التناص فی قصیدة "قل للدّیار" لجریر مع قصیدة "خفّ القطین" للأخطل

نوع المستند: علمی پژوهشی

المؤلفون

1 جامعة لرستان، خرم آباد، إیران. (أستاذ مشارک)

2 جامعة لرستان، خرم آباد، إیران. (طالب مرحلة الدکتوراه)

المستخلص

تعدّدت الدراسات النقدیة فی الأدب المعاصر ونظریة التناص من أبرزها. وهو مصطلح نقدی حدیث وافد من الغرب إلی العالم العربی، وله أنواع متعدّدة ومنها: التناص الأدبی وهو تداخل نصوص أدبیة سابقة مع النص الأدبی اللاحق. وهذا النوع من التناص یبرز بروزاً واضحاً جلیاً فی النقائض. وهذا البحث یحاول أن یعالج التناص الأدبی فی قصیدة "قل للدّیار" لجریر – وهی من النقائض – مع قصیدة "خفّ القطین" للأخطل. ویهدف إلی إظهار حوار القصیدتین وتعالقهما وتداخلهما عبر التناص المضمونی والشکلی. ونری من خلال دراستنا أن التناص قد برز فی قصیدة جریر فی نوعیه الشکلی والمضمونی بروزاً واضحاً. 

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

Intertextuality in the Odes"Qol Leldiare"by Jarir and "Khaf Alqatin" by Akhtal

المؤلفون [English]

  • Ali Nazari 1
  • Yunes Vali 2
1 Associate Prof., Lorestan University, Lorestan, Iran
2 PhD. Candidate, Lorestan University, Lorestan, Iran
المستخلص [English]

There are several critical scrutinies in contemporary literature. Intertextuality is one of these. It is a  new critical idiom inserted  to Arab world from the  West which has several kinds that literary intertextuality  is one of them  which means the  interference of  past literary texts to the present ones . This kind of intertextuality is visible in Naqaes.  This paper tries to discuss literary intertextuality  in the Jaria's ode "QOL LELDIARE" from NAQAES , by Akhtal's ode "KHAF ALQATIN" and its goal is to show   the  level of dialogue and interference  in form and content of both odes. 

الكلمات الرئيسية [English]

  • literary intertextuality
  • form intertextuality
  • content intertextuality
  • Jarir
  • Akhtal

النقائض فن شعری نشأ فی العصر الجاهلی واستمر إلی العصر الأموی وبلغت ذروتها فی ذلک العصر علی أیدی الشعراء الثلاثة (الفرزدق، وجریر، والأخطل) بسبب الصراع العنیف بین الأحزاب السیاسیة وإیقاد نار العصبیة بین القبائل، وهی: «أن یتّجه شاعر إل‍‍ی آخر بقصیدة هاجیاً أو مفتخراً فیعمد الآخر إل‍‍ی الرّدّ علیه هاجیاً ومفتخراً ملتزماً البحر والقافیة والرّوی الذی اختاره الأول.» (الشّایب، 1371ق: 3)

وإذا کان التناص بمعنی حوار النصوص وتداخلهما، علی حسب ما جاء فی تعریف النقائض، تقع النقائض فی صلب التناص. لأن أصحاب النقائض کانوا یأخذون کثیرا من معانی الشاعر الأول ویغیرون توظیفها باستخدام بعضها لصالحهم ونقض بعضها وردّها إلی الشاعر الأول. وفی هذه المقالة نتطرّق إلی التناص الأدبی فی النقائض؛ واخترنا للدراسة القصیدتین الشهیرتین من النقائض وهما قصیدة "قل للدیار" لجریر وقصیدة "خفّ القطین" للأخطل. ویتناول بحثنا هذا فی الابتداء نشأة التناص ومفهومه، وبعده یتطرّق إلی التناص المضمونی ثمّ التناص الشکلی فی قصیدة جریر. من حیث إنّ الأخطل هو البادئ وقصیدته أقدم من قصیدة جریر فإننا سنتخذ قصیدته أصلاً نقیس علیه نقیضة جریر فی الأشکال والمضامین.

مع أن دراسات عدیدة أجریت فی ظاهرة التناص لکن أکثرها حول التناص القرآنی أو الدینی والقلیل منها تطرّق إلی التناص الأدبی. ومع هذا الکثیر من الدراسات فی التناص الأدبی قد وقع فی شعر التفعیلة دون الشعر العمودی خاصة النقائض. ومن هنا یمکننا القول إن دراستنا هذه تتصف بالجدّة فی مجاله.

وفی أهمیتها نتذکر کلام رحاب الخطیب: تعد المقاربة التناصیة إحدی الأدوات الحیویة والمنافذ الحیة لدراسة النص الشعری. فهی مفتاح لقراءة النص وتحلیله وتفکیکه وإعادة بنائه. (الخطیب، 2005م: 12)

نشأة التناص ومفهومه

وهناک إجماع نقدی علی أنّ جولیا کریستیفا البلغاریة التی تحمل الجنسیة الفرنسیة هی أول من وضع مصطلح (التناص lintertextualite) عام  1966م منطلقة من مفهوم الحواریة عند باختین الروسی، لکن بعض النقاد العرب یترجم المصطلح إلی التناصیة وهم یضعون التناص فی مقابلة کلمة (intertext) الفرنسیة.

کریستیفا نفسها قد تخلّت عن مصطلح التّناصّ فی عام ١٩٨٥م، وآثرت علیه مصطلحاً آخر هو التنقّلیة، إذ تقول: إن هذا المصطلح التّناصّیة الذی فهم غالباً بالمعنى المبتذل لنقد الینابیع فی نصّ ما، نفضل علیه مصطلح التنقّلیة. (عزّام، 2001م: 29)

تعدّدت مفاهیم التناص ودلالاته وقدّمت تعاریف کثیرة للتناص من زوایا مختلفة. والجدیر بالذکر أنّ مفهوم التناص لیس جدیداً فی الدراسات البلاغیة والنقدیة العربیة والغربیة، فقد ورد تحت تسمیات مختلفة کالاقتباس، والتضمین، والسرقات الشعریة، والتلمیح، والإشارة و... . لکن مفهوم التناص احتواها وتجاوزها ووسع آفاقها. وقد تعددت تعریفات مصطلح التناص عند النقاد، والآن نذکر عدة منها:

التناص عند کریستیفا هو ذلک (التقاطع داخل نص لتعبیر مأخوذ من نصوص أخری) وتقول التناصیة هی أن یتشکل کل نص من قطعة موزاییک من الشواهد وکل نص هو امتصاص لنص آخر أو تحویل عنه.» (المناصرة، 2006م: 139)

«التناص هو تعالق (الدخول فی العلاقة) نصوص مع نص حدث بکیفیات مختلفة.» (مفتاح، 1992م: 121)

«الطریقة التی یتماس بها النص مع نصوص أخری سابقة؛ أو وضع النصوص السابقة بطریقة أخری فی النص؛ أو کیف تطعّم النصوص وتتصل بنصوص أخری.» (محمد شبل، 2009م: 75)

إن النص کدلیل لغوی معقد، أو کلغة معزولة شبکة فیها عدة نصوص، فلا نص یوجد خارج النصوص الأخری أو یمکن أن ینفصل عن کوکبها، وهذه النصوص الأخری هی ما سمیته بالنص الغائب غیر أن النصوص الأخری المستعادة فی النص تتبع مسار التبدل والتحول.» (بنیس، 1998م: 85)

«کلّ نص یتعایش بطریقة من الطرق مع نصوص أخری. وبذا یصبح نصاً فی نص، تناص.» (الخطیب، 2005م: 113)

«التّناصّ تشکیل نصّ جدید من نصوص سابقة أو معاصرة، بحیث یغدو النّص المتناصّ خلاصة لعدد من النصوص التی تمحی الحدود بینها، وأعیدت صیاغتها بشکل جدید، بحیث لم یبق من النصوص السابقة سوی مادتها. غاب الأصل فلا یدرکه إلا ذوو الخبرة والمران.» (عزّام، 2001م: 29)

 

أنواع التناص

یحدث التناص فی نوعین أساسیین وإن تعددت تسمیات، نوع یعود إلی الشکل وهو ما سماه محمد مفتاح بالتناص الخارجی. (مفتاح، 1992م: 124) وسمته عزة محمد شبل بالتناص المباشر. (محمد شبل، 2009م: 79) وسماه حسام أحمد فرج بالتناص الشکلی. (أحمد فرج، 2003 م: 199) وهو اجتزاء قطعة من النص أو النصوص السابقة ووضعها فی النص الجدید بعد توطئة لها مناسبة تجعلها تتلاءم مع الموقف الاتصالی الجدید وموضوع النص. وهو الشکل البسیط الذی یتحقق بنقل التعبیر. (محمد شبل، 2009م: 79)

ونوع یعود إلی المضمون وهو ما سمی بالتناص الداخلی. (مفتاح، 1992م: 114) وبالتناص غیر المباشر. (محمد شبل، 2009م: 79) وبالتناص المضمونی. (أحمد فرج، 2003م: 199) وهو الذی یستنبط من النص استنباطاً ویرجع إلی تناص الأفکار أو المقروء الثقافی أو الذاکرة التاریخیة التی تستحضر تناصها بروحها أو بمعناها لا بحرفیتها أو لغتها وتفهم من تلمیحات النص وإیماءاته وشفراته وترمیزاته. (محمد شبل، 2009م: 80)

مصادر التناص

1. المصادر الضروریة: ویکون فیها التأثر طبیعیا وتلقائیا وهو مایسمی بالذاکرة أو الموروث العام کتقید الشاعر غیر الواعی بالضرورة بحدود ثقافة توافرت له فی إعداده وتعلیمه.

2. المصادر الداخلیة: وتشیر إلی التناص الواقع فی نتاج الشاعر نفسه وهو الإتیان بجزء من نص سابق له فی نص جدید.

3. المصادر الطوعیة: وهی اختیاریة وهی ما یطلبه الکاتب من نصوص متزامنة أو سابقة علیه ویستدخدمها الکاتب للدلالة علی ذاتها. (محمد شبل، 2009م: 76)

قال محمد المفتاح فی أهمیة التناص إنه بمثابة الهواء والماء والزمان والمکان للإنسان فلا حیاة له بدونهما ولا عیشة له فی خارجهما. (مفتاح، 1992م: 125) وقالت عزة شبل محمد إن التناص ضرورة لربط العمل الأدبی بالحیاة عبر الاستعانة بالنصوص الأخری الحیة سواء انتمت لعمل أدبی أو أسطوری أو دینی. فالتناص یجعل النص الجدید الذی یستعین به نصّا مألوفا من ناحیة وثریا باستجلاب عوالم أخری إلی عالمه لتصیر عناصره التکوینیة فی صلة ذات دلالات جدیدة. (محمد شبل، 2009م: 77)

التناص فی القصیدتین

قبل التطرق إلی التناص فی القصیدتین الأفضل أن ندرس هیکل القصیدتین:

 یستهلّ الأخطل قصیدته بالنسیب من البیت 1 حتی 17. ثم یتخلّص إلی المدح فیمدح الخلیفة وقومه من البیت 18 حتی 44. وبعد ذلک یبدأ بالفخر، و الفخر عند الأخطل ضئیل 45-57. وینهی القصیدة بهجاء القیسیین وأحلافهم وهجاء بنی کلیب 58- 85.

جریر یبدأ قصیدته بالنسیب 1-16. ثم ّ یتخلص إلی الفخر ویمزج الفخر بالهجاء بحیث لایمکن تحدیدها فی أبیات متوال‍‍یة 17-74. کما رأینا تشترک القصیدتان فی المطلع وهو النسیب وفی غرضی الفخر والهجاء، وتختلفان من جهة واحدة وهی وجود المدح فی قصیدة الأخطل وعدمه فی قصیدة جریر.

کما جاء فی تعریف النقائض الشاعر الثانی یلتزم البحر والقافیة والرّوی الذی اختاره الشاعر الأول. لذا تشترک القصیدتان فی البحر العروضی وهو بحر البسیط:

خف فل ق طی/نُ ف را/حومن ک أو/ ب ک رو

 وأز عَ جت/هم ن ون/فی صر ف ها/غ ی رو

مستفعلن / فعلن / مستفعلن / فعلن        متفعلن / فاعلن / مستفعلن / فعلن

قل لد د یا / ر س قی / أط لا ل کل / م ط رو

 قد هج ت شو/ قن وما / ذا تن ف عل / ذ ک رو

مستفعلن / فعلن / مستفعلن / فعلن         مستفعلن / فاعلن / مستفعلن / فعلن

وتشترک القصیدتان فی القافیة وحرف الروی وهو حرف الراء المضمومة فی کلتیهما.

1. التناص المضمونی بین القصیدتین:

فی النسیب: لقد تضمنت قصیدة جریر معانی متعددة من قصیدة الأخطل فی النسیب وسببه یعود إلی اختلاف الموقف الإبداعی بین الشاعرین، فالشاعر الأول له حریة اختیار الموضوع والوزن والقافیة والمعانی. أما الشاعر الثانی فهو مقید بالموضوع الذی فرض علیه ومقید بحدود الوزن والقافیة المستعملین عند الشاعر الأول. وإنّما الشاعر الأول له ما شاء من الوقت، أمّا الشاعر الثانی علیه أن یردّ علی الأول قبل فوات الوقت.

 وقد قال جریر فی رحلة الأحبّة:

نادی المنادی ببین الحی فابتکروا          منّا بکروا فما ارتابوا وما انتظروا

وهذا المعنی یتناص مع معنی البیت التالی من قصیدة الأخطل فی رحلة الأحبة:

خفّ القطین فراحوا منک أو بکروا           وأزعجتهم نوی فی صرفها غیر  

ونری اختلافا بین الشاعرین فی ذکر الرحیل وهو أنّ جریرا قد تنبّه علی وقت الرحیل، واستخدم الجملة خبریة وقال: «بکروا فما ارتابوا» ولکن الأخطل کان متسائلا عن زمن الرحیل، واستخدم الجملة إنشائیة قائلا: «فراحوا منک أو بکروا».

وقد قال جریر فی حزنه إثر نزوح الحی:

قالوا لعلک محزون فقلت لهم          خلوا الملامة لا شکوی ولا عذر

کما وصف الأخطل حزنه إثر نزوح الحی فی البیت:

فالعین عانیة بالماء تسفحه       من نیة فی تلاقی أهلها ضرر

ویبدو أن جریرا لم یظهر حزنه أمام أصدقائه بعد الرحیل وهم کانوا مترددین فی حزنه. ویدلّ علی هذا استخدام کلمة "لعلّ" فی قوله «قالوا لعلک محزون». لکن الأخطل ما استطاع إخفاء حزنه بعد الرحیل وأظهره بالبکاء، حیث یقول: «فالعین عانیة بالماء تسفحه».

وفی متابعة الظعائن قال جریر:

إنّ الفؤاد مع الظعن التی بکرت            من ذی طلوح وحالت دونها الضهر

وقال الأخطل فی متابعته الظعائن:

شوقا إلیهم ووجدا یوم أتبعهم         طرفی ومنهم بجنبی کوکب زمر

نری أن جریرا بعد رحلة الظعائن وقف فی مکانه ونظر إلیهن من بعید وما تابعهن بعد أن اختفن خلف الکثبان وأما هذا الوقوف وعدم المتابعة فلیس بمنزلة نسیانه إیاهنّ، وکما قال فؤاده مع الظعائن حتی بعد أن ابتعدن عنه بحیث لایستطیع أن یراهنّ. ولکن الأخطل من جرّاء الشوق الذی یعانیه لظعائن الأحبة لم یستطع أن یقف فی مکانه و وقد اقتفی أثرهم بنظره.

وقال جریر فی زمن النزوح وصعوباته:

أبصرن أن ظهور الأرض هائجة        وقلص الرطب إلا أن یری السرر

فی هذا البیت أتی التناص مع بیت الأخطل التالی:

شرقن إذا عصر العیدان بارحها        وأیبست غیر مجری السنة الخضر

یری المتتبع لهذه القصیدة أن جریرا قال إن الأحبة رحلوا فی زمن یبست الأرض وأصیبت بالمحل والجدب، کما قال الأخطل إن الأحبة رحلن واتجهن شرقا فی زمن تجفّفت الریح الباردة الأرض والکلأ ولم یبق نبات واضمحل الخضر إلا فی مجری السکة.

 وفی وصف قافلة الأحبة قال جریر:

إن الخلیط أجدّ البین یوم غدوا        من دارة الجأب إذ أحداجهم زمر

وفی هذا البیت تناص مع قول الأخطل فی وصف قافلة الأحبة:

شوقا إلیهم ووجدا یوم أتبعهم          طرفی ومنهم بجنبی کوکب زمر

وکلا الشاعرین قدوصفا الأحبة بجماعات حین نزوحهم، وقدقال جریر إنهم جماعات یوم ابتکروا وأسرعوا فی الزیال، کما قال الأخطل إنهم جماعات عندما یجتازون موضع کوکب. فی هذا البیت استخدم جریر نفس القافیة التی استخدمها الأخطل.

فی الفخر و الهجاء: نری أن جریرا قد ضمّن فی فخره وهجائه معانی متعددة استخدمها الأخطل فی شعره من قبل.إذ هجا جریر نسوان تغلب بالقول:

نسوان تغلب لا حلم ولا حسب           ولا جمال ولا دین ولا خفر

ویستمر التناص فی هذا البیت مع بیت الأخطل:

قوم أنابت إلیهم کل مخزیة        وکل فاحشة سبت بها مضر

نری السمة الإسلامیة فی شعر جریر فی قوله "لا دین"، حیث عیر جریر نساء تغلب بنصرانیتهنّ. وبین أسلوب الشاعرین فی هجو النساء اختلاف، وهو أن الأخطل نسب إلی نساء کلیب الرذائل ولکن جریر نفی عن نساء تغلب الفضائل.

نسب جریر اللؤم إلی التغلبیین حیث یقول:

یا خزر تغلب إن اللؤم حالفکم          مادام فی ماردین الزیت یعتصر

یتناص هذا البیت مع قول الأخطل فی لئامة کلیب:

واقسم المجد حقاً لا یحالفهم        حتی یحالف بطن الراحة الشعر

وشبه جریر اللؤم بإنسان ثمّ حذف المشبّه به وأتی بفعل من أفعاله وهو فعل "حالف" علی سبیل الاستعارة المکنیة، کما قبله شبّه الأخطل المجد بإنسان، ثمّ حذف المشبه به، وأبقی فعلا من أفعاله یدلّ علیه وهو فعل "حالف"، لکن بینهما اختلاف وهو أن جملة جریر إیجابیة وأما الأخطل فجملته منفیة. ونری أن جریرا فی شطره الثانی تابع أسلوب الأخطل فی شطره الثانی وهو الاتیان بمعنی حسی یفید استمرار المعنی فی الشطر الأول.

وصف جریر التغلبیین بقلة الشأن والمقام، حیث یقول:

والتغلبی إذا تمت مروءته        عبد یسوق رکاب القوم مؤتجر

وفی هذا البیت التناص مع بیت الأخطل:

صفر اللحی من وقود الأدخنات إذا         ردّ الرفاد وکفّ الحالب القرر

ونری أن جریراً نفی عن الأخطل علو المقام ونسب إلیه الدناءة والذلّة بالقول إنه عبد مأجور یستخدم لأداء أمور آخرین، کما قبله وصف الأخطل التغلبیین بقلّة الشأن والمقام بالقول إنهم رقیق قد اصفرّت لحاهم لکثرة ما یستخدمون لیوقدوا النار أیام الصقیع.

افتخر جریر بقبیلة قیس:

قیس وخندف أهل المجد قبلکم    لستم إلیهم ولا أنتم لهم خطر

وأتی التناص عند الشاعر بالتأثر من قول الأخطل:

وما سعی فیهم ساع لیدرکنا         إلا تقاصر عنّا وهو منبهر

وقال الأخطل إنّ بونا شاسعا بین مقام تغلب ومقام قیس بحیث إنهم لایستطیعون أن یصلوا إلی مقام تغلب ولایلحقون بهم حتی تتقطع أنفاسهم، ثمّ جاء جریر وقابل الأخطل فی هجائه بالقول إن القیسیین هم أهل المجد ولهم فضل علی التغلبیین وهم لایعدّون شیئا.

وقال جریر فی الدفاع عن قیس:

یا ابن الخبیثة من عدلت بنا         أم من جعلت إلی قیس إذا زخروا

وفی هذا البیت حدث التناص مع بیت الأخطل:

ضجوا من الحرب إذ عضّت غواربهم           وقیس عیلان من أخلاقها الضجر

ونسب الأخطل فی هذا البیت إلی التغلبیین الجبن عن القتال وقال إنهم لایطیقون القتال عندما یحتدم وویشتدّ علیهم، وإنهم یتضجرون أمام المشقات والصعوبات ثمّ جاء جریر مدافعا عن قیس، وقال من یستطیع أن یقابل القیسیین ویواجههم عندما جاشوا فی الحرب. والاستفهام فی بیت جریر یفید التوبیخ.

وهذا النوع من التضمین فی النقائض یسمّی المقابلة أو المؤازاة وهی أن یضع الشاعر الثانی من المعانی الفخریة أو الهجائیة ما یناظر ویقابل معانی الشاعر الأول. (الشایب، 1371ق: 35) 

ویتحدث جریر عن حقارة منزل تغلب ومقامهم قائلا:

إنی نفیتک عن نجد، فما لکم         نجد وما لک من غور به حجر

إذ حدث التناص مع بیت الأخطل:

کرّوا إلی حرّتیهم یعمرونها         کما تکرّ إلی أوطانها البقر

ویعرّض الأخطل فی هذا البیت بمقام القیسیین مشیرا إلی أن هؤلاء بعد أن انهزموا فی احتلال مواقع تغلب رجعوا إلی أرضهم القاحلة التی تکثر فیها الحجارة السود. وشبّههم فی رجوعهم إلی دیارهم بالبقر، ثمّ امتص جریر المعنی وقال إنه طرد الأخطل وقومه عن المواقع الخصبة إلی المواقع الوعرة والجدباء وهم لایمتلکون شیئاً عن تلک المواقع.

وقال جریر فی قدرتهم وصلابتهم:

إنّا وأمّک ما تُرجی ظلامتنا          عند الحفاظ وما فی عظمنا خور

ویستحضر هذا البیت فی الذهن البیت التالی للأخطل:

لایستقلّ ذوو الأضغان حربهم          ولایبین فی عیدانهم خور

والأخطل هنا استخدم هذا البیت فی مدح بنی أمیة وقال لایوجد فیهم ضعف وفتور، وبعده جاء جریر وأخذ المعنی واستخدمه فی الفخر بأنفسهم، وقال لایعتری صلابتهم وهنٌ.ونری أن جریراً استخدم نفس القافیة التی استخدمها الأخطل.

 

2. التناص الشکلی:

إن من یقرأ قصیدة جریر یظهر له بوضوح استخدامه أبیات الأخطل وجمله وکلماته.ونحن فی هذا القسم من هذه الدراسة نرید أن نوضح هذا القسم الذی اعتبره النقاد التناص الشکلی.  

أ.  التناص الجملی: أتی جریر بعدّة جمل من قصیدة الأخطل فی قصیدته، منها:

قال جریر:

قالوا نری الآل یزهی الدوم أو ظعناً            یا بعد منظرهم ذاک الذی نظروا

حیث یتناص الشطر الثانی مع الشطر الثانی من البیت التالی للأخطل:

إذ ینظرون وهم یجنون حنظلهم       إلی الزوابی بعد ما نظروا

ونری أن جریراً وظف الشطر الثانی الذی اقتبسه من الأخطل توظیفاً جدیداً ومخالفاً لتوظیفه عند الأخطل، ولکن جریرا استخدمه فی نسیبه حیث یصف نزوح أحبته، أمّا الأخطل فاستخدمه فی الهجاء ویقول بعد أن أهلکت الحرب بنی کلیب وذاقوا مرارتها جعلوا ینظرون إلی مقامنا ویطمعون فیه ثم یسخرهم مطمعهم قائلاً: ما أبعد ما أمّلوا وطمعوا فیه.

وقال جریر فی موضع آخر:

لولا فوارس یربوع بذی نجب         ضاق الطریق وأعیا الورد والصدر

إذ اقتبس جریر المصراع الثانی من بیت الأخطل التالی:

ولم یزل بسلیم أمر جاهلها         حتی تعایا بها الإیراد والصدر

ونری فی هذین البیتین أیضا اختلافا فی توظیف الشطر الثانی وذلک لأن الشاعر جریرا استخدم الشطر المقتبس فی الفخر ویقول إن قومه هم الذین یدبّرون الأمور ویعلّمون الناس سبل الإقبال والإدبار.لکن الأخطل هجا به القیسیین بتعبیره أن عمیر بن الحباب هو الذی یقود سلیماً بجهله وأعجزها تدبیر الأمور حتی لاتعلم سبل الإقبال والإدبار.

وهذا النوع من الاقتباس فی النقائض یسمّی بتوجیه المعنی وهو أن الشاعر الثانی یقتبس معانی الشاعر الأول ویفسرها ویوجهها إلی وجهة یراها لصالحه وتؤید موقفه. (الشایب، 1371ق: 35)

قال جریر:

إن الأخیطل خنزیر أطاف به        إحدی الدواهی التی تخشی وتنتظر

وأخذ جریر المصراع الثانی برمته من الأخطل حیث یقول:

وقد أصابت کلاباً من عداوتنا           إحدی الدواهی التی تخشی وتنتظر

وکون الأخطل نصرانیاً یعطی جریراً مجالاً لتعییر الأخطل بدینه وهو یغتنم الفرصة ویعیر الأخطل بنصرانیته فی أبیات کثیرة فی نقائضه مع الأخطل. وبما أن النصرانیین یستبیحون أکل لحم الخنزیر، شبّه جریر الأخطل فی هذا البیت بخنزیر، واستعان فی وصف ذاک الخنزیر بشعر الأخطل بالإتیان بشطر کامل من شعره.

والأخطل فی البیت المذکور مزج هجاءه بالفخر بالقول إن قومه هم الذین أوقعوا کلابا قوم جریر فی مصیبة عظیمة یخافها الناس ویتحسبون لوقوعها. فهجاء الأخطل فی هذا البیت هجاء قومی أی هجا قوم جریر، أمّا هجاء جریر فشخصی أی هجا الأخطل نفسه دون قومه.

وتجدر الإشارة إلی أن هجاء الأخطل فی هذه القصیدة کله هجاء القوم لأنه نظم هذه القصیدة فی عبدالملک بن مروان، فهذه القصیدة قصیدة مدحیة. کما جاء فی الکتب التاریخیة أن الأخطل لقّب بشاعر بنی أمیة. (الفاخوری، 1427ق: 466) وهذا اللقب بسبب مدحه الخلفاء الأمویین والدفاع عنهم أمام أعدائهم وهجوهم. وهو فی هذه القصیدة یهجو القیسیین والکلیبیین – وهم من حلفاء الزبیریین - بسبب الصراع السیاسی الذی کان قائما بین الحزبین الأموی والزبیری، فهجاؤه سیاسی وحزبی ولیس شخصیاً.أمّا هجاء جریر فشخصی وقومی لأن مقامه یختلف عن مقام الأخطل وإنّما هو فی مقام الرّد.

قال جریر:

الآکلون خبیث الزاد وحدهم     والنازلون إذا واراهم الخمر

وقال أیضا:

الظاعنون علی العمیاء إن ظعنوا         والسائلون بظهر الغیب ما الخبر

وهذا جریر أخذ الشطر الأول من البیت الأول والشطر الثانی من البیت الثانی من البیت التالی للأخطل:

الآکلون خبیث الزاد وحدهم          والسائلون بظهر الغیب ما الخبر

وهذا النوع من التضمین فی النقائض یسمّی بالقلب وهو أن «یقول الشاعر الأول هاجیاً فیردّ علیه الثانی قالباً علیه معانیه ذاتها مدّعیاً أنّها من صفات الأول أو رهطه.» (الشایب، 1371ق: 35)

 ب. التناص مع کلمة واحدة: تزاحم فی قصیدة جریر حشد کبیر من المفردات التی استخدمها الأخطل فی قصیدته، وهذا الاستخدام بعض الأحیان صدفة وغیر مقصود ولکن فی کثیر من الأحیان واع ومقصود ولیس اعتباطیا أو صدفة.

وهنا نذکر علی سبیل المثال عدّة کلمات استخدمها جریر فی شعره ونجدها فی شعر الأخطل أیضا، لکن استخدامها صدفة ولیس متعمدا، وهی: الشوق، والمناکب، والأرض، والناس و... .

ینشد جریر:

قل للدیار سقی أطلالک المطر         قد هجت شوقاً وما تنفع الذکر

وینشد الأخطل:

شوقاً إلیهم ووجداً یوم أتبعهم         طرفی ومنهم بجنبی کوکب زمر    

کما ینشد جریر فی موضع آخر:

بزل کأن الکحیل الصرف ضرّجها          حیث المناکب یلقی رجعها القصر

والأخطل کان قد أنشد:

حثّوا المطی فولّتنا المناکب         وفی الخدور إذا باغمتها صور

وهذا جریر یقول:

 أحیاؤهم شر أحیاء وألأمه         والأرض تلفظ موتاهم إذا قبروا

ولکن الأخطل قال:

حتی هبطن من الوادی لغضبته        أرضاً تحلّ بها شیبان أو غبر

 ثم قال جریر فی مقام آخر:

نرضی عن الله أن الناس قد علموا       أن لایفاخرنا من خلقه بشر

بینما الأخطل کان قد قال:

 شمس العداوة حتی یستقاد لهم         وأعظم الناس أحلاماً إذا قدروا   

وأما الکلمات التی تضمنتها قصیدة جریر وأیضا توجد عند الأخطل وتضمینها واع وعن عمد، فهی: المطر، والظفر، ویسروا، وکدر، ونصروا، وعمیاء، وبئس، والسکر، ومضر، السوءات، وکفروا، وأثر، وبشر.

جریر:

إن الهذیل بذی بهدی تدارکه          لیث إذا شدّ من نجداته الظفر

الأخطل:

 إلی امرئ لاتعدینا نوافله         أظفره الله فلیهنئ له الظفر

جریر:

والمقرعین علی الخنزیر میسرهم          بئس الجزور وبئس القوم إذا یسروا

الأخطل:

ولم یزل بک واشیهم ومکرهم         حتی أشاطوا بغیب لحم من یسروا

جریر:

نحن اجتبینا حیاض المجد مترعة          من حومة لم یخالط صفوها کدر

الأخطل:

بنی أمیة نعماکم مجللة       تمت فلا فیها منّة ولا کدر

جریر:

أعطوا الخزیمة والأنصار حکمهم              والله عزز بالأنصار من نصروا

الأخطل:

بنی أمیة ناضلت دونکم         أبناء قوم هم آووا وهم نصروا

جریر:

الظاعنون علی العمیاء إن ظعنوا         والسائلون بظهر الغیب ما الخبر

الأخطل:

مخلّفون ویقضی الناس أمرهم         وهم بغیب فی عمیاء ما شعروا  

جریر:

والمقرعین علی الخنزیر میسرهم         بئس الجزور وبئس القوم إذا یسروا

وأیضا جریر:

من کل مخضرّة الأنیاب قعّرها         لحم الخنانیص یغلی فوقه السکر

الأخطل:

بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم         إذا جری فیهم المزاء والسکر

جریر:

موتوا من الغیظ فی جزیرتکم        لم یقطعوا بطن واد دونه مضر

الأخطل:

قوم أنابت إلیهم کل مخزیة       وکل فاحشة سبت بها مضر

جریر:

هلا سکتم فیخفی بعض سوءاتکم         إذ لا یغیر فی قتلاکم غیر

الأخطل:

علی العیارات هداجون قد بلغت         نجران أو حدثت سوءاتهم هجر

جریر:

فأحمد الله حمداً لا شریک له        إذ لا یعادلنا من خلقه بشر

الأخطل:

ولا الضباب إذا اخضرّت عیونهم         ولا عصیة إلا أنهم بشر

جریر:

جاء الرسول بدین الحق فانتکثوا      وهل یضیر رسول الله أن کفروا

الأخطل:

وقیس عیلان أقبلوا رقصاً        فبایعوک جهاراً بعدما کفروا

جریر:

کانت وقائع قلنا لن تری أبداً        من تغلب بعدها عین ولا أثر

الأخطل:

یعرّفونک رأس ابن الحباب وقد        أضحی وللسیف فی خیشومه أثر

أخذ جریر کما رأینا کثیرا من الکلمات المستعملة فی القافیة من قصیدة الأخطل واستعملها فی نفس الموضع. وفی بعض الکلمات اختلاف فی التوظیف عند الشاعرین، فمثلا استخدم الأخطل کلمة "الظفر" فی قافیة البیت الذی مدح به الخلیفة الأمویة ولکن جریرا استخدمها فی البیت الذی افتخر فیه بفوارسهم، أو کلمة "بشر" استعملها الأخطل فی الهجاء ولکن جریرا استعمل نفس الکلمة فی الفخر. وفی بعض الأخر لایوجد اختلاف فی التوظیف، ککلمة "السکر" إذ وظفها کلا الشاعرین فی الهجاء.

النتیجة

کانت تقنیة التناص الأدبی واضحة فی قصیدة جریر کما لاحظنا حیث نری فی بعض الأحیان أن القارئ حینما یقرأ بیتا أو عبارة من قصیدة جریر یتبادر فی ذهنه علی الفور قصیدة الأخطل، وسبب هذا الوضوح وهذا الخطور السریع یعود إلی:

- تضمین جریر المعانی المتعددة فی أغراضه الشعریة، التی أخذها عن الأخطل.

- استحضار الأشطر العدیدة والعبارات المتعددة فی قصیدته من قصیدة الأخطل. واستحضار بعضها دون النقصان أو الزیادة وبعض الأخر مع النقصان أو الزیادة.

- استخدام حشد کبیر من کلمات قصیدة الأخطل مع التغییر فی توظیف بعضها وعدم التغییر فی بعض الأخر.

والتناص فی قصیدة جریر کان واعیا ومقصودا إلا فی بعض الأحیان.

أبوتمام. 2002م. نقائض جریر والأخطل. شرح وتحقیق: محمد نبیل طریفی. بیروت: دار صادر.

أحمد فرج، حسام. 2003م. نظریة علم النص رؤیة منهجیة فی بناء النص النثری. تقدیم: سلیمان عطار ومحمود فهمی حجازی. القاهرة: مکتبة الآداب.

بینس، محمد. 1998م. حداثة السؤال. الطبعة الثانیة. بیروت: المرکز الثقافی العربی.

الخطیب، رحاب. 2005م. معراج الشاعر مقاربة أسلوبیة لشعر طاهر ریاض. بیروت: المؤسسة العربیة للدراسات والنشر.

الشایب، أحمد. 1371ق. تاریخ النقائض العربیة. الطبعة الثانیة. القاهرة: مکتبة النهضة المصریة.

عزّام، محمد. 2001م. النص الغائب تجلیات التناص فی الشعر العربی. دمشق: اتحاد الکتاب العرب.

الفاخوری، حنّا. 1427ق. تاریخ الأدب العربی. قم: منشورات ذوی القربی.

محمد شبل، عزّة. 2009م. علم لغة النص النظریة والتطبیق. القاهرة: مکتبة الآداب.

مفتاح، محمد. 1992م. تحلیل الخطاب الشعری (استراتیجیة التناص). الطبعة الثالثة. بیروت: المرکز الثقافی العربی.

المناصرة، عزّ الدین. 2006م. علم التناص المقارن نحو منهج عنکبوتی تفاعلی. الأردن: دار مجد لاوی للنشر والطباعة.