المفارقة التصویریّة فی شعر معروف الرصافی

نوع المستند: علمی پژوهشی

المؤلفون

1 أستاذ مساعد بجامعة الشهید مدنی الأذربیجانیّة فی تبریز، إیران

2 طالب الدکتوراه بجامعة طهران، إیران

3 طالب الدکتوراه بجامعة الإمام خمینی الدولیّة فی قزوین، إیران

المستخلص

   المفارقة التصویریّة فنٌّ یستخدمه الشاعر المعاصر لإبراز التناقض بین طرفین متقابلین، بینهما نوع من التناقض؛ وتشمل تعریفات؛ الأوّل: مثل أن یقول المرء عکس ما یعنی، الثانی: الهزء، الثالث: السخریّة. المفارقة التصویریّة تقنیّة مختلفة تمامًا عن الطباق والمقابلة، سواء من ناحیة بنائه الفنّیّ، أو من ناحیة وظیفته الإیحائیة، وذلک لأنَّ المفارقة التصویریّة تقوم على إبراز التناقض بین طرفیها؛ هذا التناقض الّذی قد یمتدّ لیشتمل على القصیدة بِرُمَّتها. وتنقسم إلى قسمین رئیسیّین یصعب الفصل بینهما؛ المفارقة اللفظیّة ومفارقة الموقف الّتی التضاد بین المظهر والمخبر من عناصرها البارزة. المفارقة التصویریّة تعتبر إحدی مقوّمات شعر معروف الرصافی؛ التی یوظّف هذا العنصر الفنّی لإبراز أفکاره وعواطفه، ویصف أثناءها، المجتمع العراقی والکبت السیاسی والاستعمار؛ هذه الآلیة الشعریّة فی شعر الرصافی تؤدّی إلی الصحوة الشعبیّة والحثّ علی مواجهة المستعمرین. هذه الدراسة تبیّن مواضع المفارقة التصویریّة عبر تحلیل شعر معروف الرصافی. والمنهج الّذی اعتمدناه فی هذه المقالة هو المنهج الوصفیّ التحلیلیّ.

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

Irony in Maroof Alrosafi’s Poem

المؤلفون [English]

  • Hamid Valizadeh 1
  • Ali Sayadani 2
  • Ali Khaleghi 3
1 Assistant Prof, Tarbiat Madani Azarbaijan University
2 Ph.D. Candidate, Department of Arabic Language, Tehran University
3 PhD Candidate,Imam Khomeini International University,Qazvin
المستخلص [English]

   Irony is an art used by contemporary poets for showing contradiction between two sides in which there is a sort of contradiction and it has been defined in the following ways: 1- the person says one thing and means to be vice versa and 2-sarcasm.Nevertheles; neither classical Arabic literary criticism nor rhetoric have focused on this. Irony is a technique completely different from paradox and contrast. Both  are  different from technical construction and use of implication. For this reason irony is used to show the contradiction amid two sides. This contradiction is extended to a degree to which it includes the whole ode. And the whole poem becomes a big irony. And it is divided to two inseparable parts: Verbal irony and situational irony, a vivid characteristic of which is contradiction between surface and deep meaning. And this irony in Maroof’s poem is clearly observable. This irony with its kinds are clearly stated when Maroof shows the political repression and kinds of colonialism in Iraq society. And Maroof has used this technique for stating his thoughts and emotions. Consequently, these activities lead to public enlightenment and encouragement of resistance against colonizers which are one of its most important outcomes. And this article tries to show the standpoint of irony and also to analyze it in Maroof’s poem, and the method employed is descriptive-analytical.

الكلمات الرئيسية [English]

  • irony
  • implication
  • Maroof Alrosafi
  • contradiction

   «إنَّ المفارقة تقوم علی تظاهر المرء بکونه خلاف ما هو علیه فصاحب المفارقة قد یقول شیئاً لکنَّه فی الحقیقة یعنی شیئاً مختلفاً تماماً. وعلى الرغم من أنَّ شعرنا القدیم قد عرف صورًا من المفارقة التصویریّة، وفطن إلى الدور الّذی تقوم به عملیة إبراز التناقض بین النقیضین فیتجلّى معنى کلّ منها فی أکمل صورة، ولخّص إدراکه لهذا الدور فی تلک الحکمة المشهورة: والضدّ یظهر حسنه الضدّ.» (عشری زاید، 2008م: 130) جعل الجرجانی (471هـ) معنی المعنی من خلال الکلام ضربین؛ المعنی، ومعنی المعنی؛ فالمعنی هو المفهوم من ظاهر اللفظ، ونصل إلیه بغیر واسطة، وأمّا معنی المعنی فهو أن تعقل من اللفظ معنی، ثمّ یفضی بک ذاک المعنی إلی معنی أخر. «وإنّ السامع یعقل معنی من الظاهر علی سبیل الاستدلال، إذ یمکن قول شیء ما، ویقصد به معناه، وذلک من أثناء أنَّ المتکلّم یکون للمنطوق عنده معنی، وللجملة معنی من أثناء الاستعارة والمفارقة والأحداث الکلامیة.» (الجرجانی، 1994م: 177) ویشیر سی میوک فی کتابه "Irony and the Ironic"إلى مفهوم المفارقة الذی قد تطوّر بشکل بطیء جدّاً فی إنجلترا کما تطوّر ذاک المفهوم فی دول أروبا الحدیثة الأخرى، حیث کانت المفارقة طریقة فی معاملة خصم فی الجدال، وفی نهایة القرن الثامن عشر وبدایة القرن التاسع عشر اکتسبت کلمة "المفارقة" عددًا من المعانی القدیمة. «ویرى أنَّ المفارقة تنقسم إلى قسمین رئیسیّین یصعب الفصل بینهما، هما المفارقة اللفظیّة ومفارقة الموقف، ویحاول أن یبرز فی المفارقة "تضادّ المخبر والمظهر" حیث نجد أنَّ صاحب المفارقه یقول شیئاً لکنَّه فی الواقع یقول شیئاً آخر مختلفاً تماماً، إذ المفارقة مطمئنّة إلى أنَّ الأمور هی علی ما تبدو علیه ولایحسّ أنَّها حقیقة مختلفة تماماً، إذ المفارقة تطلب تضادّاً أو تنافراً بین الحقیقة والمظهر وأنَّها تکون أشدّ وقعاً عند ما یشتدّ التضادّ.» (أحمد غنیم، 1998م: 238)   

   «البناء المفارقی یکشف عن التعارض بین أطراف قد تبدو متعارضة، وعن اجتماع ثنائیات متضادّة لا یجب أن تجتمع. وتعرف المفارقة بأنَّها هی استراتیجیّة الإحباط، واللامبالاة، وخیبة الأمل، ولکنَّها -فی الوقت نفسه- تنطوی علی جانب إیجابی، فقد تنظر إلیها علی أنَّها سلاح هجومی فعّال. وهذا السلاح هو الضحک لکنَّه لیس الضحک الّذی یتولّد عن الکومیدیا، بل الضحک الّذی یتولّد عن التوتّر الحادّ، والضغط الّذی لابدّ أن ینفجر.» (الذبیانی، 1431ق: 162) وقد لانبالغ إذا قلنا إنَّ عدداً قلیلاً من الشعراء یستطیعون التعبیر عن المواقف الفاجعة بطریقة ساخرة ومقنعة ومؤثّرة، فالمفارقة بحاجة إلی شاعر واعٍ فطنٍ یستطیع أن یستلهم من مواقف مجدّدة مواقف متباینة، وأن یصل إلی عقل المتلقّی ووجدانه بطریق وعر لایجید سلوکه إلاّ الواعون ولیست السخریّة غایة بحدّ ذاتها ولکنَّها وسیلة للبلوغ إلی هدف نبیل، ولیست کلّ سخریّة مفارقة، فالسخریّة المبتذلة والساذجة والمتهافتة لا مکان لها فی عالم المفارقة.

 

أسئلة البحث

   نحن نواجه فی هذه المقالة عدّة أسئلة ونرید أن نجیب عنها:

1-               ما هی المفارقة التصویریّة وأنواعها؟

2-              لمَ یستفید الرصافی من هذا العنصر الفنّی؟

 

أجوبة البحث والفرضیات

1-  المفارقة التصویریّة تقنیّة یستخدمه الشاعر المعاصر لإبراز التناقض بین طرفین متقابلین بینهما نوع من التناقض. وإنَّ المفارقة تقوم علی تظاهر المرء بکونه خلاف ما هو علیه فصاحب المفارقة قد یقول شیئاً لکنَّه فی الحقیقة یعنی شیئاً مختلفاً تماماً، وتنقسم المفارقة التصویریّة إلی أقسام مختلفة وهی المفارقة اللاشخصیّة، ومفارقة الاستخفاف بالذات، ومفارقة التنافر بالبسیط، والمفارقة الدرامیّة، والمفارقة ذات الطرفین المعاصرین، والمفارقة ذات المعطیات التراثیّة.

2-  تعدّ المفارقة تعبیراً لغویاً، تسمح للرصافی بالدخول إلى عالم النصّ الأدبی، وتؤدّی مجموعة کبیرة من الوظائف التی تختلف مستویاتها من نصّ إلى آخر. ممّا جعلها آلة فعّالة ومفتاحاً جوهریاً من مفاتیح النصّ، وکان الرصافی یوظّف هذا العنصر الفنیّ فی أشعاره بالأشکال المختلفة حتّی تجسّد هذه التقنّیة نفسیّة الرصافی وواقعه المعیش الذی یعانی منه. ومن أغراض توظیف المفارقة عند الرصافی: إن تباغت القارئ وتجعله بالتالی کثیر الانتباه، إنَّها تحفز القارئ على التفکیر والتأمّل فی موضوع المفارقة، تمنح القارئ "انفعالیاً" لأنَّها تمنحه حسّاً باکتشاف علاقات خفیّة فی القصیدة.

 

خلفیّة البحث

   قد بحث عن المفارقة التصویریّة فی البلدان العربیّة قلیل من المقالات، منها "المفارقة التصویریّة فی شعر مهیار الدیلمی" لعامر صلال الحسناوی فی مجلة آداب ذی قار، عدد4، تشرین الأول، 2011م. وکذلک کتاب "عناصر الإبداع الفنّیّ فی شعر أحمد مطر" لکمال أحمد غنیم. ونظراً لأنَّ هذا الموضوع لم یبحث ولم یحقّق فی بلادنا إیران، قمنا بإیراد وبسط هذا العنصر الإبداعیّ الفنّیّ فی شعر معروف الرصافی لمعرفة المفارقة التصویریّة وتحلیلها فی شعره وکیفیّة عناصرها وأنواع المفارقة التصویریّة. والمنهج الّذی نستخدمه فی هذه المقالة هو الوصفیّ التحلیلیّ.

 

المفارقة التصویریّة فی اللغة

   «المفارقة مصدر "فارق" فی باب المفاعلة وجذرها الثلاثی "فرق". لا یخرج مفهوم المفارقة فی اللغة عن معنی الفصل والتفریق ما بین الشیئین. نفهم منه أنَّ دلالة الأصل اللغوی للفرق تؤکّد مدلولاً واحدًا، وهو الانقسام والتباعد.» (الجوهری، 2005م: 809) «وعند الرجوع إلى قاموس أکسفورد نرى أنَّ مصطلح "irony" مشتقّ من الکلمة اللاتینیّة "ironia" الّتی تعنی التخفّی تحت مظهر مخادع، والتظاهر بالجهل عن القصد وهو ینقسم إلى ثلاثة أقسام: الأوّل: هوشکل من أشکال القول، والمعنى المقصود منه عکس المعنى الّذی تعبّر عنه الکلمات المستخدمة ویأخذ –عادةً- شکل السخریّة حیث یستخدم تعبیرات المدح، وهی تحمل فی باطنها الذمّ والهجاء. والثانی: نتائج متناقضة لأحداث کما فی حالة السخریّة من الأمور. والثالث: التخفّی تحت مظهر مخادع أو الادعاء والتظاهر.» (hornby، 1390ش: 824)

 

المفارقة التصویریّة فی المفهوم الاصطلاحی

   ترجع أصول هذا الأسلوب إلى البلاغة العربیّة الّتی انصبّ اهتمامها على لون من التصویر البدیعیّ القائم على مبدأ متضادّ سواء أکان فی شکله البسیط "الطباق" أم فی صورته المرکّبة "المقابلة" ومن المعلوم أنَّ هذا المبدأ یقوم على الجمع بین المتضادّات اللفظیّة فی بیت أو عبارة ویشتمل على تناقض واقعیّ بین أجزاء المفارقة. ویری د.سی. میوک[1] -وهو من أهمّ دارسی المفارقة- أنَّه لا یوجد تحدید واضح للمفارقة، ولا توجد قائمة تحتوی على تقنیّات المفارقة وطرق استخدامها، حتّى یتمکن الناقد من وضع بطاقة تعریف على کلّ عبارة من عبارات المفارقة الّتی یجدها فی النص الأدبیّ. وکذلک ترتبط المفارقة الّتی عنده بکثیر من أشکال التعبیر الأدبیّ، فهی تعدّ مزیجًا من فنّ الهجاء[2] وفنّ السخریّة[3] وفنّ العبث والفنّ الضاحک.[4] Muecke,1982,17)) «المفارقة التصویریّة مصطلح غربی لم تعرفه العربیّة ولم یدخل دراساتها إلّا من وقت قریب عبر الترجمة؛ والحقیقة أنَّ هذا المصطلح مسبّب جدل واسع حوله فی الغرب فهو مصطلح غامض شاکّ یثیر الالتباس. فإذا کان "ما لا تاریخ له یمکن تعریفه" على حدّ تعبیر نیّته؛ فإنَّ مسألة إیجاد تعریف محدّد لهذا المصطلح المراوغ العصیّ على الفهم، یعدّ مسألة صعبة جدّا نظراً لتاریخه الطویل المتشعّب.» (علی، 2009م: العدد 53)

   «وقد وردت کلمة "آیرونئیا" لأوّل مرّة فی کتاب "الجمهوریّة" لأفلاطون وقد أطلقها على أحد ضحایاه، وهی تعنی طریقة ناعمة هادئة فی خداع الآخرین، وتشیر کلمة "آیرون" عند "دیموسثینیس" إلى رجل یتهرّب من مسؤولیّاته کمواطن بادّعاء عدم اللیاقة. کما تعنی الکلمة عند دیموسثینیس إنساناً مراوغاً لا یلتزم بحال، یخفی عداوته، یدّعی الصداقة، یسیء التعبیر عن أفعاله، ولا یدلی بجواب واضح أبداً.» (کالین­موکه، 1389ق: 25) «والفیلسوف الألمانی "سورن کیرکیجور" یتّجه بشکل رئیسی فی مفهومه عن المفارقة إلی ما یدعوه بـ"الطورین: الجمالی والأخلاقی من التطوّر الروحی". ویری "کیرکیجور" أنَّ من یمتلک مفارقة جوهریّة، فإنَّه یمتلکها طوال النهار، فهو لایتّصف بالمفارقة بین وقت وآخر، بل إنَّه یعتقد أنَّ الوجود کلّه یقع فی باب المفارقة، ولایتّخذ المفارقة وسیلة لینال إعجاب الآخرین.» (Rasmussen,2005:2)

   «المفارقة التصویریّة تقنیّة یستخدمه الشاعر المعاصر لإبراز التناقض بین طرفین متقابلین بینهما نوع من التناقض. وعلى الرغم من أنَّ شعرنا القدیم قد عرف صورًا من المفارقة التصویریّة، وفطن إلى الدور الّذی تقوم به عملیة إبراز التناقض بین النقیضین فیتجلّى معنى کلّ منها فی أکمل صورة، ولخّص إدراکه لهذا الدور فی تلک الحکمة المشهورة: والضدّ یظهر حسنه الضدّ.» (عشری زاید، 2008م:130) ویشیر د.سی.میوک فی کتابه "Irony and the Ironic" إلى مفهوم المفارقة الذی قد تطوّر تطوّراً بطیئاً جدّاً فی إنجلترا کما فی دول أروبا الحدیثة الأخرى، حیث کانت المفارقة طریقة فی معاملة خصم فی جدال، وفی نهایة القرن الثامن عشر وبدایة القرن التاسع عشر اکتسبت کلمة "المفارقة" عدداً من المعانی القدیمة. «ویرى أنَّ المفارقة تنقسم إلى قسمین رئیسیّین یصعب الفصل بینهما، هما المفارقة اللفظیّة ومفارقة الموقف، ویحاول أن یبرز فی المفارقة "تضادّ المخبر والمظهر" حیث نجد أنَّ صاحب المفارقه یقول شیئاً لکنَّه فی الواقع یقول شیئاً آخر مختلفاً تماماً، إذ المفارقة مطمئنّة إلى أنَّ الأمور هی علی ما یبدو علیه ولا یحسّ أنَّها حقیقة مختلفة تماماً، إذ المفارقة تطلب تضادًّا أوتنافراً بین الحقیقة والمظهر وأنَّها تکون أشدّ وقعاً عندما یشتدّ التضادّ.» (أحمد غنیم، 1998م: 238)

   وقد ذهب میوک إلی أنَّ للمفارقة خمسة عناصر هامّة تمیّزها:

الأوّل: تضادّ المخبر والمظهر: کما قلنا إنَّ صاحب المفارقة یقول شیئاً لکنَّه فی الواقع یقول شیئاً آخر مختلفاً تماماً، والمفارقة مطمئنّة إلی أنَّ الأمور هی علی ما یبدو علیه ولایحسّ أنَّها حقیقة مختلفة تماماً؛ إذ المفارقة تتطلّب تضاداً أو تنافراً بین الحقیقة والمظهر وأنَّها تکون أشدّ وقعاً عندما یشتدُّ التضادّ.

الثانی: العنصر الکومیدیّ: هذا العنصر یکمن فی الخصائص الشکلیّة للمفارقة: التضادّ أو التنافر الأساسیّ بالإضافة إلى غفلة مطمئنّة فعلیّة أو مصطنعة ولیس هناک امرؤ یناقض نفسه عن القصد (إلاّ عندما یرید حلّ تناقض على مستوًى آخر: الأمر الّذی لا یکون فیه تناقض فعلیّ) وینجم عن ذلک ظهور تناقض مقصود یقیم توتّراً نفسیًّا لایسری عنه سوى الضحک. وقد یحدث أن یکون العنصر الکومیدیّ ضعیفاً فی بعض أمثلة المفارقة إذ العنصر المؤلم شدید، لکنَّ المفارقة قد تکون أکثر تأثیراً إذا اجتمع فیها العنصر الکومیدیّ والعنصر المؤلم.

الثالث: الغفلة المطمئنة: «وهی التی تعنی انخداع الضحیة واتّصافها بالسذاجة الفکریّة والقناعة البلهاء بمظاهر تتفاوت فی درجاتها من الکبریاء والقناعة یصطنعها صاحب المفارقة متبجّحًا بعدم علمه إیّاها علی وجه الحقیقة، فهی غفلة مصطنعة من الشاعر فعلیة لدى الضحیة.» (شمادة ­علی، 2011م: العدد10) وهکذا تبدو الغفلة المطمئنّة للرصافی فی أعلی درجات غرور الممدوحین المتجاهلین وتبجّحهم بالکبریاء والنفاق معًا.

الرابع: عنصر التجرّد: التجرّد القائم علی اصطناع الشاعر "صاحب المفارقة" لصفات وأسالیب معیّنة تتّسم بالموضوعیة والصفاء والجدّیة والحیادیة، متّصلاً عنها فیبدو کأنَّ الأمر لایعنیه. وهو یوجد أحیاناً فی الأسلوب المصطنع لدى صاحب المفارقة وأحیاناً یوجد فی الموقف الفعلیّ لدی صاحب المفارقة أو المراقب المتّصف بها. «إنَّ ما یشعر به المراقب ذو المفارقة –عادةً- فی وجود موقف المفارقة یمکن أن یلخّص فی کلمات ثلاث: التفوّق، والحرّیّة، والتسلیة. فوعی صاحب المفارقة بنفسه بوصفه مراقباً یمیل إلی زیادة شعوره بالحرّیّة وتوفیر حالة من الصفاء أو الابتهاج أو ربّما من الحبور. وإنَّ وعیه بغفلة الضحیّة یدفعه لیری الضحیّة مقیّداً متورّطاً حیث ینعم هو بالحرّیّة، مرتبطاً حیث یصبح هو غیر ملتزم، مطمئنًّا سریع التصدّق أو ساذجاً، حیث یصبح هو منتقداً، مشکّکاً أو راضیاً بتأجیل الحکم. وحیث یصبح موقفه موقف امرئ یبدو عالمه حقیقیًّا ینطوی علی معنی یجد عالم الضحیّة وهماً أو تافهاً.» (علی، 2009م: العدد53)

الخامس: «والعنصر الأخیر هو العنصر الجمالیّ، حیث إنَّ القصّة الظریفة الّتی تحوی المکوّنات اللازمة لا تبعث السرور إذا أسیء سردها وکذلک الأمر فی المفارقة. ویری میوک أنَّ هذه العناصر متداخلة فی جمیع الأحوال، وأنّ الظواهر الّتی تقتصر علی جزء من هذه الخصائص، أو تضمّها جمیعاً عدا قلیل منها فی شکل ضعیف سوف ینظر إلیها علی أنَّها لیست من المفارقة، أو أنَّها من أشباه المفارقة.» (أحمد غنیم، 1998م: 236)

 

وظیفة المفارقة

   «للمفارقة وظیفة هامّة فی العمل الأدبی إذ شغلت النقّاد والدارسین، وقد بیّنوا ذلک فقال "فروید" إنَّ المفارقة وسیلة شدیدة القرب من النکتة، تحّث لذّة کومیدیّة لدی السامع تخلّصه من المکبوتات الداخلیّة وشبه میوک المفارقة بأداة التوازن الّتی تعطی الحیاة توازنها أو سائرة بخط مستقیم، حینما تحمل علی محمل الجدّ المفرط. وتؤدّی المفارقة وظیفة إصلاحیّة فی الأساس، فهی تشبه أداة التوازن الّتی تبقی للنصّ الأدبی بعداً جمالیّاً من خلال قراءاته الّتی تتعدّد بحسب طبیعة القارئ.» (عباس، 2011: العدد 2)

 

نبذة عن حیاة معروف الرصافی (1294- 1364هـ/ 1945-1877م)

   «ولد الرصافی فی بغداد، وتلقّی علومه اللغویّة والأدبیّة علی ید أحد من أشهر أساتذة بغداد فی الدراسات الدینیّة واللغویّة، وهو لیس إلا الشیخ محمود شکری الآلوسی. بقی الرصافی یدرس علی ید الآلوسی قرابة اثنتی عشرة سنة؛ وعندما قامت السلطات العثمانیّة بنفی الآلوسی من بغداد کان الرصافی قد بلغ درجة عالیة من المعرفة باللغة والشعر القدیم. ویرتبط اسم الرصافی بالأحداث السیاسیّة فی تاریخ العراق فی العقود الأولی من القرن العشرین، کما یرتبط بالتطوّر الاجتماعیّ فی العراق ونجد فی شعره خطّا مستمرّا من التطوّر فی الأفکار والعلاقات السیاسیّة. کانت مسیرته ترتبط بالحیاة العامّة، ورغبته فی التسنّم على المناصب الرسمیّة جعلته یراوح بین قبول السلطة ورفضها: عثمانیّة کانت أو بریطانیّة أو وطنیّة. لکنّ الرفض والتمرّد کانا إجمالاً من أبرز المواقف فی حیاته وشعره.کانت طبیعة الرصافی أبیّة مندفعة، فلم یستطع التسویة عموماً فی المواقف الّتی لا تلیق، لذلک عرف فی حیاته شیئاً من الفقر والنفی والبطالة.» (الجیوسی، 2007م: 252)

   «شعر الرصافی باستهانة الملک والحکومة وعدم منحه ما یستحقّه من التبجیل والإکرام شعوراً أکثر من الآخرین. ومع أنّه ظلّ یمدح ویرثی فی کلّ مناسبة عرضت فإنَّه لم یترک التذمّر والتمرّد حین یجتمع مع أصحابه وأخصّائه. لقد کان الرصافی کالشعراء الآخرین متردّداً بین السلب والإیجاب، یرضی حیناً ویغضب أحیاناً لدوافع نفسیّة وظروف طارئة، مستفیداً من الفرص العارضة ناقماً علیها ضائقاً بها ذرعاً فی آن واحد.» (بصری، 1994م: 104) کانت الأحداث _الّتی لم یشهد لها القرن الماضی مثیلاً_ تهزّ المجتمع العراقیّ آنذاک وتقتحم نصوص شعرائه وتعرّضها ربّما للمرّة الأولی، لریح عاتیة: الانقلاب العثمانیّ، وإعلان الدستور، والحرب العالمیّة الأولی، وثورة العشرین، وإقامة الحکم الوطنیّ عام 1921م. «کان شعر الرصافی مشتملاً على أفکار وموضوعات وهموم تتّصل بالناس: تنبثق منهم وتتّجه إلیهم. وکان الناس یقرأون شعره لما فیه من جمال الصیاغة أو اللغة، بل لوجاهة تلک الأفکار وانحیازها إلی الناس فی کدحهم الیومیّ وحلمهم بحیاة أفضل. إنَّه شعر المحتوی النبیل لا الصیاغة البهیّة. إنَّ الرصافی لاینظر إلی الشعر باعتباره فنًّا أو طریقة خاصّة فی القول، بل مهمّة لخدمة الناس وتوعیتهم.» (هیأة المعجم، 2002م: 352)

 

الرصافی والمفارقة التصویریّة

   کانت المفارقة من إحدی الوسائل الفنّیّة التصویریّة التی استعان بها الرصافی لتجسید أبعاد رؤیته المرکّبة لواقعه المعیش وإخراجها من نطاق الذاتیّة المجرّدة إلی نطاق الموضوعیّة الحسّیّة بالإلحاح علی إبراز التناقضات المختلفة الّتی تخامر طوایا الذات أو تتراءی فی أطراف واقع المعیش لشاعرنا. فی الواقع أنَّ مفارقة الرصافی ولیدة موقف نفسیّ وعقلیّ وثقافیّ معیّن، وهی تعبیر عن موقف مخالف بطریقة غیر مباشرة لخداع الرقابة أو إخفاء النوازع غیر المرضیة. ویبدو مفهوم المفارقة علی هذه الصورة واضحاً فی قصائد معروف الرصافی حیث نشاهده فی أکثر قصائده منها قصیدة "الحرّیّة فی سیاسة المستعمرین" الّتی یقول فیها:

«یا قومُ لا تتَکلّموا                   إنَّ الکلامَ محرَّمُ

نامـوا ولا تَستیقِظوا                  ما فازَ إلاّ النوَّمُ

وَتأَخَّروا عن کُلِّ ما                  یَقضی بأَن تَتقدَّموا

وَدَعـوا التفهُّمَ جانبًا                  فَالخیـرُ ألاّ تَفهموا

وَتَثبِتُوا فی جَهلِکم                   فَالشرُّ أن تَتعلَّموا»

                  )الرصافی، 2006م: 584)

   تظهر عناصر التضادّ بین أقوال الشاعر والواقع الموجود وتبدو الغفلة المطمئنّة واضحةً فی أعلی مراتب بین جمهور البلد حیثما یتنبّه الشاعر عن هذا ویظهر العنصر الکومیدیّ واضحاً تتضارب معه العواطف والأفکار فی سخریّة مرّة تثیر الضحک والبکاء إذ إنَّ الصورة تخفی وراءها بشفّافیّةٍ صورة الواقع العربیّ الألیم الّذی یسیطر علی المجتمع العربیّ لأنَّ أهداف المستعمرین وأفکارهم واضحة وهم یتبعون مصالحهم الاستعماریّة وینهبون الملل ویبقون الدمار فی النهایة. ویستخدم الشاعر البناء الدرامیّ القائم على السرد القصصیّ، وفی لغة الشاعر السهلة المعبّرة عن أعماق المعانی الّتی یرمی إلیها فی نقد الواقع العربیّ، ووصمه بأبشع الألفاظ والصور ووضوح الرموز ونجاحها فی أداء المعنى وتناسق موسیقى القصیدة مع الموضوع خاصّة قافیة القصیدة الّتی جاءت علی حرف المیم الّذی یناسب التفوّه بالعبارات الجوفاء الصارمة القاطعة المعبّرة شکلاً ومضموناً عن الاستبداد والتسلّط، فالشفاه تنطبق مع انتهاء السطر الشعریّ فی شکل یوحی بالقطع فی الأمر، والمضمون یعبّر عن استبداد المستشرقین الغربیّین وهم ینهبون ویسلبون أمم الشرق ونیّاتهم البشعة هذه وهی بیّنة ورغم ذلک لم یرَ الشعب هذه الأعمال وفی نظرتهم أنَّ الغرب ذوالفضل والخیرات ویأتیهم العمران والصلاح، وذلک شؤون متناقضة مع الواقع.

   «ویکتمل القول حول هذه القصیدة الممثّلة لمعظم أشعار معروف الرصافی بظهور تقنیّة المفارقة التصویریّة واضحاً فیها، من خلال إبراز الشاعر للتناقض بین طرفین متقابلین یتمثّلان فی الغرب وأعوانه من المستعمرین من جهة والفوز والتقدّم والخیرات من جهة أخرى، حیث یستنکر الشاعر هذا التناقض ویدعو قومه إلى النوم وعدم الدفاع عن الحق والتأخّر لأنَّ هذه الأمور تؤدّی إلى الفوز والتقدّم.» (أحمد غنیم، 1998م: 238)

 

أنواع المفارقة التصویریّة فی شعر الرصافی

   «ویلاحَظ أنَّ "میوک" قد نظر فی تقسیمه لأنواع المفارقة وضحیّتها وجعلها بناءً علی ذلک عدّة أنواع أهمّها المفارقة اللاشخصیّة، ومفارقة الاستخفاف بالذات، ومفارقة الفجاجة، ومفارقة الکشف عن الذات، ومفارقة التنافر البسیط، والمفارقة الدرامیّة، ومفارقة الأحداث. حیثما یقسّم علی عشری زاید أنماط المفارقة إلى طبیعة الطرفین المتناقضین، وجعلها نوعین أساسیّین، وهما المفارقة ذات الطرفین المعاصرین والمفارقة ذات المعطیات التراثیّة.» (المصدر نفسه: 239) ونحن نوضّح فی هذه المقالة أنواع المفارقة فی أشعار معروف الرصافی حسب تقسیماتهما هذه:

 

المفارقة اللاشخصیّة

   «هی طریقة فی اتخاذ المفارقة لاتستند إلى أیّ وزن یمنح لشخصیّة صاحب المفارقة حدثاً یخفی نفسه وراء قناع الکلمات، فکلماته وحدها أو تعارضها مع ما نعرف، تنتج المفارقة، وهو یتمیّز عادةً بجفاف أو صرامة فی الأسلوب، وتکون النبرة نبرة متکلّم عاقل ینطلق علی رسله متواضع غیر عاطفیّ.» (المصدر نفسه:239) عندما یستتر صاحب المفارقة خلف قناع کلماته المعارضة للواقع المألوف، نرى هذا النوع من المفارقة کثیراً فی أشعار الرصافی ویلبس الشاعر قناعاً ویخفى وراءه ویودع لکلماته المتناقضة مع الواقع یکشف ما یصوّره من المفارقات ومن ذلک قوله فی قصیدة "الوزارة المذنبة":

«أهلَ بغدادَ  أَفیـقوا                مِن کری هذی الغَراره

إنَّ دیکَ الدهرِ قَد                  باضَ بِبغدادَ وزاره

شأنُها شأنٌ عجیبٌ                قَصَّرت عنه العباره

هی للجاهلِ عزٌّ                ولذی العلمِ حقاره

ملکَ البدو بها الأمرَ               علی أهلِ الحضارةِ

کم لها مِن  هَفواتٍ                تسلُب الطودَ وقارة

فکأنَّ الحکمَ والعدلَ                بها  قِطٌّ  وفارَة

وَوزیرُ  مُلحـق  کالذ               یلِ فی عَجز الحمارة

أنتمُ الأصنامُ  لولا                 نزقاتٌ مستطاره[5]»

               (الرصافی، 2006م: 605)

   عنوان القصیدة یبیّن لنا أنَّه ربّما توجد فی الشعر المفارقة حیث نشاهد أنَّ التضادّ بین المظهر والمخبر کصفة أساسیّة فی المفارقة ومنها التناقض فی صورة الوزیر وهی لدی الجاهل عزّ ولدی العالم حقارة، وهو ملک البدو والأمر بها علی أهل الحضارة، والحکم والعدل هما من صفات رئیسیّة والواقع أنَّهما کالقطّ والفأرة لدى الوزیر. یظهر التضادّ والسخریّة بشکل واضح بین تمام أجزائه إلى أن یوضح الشاعر هذا الوزیر کالذَنَب وهو منفعل لیس له أثر وإرادة. وصور المفارقة صارخة والشاعر یخفی نفسه وراء جملات والکلمات المتناقضة تخرج من فمه وتکشف ما یصورّه من مفارقات.

   من نماذج أخری فی هذا النوع من المفارقة قصیدة "الحرّیّة فی سیاسة المستعمرین" الّتی یقول فیها:

«فارضوا بحُکمِ  الدهرِ               مَهما کان فیه تحَکُمُ

وَإذا ظُلمتُم فَاضحَکوا               طَربًا  ولاتتَظلموا

وَإذا أَهَنتم فَاشکروا                  وَإذا لُطِمتُم فَابسموا

إِن قیلَ هـذا شَهدُکم                   مرٌّ، فقولوا: عَلقمُ

أَو قیلَ  إنَّ  بلادَکم                  یا قومُ  سوف تُقسَّم

فَتحمَّدوا وتَشکروا                  وَتَرنّحوا، وَتَرنَّموا[6]»

 (المصدر نفسه: 584)

   فقد صوّر الشاعر فی هذه الأبیات، المفارقة بشکل جیّد لقد لبس الرصافی قناعاً ویخفی نفسه وراء الکلمات وترک لکلماته المتناقضة مع الواقع أن تکشف عمّا یصوّره من مفارقات. وکان الرصافی یُرینا التضادّ بین المظهر والمخبر وهو میزة رئیسیّة فی المفارقة ومنها التناقض بین الشکر تجاه الإهانة والابتسام تجاه اللطم وشهدکم مرّ. والمفارقة بین أجزاء الشعر واضحة حیث یهتمّ الشاعر أن یهیّج عواطف شعب العراق بالسخریّة المریرة والتناقض الصارخ بینهم والواقع العربیّ وهذه الکلمات المتناقضة تکشف ما یصوّره من المفارقات ویبقی أعمق أثر فی الکلام ویبدو واضحاً أنَّ الشاعر یسعی أن یبقی فی ذهن المتلقّی أکثر من الصورة للواقع، التناقض مع الإعلام والتصریحات القائمة علی الادّعاء.

 

مفارقة الاستخفاف بالذات

   «هی طریقة فی اتخاذ المفارقة التصویریّة، یلبس فیها صاحب المفارقة قناعًا ذا أثر إیجابیّ فی هیأة تقمّص شخصیّة، حیث یحمل نفسه إلی المسرح فی شخص امرئ جاهل، وسریع التصدیق، وجادّ، ومفرط فی الحماس، یعمل على التقلیل من قدر نفسه مستغلاًّ ما یعطیه من انطباع عن نفسه لیکون جزءًا من وسیلة المفارقة.» (أحمد غنیم، 1998م: 241) وقد وظّف الشاعر هذه الطریقة فی التصویر عدّة مرّات، منها قوله فی قصیدة "یا محبّ الشرق":

                    «یا مُحبَّ الشرقِ أهلاً                   بکَ یا مستر کِراین[7]

                      مرحباً بالزائرِالمشـ                     ـهورِ فی کلِّ المدائن

                   مَرحبًا بالقادمِ  المشـ                     ـکور فی هذی المواطن

                  فَضلُکم بادٍ لی الشرقُ                    وشکرُ الشرقِ عالِن»

(الرصافی، 2006م: 567)

   فی هذه القصیدة یخفی الشاعر نفسه وراء قناع الکلمات ویصوّر صاحب المفارقة أی الرصافی نفسه فی شخص ساذج، وسریع التصدیق، مقلّلاً من قدر نفسه وقومه، وهناک یوصل نفسه إلى أعلی مراتب الجهل والإفراط فی السذاجة وتبدو الحیرة والدهشة لمن قرأ شعره وهذه السذاجة تنتج المفارقة وتکشف فظاعة الواقع العربیّ وهولاء الرؤساء یخضعون لعملیّة استعمار واستثمار بلادهم والرصافی یخطب الشخص الغربیّ "کراین" بالسخریّة المرّة بأنَّ زیارته بلاد العراق تحتوی الفضل والتقدّم، ویرحّب بِوروده الرصافیُ حین قدوم هذا المموَّل الأمریکی حیث وضعه شخصاً ساذجاً وکلّما یقوله یؤیّدها ویقلّل قدر نفسه وشعبه کأنَّهم راضٍ بهذا الاستعمار والاستثمار وهم شاکرون تجاه المستعمرین. هذه القصیدة نموذج بارز لروح الرصافی المضادةّ للاستعمار وهو یعتقد بأنَّ هذا الأیاب والذهاب من جانب المموّلین الأمریکیّین لا جدوی فیه للشعب العراقی، وفی نظرته التملّق والریاء أبشع الأعمال من جانب الأشخاص الّذین یسلکون معهم. وأقوال الرصافی هذه یبدی فظاعة المفارقة بین کلمات القصیدة والشاعر یحسب نفسه شخصًا ساذجًا سریع التصدیق کإنسان کلّ ما یقوله یقبله.

مفارقة التنافر البسیط

   «تعتمد هذه المفارقة علی وجود تجاور شدید بین قولین متناقضین، أو صورتین متنافرتین من غیر تعلیق، وقد برع الشاعر فی توظیف هذه المفارقة فی أکثر من موضع فی قصائده، والرصافی یصوّر هذا المفارقة بسذاجة عندما یقرأ القارئ یفهم غرض الشاعر منه وإنَّ الشاعر یجسّد التناقض والتنافر بین الکلمات بالعبارات القلیلة والبسیطة.» (أحمد غنیم، 1998م: 245) من ذلک قوله فی قصیدة "الطفل الملتحی":

                     «معارفُ بغدادَ قَد جاءَها               مدیرٌ مِن الطیشِ فی مسرحِ

                      حمارٌ وَلکنّه ناطقٌ                 وَطفلٌ ولکنَه مُلتحی

                   فیا أیُّها العلم عنها اِرتَحِل                 وَیا أیُّها الجهل فیها اِسلَح[8]»

 (الرصافی، 2006م: 713)

   صوّر الشاعر التناقض بین معارف بغداد ومعالمها وإدارة أمور الشعب والبلاد حیث یتمّ أعماله دون التعقّل والفکر، ویسخر من إلقاء المحاضرات الّتی تدلى بین الشعب حتى یشبهه بالحمار لیُری بأنَّه لم یهتمّ بکلامه. وفی البیت الأخیر یتمّ الدعاء لمعارف بغداد وهو ینشأ من أعمال غیر واعیة وعلم، حیث یطلب الله ارتحال واجتناب العلم من هذا المعالم وإقبالهم علی الجهل. وهذا التنافر واضح بین قولین متناقضین.

 

المفارقة الدرامیّة

   ولما کانت المفارقة الدرامیّة تشکل عمود المسرح فهذا لا یعنی اقتصارها على الجانب الدرامیّ فحسب، فهی قد ترد فی الملحمة والشعر القصصیّ، وتقوم على جهل الضحیّة بالموقف الّذی هی فیه، وتبدو المفارقة الدرامیّة أبلغ أثراً إذا ما کان کلّ من المتلقّی "الجمهور والقارئ"، وشخص آخر فی التمثیلیّة أو القصّة على وعی بجهل الضحیّة غیر الواعیة لما یصدر عنها من کلمات تناسب الموقف الحقیقیّ الّذی لا یعین، وهذا اللون من المفارقة ندرکه فی المغزى القصصیّ الدرامیّ الّذی وظّفه الرصافی فی قصیدة "إیقاظ الرقود" الّتی یقول فیها:

                                         «أَلا یا أیُّها الملکُ المفدّی

           أَنِم عن أَن تسوسَ الملک طرفا                 أَقم ما تَشتهی زمراً وعزفا

           أَطِل نکرَ الرعیةِ، خلّ عُرفا                   سُمِ البلدانَ مَهما شئتَ خَسفا

                                     وأَرسِل مَن تشاء إلی اللحودِ

            فَدَتک الناسُ من ملکٍ مطاعِ                  أَبِـن ما شئتَ مِن طُرُق ابتداع

             وَلا تخشَ الإلهَ ولا تراعِ                    فهل هذی البلادُ سِوی ضَیاع

                                     ملکت، أَو العبادُ سوی عَبیدِ؟

            تَنعّم فی قصورِک غیر دار                    أَ عاشَ الناسُ أَم هُم فی بَوارِ

              فإِنَّک لَن تطالب باعتـذارِ                    وَهَب أَنَّ الممالکَ فی دمارِ

                                      أَ لیس بناءُ (یلدز) بالمشید؟

        جمیعُ ملوکِ هذی الأرض فُلکٌ                     وأَنت البحرُ فیک ندیً وهُلکُ

           فأنَّى یَبلغوک وَذاکَ  إفکٌ                      لَئِن وهبوا النقودَ فأَنتَ ملکُ

            وَهوبٌ  لِلبلادِ ولِلنقودِ»

 (المصدر نفسه: 177)

   والمتهم الضحیّ هنا هو شعب العراق وهم لایدرون سبب هذا الدمار وانتداب بلدهم، والملک یقوم بما یشتهی من زمر وعزف، وسیامة الخسف إلی الشعب، وقتل الشعب أیّهم یطلب الملک، والشاعر یعدّ جمهور العراق عبیداً وعیشهم فی بوار وهلاکة، وعندما البلد فی الدمار وضیق، ملک یبنی لنفسه القصر الشامخ ووهوب من البلاد ونقود الحکومة.کلّ هذه المفارقات سلسلة من الأحداث الدرامیّة الّتی تحدث فی هذا المسرح القصصیّ. وشاعرنا طوال هذه القصیدة یقوم بالهزء والسخریّة ویسأل الملک بالتهکّم: ألیس بناء یلدز بالمشیّد؟ الرصافی یصوّر فی ذهن المخاطب عدّة من المفارقات المتتالیة الدرامیّة لیوقع أثراً عمیقاً فی المخاطب.

 

المفارقة ذات الطرفین المعاصرین

   لهذا الشکل من أشکال المفارقة نمطان أساسیّان، یقابل کلّ منهما الآخر فی الأسلوب، حیث یصوّر فی هذه المفارقة التصویریّة التناقض بین طرفین معاصرین وتنقسم إلى نمطین أساسیّین حیث یفرقان من جهة عناصرهما الجزئیّة والکلّیّة.

النمط الأوَّل

   «هذا نمط یضع الشاعر فیه الطرف الأول مکتملاً بکلّ عناصره ومقوّماته فی مواجهة الطرف الثانی مکتملاً أیضًا بکلّ عناصره ومقوّماته، وفی أثناء المقابلة بینهما تؤثّر المفارقة تأثیرها، ویبرز التناقض بین الطرفین واضحاً وفادحاً.» (عشری زاید، 2008م:133) وقد وظّف الشاعر هذا الشکل من أشکال المفارقة فی عدّة قصائد، منها قصیدة "نحن فی بغداد" الّتی یقول فیها:

 

                    «أَیا سائلاً عَنَّا ببغدادَ إنَّنا                 بهائمُ فی  بغدادَ أَعوزها النَبتُ

علَت أمَّةُ الغربِ السماءَ وأَشرقَت             علینا فظَلنا نَنظرُ القومَ من تحتُ

وَهُم رکَضوا خیلَ المساعی وَقد کَبا             بنا فَرسٌ عن مِقنَب السعی مُنبَتُّ

                    فنَحنُ أناسٌ لم نَزل فی بَطالةٍ               کأنَّا یهودٌ کلُّ أَیّامنا سَبتُ

     خَضَعنا لِحـکّام تجـور وَقَد حَلا               بأفواهِها مِن مالِنا مَأکل سُحتُ[9]»

 (الرصافی، 2006م: 226)

   یقابل الشاعر حالتین معاصرتین من حالات التعامل بین شعب العراق والغربیّین، الحالة الأولى فی شعب العراق حیث شبّه الشاعر نفسه وشعبه بالبهائم فی بغداد أعوزها النبت، وشعب العراق فی بطالة دائمًا ومازالوا یعیشون معیشة المظلومین، والشاعر یرى الشعب فی الذلّ والهوان، والحالة الثانیة لدى الغربیّین وهم أصحاب المنزلة والمقام کأنّهم نور فی السماء وأشرقوا على الشعب ویرکضون خیل المساعی وهم حکّام وقد بدأ أکل أموالنا فی أفواههم حلوًا. ویصوّر الشاعر المفارقة بین الطرفین المعاصرین واضحًا وبالسخریّة المرّة حیث یعدّ الشعب العراقیّ یهودًا ولدیهم یوم السبت عطلة وفی نظرته کلّ أیّام شعب العراق فی العطلة ولیس لهم عمل وإقدام ولم ینهضوا أمام الظلم الّذی یتمّ من جانب الغربیّین. یشاهد الشاعر کلّ هذه الأعمال الفظیعة الّتی تقبل علیهم من أجل الإهمال والبطالة. وهذا التناقض والسخریّة یبقی أعمق أثر فی المفارقة.

 

النمط الثانی

   «أمّا النمط الثانی من نمطی المفارقة ذات الطرفین المعاصرین، فإنّ الشاعر لا یجعل فیه کلاًّ من الطرفین متکاملاً فی مقابل الآخر، وإنَّما یفتّت کلّ منهما إلی مجموعة من العناصر الجزئیّة التفصیلیّة، ثم یضع کلّ عنصر منها فی مقابل ما یناقضه من عناصر الطرف الآخر، حیث تصبح المفارقة فی نهایة الأمر مجموعة من المفارقات الجزئیّة.» (عشری زاید، 2008م: 136) وقد وظّف معروف الرصافی هذا الشکل فی عدّة قصائد، منها قصیدة "وما المرء إلاّ بیت شعر" الّتی یقول فیها:

                      «تُنظمُنا الأیّامُ  شعراً  وإنَّما              تردُّ  المنایا ما نَظمنَ  إلی  نثرِ

                   غمنَّا طویلُ البحرِ مُسهَبُ عمره              وَمنَّا قصیرُ البحرِ مختصرُ العمرِ

                  وَهذا مدیحٌ صِیغَ مِن أَطیبِ الثنا             وَذاکَ هجاءٌ صِیغَ مِن منطقِ هُجرِ

                    رَضیتُم بأکفانِ البلی حُللاً لَکم             وَکُنتم أُولی الدیباجِ وَالحللِ الحمرِ[10]»

 (الرصافی، 2006م: 32)

   قد صوّر الشاعر فیها طرفین معاصرین ویفتّت إلی مجموعة من العناصر، وجعل کلّ عنصر منها تجاه العنصر المقابل، وقد جعل الإنسان الطویل البحر إزاء الإنسان القصیر البحر، ومسهب العمر یقابله بمختصر العمر، والمدیح تجاه الهجاء، والشاعر یجعل الثناء الأطیب مقابل منطق الهُجر. المفارقة توجد من الجزئین المعاصرین وکلّ من طرفی المفارقة یُجعل تجاه الآخر من المفارقة. وفی الأبیات الأخیرة یخاطب الشاعر سکّان بطن الأرض وهم یموتون بأنَّ أکفان البلاء والمصیبة الّتی رضیتم بها حُللاً لکم وکذلک إیذاء من جانب الحشایا المروحة، کلّها یشمل على سخریّة مرّة ویؤتی المفارقة أعمق أثر. ویلاحظ أنَّ الشاعر قد أبرز التناقض علی مستویین، تمّ أولاً علی مستوى جزیئات کلّ من الطرفین، وتحقّق بعد ذلک من خلال الجمع بین هذه الجزئیات علی مستوى القصیدة التی تتألف منها، وبذلک قد رسخ معنى المفارقة فی وجدان المتلقّی أکثر من مرّةٍ ممّا زاد هذا المعنى عمقا ووضوحا.

 

المفارقة ذات المعطیات التراثیّة

   «شاع فی شعرنا العربیّ الحدیث فی المرحلة الأخیرة بناء المفارقة التصویریّة عن طریق استخدام بعض معطیات التراث لإبراز التناقض بینها وبین بعض الأوضاع المعاصرة. المفارقة التصویریّة ذات المعطیات التراثیّة تقنیّة فنّیّة تقوم علی إبراز التناقض بین بعض معطیات التراث وبین بعض الأوضاع المعاصرة، وهی تقوم علی أنماط ثلاثة، منها المفارقة ذات الطرف التراثیّ الواحد والمفارقة ذات الطرفین التراثیّین، والمفارقة المبنیّة علی النص التراثیّ.» (أحمد غنیم، 1998م: 253)

 

النمط الأوّل

   «فی المفارقة ذات الطرف التراثیّ الواحد یقابل الشاعر بین الطرف التراثیّ والطرف الآخر المعاصر.» (عشری زاید، 2008م: 138) ومن ذلک قصیدة "الفقر والسقام" الّتی یقول فیها:

                      فاستَمرَّت حتی الصَباح تُوالی           زَفرات بنارِها القلب صَالِ

                       فأَتاها وَدَمعُها فی انهمالِ           بعضُ جاراتِها وَبعضُ رجالِ

                                        مِن صعالیک أهل ذاک الجناب

                     وَقفوا موقفًا بِه الفقر ألَقی             منه ثقلاً به المعیشة تشقی...

                       أَیُّها الواقفونَ لا تَهمـلوه            دونَکم أَدمُعی بها فأَغسلوه...

                   جادَ شخصٌ علیه بعدَ سؤالِ            بریالٍ وزادَ نصف ریـال

(الرصافی، 2006م: 152)

   إنَّ الشاعر یصوّر حالة جارات فاطمة وهنّ یسکبن من أعینهنّ الدموع لأجل المصاحبة بفاطمة وهذه الصورة فی عصرنا المدنیّ، ویصوّر الطرف المقابل کحالة الصعالیک فی الجاهلیّة وهم لصوص ذوو العدو السریع فی الصحاری، ویصرّح الشاعر بهذا التناقض وقد وظّفها لیعطی بعداً أعمق فی المفارقة بین الحالتین، وهو یرکّز علی أنَّ الشاعر یقوم بسخریّة مرّة فیخاطب جاراتها من الرجال بالصعالیک لأنَّهم ینتظرون لأجل نهب وسلب أموالها ویعتبرهم الجناب والمحترم بالتضادّ والتناقض مع ما نعرفه منهم، وهکذا تتشکّل المفارقة بین الطرفین التراثیّ والمعاصر. یقوم الشاعر بتعلیق ساخر مرّ فی البیت الأخیر بجود السائل منه بالنقود البخسة بعد الإجابة من جانب الشخص الذی یموت.

 

النمط الثانی

   «تتمّ عملیّة المفارقة التصویریّة ذات الطرفین التراثیّین على مستویین، حیث تتمّ أولاً بین هذین الطرفین من جهة وثانیاً بین الدلالة التراثیّة لأحدهما والدلالة المعاصرة الرمزیّة من جهة أخری، وبذلک تزداد المفارقة المزدوجة.» (أحمد غنیم، 1998م: 261) ومن ذلک قصیدة "محاسن الطبیعة" الّتی یقول فیها:

                  «وَقفتُ وَالریحَ سَرَت سَجسَجًا                   وقفةَ مبهوتِ علی الساحلِ

                    أَنظُرُ ما فیه یحارُ الحِجا             فی الکونِ مِن عالٍ ومِن سافلِ

                   یا مَنظراً أَضحکَ ثغرَ الدجی             وَرَدَ سحبانُ إلی باقلِ

                   ما أَنتَ إلاّ صحفٌ عالیه             کَم حارَ فی حکمتِها مِن حکیم

                    إذا وَعَتها أذنٌ واعیه              فقَد وَعَت خیَر کتاب کریم[11]»

 (الرصافی، 2006م: 351)

   المقابلة تتمّ فی المستوی الأوَّل بین طرفین متناقضین هما سحبان وباقل، وباقل هو الصورة الصارخة للإنسان الأحمق ویرمز الشاعر به إلى أمراء ووزراء الحکومة فی بلاده، وسحبان هو الصورة الکبیرة والقیّمة للإنسان العالم والبلیغ الّذی لیس له مقام ومنزلة، وهذه المقابلة بین الطرفین التراثیّین تستدعی العدید من الأحداث والصور فی ذهن المتلقّی، فهما طرفان غنیّان بالإیحاءات والإشارات. ویعطی الشاعر شخصیة بأقل ملامح مدلول رمزیّ معاصر، وهو أمراء ومعالم الحکومة الّذین لیس لهم علم ووعی وهذا خلاف الأمر بالنسبة الیهم، ویرتبط بین الطرفین التراثیّین والطرف المعاصر بالمکان الّذی هو فی أسفل الکون، ویصل بذلک إلی المقابلة فی المستوی الثانی بین الأطراف التراثیّة مِن جهة والأطراف المعاصرة مِن جهة أخری، وهذا الأمر یزید المفارقة عمقها وأثرها ویحسّ المخاطب بقوة المفارقة فظاعةً.

 

النمط الثالث

   «تعتمد المفارقة المبنیّة علی نصّ تراثیّ علی تحویر الشاعر فی النصّ المقتبس أو المضمون رغبةً فی تولید دلالة معاصرة تتناقض مع الدلالة التراثیّة للنصّ الّذی ارتبط به وجدان المتلقّی. ومن خلال المقابلة بین المدلولین التراثیّ والمعاصر تنتج المفارقة.» (أحمد غنیم، 1998م: 262) ومن ذلک تحویر الشاعر لأبیات "السجن فی بغداد" حیث یقول:

            «سَکنَّا وَلم یَسکَن حَراکُ  التَبدُّدِ           مَواطن فیها الیوم أَیمنُ مِن غَدِ

          عَفا رسمُ مغنی العزِّ مِنها کماعَفَت           "لِخولةِ  أطلالٌ  بِبُرقةِ  ثهمد"

           بلادٌ أَناخَ الذلِّ فیها بِکَلکَلِ            علی کلِّ مَفتولِالسَّبالتینِ أَصیدِ[12]»

(الرصافی، 2006م: 81)

   یصف الشاعر الحالة الفظیعة فی سجون العراق من خلال استدعاء النص التراثیّ المشهور لطرفة بن العبد ویذکّرنا الشاعر الرسوم والأطلال الدارسة ویجسّد الأوضاع الفجیعة فی سجون بغداد وإنَّما یعتمد علی تحویر النصّ التراثیّ لتصبح "الرسوم والأطلال" رسم مغنی العزّ، وتصبح الدیار بلادًا، وتصبح الناقة فیها بکلکل الذلّ فیها بکلکل، وبذلک تتحوّل صورة الدیار المحبوبة فی الشعر الجاهلیّ مع ما نعرفه من أطلال وما حوله إلی هذه الصورة الردیئة من الذلّ والهوان. حیث نرى الشاعر یؤتی المظاهر القدیمة من أطلال حیث یقول "لخولة أطلال ببرقة وثهمد" وعلیه أن یقول إنّ للسجناء مکاناً فی بغداد أو مکاناً آخر فی العراق ویؤتیه عوضاً منه.

   ویشیر الشاعر فی کلّ من هذه الأبیات إلى سخریّة مریرة ویعتقد أنَّ موطنه هذا فی السجن آمن من موقعه الماضی، ومکانته الجدیدة مطمئنّة وفی هذه العزّة والکرامة دارسة ویسیطر الذلّ والعار علیه. وهکذا تتحقّق المفارقة من خلال التناقض الفظیع بین مدلول النص التراثیّ والمدلول الجدید الّذی اکتسبه بعد التحویر، ویتمّ ذلک کلّه فی وجدان المتلقّی ووعیه. ومن نماذج هذه المفارقة التراثیّة ذلک التحویر الزاخر فی قصیدة "السجن فی بغداد" الّتی یقول فیها:

   «تَراهُم نهارَ الصیفِ سفعاً کأَنَّهم             أثافیُ أَصلاهَا الطُهاةُ بموقِدِ

       وجوهٌ علیها للشحوبِ ملامحٌ            تلوحُ کباقی الوشمِ فی ظاهرِ الیدِ»[13]

 (المصدر نفسه: 84)

   یصوّر الشاعر فیها سجناء بغداد وحیاتهم المظلمة والسوداء حیث یأتی بأبیات لزهیر بن أبی سلمى لاستدعاء النصّ التراثیّ المشهور فی وصف دیار المحبوبة الّذی یعبّر عن دارها مع الأطلال والآثار الباقیة من أثفیتها ونؤیها. والشاعر یعتمد علی تحویر النصّ التراثیّ لتصبح جسومهم السوداء "سُفعاً"، وتصبح وجوههم من أجل الوقوف تجاه الشمس سوداء «کأنَّهم أثافیُّ أَصلاها الطُهاةُ بموقِدِ»، وتصبح «مثل بقاء الخطوط السوداء علی القرطاس» تلوح کباقی الوشم فی ظاهر الید. وبذلک تتغیّر صورة دیار المحبوبة مع أطلالها وکلّ هذا تذکر الخواطر الجمیلة للشاعر الجاهلیّ وهی تعیش فی هذه الأماکن وکلّ هذه الصور تبدّل إلی الصورة المروعة والمخیفة من صور سجناء بغداد وهکذا توجد المفارقة بین التناقض الواضح بین مدلول النصّ التراثیّ والمدلول الجدید الّذی اکتسبه بعد التحویر، ویتمّ ذلک کلّه فی وجدان المتلقّی ووعیه.

 

النتیجة

   نلخّص ممّا تقدّم أنَّ المفارقة التصویریّة عند معروف الرصافی تتشکّل من التجارب الحیاتیّة والصراعات السیاسیّة الّتی یشارک فیها وهو یری لنفسه تجاه بلاد العراق دوراً هامًّا وهو إیجاد الصحوة الشعبیّة إزاء المستعمرین ومن هذا المنطلق یستفید الرصافی من هذا العنصر الفنّی لینقل إلی الشعب مضامینه ضدّ الإستعماریة فی عهد العثمانی بشکل السخریّة والتناقض. قد تبیّن من دراسة هذا التقنیّة من تقنیّات القصیدة الحدیثة، مدی وغنی وروعة ما یحاول معروف الرصافی أن یوفّره لتجربته الشعریّة من أدوات فنّیّة لا مدى لقدرتها علی الإیحاء والتصویر. وقد نمت هذه الظاهرة فی شعره فهی ظاهرة فنّیّة فی لغة القصیدة الحدیثة یستخدمها الرصافی لإبراز التناقض بین طرفین متقابلین بینهما نوع من التناقض. وکذلک من نتائجه:

  - المفارقة التصویریّة فنّ یستخدمه الشاعر المعاصر لإبراز التناقض بین طرفین متقابلین بینهما نوع من التناقض وتشمل تعریفات مثل أن یقول المرء عکس ما یعنی، والهزوء والسخریّة. وتنقسم المفارقة التصویریّة إلی أقسام مختلفة وهی المفارقة اللاشخصیّة، ومفارقة الاستخفاف بالذات، ومفارقة التنافر بالبسیط، والمفارقة الدرامیّة، والمفارقة ذات الطرفین المعاصرین، والمفارقة ذات المعطیات التراثیّة.    

  -کان الرصافی یستخدم هذا العنصر الفنیّ فی أشعاره بأشکال متعدّدة لتصبح هذه السمة الأسلوبیّة أسًّا قارًّا فی کینونته النفسیّة والثقافیّة ورؤیته لواقعه المعیش، ووسیلة إیحائیّة لأبعاد تجربته الشعریّة.     

  - معروف الرصافی یستعین من هذا التقنیّة الفنّیة لإبراز هواجس نفسه وآماله وفی هذا السبیل یتمتّع من الوسائل التعبیریّة الخاصّة وهی المفارقة التصویریّة الّتی تدور دوراً هامًّا لإیصال الرصافی إلی غایاته.



[1].  D.C.Muecke

[2]. Satire

[3].  Sarcasm

[4].  Humour

[5]. الکری: النُّعاس/ الغرارة: الغفلة وقلّة الفطنة للشرّ/ الطود: الجبل العظیم/ نزقات: العجلة فی الجهل والحُمق.

[6]. عَلقم: الحنظل،کلّ شیء مرّ.

[7]. کراین: «هو المموَّل الأمریکی الشهیر الّذی عندما جاء إلی العراق سنة 1929م. قام السلطات بحفلة وروده.» (الرصافی، 2006م: 567)

[8]. معارف: «مؤلف یتناول لبحث فیه کلّ العلوم والفنون بطریقة منهجیّة، وزارة التعلیم والتربیة.» (معلوف، 1386: مادة عرف)/ الطیش: خفّة العقل/ ملتحی: شَعر الخدَّین والذقن.

[9]. أعوزها: احتاج إلیها فلم یقدر علیها/ رکض: عدا/ مساعی: ج مسعی: المکرمة/ کبا: زلَّ وعثر/ المقنب: جماعة من الخیل تجتمع للغارة/ السُحت: الحرام.

[10]. مُسهَب: مبسوط ومملوء من التفصیل/ الهُجر: القبیح من الکلام.

[11]. السجسج: لیِّنة الهواء المعتدلة/ الحجی: العقل/ الثغر: کلّ فُرجَةٍ فی جبلٍ أو وادٍ.

[12]. الحَراک: الحرکة/ أیمن: ذهب به ذات الیمین/ عفا: دَرَس/ أناخ: أنزل به شدائد/ الکَلکَل: الصدر/ المفتول: المبرم.

[13]. السُفع: السواد أشرب بالحمرة/ أثافی: ج أثفیّة: حجارة توضع القدر علیها/ أصلی: احترق بها/ الطُهاة: ج الطاهی: الطبّاخ/ الشحوب: تغیّر اللون.

أحمد­غنیم، کمال. )1998م(. عناصر الإبداع الفنّیّ فی شعر أحمد مطر. الطبعة الأولی. القاهرة: مکتبة مدبولی.

بصری، میر. )1994م(. أعلام الأدب فی العراق الحدیث. المجلد الأول. الطبعة الأولی. بغداد: دار الحکمة.

الجرجانی، عبدالقاهر. )1994م(. دلائل الإعجاز. تحقیق محمد رشید رضا. الطبعة الأولی. بیروت: دار المعرفة.

الجوهری، الإمام إسماعیل بن حماد. )2005م(. معجم الصحاح. بیروت: دار المعرفة.

الجیوسی، سلمی الخضراء. )2007م(. الاتّجاهات والحرکات فی الشعر العربیّ الحدیث. الطبعة الأولی. بیروت: مرکز دراسات الوحدة العربیّة.

الحسناوی، عامر صلال. )2011م(. «المفارقة التصویریّة فی شعر مهیار الدیلمیّ». العراق: مجلة ذی قار. المجلد الأول. العدد4.

الذبیانی، مساعد بن سعد بن ضحیان. )1431ق(. السخریّة فی الشعر عبدالله البردّونی. المملکة العربیة السعودیة: جامعة أمّ القری. بحث تکمیلی لنیل درجة الماجستیر فی الأدب.

الرصافی، معروف. )2006م(. الأعمال الشعریّة الکاملة لمعروف الرصافی. الطبعة الأولی. بیروت: دارالعودة.

شمادة علی، عاصم. )2011م(. «المفارقة اللغویّة فی معهود الخطاب العربی، دراسة فی بنیة الدلالة«. مجلّة الجامعة الإسلامیة العالمیة بمالیزیا. العدد10.

عباس، أرشد یوسف. )2011م(. «مفارقة العنوان فی قصص زکریا تامر». العراق: مجلّة جامعة کرکوک للدراسات الإنسانیّة. المجلد السادس. العدد2.

عشری زاید، علی. )2008م(. عن بناء القصیدة العربیّة الحدیثة. الطبعة الأولی. القاهرة: مکتبة الآداب.

علی، نجاة. )2009م(. «مفهوم المفارقة فی النقد الغربیّ». عمان: مجلة نزوی. العدد 53.

کالین موکه، داگلاس. )1389ق(. آیرونی. ترجمة: حسن افشار. الطبعة الأولی. طهران: نشر مرکز.

معلوف، لویس. )1386ق(. المنجد فی اللغة. الطبعة الثالثة. قم: دار العلم.

هیأة المعجم. )2002م(. معجم البابطین للشعراء العرب المعاصرین. المجلد السادس. الطبعة الثانیة. کویت: مؤسسة جائزة عبد العزیز سعود البابطین للإبداع الشعریّ.

Hornby, oxford advanced learners dictionary, tehran: daneshpazhoh.

MueckeD.C. (1982), irony and the ironic, london and new york: Methuen.

Rasmussen, joel. (2005), between irony and witness. new york: t&kclark.