السیاق وفاعلیّته فی دراسة وتبیین "الصورة الفنّیة" "دراسة فی رسائل الإمام علی(ع) نموذجاً"

نوع المستند: علمی پژوهشی

المؤلفون

1 أستاذ مشارک بجامعة تربیت مدرس، طهران، إیران.

2 أستاذ مساعد بجامعة تربیت مدرس، طهران، إیران.

3 طالب ماجستیر بجامعة تربیت مدرس، طهران، إیران.

المستخلص

تُعتبر الصورة الفنیة عنصراً هامّاً فی دراسة ونقد الأعمال الأدبیة، فقد أصبحت إلی ما تضمّ فیما بینها من الأخیلة، والظلال، والإیقاعات والعواطف، والواقعیّات، معیاراً أساسیّاً فی تقییم العمل الأدبی الذی إنّما یتقوَّم بما ابتنت علیه الصورة الفنیة من هذه المکونات الأدبیة الأساسیة.
ونظراً للعلاقة الوثیقة الرابطة بین الصورة الفنیة والسیاق، یتحتّم علی دارس الصورة فی الأعمال الأدبیة أن یعتنی فی دراسته النقدیة التحلیلیة بالسیاق، لیقف من خلاله علی صورة فنیة هی أکثر اتّضاحاً وبیاناً.
قد تطرّقت هذه الدراسة المعتمدة علی المنهج الوصفی- التحلیلی إلی الکشف عن مدی تواجد وتوافر تلک العلاقة بین الصورة الفنیة والسیاق فی رسائل الإمام علی(ع) الواردة فی نهج البلاغة.وقد خلصت دراستنا هذه إلی دور السیاق الریادی فی تبیین الجوانب المختلفة للصورة الفنیة فی الرسائل العلویة، والکشف عن مدی نَجاح هذا العنصر الأدبی فی رسائل الإمام علی(ع).

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

Style and its Application in Artistic Imagination (Investigation of Imam Ali's Letters :a Case Study)

المؤلفون [English]

  • Khalil Parvini 1
  • Eesa Motaghi zadeh 2
  • Mohammad Kabiri 3
1 Associate Prof., Tarbiat Modarres University, Tehran, Iran.
2 Assistant Prof., Tarbiat Modarres University, Tehran, Iran.
3 M.A. student, Taribat Modarres University, Tehran, Iran.
المستخلص [English]

   The art of imagination as a literary element, containing critical components such as image, emotion, language, reality and etc., is highly emphasized in studying and criticizing a literary script. Imam Ali has remarkably used this literary element to convey religious, ethical and social concepts. Since this literary element is closely related to style and different types of that, thus we tried to study the art of imagination in Imam Ali's letters based on various kinds of styles. This study, which uses descriptive-analytical method, concluds that "style" plays the pivotal role in the expression of literary imaginations in Imam Ali's letters and  in determining the position and success of their application.

الكلمات الرئيسية [English]

  • Nahjolbalaghe
  • Imam Ali letters
  • art of imagination
  • style and different types of that

تُعتبر الصورة الفنیّة من أهمّ المقاییس النقدیة التی یتوسل بها الناقد للکشف عن موقف الأدیب وتجربته ومدی الأصالة التی یتمتع بها فی إنتاجه الفنّی.ویکفی لبیان أهمیّتها من أن نذکر بأنّها «الأداة المفضلة فی [التعبیر] والأسلوب القرآنی.» (قطب، 2002م: 36) ومن ثَمّ فـ«إنّها تحتلّ فی الدراسات الجدیدة والحداثانیة موقفاً یکاد ینفرد فی أهمیته من بین عناصر الأدب، بل یُمکن القول: إنّ بعض الاتجاهات تضع من خلال الصورة الفنیة، الفارقیةَ بین اللغة الأدبیة وبین سواها.» (البستانی، 1422ق: 149)

إنّ الصورة الفنیّة ترتبطت ارتباطاً وثیقاً بالسیاق. حیث إنّ السیاق- بأنواعه المختلفة- یقوم بتفسیر وتبیین جوانب مختلفة من الصورة الفنیة فی کلّ نصّ أدبیّ. ونظراً لهذه العلاقة الوثیقة بین الصورة والسیاق، سُلِّط الضوء فی هذا البحث علی دراسة الصورة الفنیّة فی رسائل الإمام علی(ع) باعتبارها تتّصف بِمیزات وخصائص ترتبط شدید الارتباط بِمکوِّنات الصورة الفنیة وآلیّاتها المتنوعة، هذا من جهة ومن جهة أخری أنّ للصورة وکیفیة استخدامها فی الرسالة کفنّ أدبی متمیز، علاقة وثیقة بالسیاق وأنواعه فی تبیین وتحلیل الصور الفنیة المستخدمة فی الرسالة.[1]

الدراسات السابقة

إنّه قد قلّت البحوث التی درست الصورة الفنیة فی نهج البلاغة دراسة تعتنی بالسیاق وأنواعه المختلفة. ثمّ إنّ معظم الدراسات التی تناولت موضوع الصورة فی النهج اقتصرت علی الخطب دون الرسائل. وفیما یلی إشارة إلی أهمّ هذه البحوث:أ- دراسة معنونة بـ"الصورة الفنیة فی کلام الإمام علی(ع) (نهج البلاغة نموذجاً)"(1997م) لـ«خالد البرادعی». وهی دراسة تطرّقت إلی مجالات عامّة من مفهوم الصورة الفنیّة، ثم إلی تطبیقها علی شواهد مبعثرة من هنا وهناک دون أیّ نظام منطقی خاص فی دراسة الصورة الفنیة فی نهج البلاغة. 

ب- دراسة معنونة بـ"جلوه‌هایی از هنر تصویر آفرینی در نهج البلاغه"[2](1387ش) لـ"حمید محمد قاسمی". یبدو أنّ هذه الدراسة هی من أقرب الدراسات التی تناولت دراسة الصورة الفنیّة علی أساس ما توصّل إلیه النقد الأدبی الحدیث من مفهوم متکامل للصورة الفنیة. فقد حاول الباحث أن یدرس ما جاء فی النهج من الصور دراسة قائمة علی أسلوب هو أقرب ما یکون من أسلوب الباحثین المعاصرین کـ"سید قطب" وغیره.

ج- دراسة معنونة بـ"تصویر پردازی های زنده در خطبه های نهج البلاغه"[3](1390ش) لـ"مرتضی قائمی ومجید صمدی". فالباحثان قد توصّلا فی دراستهما هذه إلی أنّ الإمام علیاً(ع) قد جعل خطبه أکثر تحرکاً وفهماً باستخدامه الدقیق للتشبیهات الحسیة والاستعارات القویة والألوان المتنوعة والأصوات الدالة علی المعنی والتناقض والصور الفنیة الدقیقة.

د-دراسة معنونة بـ"مؤلفه‌های تصویر هنری در نامه سی ویکم نهج البلاغة"[4](1390ش) لـ"محمد خاقانی وحمید عباس زاده". وقد توصّل الباحثان إلی أنّ أهم مکوّنات هذه الرسالة هی: التعالیم الدینیة، والحقائق، والأخیلة، والعواطف، واللغة، والموسیقی. ثمّ إنّها کانت مسایرة للسیاق وما اقتضاه المقام فی هذا الرسالة.

ی- دراسة معنونة بـ"أسلوب علی بن أبی طالب فی خطبه الحربیة"(2011م) لـ"علی أحمد عمران". فقد اعتقد الباحث فی دراسته أنّ دراسة الصورة الفنیة فی خطب الإمام علی(ع) الحربیة هی أفضل طریقة للوقوف علی أسلوب الإمام فی هذه الخطب، وذلک لأنّ الصورة الفنیة تعتبر المستوی الأکبر فی علم الأسلوب. ومن ثم درس الصور القائمة علی التشابه من تشبیه واستعارة وأیضاً الصور القائمة علی التداعی من مجاز وغیره، ثم مصادر الصورة الفنیة، ووظائفها.

وبالرغم من أنّ هذه البحوث قد درست الصورة الفنیة فی نهج البلاغة إلّا أنّها ینقصها أمران: الأول: إنّ الصورة الفنیة فی أکثر هذه الدراسات والبحوث قد دُرست علی أساس المفهوم التراثی للصورة الفنیة. فلم تتطرق إلی جوانب جدیدة استکشفها النقد الأدبی الحدیث للصورة الفنیة.[5]والآخر: إنّ هذه الدراسات لم تعتنِ فی بحثها عن الصورة الفنیة فی نهج البلاغة، بالعلاقة الوثیقة بین الصورة والسیاق.[6]

منهج الدراسة

 قد اعتمدت دراستنا علی المنهج الوصفی – التحلیلی الذی تطرّقنا من خلاله إلی استخراج المبادئ والأصول النظریة للبحث ثم تطبیقها علی الشواهد التی تمّ استخراجها من الرسائل. أمّا دراستنا هذه فقد حاولنا فیها التطرق إلی دراسة علاقة السیاق بالصورة الفنیة فی مختلف الرسائل الواردة فی نهج البلاغة[7] دراسة تکشف عن مدی فاعلیة السیاق فی تبیین وتحلیل الصورة الفنیة فی رسائل الإمام علی(ع).

إطلالة علی مفهوم "الصورة الفنیة " فی الأدب العربی

لقد اهتمّ النقاد المحدثون بالصورة الفنیة اهتماماً بالغاً وتناولوها من زوایا مختلفة، فوسعوا مجالاتها، ووضعوا عدداً من التعریفات لها، وعرضوا مفهومات تتفق فی إطارها العام و تتباین فی التفصیلات[8]. إلّا أنّ أکثر التعریفات التی ذکروها للصورة، إنّما تَنمُّ عن وظیفتها، ومَجالها فی الأدب. فهی «هذه الوسائل التی یحاول بها الأدیب نقل فکرته وعاطفته معاً إلی قرّائه أو سامعیه.» (الشایب، 1994م: 242) إذ هی «طریقة خاصة من طرق التعبیر، أووجه من أوجه الدلالة، تنحصر أهمیّتها فیما تحدثه فی معنی من المعانی من خصوصیة وتأثیر.» (عصفور، 1992م: 323)

وهی التی تتکفّل بنقل ما یدور فی خلد الأدیب من أفکار ومعان، وما یتحسسه من مشاعر وتجارب موحیة، بکلّ ما تَملک من عواطف، وأخیلة، وظلال، و...إلخ. فإنّها«تعبیر عن نفسیة الشاعر [أو الأدیب] ووعاء لإحساسه وفکره، تُعین علی کشف معنی أعمق من المعنی الظاهری.» (دهمان، 1986م: ج1/299)

والصورة فی کلّ عمل أدبی تتألف من مکوِّنات أساسیة متنوعة تربطها فکرةُ الأدیب التی هی النواة المرکزیة فی کلّ عمل أدبی.هذه المکوِّنات هی: الخیال، والواقع، والعاطفة، واللغة.[9]کلٌّ منها یعرض جانباً من تلک الفکرة.وعندما تتجمّع هذه العناصر فی قالب وتتماسک وتتآزر فیه، تُشکلّ صورةً فنیةً تقوم بوظیفةِ نقلِ الفکرة الأساسیة وعرضِها عرضاً کاملاً ووافیاً علی المتلقی والمخاطب. (الراغب، 2001م: 42-53، بتصرّف)

أمّا الخیال: فهو «قوّة تَجمع بین الأشیاء المتباعدة فی نسق فنّی. فیقرّب فیما بینها ویصهرها فی "الصورة" التی یَحلّ فیها الانسجام بین الأشیاء المتنافرة والتوافقُ بینها.» (الراغب، 2001م: 48) وتتجلّی فاعلیة الخیال، نظراً لهذا، فی أنّه «یُعید تشکیل المدرکات الحسیّة،ویَبنی منها عالَماً متمیّزاً فی جِدّته وترکیبه بِجمعه بین الأشیاء المتنافرة والعناصر المتباعدة فی علاقات فریدة، فیَخلق الانسجام والوحدة فی النص الأدبی.» (العصفور، 1992م: 13)

وأمّا الواقع: فهو أن یبنی الأدیب عمله الفنیّ علی أساس من الواقع والحقائق. إذ «إنّ الأدب الصحیح لا یتجاوز منطقة الحقائق ولو شطّ به الخیال.» (قطب، 2003م: 14) وعلی کلّ أدیب أن یَجمع بین الحقیقة والفنّ، فیهتم أولاً بالصدق الواقعی ثمّ بالصدق الفنی فی عمله الأدبی.

وأمّا العاطفة: فـ«هی التی تمدّ الصورة بنسغ الحیاة والتأثیر، وبدونها تُصبح الصورة باردة جافة.» (الراغب، 2001م: 50) فـ«لا ترتقی الصورة إلی عالم الفنّ ولاتحظی بقیمة أدبیة فی ذلک العالم، إلّا عندما تَضمّ فیما بینها عاطفة إنسانیة سائدة.» (فتوحی، 1389ش: 68)

وأمّا اللغة: فهی وسیلةُ نقل الأفکار والعواطف. وقد تمیّزت اللغة العربیة فی «أنّها من أکثر اللغات انسجاماً مع التعبیر الفنی، وإثارة الأحاسیس الفنیة والإنسانیة، وتلاؤماً مع المعاییر الجمالیة.» (الراغب، 2001م: 51) ویتجلّی ذلک فی « ترکیب حروفها، ومفرداتها،وعباراتها.»[10] (العقاد، 1995م: 33)

وتتّضح الصورة الفنیة التی تُعنی بعرض الفکرة الأساسیة فی العمل الأدبی، اتّضاحاً أکثر، حین تُربَطُ بالسیاق الذی ترد فیه. فالسیاق-بأنواعه المختلفة- یُعین المخاطبَ علی تلقّی ما تسعی إلیه الصورة الفنیة من عرض الأفکار والعواطف، والظلال، والمعانی، وما تتجلّی من خلاله فکرة الأدیب الأساسیة.

السیاق؛ تعریفه وأنواعه

یُقصد بالسیاق([11](context من حیث المدلول العام، «ذلک الإطار العام الذی تنتظم فیه عناصر النص، ووحدته اللغویة، ومقیاس تتصل بوساطته الجملُ فیما بینها وتترابط، بحیث یؤدّی مجموع ذلک إلی إیصال معنی معیّن، أو فکرة محددة لقارئ النص.» ( عبدالراضی، 2011م: 197)

وقد اقترح K.Ammer تقسیماً للسیاق شمل کلَّ ما یتصل بالنصّ الأدبی من علاقات لغویة وظروف اجتماعیة وخصائص وسمات ثقافیة ونفسیة. وعلی هذا یمکن أن یقسم السیاق إلی أربعة أقسام:1- السیاق اللغوی 2- السیاق الثقافی 3- السیاق العاطفی 4- سیاق الحال أو الموقف (السیاق الاجتماعی)[12]. (مختار عمر، 1998م: 69)

 أمّا السیاق اللغوی: [13]فـ«هو حصیلة استعمال الکلمة داخل نظام الجملة، متجاورة وکلماتٍ أخری، ممّا یکسبها معنی خاصّاً محدّداً.» (قدور، 2008م :355) فـ«معنی الکلمة فی المعجم متعدد ومحتمل، ولکن معنی اللفظ فی السیاق اللغوی واحد لایتعدد، والمتکلم فی الحقیقة لایستخدم الکلمات وإنّما یحوّلها إلی ألفاظ محددة الدلالة فی بیئة النص.»[14](حسان، 1994م: 316- 317)

 وأمّا السیاق الثقافی:[15]فـ«یقتضی تحدید الُمحیط الثقافی الذی یُمکن أن تُستخدَم فیه عناصر النصّ المختلفة مِمّا تقتضیه ثقافة الأدیب الخاصّة. فعلی سبیل المثالإنّ عدیداً من الکلمات لَها ارتباط وثیق بالثقافة، إذ تحمل الکلمات وضعیّات ثقافیة معیّنة فتکون علامات علی الانتماء العرقی أو الدینی أو السیاسی.» (قدور، 2008م: 359- 360)

وأمّا السیاق العاطفی:[16]فـ«یحدد درجة القوة والضعف فی الانفعال ممّا یقتضی تأکیداً أو مبالغة أو اعتدالاً. (مختار عمر، 1998م: 70) کما أنّه یوّضح لنا ما إذا کان النص ینبغی أن یُؤخذ علی أنّه إنّما یُعبّر عن أمور موضوعیة خالصة أو أنّه قُصد به- أساساً- التعبیر عن العواطف والانفعالات. وهو الذی یساعدنا علی إدراک التبادل بین المعانی الموضوعیة والمعانی العاطفیة والانفعالیة.» (أولمان، لاتا: 60)

 وأمّا سیاق الحال أو الموقف (السیاق الاجتماعی)[17]: فهو جملة العناصر المکوِّنة للموقف الکلامی أو للحال الکلامیة. ومن هذه العناصر: 1- شخصیة المتکلم والسامع، وتکوینهما الثقافی 2- العوامل والظواهر الاجتماعیة ذات العلاقة باللغة 3- أثر النصّ الکلامی فی المشترکین،کالاقتناع، أو الإغراء، أو الضحک.[18] (عثمان، 2003م: 113)

الصورة الفنیة فی الرسالة العلویة

لا یعدم الإمام علی(ع) فی رسائله، استخدامَ الصورة الفنیة بجمیع ما تَملک من العناصر والمکوِّنات. فقد اتّخذها(ع)وسیلةً تُوصله إلی ما قد قصد تبیانه من مقاصد وأغراض دینیة، أوسیاسیة، أواجتماعیة، أوغیرها ممّا یَجب عرضه فی رسالة یبعثها إلی والٍ من وُلاته، أوعامل من عُمّاله،أو أمیر من أمراء جیشه. أو وصیة یُوجّهها إلی وُلده فیُضمّنها ما یُفیدهم فی انتهاج الصراط المستقیم. واستطاعت الصورة الفنیة بکلّ ما تملک من مکوِّنات تتمثّل فی الخیال، والعاطفة، والواقع، واللغة، ومعطیات دینیة، أوتاریخیة، أوأدبیة، بأن تقوم بهذه المهمّة.

إنّ من أهمّ ما یجب ملاحظته هو أنّ الإمام علی(ع) لم یستخدم الصورة الفنیة فی رسائله إلّا لِمجرد غَرَض وظیفیّ یتمثّل فی تجسید وعرض الفکرة الأساسیة التی تشتمل علیها کلّ رسالة من رسائله(ع).

 

 

الصورة الفنیة فی الرسالة العلویة وفاعلیّة السیاق

کما أشرنا آنفاً إنّ الصورة الفنیة فی رسائل الإمام علی(ع) ترتبط ارتباطاً وثیقاً بالسیاق وأنواعه الأربعة. وفیما یلی تفصیل یکشف عن هذه العلاقة الَمتینة والارتباط الوثیق بین الصورة والسیاق فی الرسالة العلویة.

الصورة الفنیة فی الرسالة العلویة(ع) وفاعلیة السیاق اللغوی

إنّ للسیاق اللغوی دوراً أساسیّاً فی تبیین جانب من الصورة الفنیة، یتقوّم علی ما تُحدثه اللغة من صور قائمة علی تفاعلات الألفاظ مع جاراتها من المفردات داخل النصّ، فـ«الألفاظ تتداخل وتتجاوز بإشعاعاتها حدودها العادیة، وتکتسب کلّ کلمة من التی تلیها معانی جدیدة ما کانت لتکون لولا السیاق[اللغوی] الذی جمعها، والبناء الذی انتظمها.» (العشماوی، 1994م: 259)

انظر إلی قوله(ع) فی معرض التعبیر عن زوال الدنیا وأنّ الإنسان إنّما خُلِقَ للآخرة لا لِلدنیا: «...وَأَنَّکَ فِی مَنـزِلٍ قُلْعَةٍ.» (الشریف الرضی، 1990م، الرسالة31: 583) فإنّ لفظة "قُلْعَة" تشعُّ ظلالاً ترتسم من خلالها صورةٌ مِن فَناء الإنسان وعدم بقائه فی الدنیا بقاءاً طویلاً. فهی تبعث فی مخیلة المخاطب معانی من الإقلاع والنـزع الشدید لساکن منازل الدنیا، فکأنّها تُقلِعُ بصاحبها من منـزله إقلاعاً وتنـزعه من مکانه نزعاً،کأنّه قد سکن غیر مسکنه ونـزل غیر منـزله. ولا نظنّ أنّ اللفظة "قلعة" هذه، اکتسبت هذه الخاصیّة مجرّدة عن وقوعها داخل نظام من المفردات والألفاظ، ممّا انتظمت فی سیاق لغوی خاص أکسب مفرداته خاصیّة ومیزة لم تکن تتّصف بها من قبل.  

ثمّ انظر إلی قوله(ع): «وَاعلَمُوا أَنَّ دَارَ الِهجرَةِ قَد قَلَعَت بِأَهلِهَا وَقَلَعُوا بِهَا وَجَاشَت جَیشَ الِمرجَلِ، وَقَامَتِ الِفتنَةُ عَلَى القُطبِ، فَأَسرِعُوا إِلَى أَمِیرکم وبادروا جهادِ عَدُوِّکُم، إِنْ شَاءَ اللهُ.» (المصدر نفسه، الرسالة 1: 538) فشاهِدُنا فی قوله "دَارَ الِهجرَةِ" حیث نری فی هذه اللفظة المرکبة صورة فنیّة ترسم فی مخیلة المخاطب حالةً للاستعداد والتأهّب.[19]فالظلال التی تشعّها هذه اللفظة لسبب وجود لفظ "الهجرة" داعیة إلی هجرة أهل الکوفة وحاثّة لهم إلی نصرة الإمام(ع). فقد ترکت فی نفوسهم شیئاً من مؤثّراتها وذکّرتهم بالنصرة الإلهیة وهجرة الرسول(ص) التی خلّفت فی النفوس ذکرة النصر والانتصار للمسلمین وغلبتهم علی المشرکین.

ومن الواضح أنّ ما اکتسبته لفظة "دار الهجرة " کان متأثراً بذاک النظام الخاص الذی تولّد من تفاعلات الألفاظ وانتظامها نظماً متمیّزاً. وفی معرض تبیین ما أجملنا نقول: إنّه من خلال وقوع المفردة "دار" بجانب المفردة "الهجرة" صیغت لفظة "دار الهجرة" التی کنّی بها الإمام(ع) عن "المدینة"، ثمّ أصبحت، بعد وقوعها فی ترکیب کلامی موجّه إلی مخاطب یحمل فی ذاکرته ذکراً حسناً من الهجرة، تشعّ بکلّ تلک الطاقات الفنیة المتمیّزة الخاصة.[20]   

علی أنّ فاعلیّة السیاق اللغوی لاتقتصر علی هذا فحسب بل له فاعلیة ودور فی تبیین تلک الصور التی تعتمد علی الخیال فی سبک الصور البیانیة من تشبیه، واستعارة، ومجاز، وکنایة.

إنّ السیاق اللغوی «یتطلب مسألةً مهمة فی التحلیل البیانی، هی الوقوف فی المقام الأول علی الانحراف عن دلالة المواضعة لِخدمة الدلالات الخاصة التی یأتی بها التوظیف المتفرد للغة، حیث یَمنحنا السیاق اللغوی أبعاداً استثنائیة ترتبط شدید الارتباط بظاهرة العدول والانزیاح.» (مراح، 2006م: 75)

والصورة البلاغیة المتمثلة فی الأنواع البیانیة إنّما هی عدول وانزیاح عن الدلالة الاعتیادیة للغة بِما فیها من ألفاظ وکلمات.[21]وهذا یتطلب معیاراً خاصّاً لتتضح من خلاله ظاهرة العدول والانزیاح ممّا یُنتج صورة مجازیة تحمل فی طیّاتها دلالات ومعانیَ جدیدة. وقد اعتبر بعضُ الباحثین السیاقَ اللغوی معیاراً هاماً وقویّاً للانزیاح، أی «أنّ الانزیاح ینماز ویتّضح من خلال سیاقه الذی یَرِدُ فیه.» (محمد ویس، 2005م: 137)

ورسائل الإمام علی(ع)، نظراً لِما تقوم به هذه الصور من وظائف جمالیة وفنیة لتحریک المشاعر للعمل بنصیحة، أو وعظ، أو توجیه اعتقادی، أو خلقی، أو...إلخ، لاتخلو من التشبیهات، والمجازات، والاستعارات، والکنایات المتنوعة. وإذا أنت فتّشتَ عنها لوجدتها منتشرة فی جمیع رسائله تضائلَ تواجدُها فی بعضها أو تعاظم فی بعضها الآخر. إلّا أنّه یجب علی الباحث فی دراسته لهذا النوع من الصور، أن یَعتنی بالسیاق اللغوی حیث إنّ «فاعلیة السیاق [اللغوی] هی التی تساعد الکلمة علی تجاوز بعدها المعجمی لصالح دلالات جدیدة.» (مراح، 2006م: 74)

وعلی هذا الأساس یجب أن تتم دراسة الصور المجازیة الواردة فی رسائل الإمام علی (ع) وَفقاً لِما یقرّره السیاق اللغوی. إذ إنّ الصورة المجازیة یتمّ الکشف عنها بوساطة من السیاق اللغوی وهذا إن دلّ علی شئ فإنّما یدلّ علی ارتباطهما الوثیق وتفاعلهما المتماسک فی النص الأدبی.

فنعدما نتّجه إلی قول الإمام(ع) حیث قال: «فَإِنَّ عَینِی بِالَمغرِبِ کَتَبَ إِلَیَّ یُعلِمُنِی أَنَّهُ وُجِّهَ إِلَى المَوسِمِ أُنَاسٌ مِن أَهلِ الشَّامِ... .» (الشریف الرضی، 1990م، الرسالة33: 592) لم تتضح انزیاحیة لفظة "عینی" إلّا من خلال وقوعها ضمن سیاق لغوی معیّن وبِما فیه من القرائن التی تُشیر إلی خروج اللفظة من مفهومها المعجمی (العین الجارحة) لتُؤدّی بذلک وظیفة هی إحداث صورة مجازیة. أمّا القرینة فتتمثل فی محورین، الأول: القرینة اللفظیة: وهی قوله (ع): «...کَتَبَ إِلَیَّ یُعْلِمُنِی» حیث یقف المخاطب من خلال هذه العبارة علی ما تجاوزته لفظة "العین" من معناها الحقیقی إلی المفهوم المجازی وهو (الجاسوس). والمحور الثانی: القرینة الحالیة: وقد تمثلت فی قوله"بِالَمغرِبِ" حیث یخلص المخاطب منها إلی مجازیة اللفظة وانزیاحها عن استعمالها الحقیقی.[22]

وقوله(ع) فی أهل الدنیا: «فَإِنَّمَا أَهلُهَا کِلاَبٌ عَاوِیَةٌ، وَسِبَاعٌ ضَارِیَةٌ یَهِرُّ بَعضُهَا بَعْضاً، ویَأکُلُ عَزِیزُهَا ذَلِیلَهَا.» (المصدرنفسه، الرسالة31: 583)حیث تتّضح الصورة المجازیة عبر ما أُسند لأهلها من صفة الکلاب والسباع.

وکذلک قوله(ع) مخاطباً أهل مِصر لمّا وَلّی علیهم مالکاً الأشتر: «مِن عَبدِ اللهِ عَلِیٍّ أَمِیرِالمُؤمِنینَ، إِلَى القَومِ الَّذِینَ غَضِبُوا لله حِینَ عُصِیَ فِی أَرضِهِ، وَذُهِبَ بِحَقِّهِ، فَضَرَبَ الجَورُ سُرَادِقَهُ عَلَى البَرِّ وَ الفَاجِرِ، وَالمُقِیمِ وَالظَّاعِنِ....» (المصدر نفسه، الرسالة38: 598) فنسبة "ضرب السرادق" إلی "الجور" هی دلیل وإشارة إلی عدول العبارة من أصلها إلی حیث تتولد منه صورة تُعبّر عن مدی ازدیاد الجور والظلم فی تلک البلدة.[23]

وهذا ما یُبرز أهمیة السیاق اللغوی وفاعلیته فی إبراز العدول والانزیاح الذی یتکفل فی إحداث صورة مجازیة تُعبّر عن معان ودلالات جدیدة یقوم السیاق اللغوی بعرضها وتحدیدها للمتلقی.

 

    الصورة الفنیة فی الرسالة العلویة(ع) وفاعلیةُ السیاق العاطفی

إنّ العواطف فی رسائل الإمام علی(ع)، قد تراوحت بین أمور مُختلفة، شخصیة کانت أم غیرها ممّا یَختصّ بالمجُتمع الإسلامی فی جمیع أموره. علی أنّ السیاق العاطفی هو الذی یُحدِّد ما تَمیّزت به الرسالة العلویة من العواطف والانفعالات النفسیة الخاصة، إذ إنّه إنّما یتکفلّ بدراسة وتتبّع ما یتمیز به العمل الفنی من عواطف خاصة متمیّزة، یتمحور علیها النص الأدبی. فیقوم هذا السیاق بإبرازها وتحدیدها للمتلقی والمخاطب.

وقد أبرز السیاق العاطفی-بعد تتبّعه للعواطف المختلفة فی رسائل الإمام علی(ع)-أنواعاً مختلفة من العواطف منها: العاطفة الدینیّة والروحانیة، والعاطفة الاجتماعیّة، والعاطفة الإنسانیّة، و...إلخ.

 وقد سایر کلٌّ من هذه العواطف وما اقتضاه الموقف والمقام فی عرض الفکرة الأساسیة فی الرسالة العلویة. فإذا کان الموقف یتطلّب عاطفة إنسانیّة، نجد هذا النوع یتکاثر وینمو ویتفوّق علی سائر أنواع العواطف، وإذا کان المقام یتطلّب التعبیر عن مشاعر وأحاسیس روحانیّة - إلهیّة نجد العاطفة الدینیّة أکثر بروزاً من غیرها، وهکذا بالنسبة إلی سائر أنواع العواطف والمشاعر. فإذا راجعنا رسالته(ع) إلی ولده الحسن(ع)[24]مثلاً، نجد فیها نوعاً من العاطفة الإنسانیّة الخالدة بین الأب وابنه، فإنّها عاطفة الأبوّة التی تتواجد فی نفوس کلّ الآباء. فلمّا أراد الإمام(ع) توصیة ولده بأمور قد یصعب تطبیقها و اتّباعها، نجده(ع) یُزوّد وصایاه بذلک النوع من العواطف، لیسهل علی مخاطبه تلقّیها ومن ثَمّ القیام بها، ولهذا نشاهد أنّه(ع)کثیراً ما یُخاطب ولده بعبارات کـ" أی بُنیّ "، و"یا بُنیّ "[25] الدالّة علی تحنّن الوالد لولده، فیبعث فیه إحساساً وشعوراً من العطوفة والمَحبّته له، وهذا الإحساس هو المُهیّئ للمخاطب لیتلقّی الوصایا فیقوم بتطبیقها والقیام بها.

ثمّ لو اتّجهنا إلی سائر رسائله(ع) لوجدنا أنواعاً مختلفة أخری من العواطف والأحاسیس قد تبیّنت لنا من خلال تتبّعات السیاق العاطفی فی رسائل الإمام علی(ع). فعلی سبیل المثال إنّه(ع) یقوم فی عهده إلی مالک الأشتر ببعث نوع آخر من العواطف، حیث یعتمد فیه علی العاطفة الاجتماعیة-الإنسانیة لتوجیه مخاطبه نحو المعاملة الصحیحة مع الرعیة. یقول(ع): «وَأَشعِر قَلبَکَ الرَّحمَةَ لِلرَّعِیَّةِ، وَالْـمَحَبَّةَ لَهُم، وَاللُّطفَ بِهِم، وَلاَ تَکُونَنَّ عَلَیهِم سَبُعاً ضَارِیاً تَغتَنِمُ أَکلَهُم، فَإِنَّهُم صِنفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَکَ فِی الدِّینِ، وَإمّا نَظِیرٌ لَکَ فِی الْخَلقِ.» (الشریف الرضی،1990م، الرسالة53: 622) فیُعبّر الإمام علی(ع) هنا عن عاطفة اجتماعیّة-إنسانیة تدعو إلی الإخوّة والحنان والترحّم والعفو عن الآخرین، وکلّ ذلک لیتأثر الُمخاطب بِها فیتحلّی بِمکارم الأخلاق لیقوم من خلال ذلک بإدارة المجتمع فینظر إلی کلّ واحد من أفراده بنظرة أخوّة ومساواة.[26]

ثمّ انظر إلی نوع آخر من الرسائل لتقف من خلال السیاق العاطفی علی عاطفة متمیّزة أخری غیر التی مرتّ علیک آنفاً، انظر إلی رسالته(ع) التی بعثها إلی عثمان بن حنیف، فستجد أنّ العاطفة فی هذه  الرسالة تصطبغ بصبغة دینیة لیعرض بذلک، فکرته الأساسیة المتمثّلة فی حثّ المخاطب علی الزهد فی الدنیا، حیث یعرض الإمام علی(ع) حبّه وتشوِّقه إلی العبادة فیقول:«طُوبَى لِنَفسٍ أَدَّت إِلَى رَبِّهَا فَرضَهَا،وَعَرَکَت بِجَنبِهَا بُؤسَهَا وَهَجَرَت فِی اللَّیلِ غُمضَهَا، حَتَّى إِذَا غَلَبَ الَکرَى عَلَیهَا افتَرَشَت أَرضَهَا، وَتَوَسَّدَت کَفَّهَا،فِی مَعشَرٍ أَسهَرَ عُیُونَهم خَوفُ مَعَادِهم، وتَجَافَت عَن مَضَاجِعِهِم جُنُوبُهُم، وَهَمهَمَت بِذِکر ربِّهم شِفَاهُهُم، وَتَقَشَّعَت بِطُولِ استِغفَارِهِم ذُنُوبُهُم.» (الشریف الرضی، 1990م، الرسالة 45: 612) یبرزُ الإمام علی(ع) فی هذه الرسالة وفی معرض حثّ مخاطبه علی الزهد والقناعة فی الدینا، شیئاً من عاطفته الدینیّة تناسباً ومسایرة للموقف والمقام.

وهکذا نجد الإمام علیّاً(ع) یُخضع العاطفة فی کلّ من رسائله، لِما یتطلّبه الموقف والمقام. فقد تمثّلت العاطفة فی وصیّته(ع) إلی ولده فی العاطفة الإنسانیة، وفی عهده إلی مالک الأشتر فی العاطفة الاجتماعیة-الإنسانیة، وفی رسالته إلی عثمان بن حنیف فی العاطفة الدینیة.[27]وقد تجلّی کلّ ذلک من خلال السیاق العاطفی، فقد تکفّل هذا النوع من السیاق بِما تَمیّزت به رسائله(ع) من العواطف والانفعالات النفسیة الخاصة.

 فالسیاق العاطفی – هونفسه -یتکفّلُ بتتبع عنصر العاطفة المکوِّن لجزء مهم من الصورة الفنیة فی العمل الأدبی، فیُبرزه ویُجسِّد ما اختصت به الصورة الفنیة من عاطفة خاصة یسعی الأدیب إلی استخدامها أکثر من غیرها من العواطف والمشاعر والأحاسیس الإنسانیة المختلفة.

الصورة الفنیة فی الرسالة العلویة(ع)، وفاعلیةُ السیاق الثقافی

إنّ الصورة الفنیة فی بنائها وانتقاء مکوّناتها الفنیة، ذات صلة وثیقة بشخصیة الأدیب الثقافیة فی مختلف جوانبها، حیث یستلهم الأدیب ممّا طُبِع فی نفسه من ثقافة دینیة، وتاریخیّة، وأدبیة، و...إلخ ما یُقوّم به صوَرَه الفنیّة فی عمله الإنتاجی.وعلی هذا الأساس، تبرز أهمیةُ السیاق الثقافی الذی یُعنی بدراسة شخصیة الأدیب وثقافته فیما یَجعل عمل الأدیب أن یتّسم بسمات قد تختص به دون غیره.فلایُمکن دراسة مکوّنات الصورة الفنیة دون ما اهتمامٍ بدراسة ثقافة الأدیب أولاً، ومعرفة مدی اتصال تلک المکوّنات بثقافته ثانیاً.

هذا وقد تکونت الصورة الفنیة فی رسائل الإمام علی(ع) فی کثیر من الأحیان من مصادر ومکونات تصدر عن ثقافته الدینیة، أوالتاریخیة، أوالأدبیة، حیث یُحیلنا هذا إلی الاعتناء بالسیاق الثقافی لتتبع هذه المکونات ومعرفة مدی تواجدها وتضافرها فی بناء الصورة الفنیة.

أمّا ثقافة الإمام علی(ع) الدینیة فقد کان(ع) یستحضر ما تدّخره ذاکرته الدینیة من صور ومشاهد قد استسقاها من القرآن الکریم والکلام النبویّ الشریف، فیستمد بها فی خلق صور فنیة تقوم بوظیفتها الفنیّة والدینیّة فی هدایة المسلمین وتوجیههم إلی الطریق المنشود والأسلوب الصحیح فی أمر دنیاهم وآخرتهم.فاستلهم - مثلاً- من القرآن الکریم فی رسالة وجّهها إلی عامله علی البصرة[28]، ما یصوغ به صورة فنیة تستحضر لمتلقّیها من الظلال والأخیلة ما یُعینُه علی أن یسلک طریقة أفضل فی معاملته مع أهل تلک البلدة: «وَاعلَمْ أَنَّ البَصرَةَ مَهبِطُ إِبلِیسَ، وَمَغرِسُ الفِتَنِ، فَحَادِثْ أَهلَهَا بِالإحسَانِ إِلَیهِم، وَاحلُلْ عُقدَةَ الخَوفِ عَن قُلُوبِهِم[29].» (الشریف الرضی، الرسالة 18،1990م: 553-554) فلمّا أراد الإمام أن یصور لعامله ما کانت علیه البصرة یوم الجمل من احتفالها بالفتن المـُغویة لأهلها، عبّر عنها بـ"مهبط إبلیس"[30] وذلک لیُوقِف مُخاطِبَه علی شدة تواجد الفتن فی البصرة آنذاک ومدی تَفشیّها بین أهلها، لأنّ إبلیس هو المصدر لکلّ تلک الفتن، وأینما یکن هبوطه فهنالک تثور بَراکینُ فِتنه ممّا یسبّب ضلال متلقّیها وإغواءَهم.فاستطاع الإمام أن یخلق من قصة هبوط إبلیس من الجنة، صورةً فنیةً تقوم بوظیفة تعلیمیة وإرشادیة لتوجیه مخاطبها نحو الطریقة الفضلی فی المعاملة مع أهل بلدة وقعوا فی خِضَم من الفتن ولا سبیل لهم سوی الخضوع لها.

وإذا ولّیتَ وجهکَ شَطرَ نوع آخر من الصور فی رسائل الإمام علی(ع) لوجدتها مُنتقات من ثقافته التاریخیة حیث یستلهم ممّا طُبع فی نفسه من تاریخ العرب فی الجاهلیة وغیرهم من الأمم، صوراً یتخذها- غالباً - وسیلة یحتجّ بها علی طلاب الدنیا وزینتها:«...فَمَا أَدرَکَ هذَا المُشتَرِی فِیَما اشتَرَى مِن دَرَکٍ فَعَلَى مُبَلبِلِ أَجسَامِ المُلُوکِ، وسَالِبِ نُفُوسِ الجَبَابِرَةِ، وَمُزِیلِ مُلکِ الفَراعِنَةِ، مِثلِ کِسرَى وَقَیصَرَ، وَتُبَّعٍ وَحِمیَرَ... ، إِشخَاصُهُم[31] جَمِیعاً إِلَى مَوقِفِ العَرضِ وَالحِسَابِ، وَمَوضِعِ الثَّوَابِ وَالعِقَابِ.» (الشریف الرضی، الرسالة 3،1990م: 541) فقد عاب علی قاضیه[32]شراءَه داراً بثمانین دیناراً، فوبّخه باستحضارصورة من مصیر کلّ من الملوک، وهو مصیر واحد یتمثل فی الموت والانتقال من دار الدنیا إلی الآخرة.فإذا کان مصیر أولئک الملوک والفراعنة وما کانوا یکنـزونه من ذهب وفضّة، هو الموت والفَناء، فالأولی لمثل شریح أن یقنع بِما یکفیه من المال فی سدّ حوائجه وألّا یطمع بِما یَزیدُ علیه.

وإذا انتقلنا من المصادر الدینیة والتاریخیة للصورة الفنیة فی رسائل الإمام(ع) إلی المصادر الأدبیة ممـّثل الأمثال، والأشعار، و...إلخ لوجدنا رسائله لا تخلو من حین لآخر من بیت شعرٍ أو مَثَل إلی حیث یقتضیه سیاق الحال أو الموقف. فالإمام یضمّن رسائله بکلّ بیت شعری أو بکل مَثَل عربی حیث الموقف یطلب ذلک.

وإنّنا نقف علی کثیر من استخدامات الإمام(ع) للأبیات الشعریة والأمثال العربیة،حین نتابع رسائله التی بعثها إلی معاویة، وذلک للاحتجاج بها علیه، أوالتوبیخ والتأنیب، أو لتبرئة نفسه عن تهمة یوجّهها أعداؤه إلیه و...إلخ. ونأتی هنا بِمثال واحد[33] حیث یقول الإمام ردّاً علی معاویة الذی وجّه إلیه(ع) تهمة الحسد والبغی علی الخلفاء: «وَزَعَمتَ أَنِّی لِکُلِّ الخُلَفَاءِ حَسَدتُ،وَعَلَى کُلِّهِم بَغَیتُ، فَإِن یَکُن ذلِکَ کَذلِکَ فَلَیسَ الجِنَایَةُ عَلَیکَ، فَیَکُونَ العُذرُ إِلَیکَ.» (الرضی،1990م، الرسالة 28: 569) ثم یستشهد الإمام(ع) بعجز البیت التالی وهو لأبی ذؤیب الهذلی توبیخاً لمعاویة وأخذاً علیه: (الهذلی، 2003م: 109)

وَعَیّرها الواشُونَ أنّی أحبّها         وَتِلکَ شَکَاةٌ ظَاهِرٌ عَنکَ عَارُهَا

وکلّ ذلک یدعو الباحثَ عن الصورة الفنیة فی کلام أمیرالمؤمنین(ع) إلی الاعتناء بالسیاق الثقافی لیتتبع انعکاسات مظاهر ثقافته(ع) فی مختلف جوانبها الدینیة والتاریخیة والأدبیة ممّا یتکفّل بتزوید المنشئ بِما یکوّن منه صوره الفنیة.

  الصورة الفنیة فی الرسالة العلویة (ع)، وفاعلیةُ سیاق الحال أو الموقف

تظهر الصورة الفنیة فی رسائل الإمام علی(ع) متناسبة لِما یقتضیه الموقف والمقام. فإذا کان المقام یتطلب صوراً مجازیة مثلاً، أخذت الصورة بإبراز هذا الجانب الذی یتمثل فی أنواع الصور البیانیة من تشبیه، واستعارة، ومجاز، وکنایة. وإذا کان یتطلب عنصرَ العاطفة، تری هذا العنصر أکثر بروزاً من سائر عناصر الصورة الفنیة وأکثر ظهوراً فی الرسالة العلویة.وهکذا بالنسبة إلی سائر مکونات الصورة وعناصرها. وهذا ممّا دعا جورج جرداق إلی القول بأنّ: «شروط البلاغة، التی هی موافقة الکلام لمقتضی الحال،لم تجتمع لأدیب عربیّ کما اجتمعت لعلیّ بن أبی طالب.فإنشاؤه مثل أعلی لهذه البلاغة، بعد القرآن.» (جرداق، 1375ش: 28)

فانظر علی سبیل المثال إلی رسالة منه(ع) وجّهها إلی معاویة جواباً له.[34] فإنّک تراها لاتخلو من حین لآخر من بیت من الأبیات الشعریة، أومَثَل من الأمثال العربیة.وإن أردت معرفة السبب فی ذلک فنُحیلک إلی الرسالة التی وجّهها معاویةُ[35] إلی الإمام(ع)، فإنّه قد تعسّف فیها بالکلام، وأراد أن یأتی بأنواع الضروب البلاغیة، والمحسنات البدیعیة، ثمّ أراد بذلک کلّه أن یباری الإمامَ(ع) ویتحدّاه فی مضمار البلاغة والفصاحة. فکتب الإمام(ع) تلک الرسالة وضمّنها کثیراً من الأبیات الشعریة والأمثال العربیة، إضافة إلی کثیر من الضروب البلاغیة والأنواع المجازیة والمحسنات البدیعیة وغیر ذلک ممّا له صلة بالبلاغة والفصاحة.[36]

ثم انظر إلی رسالته(ع) التی وجّهها إلی عثمان بن حنیف،[37] فإنّک تجدها لاتخلو من العاطفة المتمثلة فی تشوِّقه(ع) إلی الزهد عن الدنیا والاکتفاء بالقلیل الزهید من زادها وقوتها. وذلک مسایرة لِما قد اقتضاه الموقف والمقام. فقد کان القصد من إرسال تلک الرسالة، هو إبعاد مخاطبها عن الدنیا وزینتها، والزهد فیها.

ثمّ قِس هذه الرسالة والتی قبلها مع الرسالة التی قد وجّهها(ع) إلی مالک الأشتر.[38] فإنّک ستجد هذه الأخیرة، یتضائل فیها عنصر العاطفة والخیال وأنواع المجاز والبدیع. ویتّضح هذا الفرق من خلال الجدول أدناه الذی کشف عن مدی استخدام الصور المجازیة فی أربع رسائل کنموذج لبیان أهمیة سیاق الحال والموقف فی إخضاع الصور المجازیة التی هی من أهمّ آلیات الصورة الفنیة فی الرسالة العلویة:

الرسالة

عدد السطور

الصور المجازیة

نسبة الاستخدام

ذات الرقم (28)

59 سطراً

23 صورة

98/38 %

ذات الرقم (31)

240 سطراً

54 صورة

57/22 %

ذات الرقم (45)

62 سطراً

28 صورة

16/45 %

ذات الرقم (53)

312 سطراً

40 صورة

83/12 %

فتدلّ هذه الإحصائیة علی الدور الذی یلعبه المقام والموقف فی استخدام الصور المجازیة القائمة علی الخیال. فَلَمّا کان المقام فی الرسالة(45) مقامَ إقناعٍ وحَثَّ علی الإعراض عن الدنیا وزخرفها، أخذت الصور المجازیة تتجلّی فی هذه الرسالة لتُبرز ما علیه الدنیا من الإغواء والتضلیل لأهلها[39]، وکذلک بالنسبة إلی الرسالة(28)[40]، وإذا نظرتَ إلی "العهد" تجد عکس ذلک، حیث یتضائل فیه تواجد الصور المجازیة إلی حدٍّ أدنی مِمّا ورد فی سائر الرسال الثلاث الأخری، وإذا فتّشتَ عن السبب، تجد أنّ هذا "العهد" إنّما هو أشبه ما یکون بِمیثاق اجتماعی یتضمن القواعد والمبادئ التی یحتاج إلیها کلّ والٍ لإدارة مجتمع إسلامی. وهذا یتطلب لغة سهلة لبیان تلک الأمور ولغة خالیة من أنواع المجاز ومِمّا یکثّف الدلالات فیحجبها عن المتلقین.

ثمّ إنّنا إذا عمدنا إلی دراسة الصور المجازیة فی الرسالة العلویة، نجدها لاتنفصل عن السیاق والموقف فی رفعها معانی وإیحاءات لم تکن لِتترائ لنا لو درسنا تلک الصور منفصلةً عن السیاق الذی وردت فیه. انظر إلی قوله: «وَقَد أَمَّرتُ عَلَیکُمَا وَعَلى مَن فِی حَیِّزِکُمَا مَالِکَ بنَ الحَارثِ الأشترِ، فَاسمَعَا لَهُ وَأَطِیعاً، واجعَلاَهُ دِرعاً وَمِجَنّاً فَإِنّهُ مِمَّن لاَیُخَافُ وَهنُهُ وَلاَسَقطَتُه.» (الشریف الرضی، 1990م، ر13: 549) فإنّه(ع) لمـّا أراد أن یُعرِّف مالکاً إلی أمیرین من أمراء جیشه، شبّهه بالدرع والمِجنّ، فأحدث بذلک صورة هی أکثر تناسباً وأوسع تناسقاً للموقف والمقام الذی یتطلب ما له صلة بالحرب والجهاد من قائد هو کالدرع والمجنّ وهو«مِمَّن لاَ یُخَافُ وَهنُهُ وَلاَ سَقطَتُهُ.» فلم تقع هذه الصورة لمجرد تشبیه الرجل بالدرع والمجن، لا، بل ووقعت موقعاً من الحسن والمزیة ما هو صادر عن تناسبه مع ما اقتضاه الموقف والمقام.[41]

ثم انظر إلی قوله(ع) لـمّا کتب لأصحابه عند الحرب: «لاَ تَشتَدَّنَّ عَلَیکُم فَرَّةٌ بَعدَهَا کَرَّةٌ وَلاَ جَولَةٌ بَعدَهَا حَملَةٌ، وَأَعطُوا السُّیُوفَ حُقُوقَهَا، وَوَطِّئُوا لِلجُنُوبِ مَصَارِعَهَا وَاذمُرُوا أَنفُسَکُم عَلَى الطَّعنِ الدَّعْسِیِّ وَالضَّربِ الطِّلَحْفِیِّ وَأَمِیتُوا الأصوَاتَ فإِنَّهُ أَطردُ لِلفَشَلِ.»[42](الشریف الرضی، 1990م، الرسالة16: 551) حیث استعار لفظ الإماتة لانقطاع الأصوات، فجاءت الاستعارة متناسقة مع ما ورد فی الرسالة من بیان الأمور الحربیة من فرّة وکرّة، وجولة وحملة، وسیوف ومصارع، وطعن وضرب.فجاء کلّ ذلک مسایرة لِما اقتضاه المقام الذی هو مقام حرب وجهاد.[43]

وهکذا تظهر الصورة بکلّ مکوِّناتها وعناصرها خاضعة للسیاق الاجتماعی فی رسائل الإمام علی(ع). وأنت لا تجدها منفصلة عنه وعن متطلِّباته.

النتیجة

قد تبیّن من خلال هذا البحث أنّ الصورة الفنّیّة فی رسائل الإمام علی (علیه السلام) ترتبط ارتباطاً وثیقاً بالسیاق وأنواعه الأربعة.فکلّما عقدنا بینهما بصلة فی الدراسة کلّما وقفنا علی صورة فنیّة هی أکثر اتّضاحاً وبیاناً.

فقد اتّضح لنا من خلال السیاق اللغوی، ما صوَّره الخیال فی رسائل الإمام علی(ع) من صور تجسَّدت فی هیئة جدیدة تُعبِّر عن دلالات ومعان جدیدة.فهو المعیار الذی اتّضحت من خلاله تلک الصور التی عدلت عن استعمالها الحقیقی لصالح دلالات جدیدة. 

ثمّ السیاق العاطفی الذی تکفّل بدراسة أنواع العواطف والمشاعر والأحاسیس التی وظّفها الإمام علی(ع) فی رسائله. وقد تجلّت فاعلیّة هذا السیاق من خلال تتبّعه لعنصر العاطفة فی الرسالة العلویّة، لیدرس بذلک ما تمیّزت به کلُّ رسالة من رسائل الإمام(ع)من عاطفة خاصة. وقد وقفنا من خلال تتبّعات هذا السیاق، علی أنّ کلّ رسالة فی النهج تتمیّز بنوع خاصّ من العواطف وذلک مسایرة لِما تحمله تلک الرسالة من موضوع خاص أو غرض محدد.

وقد وقفنا من خلال السیاق الثقافی علی جزء کبیر من أجزاء تکوین الصورة الفنیة فی رسائل الإمام علی(ع) تمثّل فی مصادر ومکونات تصدر عن ثقافته(ع) الدینیة، والتاریخیة، والأدبیة. فقد دلّنا هذا السیاق علی مدی تواجدها وتضافرها فی بناء الصورة الفنیة فی الرسالة العلویة.

أمّا السیاق الاجتماعی (سیاق الحال أوالموقف) فقد ظهر کمعیار خارجی للحکم علی الصورة الفنیة ومکوِّناتها فی رسائل الإمام علی(ع). وقد تبیّن من خلال هذا السیاق أنّ الصورة الفنیة ومکوِّناتها فی رسائل الإمام علی (ع)، قد ظهرت مطابقة ومتناسبة لِما اقتضاه الموقف والمقام.



1- ربّما ترجع هذه العلاقة الوثیقة بین الصورة الفنیّة والسیاق فی الرسالة، إلی نوعیة الرسالة ذاتها، فهی تُوجَّه غالباً لتبیین ما تتضمّنه من الأمور المختلفة وهذا یتطلب فی کثیر من الأحیان لغة سهلة عادیة لیَسهُلَ علی المتلقیّ و المخاطب تلقیّ الفکرة فی الرسالة، إلّا أنّه لمّا کان الموقف والمقام یتطلب فی بعض الأحیان استخدام الصور الفنیة من صور بلاغیة ومجازیة، أوتوظیف العواطف والأحاسیس المختلفة، أوبیان الأمور الواقعیة، والعقلیة، و...إلخ یتحتم حینئذٍ علی الدارس والناقد للصورة الفنیة فی الرسالة أن یعتنی بالسیاق وأنواعه فی الکشف عمّا خفی أو لیکاد یختفی عن إدارک المتلقی للفکرة الأساسیة فی الرسالة.

[2] - «التصویر الفنی وملامِحه فی نهج البلاغة».

[3] - «حرکیة الصور الأدبیة فی خطب نهج البلاغة»

[4] - «مکوّنات الصورة الفنیة للرسالة الحادیة والثلاثین من نهج البلاغة»

[5] - ما عدا بعض الإشارات العابرة التی قد یشیر إلیها الدارسون فی مقدمات بحوثهم النظریة، دون ما تطبیقٍ منهم علی الشواهد المدروسة.کما جاء فی دراسة «علی أحمد عمران» مثلاً.

[6] - إلّا ما جاء فی دراسة الدکتور محمد الخاقانی والسید حمید عباس زاده، فقد تنبّها إلی هذه العلاقة فحاولا أن یدرسا الصورة الفنیة علی أساسٍ من تلک العلاقة.

[7] - إنّ عدد رسائل الإمام علی (ع) الواردة فی النهج تسع وسبعون رسالة. أربعة منها شفهیة غیر مکتوبة، وهی:الرسائل ذات الأرقام: 12، و25، و76، و77.(أنظر:موسوی،1376ش: 743-750)

[8] - علی أنّ ظهورها یرجع إلی معرکة النقاد والبلاغیین فی الفصل بین اللفظ والمعنی، منذ القرن الثالث من الهجرة، فلَمّا  قال الجاحظ: « فإنّما الشعر صناعة وضرب من النسیج وجنس من التصویر.» (الحیوان،1965م:ج3/: 132و131) شرع بالحکم علی العمل الفنی حُکماً یتناول من خلاله المعاییر اللفظیة والشکلیة فی بیان قیمته وأصالته، فتبعه فی هذا الحکم عدد من النقاد ففصلوا بین اللفظ والمعنی، فجاءت أحکامهم التی أصدروها علی الأعمال الأدبیة، ناقصة لا تُبین عن جوهر العمل الأدبی أبداً. وذلک أنّهم لم یَعوا بالعلاقة الوثیقة بین الصورة المکوَّنة من الألفاظ والمعانی والمشاعر، وبین السیاق الذی یَربط بینهما لیُحدِث بذلک صورة فنیة تُعبّر عن القیم الفنیة والشعوریة فی النص الأدبی.

[9] - فقد یعتبر بعض الباحثین" الإیقاع " عنصراً من عناصر تکوین الصورة الفنیة.إلّا أنّ تواجده فی رسائل الإمام علی(ع) یتضائل إلی حدّ أدنی ممّا یُوجد فی خطبه(ع). وربّما یرجع هذا إلی نوعیة فنّ الرسائل وطبیعته التی لا تتطلب هذا العنصر کما یتطلّبه فنّ الخطابة مثلاً.

[10] - فاللغة العربیة لغة تصویریة. یظهر ذلک فی الاستعمالات المجازیة والحقیقیة، فحین نقول مثلاً: « تمایل الرجل» فإنّ هذا التعبیر الحقیقی، یرسم صورة لرجل یترنّح یَمیناً وشمالاً. انظر: (الراغب، 2001م: 51و52)

[11] - یتکون مصطلح  contextمن مقطعین con+text استعمل المصطلح أولاً لیعنی الکلمات المصاحبة للمقطوعات الموسیقیّة ثمّ استعمل بعد ذلک فی معنی النصّ، أی تلک المجموعة من الکلمات المتراصّة مکتوبة أو مقروءة، ثمّ أصبح المصطلح یعنی ما یحیط بالکلمة المستعملة فی النص من ملابسات لغویة وغیر لغویة. (زکی حسام الدین، لاتا: 85)

[12] - ویبدو أنّ هذا التقسیم هو الأجدر والأنسب فی دراسة الصورة الفنیة، إذ یتطرّق إلی دراسة مقوِّماتها وآلیاتها فیکشف بذلک عن زوایاها المختلفة.

[13] - )Linguistic context(

[14] - ومثال ذلک کلمة "صاحب" التی ترد فی سیاقات مختلفة، فتکتسب علی حسَب کلِّ سیاق معنی مستقلاً یختلف عنه إذا دخلت فی سیاق غیره:1- لقب (أی ذو)، نحو: صاحب الجلال 2- مالک، نحو:صاحب البیت 3- صدیق، نحو: صاحبی 4- رفیق، نحو: صاحب رسول الله(ص) 5-منتفع، نحو: صاحب المصلحة 6- مستحق، نحو: صاحب الحقّ 7- مقتسم، نحو: صاحب نصیب الأسد.فکلمة "صاحب" بمفردها تحتمل هذه المعانی السبعة ولاتختص بواحد منها إلّا عند التضام مع المضاف إلیه وهذا التضام أضعف صورة من صور الدخول فی السیاق اللغوی ولذلک یعتبر کلّ مثال من الأمثلة السبعة الواردة ممّا یحدد معنی واحداً معیّناً للکلمة. (انظر حسان، 1994م: 324)

[15] -Cultural context

[16]-Emotional context

[17] - Situational context

[18] - للمزید، أنظر: (زکی حسام الدین، لاتا: 85؛ وطهماسبی وآخرون، 2005م: 35-36)

[19] - فقد کنّی الإمام(ع) بها عن"مدینة الرسول(ص)"واستعاض بها عن اللفظة الأصلیّة لغرض تهییج أهل الکوفة للقیام بالجهاد ومقابلة العدو.

[20] - للمزید انظر: (خاقانی، محمد، وحمید عباس زاده، (1390ش)، مؤلفه های تصویر هنری در نامه ی سی ویکم نهج البلاغة، (صص:247 – 272)

[21]- فقد ذهب جمهور کبیر من الدارسین المحدثین إلی تعریف الصورة البلاغیة بأنّها عدول أو انزیاح عن الدرجة الصفر. (أنظر علی سبیل المثال: عمران، 2011م: 379-380) والمقصود بالدرجة الصفر هو أن یأتی الکلام علی الأصل اللغوی والنحوی، فهو یعنی الکتابة غیر الأدبیة التی تقوم علی النظم الشکلی دون الفنی، أو کما یقول عبد القاهر الجرجانی: «الکلام المتروک علی ظاهره.» (انظر: الجرجانی، 2001م: 63)

[22] - ومثل ذلک قوله(ع): «وَابعَثِ العُیُونَ مِن أَهلِ الصِّدقِ وَالوَفَاءِ عَلَیهِم (أی علی العمّال).» (الشریف الرضی، 1990م، الرسالة 53: 634) إذ لا تتضح انزیاحیة لفظة "عیون" (الدالّة علی معنی "الجواسیس") إلّا من خلال وقوعها ضمن سیاق لغوی معیّن وبِما فیه من القرائن التی تُشیر إلی خروج اللفظة من مفهومها المعجمی لتُؤدّی بذلک وظیفة هی إحداث صورة مجازیة.

[23] - وکثیراً ما تتّضح الصور المجازیة فی الرسالة العلویة من خلال هذه القرینة أی قرینة الإسناد،حیث یُحدث(ع) صوره المجازیة غالباً عن طریق إسناد شیئین لا علاقة بینهما فی الواقع والحقیقة، وذلک بِما یستمدّه من قوّة الخیال والتخییل .

[24] - الرسالة ذات الرقم 31.

[25] - قد تکرّرت هاتان العبارتان فی هذه الرسالة عشر مرّات.

[26] - وکثیراً ما یعکف الإمام(ع) همَّه فی هذه الرسالة، علی الطبقة السفلی من ذوی الحاجة والمسکنة، لیَحثّ مخاطبه علی العنایة بهم، فهم أولی بذلک من غیرهم: «ثمَّ اللهَ اللهَ فِی الطَّبَقَةِ السُّفلَى مِنَ الَّذِینَ لاَ حِیلَةَ لَهُم من الْمَسَاکِین وَالْـمُحتَاجِینَ وَأَهلِ الْبُؤسَى وَالزَّمنَى...فَلاَ یَشغَلنَّکَ عَنهُم بَطَرٌ ... [و]لاَ تُشخِص هَمَّکَ عَنهُم، وَلاَ تُصَعِّر خَدَّکَ لَهُم وَتَفَقَّد أُمُورَ مَن لاَ یَصِلُ إِلَیکَ مِنهُم مِمَّن تَقتَحِمُهُ الْعُیُونُ وَتَحقِرُهُ الرِّجَالُ.» (الشریف الرضی، 1990م، الرسالة53: 639)

[27] -  وهذا جارٍ فی جمیع رسائل الإمام علی(ع) لا فیما ذُکر من الرسائل، فالسیاق العاطفی قد کشف عن عواطف مختلفة فی مختلف رسائله(ع)، فقد حملت کلُّ رسالة منها شُحنة من نوع خاص من أنواع العواطف الإنسانیّة الخالدة، وقد تنوَّعت تنوعاً مسایراً لِما تحمله کلّ رسالة من الموضوعات والأغراض المختلفة التی یرمی الإمام إلی عرضها وتبیینها لمخاطبیه ومتلقّی رسائله(ع).

[28] - وهو عبدالله بن العبّاس.وذلک عندما بلغه(ع) نبأءُ تنکّر أخلاقه لأهلها،لأنّهم کانوا مع طلحة والزبیر یوم الجمل.

[29] - والشاهد فی "مهبط إبلیس" حیث یشیر إلی قصة هبوط إبلیس من الجنة نتیجة لعصیان أمر ربّه فی أن یسجد لآدم.﴿...ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِکَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِیسَ لَمْ یَکُنْ مِنَ السَّاجِدِینَ * قالَ ما مَنَعَکَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُکَ قالَ أَنَا خَیْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِی مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِینٍ * قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما یَکُونُ لَکَ أَنْ تَتَکَبَّرَ فِیها فَاخْرُجْ إِنَّکَ مِنَ الصَّاغِرِینَ.﴾ (الأعراف:11-13)

[30] - ولعلّ ذلک باعتبار إلقائه الفتن، یوم الجمل، کأنّه هبط هناک للإضلال والإغواء. راجع: (حسینی شیرازی، لاتا، ج3: 461) «فلـمّا أحاط القضاء الإلهی بما یجری من أهل البصرة من نکث بیعته علیه السلام و مخالفته وکانوا ممّن عزلوا عقولهم عن الآراء المصلحیة رأساً وهبط إبلیس وجنوده بأرضهم فأروهم الآراء الباطلة فی صور الحق فلحقوا بهم فکان منهم ما کان ونزل بهم ما نزل من سوء القضاء ودرک الشقاء فکانت بلدتهم لذلک مهبط إبلیس ومغرس الفتن الناشئة عن وسوسته وآرائه الفاسدة.» (راجع: البحرانی، 1362ش، ج4: 396)

[31] -  "إشخاصهم": مبتدأ مؤخر، و"علی مبلبل..." خبره المقدم. ومبلبل الأجسام: مَن یُهیِّج داءاتها المهلکة لها، ویعنی به مَلَک الموت.

[32] - هو شریح بن الحارث الکندی.

[33] - ونُحیل القارئ إلی الرسالة ذات الرقم28 لیقف علی أمثلة أکثر، فقد ضمّنها الإمام(ع) بکثیر من الأبیات الشعریة والأمثال العربیة. وأیضاً الرسالة ذات الرقم 31، و41.

[34] - الرسالة ذات الرقم 28

[35] - انظر الرسالة فی: (ابن أبی الحدید، 1337ش، ج15: 185-187)

[36] - انظر إلی دراسة الدکتور محمد خاقانی، والسیدة ریحانة میر لوحی، والتی عُنونت بـ «أدب المکاتبة فی ردّ الإمام علی علیه السلام علی کتاب معاویة» فالباحثان قد درسا الأنواع البلاغیة المختلفة الواردة فی الرسالتین، وقد وصلا إلی تفوق الإمام علی(ع) فی استخدامه تلک الأنواع تفوقاً کمّیّاً ونوعیّاً.

[37] - الرسالة ذات الرقم 45.

[38] - الرسالة ذات الرقم 53.

[39] - «...أَیْنَ الاْمَمُ الَّذِینَ فَتَنتِهِم بِزَخَارِفِکِ؟! هَاهُم رَهَائِنُ القُبُورِ، وَمَضَامِینُ اللُّحُودِ وَاللهِ لَو کُنتِ شَخصاً مَرئِیّاً، وَقَالَباً حِسِّیّاً، لاَقَمتُ عَلَیکِ حُدُودَ اللهِ فِی عِبَادٍ غَرَرتِهِمْ بِالأمَانِی، وَأُمَمٍ أَلقَیتِهِم فِی الَمهَاوِی وَمُلُوکٍ أَسلَمتِهِم إِلَى التَّلَفِ، وَأَورَدتِهِم مَوَارِدَ البَلاَءِ، إِذ لاَ وِردَ وَلاَ صَدَرَ، هَیهَاتَ! مَن وَطِىءَ دَحْضَکِ زَلِقَ وَمَن رَکِبَ لُجَجَکِ غَرِقَ.» (الشریف الرضی، 1990م، الرسالة 45: 611)

[40] - وقد ذکرنا سبب کثرة هذه الصور وغیرها من المحسنات البلاغیة الأخری فی هذه الرسالة.

[41]- ومثل ذلک قوله(ع) فی مالک أیضاً لأهل مصر لـمّا ولّاه علیهم: «فَإِنَّهُ سَیْفٌ مِنْ سُیُوفِ اللهِ، لاَ کَلِیلُ الظُّبَةِ وَلاَ نَابِی الضَّرِیبَةِ.» (الشریف الرضی، 1990م، الرسالة38: 598)

[42]- أن یُمیتوا الأصوات: أی لایکثروا الصیاح، فإنّه من علامات الفشل، فعدمه یکون علامة للثبات الُمنافی للجبن والصیاح. (انظر: البحرانی، 1362ش، ج4: 338)

[43]- فسیاق الحال أو الموقف «هو الذی یحدد اللفظ المناسب، المناسب بحروفه، وجرسه، وإیقاعه، والمناسب بمعناه المتّفق مع معانی الألفاظ الأخری مجتمعة.» (الخالدی، 2008م: 132)

القرآن الکریم

ابن أبی الحدید، عزّ الدین. (1337ش). شرح نهج البلاغة.ط1. قم: المکتبة العامّة لآیة الله المرعشی النجفی.

أولمان، ستیفن. (لاتا). دور الکلمة فی اللغة. ترجمة:کمال محمد بشیر. مکتبة الشباب.

البحرانی، میثم بن علی. (1362ش). شرح نهج البلاغة. ط2. لامک: لانا.

 البستانی، محمود. (1422ق). الأدب والإسلام. قم: المکتبة المختصة.

 الجاحظ، أبو عثمان. (1965م). الحیوان. تحقیق: عبد السلام هارون. مصر: مکتبة مصطفی البابی.

 الجرجانی، عبد القاهر. (2001م). دلائل الإعجاز. ط3. تحقیق: محمد رشید رضا. بیروت: دارالمعرفة.

 جرداق، جورج. (1375ش). روائع نهج البلاغة. ط2. مرکز الغدیر للدراسات الإسلامیة.

 حسان، تمّام. (1994م). اللغة العربیة معناها ومبناها. المغرب: دار الثقافة.

حسینی شیرازی، محمد. (لاتا). توضیح نهج البلاغة. تهران: دار تراث الشیعة.

 الخالدی، صلاح عبد الفتاح. (2008م). إعجاز القرآن البیانی ودلائل مصدره الرّبّانی. ط3. عمّان: دار عمان.

 دهمان، أحمد علی. (1986م). الصورة البلاغیة عند عبد القاهر الجرجانی. ط1. دمشق: طلاس.

 الراغب، عبد السلام أحمد. (2001م). وظیفة الصورة الفنیة فی القرآن الکریم. ط1.حلب: فصِّلت.

  زکی حسام الدین،کریم. (لاتا). التحلیل الدلالی:إجراءاته ومناهجه. لانا.

 فتوحی، محمود. (1389ش). بلاغت تصویر. چاپ2.تهران:انتشارات سخن.

 قدور، أحمد محمد. (2008م). مبادئ اللسانیات. ط3. دمشق: دارالفکر.

  سید، قطب. (2002م). التصویر الفنی فی القرآن. ط16. القاهرة: دار الشروق.

 ـــــ. (2003م). النقد الأدبی أصوله ومناهجه. ط8. القاهرة: دار الشروق.

  الشایب، أحمد. (1994م). أصول النقد الأدبی. ط10. القاهرة: مکتبة النهضة المصریة.

الشریف الرضی، محمد بن الحسین. (1990م). نهج البلاغة. ط1. شرح: محمد عبده. بیروت: مؤسسة المعارف.

 عبد الراضی، أحمد محمد. (2011م). المعاییر النصّیة فی القرآن الکریم. ط1. القاهرة: مکتبة الثقافة الدینیة.

 العشماوی، محمد زکی. (1994م)، قضایا النقد الأدبی بین القدیم والحدیث. ط1. القاهرة: دار الشروق.

 عصفور، جابر. (1992م). الصورة الفنیة فی التراث النقدی والبلاغی عند العرب. ط3. بیروت: المرکز الثقافی العربی.

 العقاد، عباس محمود. (1995م). اللغة الشاعرة. القاهرة: نهضة مصر.

 عمران، علی أحمد. (2011م). أسلوب علی بن أبی طالب فی خطبه الحربیة. ط1. مشهد: المکتبة المختصة بأمیر المؤمنین(ع).

  مختار عمر، أحمد. (1998م). علم الدلالة. ط5. القاهرة:عالم الکتب.

 محمد ویس، أحمد. (2005م). الانزیاح من منظور الدراسات الأسلوبیة. ط1. بیروت: مجد المؤسسة الجامعیة.

موسوی، صادق. (1376ش). تمام نهج البلاغة.چاپ اول.تهران: مؤسسة إمام صاحب الزمان(عج).

مراح، عبدالحفیظ. (2006م). ظاهرة العدول فی البلاغة العربیة. الجزائر: جامعة الجزائر.

  الهذلی، أبو ذویب. (2003م). الدیوان. ط1. تحقیق: أنطونیوس بطرس. بیروت: دارصادر.

المقالات العلمیة

 خاقانی، محمد، وریحانة میر لوحی. (1431ق). «أدب المکاتبة فی ردّ الإمام علی علی السلام علی کتاب معاویة». مجلة العلوم الإنسانیة الدولیة. السنة 17. العدد4. صص1-18.

 خاقانی، محمد، وحمید عباس زاده. (1390ش). «مؤلفه های تصویر هنری در نامه ی سی ویکم نهج البلاغة». دوفصلنامه حدیث پژوهی. سال سوم. شماره پنجم. صص247 – 272.

 طهماسبی، عدنان، وآخرون. (2005م). «البنیة والسیاق وأثرها فی فهم النص». مجلة اللغة العربیة وآدابها. السنة الأولی. العدد 1. صص31-48.

 عثمان محمد، رجب. (2003م). «مفهوم السیاق و أنواعه». مجلة علوم اللغة. المجلد السادس. العدد 4. صص93-162.