (الزوزنیّ، 1963م: 159)

فی سائر المواضع وضّح المجازَ دون ذکر اسمه وبیان أنواع العلاقات بین الطرفین، کشرحه للبیت 29 لامرئ القیس:      

فَلَمّا أجَزنا ساحَةَ الحَیِّ وَانتَحى

 

بِنا بَطنُ خَبثٍ ذی حِقافٍ عَقَنقَلِ

إذ أشار إلی إسناد الفعل إلی "بطن خبت" وقال: «أسند الفعل إلی بطن خبت، والفعل عند التحقیق لهما ولکنّه ضرب من الاتساع فی الکلام.» (المصدرنفسه: 19) أو ذکر فی البیت الـ66 لهذا الشاعر:      

فَعادی عِداءً بَینَ ثَورٍ وَنَعجَةٍ

 

دِراکاً وَلَم یَنضَح بِماءٍ فَیُغسَلِ

قال: «نسب فعل الفارس إلی الفرس لأنّه حامله وموصله إلی مرامه.» (م.ن: 36) ولکنّه لم یقل أنه من المجاز وعلاقته السببیة.

ـ لم یهتمّ الشرّاحُ بالتعلیق علی الألفاظ الصعبة التی اتصف بتنافر مخرجها وثقل النطق بها مثل (مستشزرات) فی البیت من معلَّقة امرئ القیس، و(شاو، مشل، شلول) فی البیت للأعشی، وکأنهم ترکوا هذه الظاهرة للبلاغیین الذین أفردوا لها مباحث خاصة فی کتبهم.

ـ لم یرکّز الشرّاحُ فی شروحهم علی دراسة المحسنات اللفظیة باعتبارها أساساً فی تشکیل المعنی، فضلاً علی دورها الموسیقی فی إنشاد الشعر ولکنه وردت نماذجُ قلیلةٌ تتصل بهذه المحسنات منها:

  •  المزاوجة: التی أشار إلیها الزوزنیُّ فی شرح البیت 53 لعمرو:      

ألا لا یَجهَلَن أحَدٌ عَلَینا

 

فَنَجهَلَ فَوقَ جَهلِ الجاهِلینا

إذ قال: «أی لا یسفهنّ أحدٌ علینا فنسفه علیهم فوق سفههم، أی نجازیهم جزاءً یربی علیه، فسمّی جزاء الجهل جهلاً لازدواج الکلام وحسن تجانس اللفظ، کما قال الله تعالی: ﴿اللَّهُ یَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: 15]، وقال الله تعالی: ﴿وَجَزَاءُ سَیِّئَةٍ سَیِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشوری: 40]، وقال جلّ ذکره: ﴿وَمَکَرُواْ وَمَکَرَ اللَّهُ﴾، [آل عمران: 54]، وقال جلّ وعلا: ﴿یُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142] سمّی جزاء الاستهزاء والسیئة والمکر والخداع استهزاء وسیئة ومکراً  وخداعاً لما ذکرنا.» (المصدرنفسه: 127) وقال ابن الأنباریّ مستشهداً بالحدیث فی إیضاحه المزاوجة التی تُسمّی فی الکتب البلاغیة "مشاکلة"، فی شرح البیت الـ91 لعمرو، وقال: «وجاء فی الحدیث: "فإن الله لا یملّ حتی تَمَلّوا." [الألبانی5: 111]، فمعناه فإن الله تعالی لایقطع عنکم فضله حتی تملوا من مسألته وتزهدوا فیها، فالله جلَّ ثناؤه لایملّ فی الحقیقة وإنما نُسب الملل إلیه لازدواج اللفظین.» (ابن الأنباریّ، لاتا: 426)

  • السجع: أشار إلیه الزوزنیُّ فی شرحه البیت الأول لزهیر: قال: «وقوله "لم تکلّم" جزم بلم ثمّ حرّک المیم بالکسر لأنّ الساکن إذا حرّک کان الأحری تحریکه بالکسر ولم یکن بدّ ههنا من تحریکه لیستقیم الوزن ویثبت السجع ثمّ أشبعت الکسرة بالإطلاق لأنَّ القصیدة مطلقةُ القوافی.» (الزوزنیّ، 1963م: 73)
  •  الالتفات: أتی کلُّ الشرّاح بتوضیحه عندما شرحوا الأبیات، کقول الزوزنیّ فی شرح البیت 6 لعنترة إذ قال: «یقول: نزلت الحبیبة بأرض أعدائی فعسر علی طلبها وأضرب عن الخبر فی الظاهر إلی الخطاب وهو شائع فی الکلام، قال الله تعالی: ﴿حَتَّى إِذَا کُنتُمْ فِی الْفُلْکِ وَجَرَیْنَ بِهِم بِرِیحٍ﴾ [یونس: 22]» (المصدرنفسه: 138) وأما الخطیب فإنه مع أنه کان یعیش بسنین بعد شارح کابن الأنباریّ ووُضعت قواعد البلاغة علی ید أصحابها الأجلاء کالسکاکیّ والجرجانیّ لکنه لم یتّکئ علی ما جری فی عصره وزمانه من التطور فی النظریات البلاغیة، إذ یُلاحظ أنه ذکر لفظة الاستعارة أو ما ترتبط بها من الألفاظ کلمة "مستعارة" فقط وذلک لمرة واحدة فی شرح البیت الـ75 لامرئ القیس. (الخطیب التبریزی، 1997م: 76)

2. 2. 1. 2. المستوی الدلالیّ:‌

نقصد بالمستوی الدلالیّ ما عمد هؤلاء الشرّاح علیه فی إطار سعیهم إلی تبدید الغموض عن معانی الشعر إلی التعامل مع المعنی تبسیطاً وکشفاً. وفی الحقیقة إنّ المستوی الفنیّ بفروعه هو عبارةٌ عن روافد شتی مصبّها هو المعنی أی هذا المستوی الدلالیّ. والمعنی هو قلبُ الشرح والوصول إلیه یکون عبر مسالک فنیّة متنوعة صرفاً، ومعجماً، وصوتاً، وإیقاعاً، ونحواً، وبلاغةً.  

بالنسبة إلی المعنی فی شرح الشیبانی ـ نظراً إلی المنهج الإیجازیّ الغالب فی شرحه ـ فیشرحه فی بعض الأبیات بعد أن یفسّر الألفاظ الغریبة والکلمات الصعبة فی البیت، وکثیراً ما یغفل بیان المعنی فی شرحه. ولکننا نجده فی بعض مواضع أنه یعجب بمعنی البیت کقوله فی شرح البیت الـ64 لمعلَّقة امرئ القیس:

وَقَدْ أغْتَدی والطّیرُ فی وُکُناتِها

 

بِمُنْجَرَدٍ قَیْدِ الأوابِدِ هَیْکَلِ

«والمعنی أن هذه الفرس من سرعته یلحق الأوابد فیصیر لها بمنزلة القید، وهذا الکلام جید بالغ لم یسبقه إلیه أحد.» (الشیبانیّ، لاتا: 161) 

اهتمّ ابنُ الأنباریّ بالمعنی من خلال شرحه الألفاظ والعبارات الموجودة فی البیت ولکن یبدو أنه لم یلتزم بشرح معنی البیت بصورة ملتزمة ولا یجعل موضعاً خاصاً له فی شرح کلّ بیت، ولعلَّ مردَّ هذا إلی أن المعنی یتضح بتوضیح الألفاظ والعبارات والإعراب. وبیّن ابنُ الأنباریّ معنی الأبیات علی أساس روایاته، ومثال ذلک شرحه البیت الـ51 لزهیر:

وَمَن لا یَزَل یَستَرْحِلُ الناسَ نَفسَهُ

 

وَلا یُعْفِها یَوماً مِنَ الذَّمِّ یَنْدَمِ

قال: «ویُروی: "ومن لا یزل یستحملُ الناسَ نفسَه"، فمن رواه "یسترحل" أراد یجعل نفسه کالراحلة للناس یرکبونه ویذمونه، ومن رواه "یستحمل" أراد یحمل الناس علی عیبه.» (ابن الأنباریّ، لاتا: 284)

  • الإشارةُ إلی مرجع الضمیر فی إعرابه، وهو من القضایا التی اهتمّ بها المعربون سواء فی ظهوره أو استتاره لأن لها دخلاً فی بیان المعنی، والخطأ فی تقدیر مرجع الضمیر فی النصّ یغیّر المعنی المراد أو یجعله غامضاً مبهماً، وهذا الأمر مما أولاه ابنُ الأنباریّ حقه من العنایة لئلا تلتبس المعانی علی أحد؛ ونماذج ذلک کثیر فی شرحه منها إشارته إلی مرجع الضمیر فی البیت الرابع عشر لامرئ القیس: «تقول وقدْ مالَ الغَبیطُ بنا» قال: «ما فی "تقول" یعود علی عُنیزة فی قول من زعم أنها امرأة.» (المصدرنفسه: 37) وقال فی البیت الثامن للبید مشیراً إلی القولین فی مرجع الضمیر:

وَجَلا السُیولُ عَنِ الطُلولِ کَأنَّها

 

زُبُرٌ تُجِدُّ مُتونَها أقلامُها

«وإنما أراد جلاه کلّه، وفی الهاء قولان: یقال هی عائدة علی الدار، ویقال علی الأطلال.» (المصدرنفسه: 527)

  • تفسیر المعنی علی أساس الروایات المختلفة للبیت، قال النحاس فی شرح البیت الـ72 لمعلَّقة امرئ القیس:

یُضیءُ سَناهُ أوْ مَصابیحُ راهِبٍ

 

أهانَ السَّلیطَ بِالذُّبالِ المُفَتَّلِ

«ومعنی "أهان السلیط" أی لم یُعِزّ وأکثر الإیقادَ به، ولا معنی لروایة من روی: أمال السلیط.» (النحاس، لاتا: 1/45)

ونراه أیضاً یفضّل روایةً علی الآخر لأن المعنی یصح ویستقیم وذلک کقوله فی شرح البیت السادس للبید:

فَعَلا فُروُعُ الأیْهُقانِ وأطْفَلَتْ

 

بِالجَهْلَتَیْنِ ظِباؤُها ونَعامُها

«ویروی: فعَلا فروعَ الأیهقان بالنصب، علی معنی: فعلا السیلُ فروعَ الأیهقان، والرفع أجود لأن المعنی فعاشت الأرضُ وعاش ما فیها، ألا تری أن بعده: "وأطْفَلَتْ بِالجَهْلَتَیْنِ ظِباؤُها ونَعامُها" ویروی: فَغَلا أی ارتفع وزاد ومعناه کمعنی عَلا.» (النحاس، لاتا: 1/133)

  • الإشارة إلی المعانی التی تحتملها کلمةٌ واحدةٌ فی البیت موضحاً معنی البیت علی أساسه: وذلک کقول الخطیب فی شرح لفظة "الإحفاء" فی البیت السادس عشر للحارث:

أن إخْوانَنا الأراقِمَ‌ یَغْلو

 

نَ عَلینا فی قیلِهِمْ إحْفاءُ

«و"إحفاء" یحتمل معنیین: أحدهما أن یکون معناه الاستقصاء، کأنهم استقصَوا علینا ونقضوا العهد، من قولک: أحفیتُ شعریّ، إذا استقصَیتَ أخذَه، والمعنی الآخر أن یکون من: أحفیتُ الدّابّة إذا کلّفتَها ما لا تطیق حتی تحفی، فیکون معناه فی البیت: أنهم ألزمونا ما لانطیق.» (الخطیب التبریزیّ، 1997م: 298)

کان المعنی الغایةَ الأولی لدی الزوزنیّ فی شرحه المعلَّقات ونراه یستخدم شرح المفردات والعبارات والنحو والبلاغة خدمة للمعنی الذی أعطاه أعظم جهوده واهتمامه فی کتابه. وبرز هذا الجانبُ ـ أی المعنی ـ فی شرحه حتّی نراه یستخدم ما حصله من ثقافة ومعرفة فی سبیل إیضاح المعانی.إنّه أشار إلی المعنی بلفظ "یقول" وهذا اللفظ ممّا نشاهده تقریباً فی کلّ الأبیات المشروحة فی کتاب الزوزنیّ، ووضح الأمر فی النماذج التی أشرنا إلیها إلی حدّ الآن فنکتفی هنا بمثالٍ:

وَإنَّ الضِّغنَ بَعدَ الضِّغنِ یَبدو

 

عَلَیکَ وَیُخرِجُ الداءَ الدَفینا

«یقول: وإنّ الضغن بعد الضغن تفشو آثاره ویخرج الداء المدفون من الأفئدة أی یبعث علی الانتقام.» (الزوزنیّ، 1963م: 125)

وضّح المعنی أکثر فأکثر وأتی بلفظ "تحریر المعنی" أو "المراد منه" أو "یرید" أو "المعنی من هذا الکلام" وشرح معنی البیت وقلّبه علی عدّة وجوه لئلّا یبقی فیه أیُّ غموض وإبهام:    

وَمَهما تَکُن عِندَ امرِئٍ مِن خَلیقَةٍ

 

وَإن خالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَمِ

«یقول: ومهما کان للإنسان من خلق فظنّ أنّه یخفی علی الناس عُلِم ولم یخفَ .. وتحریر المعنی: أنّ الأخلاق لا تخفی والتخلق لا یبقی.» (المصدرنفسه: 89)

وإذا طال بیانه فی المعنی لخّصه وأتی بقوله "تلخیص المعنی"، کقوله فی شرح البیت 31 لمعلَّقة لبید:

فَتَنازَعا سَبِطاً یَطیرُ ظِلالُهُ      

 

کَدُخانِ مُشعَلَةٍ یُشَبُّ ضِرامُها

قال: «یقول: فتجاذب العیر والأتان فی عدوهما نحو الماء غباراً ممتداً طویلاً کدخان نار موقدة تشعل النار فی دقاق حطبها؛ وتلخیص المعنی: أنّه جعل الغبارَ الساطع بینهما بعدوهما کثوب یتجاذبانه ثم شبهه فی کَثافته وظلمته بدخان نار موقدة.» (المصدرنفسه: 101) 

ووضّح المعنی نظراً لتکوین الکلمة صرفیاً، کالبیت 51 لعنترة:

وَمِشَکِّ سابِغَةٍ هَتَکتُ فُروجَها

 

بِالسَّیفِ عَن حامی الحَقیقَةِ مُعلِمِ

"المعلم" بکسر اللام بمعنی الذی أعلم نفسه أی شهَرها بعلامة حتّی ینتدب الأبطال لبرازه، والمعلم بفتح اللام بمعنی الذی یُشار إلیه ویدل علیه بأنّه فارس الکتیبة وواحد السریة. وشرح الزوزنیّ المعنی نظراً إلی هذین المعنیین اللذینِ یؤثران فی المعنی: «یقول: وربّ مشک درع أی ربّ موضع انتظام درع واسعة شققت أوساطها بالسیف عن رجل حام لما یجب علیه حفظُه شاهراً نفسَه فی حومة الحرب أو المشار إلیه فیها(المصدرنفسه: 148)

وبیّن معنی العبارة المشکلة أو الجمل الغامضة، کشرحه للبیت 14 لعمرو:

ذِراعَی عَیطَلٍ أدماءَ بِکرٍ

 

هِجانِ اللَّونِ لَم تَقرَأ جَنینا

إذ شرح عبارة (لم تقرأ جنینا) بقوله: «أی لم تضمّ فی رحمها ولداً.» (المصدرنفسه: 121)

من مزایا شرح الخطیب فی توضیح المعنی أنه کان یُلاحظ علاقة الکلام بما قبله أو بما بعده فی شرحه الأبیات، کقوله فی شرح البیت الثلاثین لامرئ القیس، متقیّداً  بتسلسل روایة الأبیات:

هَصَرتُ بِفَودی رَأسِها فَتَمایَلَت

 

عَلَیَّ هَضیمَ الکَشحِ رَیّا المُخَلخَلِ

قال: «وذکر بعضهم أن جواب "لمّا" قوله "انتحی بنا" والواو مقحمة ویجوز أن تکون الواو غیر مقحمة ویکون الجواب محذوفاً ویکون التقدیر: فلمّا أجزنا ساحَةَ الحیّ أمنّا وعلی هذا الوجه تکون روایة البیت الذی بعده: (الخطیب التبریزی، 1997م: 51)

إذا قلتُ: هاتی، نوّلینی تَمایَلَتْ

 

علیّ ... البیت"

2. 2. 2. الشرح من الخارج:

ینهض هذا الإطارُ علی الاستشهاد بنصوص متنوعة کالقرآن الکریم، والحدیث النبویّ الشریف، والأشعار العربیة والأمثال.

أ. القرآن الکریم:

یُعتبر القرآن أفصحَ نصٍّ عربیٍّ استشهدَ به المشتغلون بالعربیة منذ صدر الإسلام وبه تعلقت نشأةُ الدراسات العربیة بفروعها المختلفة ولقد أجمع العلماءُ علی‌ أنّ القرآن هو النصُّ الوحیدُ الموثوق بصحته وعدّوه فی أعلی درجات الفصاحة وخیر ممثل للغة الأدبیة المشترکة. (البکّاء، 1990م: 162)

فی الجدول التالی ذکرٌ لعدد الآیات المستشهد بها فی شرح کل معلَّقة عند کل شارح:

عددُ الآیات المستشهد بها فی شروح المعلَّقات عند کلٍّ مِن شارحیها

المعلَّقة

الشیبانی

ابن الأنباریّ

النحاس

الزوزنیّ

الخطیب

امرؤالقیس

13

61

51

19

12

زهیر

13

18

27

7

12

لبید

4

40

  39     39

7

12

عمرو

___

48

22

7

4

طرفة

15

38

36

4

17

عنترة

13

24

37

4

17

الحارث

__

37

27

1

7

الأعشی

1

__

13

__

4

النابغة

__

__

18

__

2

المجموع (7) )معلَّقات)

59

266

270

49

87

واضحٌ أنّ الخطیبَ لم یستشهد بآیة قرآنیة فی شرحه معلَّقة عبید بن الأبرص أبداً، و أن النحاس کان أکثر الشرّاح مستشهداً بالآیات القرآنیة فی شرحه المعلَّقات. أما عدد الأبیات المستشهد بها فی الأغراض المختلفة، فالجدول التالی یشیر إلیه:

أغراض الاستشهاد بالآیات القرآنیة وعددها ونسبتها المئویة

غرض الاستشهاد بالآیات

الشیبانی

ابن الأنباریّ

النحاس

الزوزنیّ

الخطیب

بیان قضیة نحویة

22

46

76

18

34

شرح الألفاظ الصعبة

31

193

161

17

38

توضیح مسئلة صرفیة

2

11

12

8

5

شرح موضوع بلاغی

3

6

11

6

3

توضیح عادات العرب اللغویة

1

1

3

___

3

تأکید المعنی

___

6

7

___

4

المجموع (4 أغراض)

59

266

270

49

87

تظهر من الجدول للمتأمل أنَّ الشرّاحَ قد خصّصوا أکثرَ الشواهد القرآنیة لشرح الألفاظ والنحو، وهذا یدلّنا علی السمة البارزة لشروحهم إذ هی الاهتمامُ باللغة والنحو، ولعلّ الطابعَ التعلیمیَّ الغالبَ علی هذه الشروح جعلَ أصحابَها یهتمّون بهما أکثر من غیرهما.

ب. الحدیث النبویّ الشریف:

مع أنّ الحدیث من أهمّ الشواهد اللغویة بل أهمّها بعد القرآن ولیس الشعر وغیره من کلام العرب بأوثق منه ولا أصحّ منه بعد القرآن فی الاستشهاد علی اللفظ الغریب، نلاحظ أنّ شرّاح المعلَّقات لم یکونوا مکثرین من الحدیث النبویّ الشریف فی شروحهم المعلَّقات و إن لم تخلُ هذه الشروحُ منه واستشهادهم بالحدیث فمعظمها فی مسائل لغویة ـ إن لم نقُل جمیعها ـ ، ولعلّ الأمرَ یعود إلی نفس الدلیل الذی یجعل النحاةَ المتقدمین أن یرفضوا الاستشهادَ به، وهو أن الحدیث النبویَّ الشریف مع أنه کان فی غایة البلاغة والفصاحة وکان قد جری علی لسان أفصح من نطق بالضاد ولکن بعد أن تمکّن الإسلامُ أن یتجاوز الجزیرةَ العربیةَ ویدخل شتّی بقاع الأرض ودخل فیه کثیرٌ من الأعاجم واختلطت اللغةُ العربیةُ بغیرها من اللغات أخذَ الناسُ الذین قد یتطرق اللحنُ إلی ألسنتهم ینقلون الحدیثَ بمفاهیمه ومعانیه لا بألفاظه الشریفة. (عبد المقصود، 2006م: 17) وإلیک بعض النماذج منها:

  • قال الشیبانیّ فی شرح لفظة "الجثوة" فی البیت السبعین لمعلَّقة طرفة:

تَرى جُثوَتَینِ مِن تُرابٍ عَلَیهِما

 

صَفائِحٍ صُمٍّ مِن صَفیحٍ مُنَضَّدِ

«والجُثوة التراب المجموع، یقال للرجل: إنما هو جُثوة الیوم أو غد، ویقال لکلّ مجتمع جُثوة، والجمع جُِثًی، وفی الحدیث: "من دعا دعاءَ الجاهلیة فإنه من جُثی جهنم" [الهیثمی، 1999م: 2/868] أی من جماعات جهنم.» (الشیبانی، لاتا: 67)

  • قال النحاس فی شرح لفظة "نصته" فی البیت الـ33 لامرئ القیس:

وَجیدٍ کَجیدِ الرِّئمِ لَیسَ بِفاحِشٍ

 

إذا هِیَ نصتهُ وَلا بِمُعَطَّلِ

       «وفی الحدیث عن النبیّ (ص): "أنه کان إذا وجد فُرْجَةً نصّ" [ابن الأثیر، 1970م: 3/251]، أی أسرع.» (النحاس، لاتا: 1/24)

  • قال النحاسُ فی موضع واحد من شرحه مستشهداً بالحدیث لشرحه التشبیه فی البیت وذلک فی البیت الـ81 لطرفة:

أنا الرَّجُلُ الضَّربُ الَّذی تَعرِفونَهُ

 

خِشاشٌ کَرَأسِ الحَیَّةِ المُتَوَقِّدِ

«وقوله "کرأس الحیة": العرب تقول لکلّ متحرک نشیط رأسه کرأس الحیة فأما الحدیث الذی یروی فی صفة الدجال "کأنّ رأسه أصَلَةٌ" [الطبرانی، 1983م: 11/271]، فإن الأصلة الأفعی.» (النحاس، لاتا: 1/89)

ج. الشعر العربیّ:

أما الشواهد الشعریّة فی شروح المعلَّقات فکانت للأغراض التالیة: شرح مفردة، وبیان قضیة نحویة، وتوضیح مسألة بلاغیة، وتأکید المعنی، وبیان حادثة تاریخیة، وشرح عادات العرب اللغویة وآدابهم، وشرح النکات العروضیة، وشرح مسألة صرفیة والإشارة إلی أسماء الأعلام وشرحها. إلیک بعض النماذج منها:

  • عندما أرادَ الزوزنیُّ توضیحَ أسماء الجبال التی أشار إلیها لبید فی قصیدته (الغول، الرجام، الریّان) فی البیتین الأول والثانی، قال: الغول والرجام: جبلان معروفان ومنه قول أوس بن حجر:

زَعَمتُمُ أنَّ غَولاً وَالرِّجامَ لَکُم

 

وَمِنعَجاً فَاذکُروا وَالأمرُ مُشتَرَکُ

... الریّان: جبل معروف، ومنه قول جریر: (الزوزنیّ، 1963م: 91)

یا حَبَّذا جَبَلُ الرَّیانِ مِن جَبَلٍ

 

وَحَبَّذا ساکِنُ الرَّیانِ مَن کانا

  • قال النحاسُ مثلاً فی شرح البیت الثامن عشر لعنترة فی لفظة "الروضة" ناقلاً عن أبی عبیدة: قال أبو عبیدة: إذا کانت الروضة فی مکانٍ عالٍ قیل لها تُرعة، وقال أبو زیاد الکلابی: أحسن ما تکون الروضة إذا کانت فی مکان مرتفع غلیظ وأنشد: (النحاس، لاتا: 2/15)

ما روضَةٌ من رِیاضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ

 

خَضْراءُ جادَ علیها مُسْبِلٌ هَطِلُ

د. الأمثال العربیة:

أما الأمثال العربیة فلم یکن لها بوصفها جزءاً من کلام العرب نصیبٌ وافٍ فی شروح المعلَّقات، إذ نجدهم قلّما یستشهدون بالأمثال فی شرح المعلَّقات. ولا یزید عدد الأمثال المستشهد بها فی شروحهم علی عدد أصابع الید وکلها فی شرح الألفاظ.

  • قال الشیبانی مثلاً فی شرح البیت الـ34 لطرفة:

وَصادِقَتا سَمعِ التَّوَجُّسِ لِلسُّرى

 

لِهَجسٍ خَفِیٍّ أو لِصَوتٍ مُنَدَّدِ

«وقیل للنهر سری، سمی بهذا لأن النهر یسری فیه الماء، قال المبرد خص النهر بهذا الاسم من قولهم: "خیر المال عین ساهرة لعین نائمة" [المیدانی، 2003م، المثل: 1302] أی لا تنام وإن نِمتَ عنها.» (الشیبانی، لاتا: 54)

  • قال الخطیب التبریزیّ مستشهداً بالمثل فی شرح البیت الخمسین لامرئ القیس:

ووادٍ کَجَوْفِ العَیْرِ قفرٍ قَطَعْتُه

 

بِهِ الذِّئبُ یَعْوی کَالخَلیعِ المُعَیَّلِ

واستشهادُه هذا کان فی شرح عبارة "جوف العیر"، مشیراً إلی القولین اللذینِ وردا فی شرحه، قال: «فیه قولان: أحدهما: أن جوف العیر لا ینتفع منه بشیء، یعنی العیر الوحشیّ، والقول الآخر: أن العیر هنا رجل من العمالقة، کان له بنون ووادٍ خصیبٌ، وکان حسن الطریقة فسافر بنوه فی بعض أسفارهم فأصابتهم صاعقةٌ فأحرقتهم، فکفر بالله وقال: لا أعبد رباً أحرق بنیَّ وأخذ فی عبادة الأصنام، فسلط الله علی وادیه ناراً ـ والوادی بلغة أهل الیمن یقال له: الجَوف ـ، فأحرقته فما بَقِی منه شیءٌ وهو یُضرَبُ به المثلُ فی کلّ ما لا بقیةَ فیه.» (الخطیب التبریزیّ، 1997م: 63) والمثل فی مجمع الأمثال هو: أخلی من جوف الحمار، أو أخلی من جوف العَیر. (المیدانی، 2003م، المثل: 1364)

 

النتیجة

ظهر من خلال البحث عدّةُ نتائجَ هامةٍ:

ـ اتَّجهَ شرّاحُ المعلَّقات إلی الضربین من الشرح: ضرب یتعلق بالمقال وآخر بالمقام ویلتبسان علی نحو مُثیر فی هذه الشروح حتی أصبح الفصلُ بینهما من قبیل التعسف.

ـ رصدُ الشرّاح ممیزاتِ الکلمة فی بنیتها الصرفیة هو سبیلُهم إلی رصد معناها.

ـ استخدمَ الشرّاح الشاهدَ فی بعض الأحیان قاصدین إلى کشف الجوانب الفنیّة والأبعاد الدلالیّة لأبیات المعلَّقات.

ـ الشواهدُ الحدیثیة وإن لم تخلُ شروحُ المعلَّقات منها جاءت فی موضوعات أقرب إلی التعبیر اللغویّ منها إلی الترکیب النحویّ أو البلاغیّ، ولعلَّ موقفَ الشرّاح یَقرُب من منهج النحاة.

ـ المنهجُ الغالب علی شرح الشیبانی هو منهجُ الإیجاز والاختصار، إذ اکتفی الشیبانیُّ بالإشارة إلی معنی بعض الألفاظ أو الروایة الموجزة لألفاظ البیت حتی أنها لا تتجاوز سطراً واحداً أو سطرین، ولم یستطرد کثیراً فی شرحه إلی مسائلَ مختلفةٍ أخری کالبلاغة، والنحو، والقضایا الصرفیة والصوتیة، والاستشهاد بالشواهد المختلفة کما أننا إذا قارنّا شواهدَه بشواهد الشرّاح الآخرین نلاحظ أنَّ استشهاداتِه أقلُّ بکثیرٍ من استشهادات غیره.



[1] . جدیر بالذکر أن هناک قرائن تثبت أنه لا تصح نسبة هذا الشرح إلی الشیبانی ولا یسع البحث هذا الموضوع ولکننا افترضنا صحة نسبة هذا الشرح إلیه ودرسنا النقد فیه.

. [2] ولا یفوتنا الذکر بأننا اتبعنا هذین المصطلحین والخطة المتوخاة فی بیان منهج الشراح النقدی طریقة الدکتور أحمد الودرنی فی کتابه «شرح الشعر عند العرب؛ من الأصول إلی القرن 14ق(دراسة سانکرونیة)» إذ حاول الباحث فی کتابه المذکور البحث عن أجوبه لهذه الأسئلة: کیف شرح العرب أدبهم؟ وما هی أُطُرُهم المرجعیة فی ذلک؟ ثم انعقد کلامه علی مصطلح الشرح داخل الأصول العربیة ضمن التحلیل المعجمی واعتبره وسیلة تمکنته من ضبط سیاق المصطلح ودرسه من داخل اللغة المعنیة؛ إذ أدی کل هذا به إلی الانتقال للبحث فی تطور المصطلح عبر الفضاءات. وقد بیّن الباحث فضاءات ثلاثة لشرح الشعر عند العرب هی: فضاء الرّوایة عند أبی عبیدة، فضاء النقد عند أبوبکر الصولی، المرزوقی والتبریزی وفضاء الإحیاء والتحدیث عند الیازجی والبرقوقی. (الوردنی، 2009م: 16)

[3] . Situation du discourse

[4] . Discourse

[5] . Explanation

القرآن الکریم.

ابن الأنباریّ، محمد بن القاسم. لاتا. شرح القصائد السبع الطوال الجاهلیات. تحقیق وتعلیق عبد السلام محمد هارون. ط2. القاهرة: دار المعارف. 

ابن الأثیر، مجد الدین المبارک بن محمد. 1970م. جامع الأصول فی أحادیث الرسول. تحقیق عبد القادر الأرنؤوط. لامک: مکتبة الحلوانی ـ مطبعة الملاح ـ مکتبة دار البیان.

ابن جنی، أبو الفتح عثمان بن جنی. 1988م. الخصائص. تحقیق محمد علی النجار. بیروت: المکتبة العلمیة.

  ابن منظور، ابوالفضل جمال الدین محمد بن مکرم. 1414ق. لسان العرب. ط3. بیروت: دار صادر.

الخطیب التبریزی، یحیی بن علی. 1997م. شرح المعلَّقات العشر. تحقیق فخر الدین قباوة. دمشق: دار الفکر.

دویکات. جهاد محمد إحمید. 2000م. «أثر المعلَّقات العشر فی النحو العربی». رسالة الماجستیر. جامعة النجاح الوطنیة بنابلس. کلیة اللغة العربیة وآدابها.

الزجاجی، أبو القاسم. 1959م.  الإیضاح فی علل النحو. تحقیق مازن المبارک. القاهرة: المؤسسة السعودیة.

الزوزنیّ، الحسین بن أحمد. 1963م. شرح المعلَّقات السبع. بیروت: دار صادر ـ دار بیروت.

طبانة، بدوی. 1958م. معلَّقات العرب دراسة نقدیة تاریخیة فی عیون الشعر الجاهلی. بیروت: دار الثقافة.

الفتلی، عبد الحسین. لاتا. «النحو عند التبریزی فی شرح القصائد العشر». فصلیة المورد. العدد 61. صص 87ـ 118.

الطبرانی، سلیمان بن أحمد. 1983م.  المعجم الکبیر. تحقیق: حمدی بن عبد المجید السلفی. الموصل: مکتبة العلوم وحکم.

المیدانی. أبوالفضل. 2003م. مجمع الأمثال. تحقیق و شرح للدکتور قصی الحسین. بیروت: دار و مکتبة الهلال.

النحاس، أحمد بن محمد. لاتا. شرح القصائد المشهورات الموسومة بالمعلَّقات. بیروت: دار الکتب العلمیة.

الوردنی، أحمد. 2009م. شرح الشعر عند العرب. من الأصول إلی القرن14هـ (دراسة سانکرونیة). بنغازی: دار الکتاب الجدید المتحدة.

الهیثمی، ابن حجر. 1999م.  الزواجر عن اقتراف الکبائر. بیروت: المکتبة العصریة.