دراسة لنشأة إحدی حکایات "مرزبان‌نامه" الاجتماعیة؛ "اختیار الأخ" أنموذجا

نوع المستند: علمی پژوهشی

المؤلف

أستاذة مساعدة بجامعة بیام نور

المستخلص

إنَّ حکایة "هنبوی مع الضحاک" التی وردت فی کتاب "مرزبان­نامه" تحکی قصة امرأة بهذا الاسم کانت تعیش فی عصر الضحاک. حیث تقع القرعة باسم ابنها وزوجها وأخیها فی یوم واحد لیصبحوا طعاماً للحیتین اللتین کانتا علی کتفی الضحاک بعد أن وقعوا فی أسر حکومة الضحاک وبذلک حکم علیهم بالموت. وعندما تبالغ هنبوی فی البکاء والعویل یسمح لها الضحاک باختیار واحد من الثلاثة لیظل علی قید الحیاة وتختار هنبوی أخاها من بین الثلاثة. إنَّ اختیار هنبوی لأخیها یثیر العجب ولکنَّ لا شکّ فی أنَّ للأمر جذوراً تختلف عن النظام الاجتماعی وعن مفهوم القرابة المعاصرین ویجب أن نبحث عن تلک الجذور فی المجتمعات البدائیة التی کانت مبنیة علی أساس جنوسی یقرّ النظام الأمومی. تحاول هذه العجالة دراسة هذا المفهوم فی تلک الحکایة. 

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

The Brother 's Choice

المؤلف [English]

  • Rudabeh Shah Hosseini
Assistant Prof., Payame Nour University
المستخلص [English]

    “Hanboue and Zahak” tale is a story in Marzban Nameh, that is about a woman who lived in “zaehak” period.One day her child ,her husband and her brother were taken captive by Zahak government and  were doomed to death to provide the food for night’s snakes for Zahak. Hanboue cried, thus Zahak allowed her to free one of them by her choice , and Hanboue selected her brother. Her choice was wonderful and had its specific aim which is different from social organization and relative meaning . Her social aim is related to primitive matriarchal  societies. 

الكلمات الرئيسية [English]

  • Hanboue
  • brother
  • Matriarchy

«یعتبر کتاب مرزبان­نامه من تألیف مرزبان بن رستم بن شروین، کتاباً ملیئاً بالنصائح والأمثال والحکایات علی لسان الحیوانات وقد تم تألیفه علی غرار کتاب کلیلة ودمنة حیث وضع فی أساسه باللهجة الطبریة القدیمة فی مازندران شمالی إیران وتم نقله بعد مضی قرنین تقریباً إلی اللغة الفارسیة علی ید شخصین هما سعدالدین وراوینی ومحمد بن غازی الملطیوی، والطریف فی الأمر أنَّ أحداً منهما لم یکن مطلعاً علی عمل صاحبه وقد أضافا إلیه الأبیات الشعریة والأمثال العربیة والآیات القرآنیة. إنَّ الکتاب الذی وصل إلینا هو کتاب مرزبان­نامه الذی قام بترجمته وتهذیبه سعدالدین وراوینی بین الأعوام (617-622ق) حیث ظهرت الطبعة الأولی منه إلی النور عام (1909م) بتصحیح ومقدمة محمد قزوینی فی لیدن. وقد صدرت بعد ذلک عدة طبعات منه فی طهران.» (مصاحب، 2003م: 3/2742) لقد وردت حکایة هنبوی مع الضحاک فی الباب الأول وتری الباحثة أنَّ الجذور الاجتماعیة التی تنتمی إلیها هذه الحکایة تختلف کلّ الاختلاف عما هی علیه الیوم.

إنَّ هناک عوامل عدیدة تلعب الدور فی خلق کل حضارة ونظام اجتماعی وبالتالی الخصوصیات الثقافیة الممیزة لذلک النظام ومن هذه العوامل، العوامل الجغرافیة والجیولوجیه والبیئیة والاقتصادیة وغیر ذلک من العوامل. وکلَّما تغیرت عوامل خلق تلک الحضارة فإنَّ البنی التحتیة لذلک النظام الاجتماعی وخصوصیاته الثقافیة تتعرض للتغییر ویزول الکثیر من العادات والمعتقدات من ذاکرة البشر تدریجیاً غیر أنَّ آثارها تبقی فی العادات والتقالید التی یلتزم بها الناس ویتم نقل الأمثال والأساطیر المرتبطة بها بشکل شفهی بین أجیال تلک الأمة دون أن یدرک الملتزمون بها أو من یسمعونها مغزی هذه القصص. إنَّ الأوامر والنواهی التی طواها النسیان ستظل مع الانسان فی رحلة حیاته غیر أنَّها تظهر هذه المرة فی قالب الرموز. إنَّ معرفة الأنظمة الاجتماعیة وإعادة النظر فیها قد تستطیع أن تساعدنا علی فک رموزها إلی حدّ کبیر بل إلی إظهار هذه الرموز.

الفرضیة:

إنَّ اختیار هنبوی لأخیها یدلّ علی ترسبات النظام الأمومی و الانتساب إلی الأم.

سوابق البحث:

هناک کتب مهمة فی مجال معرفة المجتمعات البدائیة ونظامها الطوطمی ومن جملتها یمکن الإشارة إلی "تاریخ الأدیان" لمؤلفه "جان ناوس" کما أنَّ هناک کتاباً آخر تحت العنوان نفسه للمؤلف "هاشم رضی". کما ألفّ جیمز جورج فریز کتاباً تحت عنوان الطوطمیة والزواج مع غیر الأقارب وکذلک هناک کتاب علم نفس الشعوب لمؤلفه فونت، ولاننسی أن نذکر کتاب الطوطم والطابو لزیغموندفروید. غیر أنَّ الباحثة لم تعثر علی کتاب أو مقال فیما یتعلق بموضوع حکایة هنبوی فی مرزبان­نامه و معرفة البنی التحتیة الاجتماعیة المرتبطة بها.

"هنبوی وقضیة الاختیار"

لقد أثارت حکایة هنبوی الواردة فی کتاب مرزبان­نامه الکثیر من المشاعر المتناقضة لدیّ کامرأة حیث إنَّنی لم أتمکن من فهم السبب الذی دفعها لمثل هذا التصرف الغریب. وکان الظن الغالب لدیّ أنَّ بنیة القصة غیر مستمدة من الواقع فهل هناک امرأة تستطیع أن تختار أخاها عندما تخیّر بینه وبین زوجها؟ ثم أین غریزة الأمومة عندما تختار الأم أخاها وتهمل ابنها؟ لا شکّ فی أنَّ الأم تفکر فی مثل هذه الحالات بابنها دون غیره ولا تفکّر بتاتاً بأنَّها تستطیع إنجاب أولاد آخرین فی المستقبل. إنَّ حبّ الأولاد ضارب بجذوره فی أعماق وجود الأم حیث لا تستطیع إطلاقاً فی أن تفکّر بهذه الطریقة. هل إنَّ الأدلة التی تستند إلیها هذه المرأة فی تفضیل أخیها علی زوجها وابنها تنسجم مع روح المرأة وعواطفها؟ فهل یمکن للمرأة الأم فی هذا الموقف أن تفکّر فی الاستدلال واللجوء إلی المنطق؟

إنَّ هنبوی امرأة کانت تعیش فی عصر الضحاک وتقع القرعة فی یوم من الأیام علی أخیها وزوجها وابنها للموت لإطعام الحیتین الموجودتین علی کتفی الضحاک. تبالغ هنبوی فی البکاء والصراخ متسائلة ما الذی یجعل ثلاثة أشخاص من أسرتها ضحیة فی یوم واحد بهذا الشکل الفظیع ویرضی الضحاک أخیراً بأن تختار واحداً من هؤلاء الثلاثة لکی یبقی علی قید الحیاة فتختار هنبوی أخاها دون زوجها وابنها.

أمّا القصة کما وردت فی کتاب مرزبان­نامه فهی کالتالی:

«... فی عهد الضحاک الذی نبتت علی کتفیه حیّتان حیث کان فی کل یوم یذبح شاب یافع لإطعام الحیتین من دماغه، کانت هناک امرأة تدعی هنبوی ومن سوء القضاء وقعت القرعة فی یوم من الأیام علی ابنها وزوجها وأخیها. حیث ألقی القبض علیهم جمیعاً لیمارس ذلک الظلم المعروف علیهم ذهبت المرأة إلی قصر الضحاک وهی تتظلم باکیة متوسلة وکانت تنوح بألم متسائلة إذا کان فی کل یوم یتم اختیار شخص واحد من کل بیت فلماذا ألقی القبض علی ثلاثة من الرجال من بیتی. لقد بلغ صراخها ایوان الضحاک حیث سمعها فسأل عن حالها. فأخبر بالأمر فأمر أن تخیّر بین هؤلاء الثلاثة حتی یطلق سراح من تختاره هی. ثم أخذوا هنبوی إلی بوابة السجن فوقع نظرها علی زوجها فتحرک الحب فی وجودها کما أنَّها تذکرت زواجها فأرادت اختیاره فوقع بصرها علی ابنها فکادت أن تخرج کبدها من أحشائها لتلقی بوجودها أمام مخالب نسور البلاء لکی تنقذ ابنها ولکن بصرها وقع علی أخیها أسیراً فی القید نفسه فطأطأت برأسها وجرت الدماء من عیونها بدل الدموع ففکّرت فی نفسها فقالت إنَّنی تورطت الآن فی ورطة الحیرة ولا أدری من أختاره من الثلاثة أأختار نور العین أو قرار القلب أو زینة الحیاة؟ وکیف لی أن أهدّئ هذا القلب المضطرب ولکنَّ ماذا أفعل إذ لا أستطیع أن أقطع صلة الأخوة ولا یرضی به قلبی. أنّی للإنسان أن یختار بدیلاً لمن لا بدیل له. إنَّنی امرأة شابة بإمکانی أن أتزوج مرة أخری وقد أستطیع أن أنجب منه ولداً أطفئ به لهیب الفراق بقلیل من ماء الوصال. وأداوی سم فقدانه بتریاق بقاء المولود الجدید. ولکنَّ لا یمکننی إطلاقاً أن أرزق بأخ جدید من والدین أدرکهما الموت حتی أتمکن من أن أحبّه وأعیش فی کنف حبّه. فاضطرت فی نهایة المطاف أن تصرف النظر عن الابن والزوج فأخذت بید أخیها وخرجت معه من السجن وعندما بلغ الخبر الضحاک أمر بإطلاق سراح الابن والزوج ووهبهما لها.» (وراوینی، 2006م: 52-51)

إنَّ قرار هنبوی القاضی باختیار الأخ یبدو أمراً غریباً کما أنَّ الأدلة التی تذکرها لتبریر موقفها تبدو منطقیة حسب المنطق الریاضی ولکنَّها غیر مفهومة من المنطلق العاطفی بل إنَّها تبدو قراراً آلیاً غیر إنسانی.

غیر أنَّ قلیلاً من التأمل یدفعنا إلی الاعتقاد بأنَّ هذه النظرة ولیدة فهم الإنسان المعاصر عن المجتمع وعن مؤسسة الأسرة بالمعنی الذی یفهمه الیوم و لکنَّ حکایة هنبوی لا تحکی قصة الحیاة المعاصرة إطلاقاً.

عندما نواجه بعض التعقید فی القصة وعندما نری أنَّ هناک مشکلة فی فهم تصرفات هنبوی فإنَّ مردّ ذلک جمیعاً إلی عدم اطلاعنا علی هندسة البنیة الاجتماعیة ومؤسسة الأسرة فی الأزمان الغابرة. إنَّ منطق هنبوی منطق الإنسان البدائی لا الإنسان المعاصر إنَّه منطق أناس کانوا یعیشون علی أساس مجتمع خاضع لسلطة الأم والانتساب إلیها فی نظام الزواج من خارج الأسرة. فبالنظر إلی اختلاف نسبة أهمیة القرابة فی مؤسسة کهذه فإنَّ من الطبیعی أن یکون اختیارها غیر متناسب مع اختیار الإنسان فی هذا العصر.

النظام الأمومی أو نظام الانتساب إلی الأم والزواج خارج الأسرة

إنَّ النظام الأمومی یعنی أنَّ تحدید الأصل والنسب یتم من خلال الأم کما أنَّ موضوع الزواج خارج الأسرة یعنی أنَّ اختیار الزوج یتم من جماعة غیر الجماعة التی تنتمی إلیها المرأة. «إنَّ النظام الاجتماعی الذی یتم فیه الانتساب وتحدید الأصل عبر الأم ویتمّ نقل الملکیة الشخصیة بواستطها أیضاً یطلق علیه النظام الأمومی أو نظام الانتساب إلی الأم بینما یطلق علی النظام الذی یتم فیه الانتساب وتحدید الأصل ونقل الملکیة عبر الأب النظام الآبوی أو نظام الانتساب إلی الأب.» (فریزر، 2008م: 438) إنَّ من میزات هذه المجتمعات «أنَّ الأب لا یرتبط إلی أولاده فی النسب وهم ینتسبون إلی عائلة الأم وقبیلتها وإنَّ ما یکسبه الأب من الأموال ینتقل إلی عائلته من الأم فهو لا یعیش فی بیت زوجته ولا یأکل فیه شیئاً ... إنَّ هؤلاء الناس "فی بعض القبائل" ینقسمون إلی عائلات وقبائل تختار الأزواج من خارجها وینتسب الفرد فیها إلی الأم ففی هذه الأنظمة تجری العادة علی أن لا یرث أولاد الرجل منه شیئاً إذ یرث منه أیضاً أبناء الأخت والخالة.» (المصدر نفسه: 438)

إنَّ النظام الأمومی حصیلة الفترة البدائیة للمجتمعات البشریة وهو یعود إلی الفترة التی کان الناس البدائیون فیها غیر مطلعین علی دور الرجل فی إنجاب الطفل وکانوا ینسبون الحمل فی المرأة إلی حلول أرواح الأجداد فی وجودها أو ما شابه ذلک. «لذا فإنَّ أبسط أشکال الأسرة کان عبارة عن المرأة التی تعیش داخل قبیلتها مع أولادها وأمّها وأخیها إنَّ هذا الشکل الذی عرفت به الأسرة کان نتیجة طبیعیة للعلاقات الحیوانیة القائمة بین المرأة وأولادها وجهلها لأهمیة دور الرجل فی عملیة التناسل.» (دوراست 2012م: 1/41) «وحتی بعد أن عرف الناس أهمیة دور الرجل الجنسی فی عملیة التکاثر والتناسل فإنَّ العلاقات الجنسیة کانت تعانی من فوضی عارمة لا تحکمها قواعد بحیث لم یکن ممکناً انتساب المولود إلی رجل معین لذلک فإنَّ المرأة لم تکن تبذل جهداً کبیراً فی المجتمعات البدائیة لمعرفة والد المولود الذی کانت تلده إلّا فی حالات نادرة.» (المصدر نفسه: 1/40) إنَّ الأمر الملفت للنظر هو أنَّ المرأة أو الأم لم تکن هی المسیطرة أو الرئیسة علی الأسرة أو المجتمع. «إنَّ النظام الأمومی لا یعنی أنَّ الأم هی الملک أو الحاکم. بل علی العکس من ذلک فإنَّ الاعتقاد بالنظام الأمومی کان أکثر رواجاً بین القبائل البدائیة الوحشیة ففی مثل هذه المجتمعات لم تکن المرأة مسیطرة علی الرجل إطلاقاً بل کانت بمثابة خادمة أو عاملة عند الرجل وکانت فی منزلتها الاجتماعیة أکثر من العبید قلیلاً وفی واقع الأمر فإنَّ هذا النظام کان بعیداً کل البعد عن تفضیل المرأة اجتماعیاً بحیث یمکن أن نقول بأنَّ هذا النظام هو نتیجة إذلال المرأة المبالغ فیه فهو ولید مجتمع کانت تعانی فیه علاقات الرجل والمرأة فوضی و لاتحکمها قاعدة واضحة لذا فإنَّ إمکانیة تحدید والد للأطفال لم تکن متاحة أصلاً.» (فریزر، 2008م: 440)

«إنَّ أهمیة المرأة فی مثل هذه المجتمعات کانت تأتی من کون المرأة أمّا لتحدید موضوع القرابة والأصل والنسب، ویجب ألّا یتمّ الخلط بین "حق الأمومة" وبین سلطة الأم ونظام حکم الأم. وحتی عندما کان الإرث ینتقل عبر الأم فإنَّ المرأة لم تکن صاحبة السلطة المطلقة فی أموالها بل إنَّ دورها کان ینحصر فی تسهیل عملیة تحدید العلاقات الأسریة. فلولا ذلک لکانت أمارات العلاقة الأسریة تزول نهائیاً بسبب إهمال الناس فی تحدید علاقاتهم الجنسیة.» (دورانت، 2012م: 1/41). لقد کان رئیس الأسرة أو الحاکم علی المجتمع فی مثل هذا المجتمع هو شقیق الزوجة أو خال الأطفال فهو کان یتمتع بجمیع الحقوق التی یتمتع بها الأب فی أسرة خاضعة لسلطة الأب، لذا فإنَّه کان یعتبر أهمّ شخص فی الأسرة ففی المجتمعات ذات النظام الأمومی کان «الحق الاجتماعی والسیطرة والسیادة فی الغالب للخال أو أحد أقرباء المرأة وإذا انظرنا إلی هذه الأسر من وجهة نظر عامة فإنَّ الزوج یعتبر فرداً أجنبیاً ویتمتع الخال أو أحد أقرباء المرأة بجمیع الحقوق والامتیازات التی یتمتع بها الأب فی الأنظمة الخاضعة لسلطة الرجل. فالأب لا یتمتع بأیّ حق إزاء الأم أو بمفهوم أوسع فإنَّ الزوج لم یکن له أی حق فی زوجته.» (رضی، 1965م: 4/54). إنَّ أخا الزوجة یعتبر ولیاً لأولاد المرأة حتی لیتخیل المرء أنَّ أولاد الأخت أولاده فی الواقع. «لقد کانت علاقة الخال بأولاد أخته بمثابة علاقة الأب بأولاده غیر أنَّها کانت ذات طابع رسمی وعلاقة جافة باردة ولم یکن للعطف والحنان أیّ مکان فی هذه العلاقات. فعندما کان یبلغ الطفل سن التدریب کان الخال یتولی أمره ویراقب جمیع أعماله. لقد کانت التربیة والتعلیم والتدریب من واجبات الخال وکان ینفذها بکل دقة وتشدید ففی بدایة التدریب کان العمل مبنیاً علی تدریب الولد علی مبادئ المراسم والإجراءات الرسمیة المرتبطة بعلاقات الفرد مع أقربائه ... وکان ذلک فی نهایة المطاف أهمّ المواد التعلیمیة لأیّ صبیّ.» (المصدر نفسه: 4/55)

لذا فإنَّنا نلاحظ بأنَّ وجود الأخ کرئیس للأسرة لم یکن ذا أهمیة للأخت فحسب بل کان ضروریاً لرعایة الأطفال ضرورة حیویة. فهو بالإضافة إلی دوره کأخ کان یلعب دوراً أساسیاً فی تربیة الأطفال.

یعتقد فروید: «أنَّ الزواج الجماعی کان أمراً اعتیادیاً قبل إقرار الزواج مع شخص واحد وقد ترک ذلک بصماته علی اللغة والتقالید والعادات.» (فروید، 1973م: 14) ویلاحظ المرء أنَّ الأهمیة التی کان یحظی بها الخال کرئیس للأسرة ذات النظام الأمومی قد ترکت آثاراً فی اللغة الفارسیة وآدابها. فمن ذلک حضور شقیق تهمینه فی قصة رستم وسهراب وکذلک قصة هنبوی السابقة الذکر کما أنَّ هناک مثلاً سائراً یقول "الابن الحلال یشبه الخال" ویبدو أنَّ ذلک یأتی من دور الخال فی الأسرة المبنیة علی النظام الأمومی ودوره الفاعل فی تربیة أبناء الأخت ویبدو کذلک أنَّ مصدر مثل هذه الأمثال هو نظام الأسرة فی العهود البدائیة السحیقة.

بعد تبیین بنیة المجتمع ذی النظام الأمومی الذی کان الأخ والخال فیه یتمتعان بالدور الرئیس فی الأسرة فإنَّ المنطق الذی دفع هنبوی إلی ذلک الاختیار یبدو واضحاً فهی تختار من یلعب الدور الأساس فی الأسرة غیر أنَّ اختیاره هذا مازال مخالفا للعاطفة الإنسانیة خاصة وإنَّها تظهر میلاً عاطفیاً مبالغاً فیه قائلة «... ولکنَّ ماذا أفعل إذ لا أستطیع أن أقطع صلة الأخوة ولا یرضی به قلبی» (وراوینی، 2006م: 52) إذ یبدو أنَّ تدبیرها فی اختیار الأخ یتم بتوجیه من عاطفتها. فالسؤال الملح الذی یطرح نفسه هنا هو إذا کانت هنبوی قد تخلت عن زوجها فکیف استطاعت أن تتخلی عن عاطفة الأمومة أیضاً؟!

الزواج من غیر الحب

یبدو أنَّ الزواج من خارج نظام الأسرة فی الأسر ذات النظام الأمومی لم یکن منسجماً مع الحب ولم تکن علاقة الحب بین الرجل والمرأة تلعب أیّ دور فی هذا الزواج «إنَّ أساس الزواج البدائی لم یکن مبنیاً علی حب سابق أو علاقات غرامیة بل کان للزواج واختیار الزوج بعد اقتصادی یسعی إلی النفع والاستفادة.» (رضی، 1965م: 4/56)

«إنَّ المتتبع لا یجد أیّ أثر للحب الرومانسی فی جمیع حالات الزواج فی المجتمعات البدائیة ... إنَّ اختیار الأقوام البدائیة للزوجة کان یتم دون أیّ حماس وکأنَّ ذلک کان یساوی عندهم قطف سنبلة قمح ... إنَّ الحب الذی تظهر فیه الحبیبة فی قمة الفضائل والذی ینجم منه الحب الرومانسی لیس إلّا ثمرة للمدینة المتطورة التی یری فیها الإنسان موانع کثیرة أمام إرضاء شهواته الإنسانیة وهذه الموانع هی القوانین الأخلاقیة کما أنَّ کثرة المال تدفع بعض الرجال والنساء إلی حب الکمالیات ومنها التدقیق فی قضایا الحب الرومانسی. لقد کانت الأمم البدائیة أفقر من أن تتمکن من إدراک الحب لذا فإنَّنا قلّما نجد فی أغانیها الأشعار الغرامیة. فعندما أراد المبشرون المسیحیون ترجمة الکتاب المقدس إلی لغة قبیلة "الغانکین" لم یجدوا فی لغتها کلمة تعادل "الحب" ... وبصورة عامة ینظر الإنسان البدائی إلی موضوع الزواج من منطلق فلسفی خاص لا تختلف فیه نظرته من الجانب المیتافیزیتی والدینی عن نظرة الحیوان العادی إلی هذا الموضوع. فهو فی رأیه أمر لا یحتاج إلی التفکیر بل یشبه الأمر لدیه عملیة أکل الطعام فهو لا یسیر فی عمله هذا وراء تخیلاته ولا یبحث عن المرأة المثالیة کما لا یضفی علی الزواج بعداً مقدساً کما لا یفکر فی الإعداد لمراسم الزواج فالأمر فی حقیقته لا یعدو  أن یکون عملیة تجاریة مربحة ... لم یکن الرجل البدائی لینظر إلی الزواج کوسیلة لتنظیم العلاقات الجنسیة لدیه بل کان الزواج مبنیاً علی التعاون الاقتصادی. لذا فإنَّ ما کان یتوقعه الرجل من المرأة لم یکن جمالها وظرفها بل کان المطلوب منها النفع والقدرة علی العمل وکانت المرأة تقبل هذا الأمر الطبیعی بکل رغبة.» (دورانت، 2012م:1/55) «إذا کان الشعور بالجمال أمراً غیر واضح بین الأمم البدائیة فإنَّ مردّه إلی أنَّ الإنسان البدائی لم یکن لیجد الفرصة الکافیة للتحلیق فی أجواء الخیال من اللحظة التی کان یشعر فیها بالحاجة الجنسیة وإلی الزمن الذی کان یتمکن فیه من قضاء هذه الحاجة ولم یکن هذا الزمن طویلاً لیضیف هو علیه من خیاله شیئاً ویعطیه أبعاداً جمالیة. قلّما کان یحدث عند الإنسان البدائی أن یختار الرجل امرأة لما نسمیه الیوم الجمال فهو کان یفکر فی الخدمات التی کان بوسع المرأة أن تسدیها له فهو لم یکن لیرفض امرأة قویة جسدیا بسبب قبحها.» (المصدر نفسه: 1/101)

ونلاحظ فی قصة هنبوی أنَّها لا تتمتع بأیّ جانب جمالی نسائی کما هو متوقع من امرأة لذا فإنَّنا لانجد أیّ وصف عن جمالها أو أنوثتها فی القصة وإن کانت بنیة القصة لا تقتضی ذلک فی الأساس.

فهی امرأة تلعب دور الزوجة والأم والأخت فی آن واحد ولکنَّ دورها الأبرز علی خلاف المجتمعات المعاصرة یتلخّص فی أنَّها أخت ویبدو أنَّها قلقة علی فقد الأخ أکثر من سائر أعضاء أسرتها. ویبدو أنَّ نسبة الحب تجاه الأقارب کانت تتفاوت فی المجتمعات البدائیة من عصرنا الحاضر کما أنَّها کانت متفاوتة فی نسبة القرابة نفسها وکانت خاضعة لمدی أهمیة الأشخاص فی الأسرة. ففی المجتمع ذی النظام الأمومی «لم تکن المرأة تابعة لزوجها بل کانت تابعة للأب أو الأخ فی قبیلتها هی وکانت تعیش معهم وکان الذکور الذین یعرفهم أبناؤها هم والد المرأة وإخوتها. کما أنَّ العلاقات القائمة علی المحبة کانت موجودة بین الإخوة والأخوات بشکل أقوی من العلاقات الزوجیة ومن جانب آخر کان الزوج یعیش مع أمه داخل قبیلته وکان یزرو زوجته خلسة. فحتی فی العصور المتأخرة ذات المدنیات المتطورة نسبیا نلاحظ أنَّ أهمیة الأخ کانت عند المرأة أکبر من أهمیة الزوج. إنَّ الفکرة القائلة بأنَّ الزوج هو أقرب الأشخاص من زوجته وأعزهم لدیها فکرة جدیدة یوجد لها مصداق خارجی عند قلیل من البشر فقط.» (المصدر نفسه: 1/40) ویبدو أنَّنا نستطیع فهم الأسباب التی کانت تدفع إلی تفضیل الأخ علی الزوج بمعرفة نظام المجتمع الأمومی سواء من الجانب المنطقی أو من الناحیة العاطفیة إذ إنَّ الزوج لم یکن ذا أهمیة کبیرة فی المجتمعات البدائیة وکان الدور الأساس فیها علی عاتق الأخ ویبدو أنَّ الإنسان البدائی لم یکن یفکر فی الحبّ عند الزواج  ولم یکن للزواج أیّ صبغة عاطفیة وکان هذا الجانب العاطفی یتجلی بین الإخوة والأخوات حیث نجد بعض ملامحها فی الأساطیر والنصوص الأدبیة التی وصلتنا فعلی سبیل المثال نلاحظ أنَّ "آنتیغون" تضحی بحیاتها من أجل أخیها کما أنَّ مؤلف مرزبان­نامه یتحدث عن علاقة الأخوة ویصفها «بأنَّها لا یمکن أن یجد الإنسان عنها بدیلاً ببذل الغالی والنفیس.» (وراوینی، 2006م: 50)

إنَّنا نواجه فی قضیة عدم تفضیل الابن علی غیره تحدیاً کبیراً ولا یمکننا فی نهایة المطاف الوصول إلی نتیجة قاطعة فهناک أمارات تدل علی أنَّ الأولاد لم یکونوا علی درجة کبیرة من الأهمیة العاطفیة التی یحظون بها الیوم. ویمکننا أن نستخرج هذه الأمارات عبر معرفة حقیقة "الزواج الجمالی أو الاشتراکی" والعلاقات الطوطمیة الموجودة فی المؤسسات ذات النظام الأمومی.

«إنَّ المراد من العرس الجماعی أو الزواج الجماعی هو أنَّ مجموعة من الرجال کانوا یتزوجون مع مجموعة متساویة من حیث العدد من النساء زواجاً مشترکاً فعلی سبیل المثال کان عشرون رجلاً یتزوجون مع عشرین امرأة وبذلک کان کل واحد من هؤلاء الرجال زوجاً لجمیع هؤلاء النسوة کما کانت کل واحدة من هؤلاء النساء زوجة لجمیع هؤلاء الرجال و کان جمیع الرجال آباء لجمیع الأولاد کما کان جمیع النساء أمهات لجمیع الأولاد أیضا.» (رضی، 1965م: 4/230) «ففی المجتمعات الطوطمیة کان مفهوم القرابة یجد معنی جماعیاً. فکل فرد لا ینادی من کان سبب وجوده فی هذا العالم أبا فحسب بل کان یدعو جمیع رجال القبیلة الذین کان یحق لهم الزواج بأمّه أبا کما کان یدعو أمّا جمیع النساء اللاتی کان بإمکانهن أن یکنّ أما له. لذا فإنَّ عنوان القرابة کان لا ینطبق علی القرابة الناتجة من الدم کما هو الحال عندنا الیوم. فتلک العناوین کانت تدل فی الغالب علی العلاقات الاجتماعیة أکثر من دلالتها علی العلاقات الجسدیة.» (فروید، 1973م: 13)

والسؤال هنا هل إنَّ مفهوم الأمومة والبنوّة فی حکایة هنبوی یضرب بجذوره فی مفهوم القرابة "الاشتراکیة" أوالقرابة الطوطمیة؟ «إنَّ التعلق بالطوطم ... یتجاوز من ناحیة مفهوم التعلق بالقبیلة ومن ناحیة أخری یقلّل من أهمیة عنصر الدم فی القرابة.» (المصدر نفسه: 7)

«إنَّ العلاقات الطوطمیة أقوی من العلاقات الأسریة فهذه العلاقات لا تنطبق علی بعضها بعض کما نتصور.» (المصدر نفسه: 144-143) فهل یمکن بناء علی ذلک أن نستنبط أنَّ مفهوم الأمومة والبنوّة کان یختلف عما هو علیه الیوم. أو کانت هذه العلاقة أضعف مما هی علیه الیوم؟ یعتقد فروید أنَّ المراعاة الشدیدة للمقدسات کانت تدفع أفراد أسرة الطوطم المشترک إلی الابتعاد عن بعضهم البعض مما کان یؤدّی إلی ضعف العلاقات بینهم.

فقد ذکر فروید أمثلة عدیدة تدل علی الخوف المبالغ فیه من هذه العلاقة بین أفراد معتقدین بطوطم مشترک ویبین أنَّ هؤلاء کانوا یراعون قوانین صارمة فی علاقاتهم فمنها منع الحدیث ومنع النظر ومنع الحیاة المشترکة و ... یقول فروید: «فی مثل هذه الأسر لا یتناول الأفراد الطعام فی مکان واحد فالبدو یأکلون منفردین حتی الیوم إنَّ الموانع المذهبیة الطوطمیة حول الأطعمة تمنعهم فی الغالب من مؤاکلة أبنائهم.» (الطوطم والطابو، لاتا: 186) ألیس عدم الارتباط هذا الذی سبق ذکره بسبب مراعاة المقدسات بین الوالد و أبنائه یؤدّی إلی ألّا یوجد هذا الحب الذی نعرفه الیوم بینهم؟

لا یمکننا البت فی رأی معین فی هذا الصدد فوجود غریزة الأمومة القویة فی الحیوانات یمنعنا من البت فی أمر ضعف عاطفة الأمومة فی العصور البدائیة لدی المرأة. غیر أنَّنا نستطیع القول بأنَّ عدم قبول تحلیل کهذا ربّما یدفعنا إلی أن نمیل إلی قضیة أخری وهی الإیمان بالمبادئ والمثل العلیا. فالإیمان بالهدف أو المبدأ یسهّل علی الإنسان التضحیة بکل شئ فالتاریخ البشری یشهد أنَّ هناک أمهات ضحیّن بأبنائهن فی سبیل هدف مهم أو عقیدة مقدسة لربّما لیس الأخ هو أحب الأشخاص غیر أنَّه أهم الأشخاص فی مثل هذا النظام ففی بنیة المجتمعات البدائیة الطوطمیة کان الأهم هو الأکثر تقدساً فالحفاظ علی أکثر الأشیاء تقدسا یعنی أکثر الأشیاء أهمیة. فمن خلال کلام هنبوی یمکن الوصول إلی هذا المفهوم بالکنایة فهی تقول: لو کان عندی أخ فسیکون عندی الزوج والابن أیضاً فمعنی ذلک أنَّ الأخ هو کل شئ ووجوده یعنی وجود الجمیع.

هنبوی واختبار البطولة

لیست قصة هنبوی مأساة فالقدر وضعها أمام مفترق طرق ولکنَّها لیست خاسرة فی جمیع الحالات فهی لا تتردد فی الاختیار بین السیئ والأسوأ حتی تضطر إلی اختیار الأسوا وتدفع الثمن بل علی العکس من ذلک تختار اختیاراً صحیحاً وفی النهایة تأخذ جزاءها علی حسن الاختیار هذا لتنتهی القصة نهایة سعیدة.

ففی الأساطیر نجد البطل یضطر إلی اجتیاز العقبات الصعبة مثل العقبات السبع لرستم واجتیاز عالم الظلام أو الدخول فی طریق اللاعودة و ... فهی جمیعاً اختبار للشجاعة والبطولة غیر أنَّ هناک نوعاً آخر من الاختبار هو اختبار الذکاء والتدبیر أو اختبار العلم المذهبی. فالبطل یجب أن یخضع للاختبار النفسی أیضا. فالموابذة قاموا باختبار زال بحل اللغز کما قام الوزیر بالمناظرة مع ابن الملک فی کتاب "مرزبان­نامه". فهناک أبطال خضعوا للاختبار الجسدی والنفسی معاً. تعدّ هنبوی بطلة هذه القصة فهی خضعت لاختبار التدبیر أو العلم المذهبی ولکنَّها خرجت مرفوعة الرأس من هذا الاختبار الصعب لتنال جزاءها فی النهایة فیهبها الضحاک أخاها وابنها وزوجها جمیعا فحکایة هنبوی هی أسطورة اختبار للبطولة.

هنبوی تاریخیاً

لم ترد قصة هنبوی فی کتاب مرزبان­نامه کأسطورة وإنَّما وردت فی کتابین تاریخیین آخرین کواقع تاریخی وهما کتاب تاریخ جهانگشای جوینی «الذی أوردها کحادثة حدثت فی عهد أوکتای قاآن المغولی کما وردت فی تاریخ هیرودوت کحادثة حدثت فی عهد داریوش الأخمینی. لقد ورد فی تاریخ جهانگشا أنَّ ثلاثة أشخاص أحضروا لکی یعاقبوا علی جریمة ارتکبوها فأمر أوکتای قاآن بقتلهم فعندما أتی من القصر وجد امرأة تصب التراب علی رأسها وتصرخ فسأل ما خطبها؟ فقالت أبکی علی هؤلاء الثلاثة الذین صدر الأمر بقتلهم فأحدهم أخی والآخر زوجی والثالث ابنی. فقال لها اختاری واحداً من هؤلاء الثلاثة کی أطلق سراحه لأجل قلبک قالت: الزوج یمکن أن أجد عنه بدیلاً وکذلک الابن فهو مرجوّ ولکنَّ الأخ لا أجد له بدیلاً فأمر بأن یهبوها الثلاثة.» (جوینی، 2007م: 1/183)

غیر أنَّ هیرودت یذکر هذه القصة وینسبها إلی إصدار داریوش الأمر بقتل "اینتامزن" وجمیع أقاربه ویقول: «إنَّ واحداً من السبعة الذین ثاروا ضد مغ کان یدعی اینتامزن فقتل بعد ارتکاب جریمة مباشرة. دخل یوماً فی قصر الملک وأراد مقابلته وقد کان هذا المبدأ معترفاً به وهو أنَّ من أطاح بمغ یجوز له الذهاب إلی الملک دون إذن مسبق شریطة ألّا یکون الملک مع النساء. لذلک فإنَّ اینتامزن کان یستخف بالاستئذان المسبق وأراد مقابلة الملک کواحد من السبعة فمنعه البواب والمناوب الموجودان علی بوابة القصر وقالا له إنَّ الملک مشغول مع النساء غیر أنَّ اینتامزن ظنّهما کاذبین فاستل سیفه وقطع أنفیهما وآذانهما وسلک هذه الأعضاء المقطوعة فی لجام حصانه وعلّقه علی رقبتیهما وأرسلهما إلی الملک. فذهبا إلی الملک ووضّحا له القصة التی جرت لهما مع اینتامزن فخاف داریوش من عمله ظانّا بأنَّه قام بذلک بتنسیق مسبق مع أولئک الستة فأحضرهم وسألهم عن الأمر هل یؤیّدونه أم لا فتأکّد له أنّهم لم یکونوا علی علم بذلک فأمر بأن یسجن إینتامزن وأولادة وأقاربه جمیعا. إذ کان یظن حسب القرائن بأنَّه یفکر فی ثورة ضده فسجن الجمیع علی أن یأمر الملک بقتلهم غیر أنَّ زوجة اینتامزن کانت تتردد علی القصر بشکل مستمر وتبکی بشدة مما جعل قلب داریوش یرق علی حالها فأرسل إلیها أنَّ داریوش شاه یسمح لک باختیار أحد هؤلاء المساجین ویهبک حیاته فأجابت المرأة بعد تفکیر: إذا کان الملک یسمح باختیار شخص واحد فقط من بین جمیع الأقارب فإنَّنی أختار أخی فعندما اطلع داریوش علی هذا الأمر تعجب فأرسل إلیها أیتها المرأة یسألک الملک ما الذی جعلک تتخلین عن زوجک وهو أعزّ الناس عندک وعن أبنائک وهم أقرب الناس منک وفضلت أخاک علیهم فأجابت: أیّها الملک لاشکّ فی أنَّنی لو خسرت زوجی وأولادی أستطیع أن أتزوج بعدهم بإذن الله لیکون عندی زوج وأولاد آخرون ولکنَّ والدیّ قد توفیا فلا یمکن أن یکون لی أخ بعد هذا الأخ فهذا التدبیر جعلنی أعرض هذا الطلب إلیک.» (هیرودت، 1961م: 213-212)

إنَّ صحة القصة الواردة فی کتاب تاریخ جهانگشای جوینی الذی ألفّ بعد خمسین عاماً من تألیف کتاب مرزبان­نامه أمر مشکوک فیه خاصة مع وجود قصة مماثلة لها فی تاریخ هیرودوت غیر أنَّ صحة قصة هیرودوت تحتاج إلی التمحیص فی التاریخ.

ولکننا إذا اعتمدنا علی أصل هذه القصة التاریخیة وربطنا أصول قصة هنبوی إلی العصر الأخمینی فإنَّ ذلک لا یعنی أنَّ النظام الأمومی کان سائداً فی ذلک العصر وإنَّما یدل علی أنَّ حب الأخ الضارب بجذوره فی الحیاة البدائیة للبشر کان ما یزال محفوراً فی ذاکرة الإنسان فی ذلک العصر وکان کقیمة ثقافیة أو کعادة اجتماعیة مازال مترسخاً فی الأذهان. وقد أشرنا فیما مضی إلی کلام ویل دورانت حیث قال: إنَّ المرأة کانت تکرم أخاها أکثر من زوجها حتی فی المدنیات المتطورة القدیمة.

إنَّ تغییر أسلوب الحیاة طوال التاریخ یترک بعض الأسالیب القدیمة تعمل کقیمة أخلاقیة أو مخالفة للأخلاق والثقافة غیر أنَّ أسبابها تظل مبهمة غامضة عند الناس. وهی تتجلی فی سلوک الناس کطقوس أو تقالید أو تنعکس فی القصص وتنتقل بین الناس.

ولکنَّنا إذا رفضنا هذه الحادثة تاریخیاً کما رفضها أمثال زرین­کوب وپیرنیا فإنَّ ذلک سیدفعنا إلی الاعتقاد بأنَّ قصة هنبوی تعود إلی عصور تاریخیة مبهمة إذ تحولت إلی حکایة رمزیة انتقلت إلینا عبر الصدور وظهرت فی کتب مختلفة فی عهود متفاوتة فهی تتمثل فی قصة هنبوی فی عهد الضحاک ومرة أخری نراها تظهر فی قصة اینتامزن فی العهد الأخمینی ومرة ثالثة نراها فی شخصیة امرأة مجهولة فی عهد الحکم المغولی.

إنَّ شخصیة الضحاک فی قصة هنبوی لیست منسجمة مع الصورة المرسومة عنه فی ذهن القارئ. إنَّ حاکماً یصبح عادلاً بسبب سماع صوت بکاء امرأة ویهبها الثلاثة لا یمکن أن یکون الضحاک المعروف لکنَّه ملک من أولئک الملوک الکثیرین فی التاریخ الذین یلقبون بمالکی الرقاب فهم یصدرون الأمر بالقتل ولکنَّ سماع جملة حکمیة رائعة یدفعهم إلی العفو عن الشخص إنَّ مثل هذا الملک نراه فی الکتب الأخری من مثل کلستان لسعدی الشیرازی إنَّ سبب تسمیة هذا الملک بالضحاک فی هذه القصة محاولة لتبریر إصدار الأمر بقتل ثلاثة أشخاص من أقارب هنبوی إذ إنَّ مثل هذا السلوک یناسب الملوک التاریخیین المعروفین أکثر مما یناسب الملوک الأسطوریین مثل الضحاک.

إنَّ ملکاً ینتسب إلی أسرة خاضعة لنظام سلطة الأب یتعجب من اختیار امرأة تنتمی إلی النظام الأمومی وتهب لها ابنها وزوجها. وبالنظر إلی وجود نظام الانتساب إلی الأب عند الآریین فإنَّ من الممکن القول إنَّ قصة هنبوی تنتمی جغرافیا إلی تلک البلاد الخاضعة لسیطرة الإیرانیین أو تلک المجاورة لبلاد فارس. إنَّ قصة هنبوی تعتبر الحد الفاصل بین الواقع والأسطورة إنَّها عقدة ظهرت بسبب وجود فهمین مختلفین عن فکرة واحدة وذلک بسبب وجود نوعین من الحیاة بین الملک والعبید. إنَّها قصة تعکس مسار تطور الإنسان من النظام الأمومی إلی نظام الانتساب إلی الأب وهی انعکاس للتحدی الکبیر الناجم عن التفاوت بین مستویات القرابة الأسریة فی نظامین اجتماعیین مختلفین.

النتیجة

نواجه فی هذه الحکایة امرأة تعتبر بطلة فیها وقعت فی ورطة ستخسر فیها ابنها وزوجها وأخاها إنَّ هؤلاء الثلاثة جمیعاً رجال وعلی المرأة أن تختار واحداً منهم فهی تختار أخاها فی نهایة المطاف وبهذا الاختیار تتمکن من إنقاذ الثلاثة.

إنَّ هذه الحکایة ضاربة بجذورها فی النظام الأمومی ففی هذا النظام یعدّ الأخ أهمّ أفراد الأسرة إنَّ کل نوع من الحب والإیثار فی هذا النظام راجع إلی مدی أهمیة الفرد فی ذلک النظام. تضحی المرأة بزوجها إذ إنَّ مفهوم الحب لم یکن رائجاً فی المجتمعات البدائیة القدیمة ولیس للرجل دور کبیر فی نظام الزواج خارج الأسرة. ثمّ تضحّی المرأة بابنها إذ یبدو أنَّ عاطفة الأمومة کانت أضعف من العلاقة بین الأخ والأخت فی المجتمعات البدائیة ولربما کان علی کل فرد أن یضحی بالغالی والنفیس فی سبیل الحفاظ علی الأهم. ففی مثل هذه الحالة فإنَّ التضحیة بالولد للحفاظ علی حیاة الأخ تعادل الیوم مفاهیم من مثل الإیثار والاستشهاد وحفظ الوطن وحفظ الدین وحفظ الحریة وهی تکمن فی الصراع بین نظامین اجتماعیین مختلفین هما النظام الأمومی "نظام العبید" مقابل النظام الأبوی "نظام الملک" ویبدو أنَّ کاتب الحکایة وقع فی المشکلة نفسها بسبب فکرته المبنیة علی النظام الأبوی. إنَّ وصف تدفق الأحاسیس والعواطف عند هنبوی تجاه زوجها وابنها یعود إلی مقدرة الأدیب مما یعزز جانب التأثیر فی النص ویوخر الوصول إلی نقطة الذروة والعقدة فی القصة. إنَّ هذه الأوصاف نتاج قلم أدیب یعیش فی مجتمع متحضر وإنَّ فهمه عبارة عن فهم متطور غیر بدائی لذا فإنَّه لا یستطیع القبول باللامبالاة تجاه الزوج والأولاد. إنَّ نظرتها علی الأشخاص الثلاثة فی السجن تعبر عن أحاسیسها بشکل درامی مؤثر. وتصف حالة الحزن التی تمرّ بها الأم تجاه ابنها حیث یقوم الکاتب بتصویرها بشکل أقوی من بقیة الحالات. غیر أنَّه فی وصف أحاسیس المرأة تجاه زوجها یلجأ إلی صور أقلّ تأثیراً من أحاسیسها تجاه الابن. غیر أنَّ ما یحدث تجاه الأخ یفاجئ المخاطب الذی یعرف نمطاً اجتماعیاً مقبولاً فی أیّ مجتمع مدنی و تتجلی صورة الأخ فجأة وتبرز أکثر فأکثر إنَّ الوصف الدقیق یتم فی نهایة القصة وإنَّ هذه الإثارة تزید من جاذبیة القصة. إنَّ البنیة القصصیة تدل علی أنَّ هنبوی تسیر فی اختیارها من مسار الحرکة من الاحساس نحو العقل. وإنَّ عقدة القصة تکمن فی التضاد بین ماهیة العواطف النسائیة والعقل عند بطلة القصة. غیر أنَّ نظرة منا علی المضمون تجعلنا فی مواجهة قصة تضرب بجذورها فی مؤسسة اجتماعیة قدیمة تعود إلی الإنسان البدائی.

حیث أخذت فی مسار انتقالها الشفهی من العهود البدائیة إلی العهود المتطورة تصطبغ بصبغة المدنیة وإنَّ هذا الامتزاج بین الماضی والحاضر أضفی علی القصة تعقیداً قصصیاً ومنحها هذه الجاذبیة. وقد تجلت هذه العقدة علی شکل الرمز فی قالب تقلید أسطوری یدعی تقلید اختبار البطولة للبطلة التی تنتمی إلی النظام الأمومی. وخرجت البطلة المنتمیة إلی النظام الأمومی مرفوعة الرأس لتنقذ بذلک جمیع أقاربها مجیبة بذلک علی السؤال المهم المتعلق باختبار التدبیر والعلم المذهبی لدیها فهی تعلم ما هو المهم و ماهی طریق الخلاص وتعلم أنَّ الإجابة علی ذلک هی أنَّ المهم هو اختیار الأخ وهو طریق خلاص الجمیع.

جوینی، محمد. (1385ش). تاریخ جهانگشای جوینی. تصحیح: محمد قزوینی. چ 14. تهران: دنیای کتاب.

دورانت، ویل. (1391ش). تاریخ تمدن. ترجمه :احمد آرام، ع.پاشایی، امیرحسین آریانپور. چ15. تهران: علمی و فرهنگی.

رضی، هاشم. (1343ش). تاریخ ادیان. چ1. تهران: کاوه.

فروید، زیگموند. (1351ش). توتم و تابو. ترجمه محمد علی خنجی. چ2.  تهران: کتابخانه طهوری.

فریزر، جیمز جورج. (1386ش). شاخه زرین.  ویرایش و مقدمه رابرت فریزر. چ3. ترجمه کاظم فیروزمند. تهران: آگاه.

مصاحب، غلامحسین. (1381ش). دایره المعارف فارسی. چ3. تهران: امیرکبیر.

وراوینی، سعد الدین. (1384ش). مرزبان نامه. به کوشش خلیل خطیب رهبر. چ11. تهران: صفی علیشاه.

هرودوت. (1339ش). تاریخ هرودوت. ترجمه و حواشی هادی هدایتی. چ1. تهران: دانشگاه تهران.