دراسة مقارنة نقدیة لقصة من "غادة السمان" وأخرى لـ"بیجن نجدی" من منظور المدرسة الأمریکیة

نوع المستند: علمی پژوهشی

المؤلف

أستاذ مساعد بجامعة العلامة طباطبائی، طهران، إیران.

المستخلص

إذا کان النص الأدبی فی رؤیة المدرسة الکلاسیکیة للأدب المقارن یخضع للبحث بغیة الکشف عن تأثیراته المتبادلة مع النصوص الأدبیة الأخرى، ففی المدرسة الأمریکیة یتحول النص إلى مادة یفحصها الباحث لاستکشاف ما فیها من جمالیات، فاتحا بعد ذلک باب المقارنة بینها وبین مادة أدبیة أخرى، لتتموضع فی مکانتها التی تستحقها حسب الرؤیة العلمیة. ینطلق هذا البحث من المنظور الأمریکی المقارن، عاقدا المقارنة بین عملین أدبیین هما "المستشفى لا، القطار" للقاص الإیرانی بیجن نجدی و"فزاع طیور آخر" للقاصة السوریة غادة السمان، لیبرز بذلک أهمیة الدور الذی یستطیع الأدب المقارن أن یلعبه فی فهم النصوص الأدبیة. وفی سیاق الاستنتاجات، فقد توصل البحث إلى أن المدرسة الأمریکیة قادرة فعلیا على تحقیق غایتها المتجسدة فی المزج بین حقلین معرفیین دون انصهار أحدهما بالآخر. کما یتبین أن هذه المدرسة قادرة على أن تمثل دورا فی الکشف عن الأبعاد الجمالیة للأعمال الأدبیة وذلک عبر توظیف آلیات النقد الأدبی الجدید. أضف إلى ذلک أن القاصین تمکنا من التواصل مع القارئ عبر تبنی استراتیجیات محددة تنسجم مع ما یحمله النص من معانٍ ومفاهیمَ، بید أن القاص بیجن نجدی یتقدم على القاصة غادة السمان فی إبداع الصور الفنیة لخلق لوحته الفنیة المکتوبة. فیما یکشف البحث فی جانب آخر من مخرجاته عن أن استخراج جمالیات المبدعات الفنیة لن یکون المحطة الأخیرة فی رحلته المقارنة، بل لابد له أن یضع تلک الجمالیات أمام القارئ کی یزید من فهمه للنص الأدبی ویعزز رؤیته لاختیار الأفضل لیطالب المبدع الفنی بإبداع أعمال أدبیة ذات جمالیات أغزر، بغیة تفعیل عملیة الأخذ والعطاء بین القارئ والکاتب.

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

A Critical Study of Ghada- al-Saman and Bijan Najdi from American School of Comparative Literature

المؤلف [English]

  • Abdollah Alboghbish
Assistant professor , Allameh Tabatabaee University, Tehran, Iran
المستخلص [English]

Until the advent of the American school of comparative literature, the studies in the field had focused on finding out the effects of a literary work on another one belonging to a different country and culture. But with the advent of the American school, which can be called the criticism-oriented school, the studies in comparative literature have centered on probing into the aesthetic dimensions of the literary texts and thereafter on their comparison so that a literary text stands in its own deserving status on the basis of scientific viewpoints. Based on the criticism-oriented school of comparative literature, the present study has compared two literary works, ie. "Bimarestan, na Ghatar" (Not Hospital, Train) by BijanNajdi and  "Fazzao Toyuren Akhar" (Another Scarecrow) by Ghada al-Samman, a Syrian writer and poetess, so as to uncover the importance of comparative literature function in understanding literary texts. According to this study, the American or criticism-oriented school is able to actualize its outlined goals, i.e. merging the two knowledge areas of comparative literature and literary criticism without their being fused with one another. This study indicates that the mentioned school can, relying on the new tools of literary criticism, play a role in discovering the aesthetic dimensions of literary texts. Moreover, the two above-mentioned writers convey their intentions to their audience through certain mechanisms that are compatible with the concepts in their texts, except that BijanNajdi has surpassed Ghada al-Samman in creating literary images. The present study also shows that extracting aesthetic dimensions of literary texts is not the final stage of a comparative research: rather, a comparative researcher should thereafter set the aesthetic dimensions for the readers to raise their understanding of the texts and strengthen their viewpoints in opting for the better choice.

الكلمات الرئيسية [English]

  • comparative literature
  • American school
  • BijanNajdi
  • Ghada al- Samman
  • aesthetics
  • Literary Work

تتنوع التعریفات التی أقامها الباحثون بشأن محددات الأدب المقارن، قد تتفق فی معظمها على أن جوهرة العلم الولید تتمثل فی المقارنة بین عملین أدبیین أو أکثر أو بین عمل أدبی وآخر غیر أدبی. ما یترتب على ذلک هو إما الکشف عن التفاعلات الأدبیة بین مختلف الشعوب وإما إزاحة الستار عن أدبیة Literariness))النص الأدبی وجمالیته الکامنة فی بنیته الداخلیة.

عبده عبود، عند تناوله مفهوم الأدب المقارن، یقول: «الأدب المقارن فی أبسط مفاهیمه وتعریفاته، هو ذلک النوع من الدراسات الأدبیة الذی یتمثل جوهره فی إجراء مقارنات بین آداب قومیة مختلفة، أی بین أدبین کتبت بلغات مختلفة.» (عبود، 1999م: 23) ما تفرزه هذه المقارنة هو ظهور ثلاث مدارس، تعاطت کل منها حسب منهجها وطریقتها مع مفهوم الأدب المقارن. 

کانت إحدى تلک المدارس المدرسة الأمریکیة التی جاءت حاملة معها أسئلة عدة عن مدى أهمیة عقد المقارنات بین النصوص الأدبیة واستخراج وجوه التماثل والافتراق بینها، دون الإمعان فی جوانبها الجمالیة. کما طرحت المدرسة الأمریکیة أسئلة أخرى کان لابد للمدرسة الفرنسیة الإجابة عنها: هل ینبغی الوقوف بعیدا عن التشکلیة الداخلیة للنص، مستغلین واجهته لإظهار مدى توغل الأدب الوطنی داخل حدود الأدب المتلقی؟ وإلى أی مدى تسعفنا مثل هذه الرؤیة فی عملیة الکشف عن الجمالیات الکامنة فی البنى الداخلیة للنصوص المقارنة؟

واستعانت المدرسة الأمریکیة فی موقفها هذا بالنظریة الأدبیة الحدیثة فی مختلف اتجاهاتها (من بنیویة ومابعد بنیویة وسیمیائیة وغیرها من الاتجاهات النقدیة) لتحاکم المدرسة الفرنسیة التی لطالما وظفت الأدب لخدمة غایاتها "السیاسیة الاستعماریة" أو الآیدیولوجیة حتى.

لقد شهد الأدب المقارن وفی منتصف القرن العشرین نقلة نوعیة وحرکة نحو فتح آفاق واسعة فی نطاق عمله. ففی 1958 وخلال المؤتمر الثانی للجمعیة الدولیة للأدب المقارن، ألغى رینیه ویلیک الحدود التی رسمتها المدرسة الفرنسیة الکلاسیکیة بشأن ضرورة تعدد اللغات، حیث رفض ضرورة الاختلاف فی لغات الأعمال المدروسة، جاعلا الطریق سالکة أمام مقارنة عملین أدبیین من لغة واحدة أیضا. (ولک، 1389ش: 94)

من بعده، جاء هنری ریماک لیعطی الأبحاث المقارنة زخما جدیدا من خلال إزالة الحدود الفاصلة بین الأدب ومختلف العلوم والفنون کالسینما والعمارة والموسیقى وغیرها من الفنون، موسعا بذلک نطاق المقارنة بین الأدب وسائر الفنون. اشتهرت هذه المدرسة بالمدرسة الأمریکیة التی نفضل تسمیتها بالمدرسة النقدیة، إذ إنها تبتنی على أسس النقد الأدبی الجدید.

یذهب أصحاب المدرسة الأمریکیة إلى أن الغایة الرئیسیة من وراء الأدب المقارن لیست مجرد عقد المقارنة أو الکشف عن التفاعلات الأدبیة وبالتالی صیاغة تأریخ الأدب الوطنی خارج الحدود، وإنما الکشف عن مدى أدبیة الأعمال الأدبیة وجمالیتها، رابطین بذلک الأدب المقارن بالنقد الأدبی. (نفسه: 96)

وفی حقیقة الأمر، فإن المدرسة الأمریکیة ومن خلال إلغاء قیود تبادل التأثیرات فی تحدید طبیعة الأدب المقارن وماهیته، حولت العلاقة بین عملین أدبیین أو عدة أعمال أو فنون من العلاقة الرأسیة والاستعلائیة– کما تراها المدرسة الفرنسیة – إلى علاقة متوازیة أفقیة، حیث یتوازى فیها عملان أدبیان أو عدة أعمال أدبیة وفنیة، لتجری المقارنة فی القدرات الأدبیة والفنیة والتشکیلة الداخلیة بینهما ومن ثم تحدید مدى أدبیة تلک الأعمال لیس بمیزان التأثیر أو التلقی وإنما عبر الکشف عن إمکانیاتها الأدبیة الکامنة بداخلها. تتأسس الدراسة التی بین أیدیکم على أساس المدرسة النقدیة الأمریکیة.

ومن هذا المنطلق، فإن هذا البحث یعکف على فک شفرات العملین الأدبیین، بناء على المنهج البنیوی فی النقد الأدبی، على أن یعقد المقارنة فی المرحلة التالیة بینهما، کی یسهم فی تزوید القارئ برؤیة علمیة فی اختیار العمل الأدبی.

البحوث السابقة

بعد أن بدأ البحث المقارن مشواره فی دراسة النصوص الأدبیة فی إیران، أصبحت المؤسسات الأکادیمیة والبحثیة تفتح الساحة أمام الأدب المقارن کی یعبر عن نفسه ویأخذ نصیبه من الدراسات والبحوث ولذلک فقد توالت الدراسات فی هذا المضمار، انطلاقا من المدارس الثلاث (الفرنسیة والسلافیة والأمریکیة) قبل أن ترتکز على منهج المدرسة النقدیة الأمریکیة، متخذة منها مرتکزا فی العمل المقارن.

ویعتمد المنهج المقارن الأمریکی على رکیزتین إحداهما الکشف عن الجوهرة الأدبیة للعمل الفنی وثانیتهما فتح الباب أمام المقارنة بین العمل الأدبی من جهة والفنون الأخرى کالسینما والمسرح والعمارة والموسیقى من جهة أخرى. وفی هذا المجال بالذات، تدخل دراسة علی رضا أنوشیروانی تحت عنوان "دراسة مقارنة للشعر والرسم فی أعمال سهراب"، حیث یؤسس دراسته وبالتعاون مع لاله آتشی على أحد أرکان المدرسة الأمریکیة النقدیة أی عقد المقارنة بین الأدب وسائر الفنون وبالتحدید الرسم ومن خلال ذلک، یعقد مقارنة بین أشعار سهراب سبهری الشاعر الإیرانی المعاصر وفنه فی الرسم، وقد سعى الکاتبان جاهدین لتبیان کیفیة إبداء مفهوم واحد بآلیتین مختلفتین هما اللغة والصور. (أنوشیروانی وآتشی، 1390ش: 1-24)

علاوة على ذلک، فقد أصدر أنوشیروانی وبالتعاون مع لاله آتشی أیضا دراسة أخرى فی مجال الأدب والرسم تحت عنوان "الأدب والرسم: الرسوم الرومنطیقیة لـــ بلیک بالنظر إلى ملحمة ملتون"، حیث تناول فیها من منظور المدرسة الأمریکیة، تلک الرسوم والملحمة، مبینا کیفیة العلاقة بین الأدب وسائر الفنون فی الأدب المقارن. (انوشیروانی وآتشی، 1390ش: 100-120)

سوى تلک الدراستین، فقد أجرى علی رضا أنوشیروانی دراسة أخرى بالتعاون مع فهیمة ناصری، باللغة الإنجلیزیة تحمل عنوان "دراسة مقارنة للحب الإلهی عند المولوی البلخی وجورج هربرت الشاعر والقسیس البریطانی". (أنوشیروانی وناصری، 2005م: 3-29)

أما فیما یتعلق بالمقارنة بین الأعمال الأدبیة من منطلق الکشف عن الأبعاد الجمالیة والجوانب الفنیة لتلک الأعمال دون النظر إلى مدى تبادل التأثیر بینهما، فقلما نجد بحوثا معمقة فی هذا المضمار فی الأدب الفارسی، لاسیما بالنسبة للقاصة السوریة غادة السمان والقاص الإیرانی بیجن نجدی. على سبیل المثال، هناک دراسة تحمل عنوان "فی الأزقة الترابیة للبراءة: دراسة نقدیة مقارنة بین الشاعرة الإیرانیة فروغ فرخزاد والشاعرة العربیة غادة السمان"، لکنما الدراسة تترکز على وجوه التماثل والافتراق بین الشاعرتین فی مجال المفاهیم والمضامین کالإنسان والمجتمع والحب والمرأة والعمل والذنب والموت والوطن والوحدة وما شابه ذلک من مفاهیم، دون الإمعان فی الأبعاد الجمالیة لأشعار الشاعرتین.(مدنی، 1385ش)

کما نلاحظ فإن الدراسات التی تناولت الأعمال الأدبیة من منطلق المدرسة الأمریکیة فی الأدب المقارن، تنحصر عند عقد المقارنة إما بین الأدبین الفارسی والإنجلیزی وإما بین الأدب وسائر الفنون، غیر أننا لم نجد دراسات اقتربت من المقارنة بین الأعمال الأدبیة الفارسیة والعربیة من المنظور الأمریکی، لاسیما الأعمال الروائیة الفارسیة والعربیة المعاصرة. انطلاقا من ذلک، فکان لابد من إجراء دراسة تعقد المقارنة بین الأعمال الأدبیة الفارسیة والعربیة المعاصرة من منظور أمریکی.

أهمیة البحث وضرورته

کما أسلفنا فإن البحوث التی تناولت الأعمال الأدبیة من منظور المدرسة الأمریکیة للأدب المقارن، فی معظمها إما تعتمد المقارنة بین العمل الأدبی وسائر الأعمال الفنیة کالرسم مثلا، أو تتبنى مجرد المقارنة بین الأعمال الأدبیة دون التطرق إلى استخراج الجوانب الجمالیة ومن هنا، کان لابد من إجراء مقارنة عمادها فی الدرجة الأولى استکشاف الأبعاد الجمالیة، قبل عقد المقارنة. بناء على ذلک، فإن إجراء مقارنة تطبیقیة بین عملین أدبیین کان ضررویا لتعزیز البحوث فی هذا الحقل المعرفی. تحقیقا لذلک، فقد اخترنا عملین أدبیین أحدهما "المستشفى لا، القطار" للقاص الإیرانی بیجن نجدی والآخر "فزاع طیور آخر" للقاصة السوریة غادة السمان.

أسئلة البحث

ینطلق البحث وکسائر البحوث من عدة أسئلة ومحاور، لعل أبرزها هو التساؤل الذی طرحه رینیه ویلیک فی کلمته أمام مؤتمر الأدب المقارن فی منتصف القرن الماضی، عما إذا کان بالإمکان الربط بین حقلین معرفیین یبدوان مستقلین وهما الأدب المقارن والنقد الأدبی؟ کما أن السؤال الآخر الذی تطرحه الدراسة هو مدى قدرة الأدب المقارن فی الکشف عن الجوهرة الأدبیة للأعمال الأدبیة وهل نستطیع وعبر آلیات نقد الأعمال الأدبیة ومن ثم مقارنتها حسب المنظور الأمریکی، إستکشاف مواطن القوة والضعف فی الأدب القومی؟ وبعد ذلک، هل تمکن العملان الأدبیان أن یتواصلا مع المتلقی/ القارئ على النحو المطلوب وأن یوحیا رؤیتیهما من خلال الأدوات والآلیات التی قد استخدماها؟ فی أی من النصین کانت القدرة الفنیة والأدبیة أقوى؟ وأخیرا هل إن استخراج الأبعاد الجمالیة فی الأعمال الأدبیة هو المحطة الأخیرة فی المدرسة الأمریکیة للأدب المقارن، أم أن ثمة خطوة أخرى لابد أن تتعدى حدود استخراج تلک الجمالیات والجوانب الأدبیة؟

منهجیة البحث

یدخل بحثنا فی إطار الدراسات التطبیقیة التی تعمل على تطبیق إحدى رکائز المدرسة الأمریکیة للأدب المقارن أی المقارنة بین عملین أدبیین من خلال إستخراج جوانبهما الفنیة، دون النظر إلى مدى تبادل التأثیر بینهما. ولأن المدرسة الأمریکیة أو بالأحرى النقدیة تنبنی على أساس النقد الأدبی وبالتحدید النظریة الأدبیة الجدیدة، فلابد من اختیار أحد أفرع النظریة الأدبیة للسیر فی سیاقها خلال إجراء المقارنة ولذلک فقد اخترنا البنیویة کأساس لعقد المقارنة، ما یدفعنا بالتالی نحو الوقوف عند المبادئ النظریة للرؤیة البنیویة فی النقد الأدبی.

الرؤیة البنیویة

لقد تعامل الأب الروحی للنظریة الأدبیة القدیمة أرسطوطالیس مع الظاهرة الأدبیة على أساس أنها محاکاة للواقع (أرسطوطالیس، لاتا: 55)، حیث کان الأدب عنده مرآة تتجلى فیها الحیاة بکل جوانبها الإیجابیة والسلبیة وبالتالی کان على القارئ / المتلقی أن یطابق بین العالمین الأدبی والآخر الواقعی.

فی مطلع القرن العشرین للمیلاد، ظهرت نظریة أدبیة جدیدة، استطاعت أن تزعزع النظریة الأرسطیة، دون أن تنکر معروفها. بناء على النظریة الجدیدة، فإن الأدب لیس محاکاة للواقع وإنما عزوف عنه وهو یعنی إیجاد عالم جدید لم یکن قائما من قبل. وفقا للمنظور الجدید، فإن «الأدب لیس طریقا لمعرفة الواقع وإنما نمط من مجموعة أحلام تتعدى حدود الواقع، حیث مرت بکافة مراحل التاریخ. وبیانها هو الآمال الأساسیة للإنسان التی أدت إلى الحضارة، غیر أنها لم تتحقق تماما هناک أیضا.» (ایغلتون، 1388ش: 127)

لقد کان تنظیر نورثروب فرای بشأن إعادة تحدید طبیعة الأدب ومن ثم دراسة الأدب على أسس بنیویة، - بالاستناد إلى الأسس النظریة لعلماء اللغة کفردینان دی سوسور (الدال والمدلول، اللغة والکلام) ومن ثم رومان یاکوبسون (الوظائف التواصلیة الست للغة، اللغة العادیة والشعریة) - کانت کل تلک المحاولات والتنظیرات منطلقا لینال الأدب بشکل عام والروایة کإحدى تبلوراته، مکانة مختلفة عما کانت علیه سابقا. «ترفض البنیویة المعنى الظاهر للروایة، محاولة إستخراج البنى "العمیقة" الباطنیة لها التی لا نراها بالعین. فإنها لا تنظر إلى النص بقیمته الشکلیة، بل تستبدله بشیء مختلف تماما عنه.» (نفسه: 132)

کان من شأن تطبیق هذه الرؤیة تفعیل کل أجزاء الروایة وإسهام کافة عناصرها بدءً من الشخصیة ومرورا بالزمان والمکان ووصولا إلى اختیار الراوی واللغة والوصف والحبکة فی تشیید البنیة القصصیة وبالتالی فقد أصبحت تلک العناصر المتجمدة والمیکانیکیة، عناصر دینامیکیة فاعلة فی بناء الروایة الجدیدة، مقیمة علاقة جدلیة فیما بینها ومن ثم بینها وبین الهیکلة العامة للظاهرة الأدبیة، بحیث إن أی تصرف فی الأجزاء یؤدی إلى تغییر بناء الروایة بأکمله. «فالعالم الموصوف أو المستحضر فی روایة من هذا القبیل، لیس من قبیل العالم الفیزیائی الواقعی کما نعیشه فی حیاتنا الیومیة، فهذا العالم لم یکن قائما منذ ذی قبل وإنما ولید اللغة نفسها.» (مورامارکو، 1387ش: 56) إذن إذا کانت الروایة الواقعیة تروی تجربة قد انتهت وأصبحت من الماضی، فإن الروایة الحدیثة تخلق عالما جدیدا، لم ینته بل إنه یحدث فی الوقت الحاضر ولا یمکن وضع نهایة له، وأن من یکتب نهایته لیس الکاتب وإنما القارئ. کان من شأن ذلک أن یفتح الطریق أمام القارئ فی خلق الروایة وصیاغتها ومن ثم بناءها.

هنا وخلافا للنظریة القدیمة تلعب اللغة دورا حیویا، إذ إن کل تلک الدینامیکیة فی الروایة تعود فی الدرجة الأولى إلى دینامیکیة اللغة وطابعها الإیحائی غیر المباشر، فإن خلت اللغة من تلک السمات، غابت عنها الحیاة والحیویة وبقیت جامدة کاللغة المعتادة الیومیة.

فاللغة بذلک، متعددة المرجعیات تتسم بالانزیاح عن القواعد المألوفة وربما تناقضها أساسا ولا تشیر إلى الأشیاء والمفاهیم بأسمائها وبصورة مباشرة. تحقیقا لذلک، تستخدم اللغة کافة إمکانیاتها وقدراتها من دلالات ضمنیة ومهارات شعریة وبیانیة کمختلف التشبیهات والاستعارات والطاقات الرمزیة وکل ما یدخل فی هذا السیاق. هنا تزول الحدود الفاصلة، فلا النثر نثر خالص ولا الشعر شعر بحت، بل إن کلا منهما یستعین بطاقات الآخر لإثراء عالمه وإشراک القارئ فی عملیة إعادة بناء الهیکلة العامة للروایة أو الظاهرة الفنیة بشکل عام. وما إن تنتهی العملیة على ید قارئ ما حتى یأتی القارئ الآخر ویعیدها على طریقة أخرى.

نظریا تتأسس الدراسة  الحالیة على تلک المفاهیم کمنهجیة فی القراءة النقدیة المقارنة للقصة القصیرة "فزاع طیور آخر" للقاصة السوریة غادة السمان" و"المستشفى لا، القطار" للقاص الإیرانی بیجن نجدی.

هیکل المقالة

تفتتح قصة "المستشفى لا، القطار" بتوظیف تقنیة الوصف الروائی، فالراوی/السارد یسترسل فی وصف کافة أجزاء المشهد الذی یشاهده: إمرأة تفتح عباءتها بسرعة وتلتف بها من جدید ویلمح الراوی بنفس السرعة أن ثوبها أبیض اللون. فی زاویة أخرى، «کانت سکة الحدید صامتة». وفی رکن آخر، مقهى یصدر عنه صوت السماور. و«خلف المقهى، کان مرتضى مستلقیا على کرسی حجری، ورجل یجلس على حقیبة سفره، یدخن السجائر، مستظلا بشجرة الحور.» (نجدی، 1389ش: 72) یحتل هذا الوصف صفحة بأکملها من القصة. ویتحرک توازیا مع حرکة سائر الأجزاء المکونة للبنیة الروائیة وبالتالی یرشدنا فی عملیة الکشف عن الأبعاد الجمالیة الکامنة فی العمل الأدبی، نحو عدة محاور لابد من الوقوف عندها.

أولى تلک المحاور هی أن السارد یصف أجزاء المشهد على نحو، یجعل القارئ أو بالأحرى المشاهد أن یلمس ویشاهد المشهد، بدلا من أن یقرأ عنه، فعین الراوی تعمل کالکامیرا السینمائیة وتطل برأسها من مکان مرتفع على کافة أجزاء المشهد وتضعه أمام أعین المشاهدین، فکما یرى الراوی المقهى الواقع قرب سکة الحدید، یرى ما هو خلفه أیضا، حیث «کان مرتضى مستلقیا فوق کرسی حجری.» (نفسه)

وجهة النظر

تقودنا هذه النقطة بدورها نحو نقطة أخرى هی أن السارد علیم کلی المعرفة، یراقب المشهد بأکمله من الأعلى ویرصد کافة الأجزاء، وإنه قریب من الشخصیات بحیث إنه على علم ببواطنهم: «کان مرتضى مستلقیا على الکرسی الحجری خلف المقهى، واضعا إحدى یدیه على عینیه ولایزال ینظر إلى عتمة اللیلة الماضیة ویسب فی قرارة نفسه بائع الجرائد الذی کان یثیر ضجة بالقرب منه.» (نفسه) أو «بعد کل ذلک الضجیج الذی أثاره وصول القطار، کان الآن مرتضى یود لو یحتضن ضجة بائع الجرائد.» (نفسه: 73)

أما الدافع من وراء اختیار مثل هذه الزوایة فی القص، فنتوصل إلیه عندما نقرأ القصة، ذلک أنها تقص حکایة رجل یدعى مرتضى کان ینتظر وصول القطار، کسائر المسافرین، لکنه وعند بلوغ القطار المحطة، یشاهد أن رجلین یطردان مسافرا بذریعة رکوبه القطار دون تذکرة. یهرع مرتضى نحو المسافر ویطلب من صاحب سیارة یدعى طاهر المساعدة فی إیصاله إلى القطار فی محطته التالیة. تنطلق السیارة بسرعة وأثناء الطریق یجری سجال حاد بین طاهر ومرتضى حول الاختیار بین المستشفى للتخلص من المسافر أو القطار لإیصاله بغیة إکمال رحلته. بعد شد وجذب، ینجح مرتضى فی فرض فکرته وإرادته وبالتالی یفلح فی إیصال المسافر إلى المحطة ومن ثم إلى القطار بعد شراء تذکرة له.

إذن، فالقصة تتناول قضیة اجتماعیة إنسانیة عامة، وهل هناک وجهة نظر أفضل من الراوی العلیم قادرة على أن تکشف لنا بواطن الشخصیات وکل ما یحیط بها من ظواهر إنسانیة وطبیعیة، قریبة کانت أم بعیدة لإبراز الطابع الإنسانی العام للقصة؟

کما أن العامل الآخر فی اختیار وجهة النظر هذه هو الوصف الذی تبدأ القصة به، حیث استخدمه الکاتب من أجل إبراز حالة الانتظار لدى الشخصیات. فالوصف بأدق تفاصیله یتطلب أن یکون الراوی علیما بالموضوع وملما بتفاصیله، کی یکون مطلعا على کل جوانبه، بدءً من بواطن الشخصیات ووصولا إلى أدق تفاصیل المشهد المرئی.

بالانتقال إلى قصة "فزاع طیور آخر"، نجد الوضع مختلفا تماما. إذ إن غادة السمان توظف وجهة نظر المتکلم (البطل یروی قصته)، حیث لیس بمقدوره التسلل إلى بواطن الشخصیات ومن ثم الاطلاع على أفکارهم ورؤاهم والعوامل المؤثرة فی حیاتهم. لذلک، تنکشف أمامه أجزاء من هذه التصورات والأفکار کلما تقدمت أحداث القصة، شأنه فی ذلک شأن القارئ الذی قد بدأ بقراءة القصة، دون أن یعلم ماذا سیحل بشخصیاتها فی نهایة المطاف. وعلیه، تطّـلع بطلة القصة فجأة أن زوجها یصدر أحکام المتهمین على أساس الصدفة وبطریقة عشوائیة ولیس بناء على الأدلة الدامغة. لذلک تقول: «وأقنعت نفسی بأن اللعبة لم تعد تنطلی علی.» (السمان، 2007م: 12) ما یعنیه ذلک هو أن بطلة القصة کانت وقبل وقوع هذا الحدث تنطلی علیها اللعبة لجهلها بأفکار زوجها. هنا فإن السارد قد هبط من مکانة الراوی العلیم وأصبح هو أحد شخصیات القصة. من الطبیعی أن هذا النمط من القص یثیر تعاطف القارئ مع بطلة القصة. کما یکتشف القارئ برفقة الراوی الأحداث اللاحقة فی القصة، بحیث یصبح هو نفسه أحد شخصیات القصة. بالإضافة إلى أن وصف نفسیة بطلة القصة التی تمر بأزمات وتوترات نفسیة، یقتضی مثل هذا النمط من وجهة النظر. إذ إن أی شخص آخر کالراوی العلیم حتى، لن یستطیع أن یقص علینا تلک التأثرات والأزمات النفسیة التی تعیشها بطلة القصة، لاسیما ذلک التغیر الجذری الذی یطرأ فی ختام القصة، حیث تضطر البطلة، فی خضم التوترات الروحیة والنفسیة الشدیدة لاختیار أحد الخیارین المساعدة أو القساوة فی التعامل مع خادمتها، فتختار الثانی دون الخیار الأول.

الزمان

للزمان دور أساسی فی بناء جمالیة القصة الحدیثة. فالزمان عند ریمون کنان ضروری للقصة والنص کلیهما: «إن إلغاءه (إن أمکن) یعنی إلغاء کل السرد الروائی وشطبه.» (ریمون کنان، 2005م: 60)

فخلافا للروایات الواقعیة، حیث تعیش الشخصیة تجربة زمنیة متعاقبة دون أی عزوف عن التتابع المیقاتی، یتقطع التسلسل المیقاتی فی القصة الحدیثة، توازیا مع إنقطاعات مجریاتها وإنکساراتها، فإما نشهد لقطات استرجاعیة (Flashback) وإما نرصد لقطات استباقیة (Flash Forward) أی عرض الأحداث المستقبلیة قبل وقوعها. أضف إلى ذلک، تقنیات زمنیة أخرى فی القصة الحدیثة، تتجسد فی استدامة القصة وتراتبها الزمنی، حیث تنقسم هذه التقنیة إلى التسریع والإبطاء. کما أن تقنیة التسریع نفسها تتجزأ إلى جزءین هما الحذف والتلخیص. وبدورها تنقسم الإبطاء إلى المشهد والوقفة. (مانفرید، 2011م: 121)

تدخل هذه التقنیات، فی سیاق جمالیة العنصر الزمنی فی الروایة / القصة الحدیثة. هنا وبالتحدید فی قصة بیجن نجدی یصف السارد مشهد القصة مستعینا بوقفة وصفیة (Pause) باعتبارها أحد أفرع الإبطاء الروائی. یتجلى ذلک فی التطرق إلى أدق تفاصیل المشهد، حیث یصبح القارئ منتظرا وصول القطار، شأنه فی ذلک شأن سائر شخصیات القصة.

إذن فالسارد ومن خلال تقنیة الوقفة الوصفیة یعلق العنصر الزمنی لیدفع القارئ نحو الانتظار لوصول القطار، لکنه وفی المقابل، عندما تتسارع الأحداث، یوظف تقنیة أخرى هی التسریع (Acceleration) لتحقیق غایته. فالسارد وعندما یصف سرعة سیر السیارة وسقوطها داخل الحفرة وخروجها منها، یستحضر تقنیة التسریع.

 «کانت فی ذلک الجانب حفرة ملیئة بالماء، وقعت فیها السیارة بعد أن وضع طاهر رجله على الکابح. التفت السیارة حول دائرة کبیرة وسقطت. اقتلعت یدا طاهر من المقود. سقط مرتضى فوق المسافر. انکب طاهر برأسه نحو الکرسی الفارغ. کانوا یتدحرجون على البعض وتحتک أبدانهم بالبعض وکانت رائحة أبدانهم تتنقل من قمیص لقمیص... .» (نجدی: 78) إذن تتسارع الجمل قصیرة ومتواصلة، حیث یقرأها القارئ بسرعة وبالتوازی مع وقوع الأحداث، فحرکة السیارة کانت سریعة جدا، بحیث أن قیام طاهر بوضع رجله على الکابح لم یجد نفعا وتقع السیارة داخل الحفرة.

تشتد وتیرة هذا التسریع أکثر فأکثر فی مشهد آخر من القصة: «ما إن نزل طاهر من السیارة ولوى ظهره وصدر صوت طقطقة عظام ظهره وفتحت إمرأة عباءتها للحظة واحدة والتفّت فیها من جدید، حتى وصل القطار.» (نفسه: 79) کما نرى فإن الجمل تتوالى وتتعاقب وتترابط بأحرف "واو" العطف، بحیث إن القارئ لم یجد فرصة لیلتقط أنفاسه ویتأنى ولو للحظات، بل إنه یواصل قراءة القصة بسرعة وقوع الأحداث، إلى أن یصل القطار. فبالإضافة إلى حرف "واو" العاطفة، فإن حرف "ما إن" فی مطلع الجملات أیضا قد أوجب تعاقب الجملات، وقد جعل إکتمال المعنى مناطا بالجملة الأخیرة أی "وصل القطار".

إن کان بیجن نجدی یستعین بتقنیة الوقفة حسب بنیة قصته، فإن غادة السمان توظف تقنیة الإسترجاع (Flashback) فی قصتها. حسب هذه التقنیة، فإن السارد ومن خلال رؤیة حدث ما، یستحضر حدثا قد وقع فی الماضی ویبدأ بسرده.(مانفرید: 117) تتحدث بطلة القصة عند غادة السمان عن قتل أطفال القطة منذ أسابیع، ما یدفعها نحو وصف کیفیة القتل فی الأسابیع الماضیة، معیدة زمن القصة إلى الوراء، کی تنکشف أمام القارئ جوانب جدیدة من أفکارها. وهذا ما یتکرر منذ بدایة القصة وحتى نهایتها.

بالإضافة إلى تحطیم التسلسل الزمنی للروایة الحدیثة، الذی تقدم الحدیث عنه، إذا نظرنا إلى القصتین من منطلق التوقیت الزمنی، فسنجد أن الأحداث فی قصة غادة السمان تقع عند ساعات المساء، بناء على انطوائیة الشخصیة الرئیسیة والأجواء الکئیبة التی تخضع لها القصة. فالراویة تلقی بأطفال القطة لیلا وتطلع على تصرفات زوجها المریبة عند المساء وتترک المنزل مساءا. هذا یختلف تماما عن قصة بیجن نجدی، حیث إن الأحداث تقع عند ساعات النهار، حسب الطبیعة الاجتماعیة للقصة. فخلافا للمساء، فإن النهار لیس هادئا بل مزدحما یکثر فیه الضجیج وإن خصوصیته الرئیسیة هی الإزدحام.

المکان

تحدثنا سابقا عن غیاب أی دور لمکونات القصة الکلاسیکیة کالزمان والمکان فی بناء البنیة القصصیة، أما القصة الحدیثة فتوزع الأدوار على کافة الأجزاء، بحیث إن إلغاء أی من تلک المکونات أو التصرف فیها وتحویرها، یزعزع البنیة العامة للقصة وبالتالی یقودها نحو حافة الانهیار أو تغییر اتجاهها وغایتها فی أقل تقدیر. وهذا ما یصدق على المکان باعتباره أحد مکونات القصة الحدیثة، فـــ«المکان فی المبدعات الفنیة والأدبیة عنصر جمالی أساس وعنصر شکلی وتشکیلی ولیس دیکورا. إنه یکوّن –کما یذهب البعض– الهویة الجماعیة أو یطبعها بطابعة على الأقل.» (سلیمان، 2006م: 287)

فی قصة "فزاع طیور آخر" تقع الأحداث فی مکان خارج المدینة، فی فیلا نائیة وبعیدة عن ضجیج المجتمع وهذا ما ینسجم مع کآبة الشخصیة الرئیسیة فی القصة. بینما نجد الوضع مختلفا تماما فی قصة بیجن نجدی. فموضوع القصة هو المسؤولیة والالتزام الاجتماعی، ومن الطبیعی أن تجری الأحداث فی مکان مزدحم (محطة القطار). ومن هنا لم یعد مکان وقوع الأحداث عنصرا هامشیا، بل یساهم فی بناء الهیکلة العامة للقصة وتکوینها. یقول الروائی الإیرانی مصطفى مستور: «فی الروایات القدیمة، کان ذلک الدور واقعیا تماما. بمعنى أن المکان فی الراویة کان علیه أن یذکّرنا بمکان واقعی فی العالم الواقع الذی نعرفه، فی حین أن المکان فی القصة الحدیثة، یدلنا عادة على نفسیات الشخصیات وبواطنها.» (محمد خانی، 1382ش: 44)

اللغة الشعریة

أما فی النظریة الأدبیة الجدیدة، حیث السیمیائیة إحدى اتجاهاتها، وتعتبر اللغة نظاما سیمیائیا فکل کلمة باعتبارها دالا، توجد مدلولا فی الذهن. المدلول هذا هو الصورة الذهنیة المجردة للشیء المرئی. فی هذه الرؤیة، لم تعد الکلمة مجرد إسم لما تذکره، بل صورة صوتیة وتصورا ذهنیا: دالا ومدلولا، فکل کلمة ننطقها، تنطوی على عنصرین: عنصر صوتی وآخر دلالی. وحسب غایته من کلامه، یختلف ترکیز المتکلم على أحد هذین العنصرین: فإن کان یرید النطق بکلام عادی، یمیل نحو المدلول، لأنه یرید أن ینقل إلى المتلقی تصورا مباشرا عاریا عن الغموض والتعقید، بغیة إیجاد رؤیة ذهنیة مشترکة. بالعکس من ذلک، فعندما یحاول المتکلم خلق غایة جمالیة من خلال کلامه و«یمیل التواصل الکلامی نحو الکلام ذاته، أی عندما یصبح الکلام فی بؤرة الإهتمام، فحینئذ تنطبع اللغة بطابع شعری.» (خوزان وباینده، 1390ش: 77) بطبیعة الحال، فإن المتکلم فی مثل هذه الحالة، یعزف عن غایة خلق تصور ذهنی مشترک، محاولا تعزیز الجانب الصوتی. «وبهذا تصبح الکلمة فی التجربة الجمالیة إشارة حرة تم تحریرها على یدی المبدع الذی یطلق عنانها ویرسلها صوب المتلقی، لا لیقیدها المتلقی مرة أخرى بتصور مجتلب من بطون المعاجم – وهو ما نقترفه دائما فی حق النصوص الأدبیة فنسهم فی قتلها وإفساد جمالیتها- وإنما للتفاعل معها، بفتح أبواب خیاله لها، لتحدث فی نفسه أثرها الجمالی. وهذا هو هدف النص الأدبی.» (الغذامی، 2006م: 18) من هذا المنطلق، تصبح قیمة أی عمل أدبی مرتبطة بالتأثیر الذی تترکه العلامات فی المتلقی ولیس فی المعانی المستوحاة من التجارب السابقة للکلمة أو الدلالات المستخرجة من قوامیس اللغة.

بالاستناد إلى هذه الرؤیة، فإن اللغة الروائیة الحدیثة لیست لغة عادیة بمرجعیة واحدة، غایتها الوحیدة هی التبلیغ والإخبار، بل إن القارئ المحترف، علیه أن ینظر إلى أی کلمة فی النص الأدبی باعتبارها علامة تشارک فی بناء الهیکلة العامة للروایة ویناط بها استیعاب البنیة العامة للروایة. فعلى سبیل المثال، تتحدث الساردة فی "فزاع طیورآخر" عن «قطار بطیء یخترق صحاری شاسعة میتة.» (السمان: 8) عندما نغوص فی أعماق القصة، نکتشف أن بطلة القصة وعبر الإستعانة بلغة شعریة متعددة المرجعیات، تقصد من وراء الحدیث عن الصحاری الشاسعة والمیته، حیاتها الفاشلة، حیث تمضی ببطء وملل، لاسیما وأن المسافرین/ الزوج والزوجة لا یعرفان البعض ولا توجد بینهما نقطة اشتراک وحتى لغة مشترکة تربطهما بالبعض، کما أنهما یجهلان ماذا سیحل بحیاتهما الزوجیة فی نهایة المطاف.

تستخدم الراویة کلمات مثل القطار وتعطیها مدلولا معاکسا، إذ أن ما یتوقعه القارئ من القطار هو الحرکة والدینامیکیة والسرعة، ولکن ما نلمسه ونشهده فی القصة، هو البطء. هنا وبإضفاء صفة "البطیء" إلى القطار، قد زالت تلک المعرفة السائدة عند القارئ بشأن القطار، حیث یتحول إلى عنصر سلبی فی القصة. کما أن عنصر الصحراء والذی یوصف بصفتی الشاسع والمیت، هو دال آخر یثیر فی ذهن المتلقی/ القارئ مدلول الحیاة الفاشلة /عقم الراویة وسأَم حیاتها. وهذا ما نلمحه فی قصة "المستشفى لا، القطار" وسوف نتطرق إلیه لاحقا فی هذا البحث.

بالإضافة إلى الشخصیة الأولى فی قصة "فزاع طیور آخر"، هناک شخصیات أخر منها الزوج/ نجم والخادمة / تفاحة وإلى جانب هؤلاء هناک شخصیات غیر إنسانیة وصامتة تمثل بعض الأدوار: القطة المدللة التی قد وضعت خمس قطط و«فزاع طیور مغروس فی آخر الحدیقة بلا حراک.» (السمان: 9) فی الوهلة الأولى، قد نظن أن القطة عنصر مهمش لا تأثیر له فی بناء القصة وتشییدها، غیر أن دورها الأساسی یتجلى مع استمرار عملیة السرد. وباعتبارها جزءا لا یمکن التغاضی عنه فی البنیة العامة للقصة، تتحمل هذه الشخصیة الحیوانیة جزءا من العلاقة الجدلیة بین الأجزاء والکل. فالقطة ومن خلال وضع خمس قطط، تثیر ردة فعل الراویة وبذلک تساهم فی تکوین البنیة العامة للقصة، بدلا عن أن تکون عنصرا فرعیا لا دور له فی القصة. هذا ما نلمسه بشأن فزاع الطیور المغروس فی آخر الحدیقة، حیث تقوم الراویة بتشبیه زوجها به: «رغم الصقیع مغروس فی الشرفة منذ أکثر من ساعة بلا حراک.» (نفسه) ما یشترک فیه الزوج وفزاع الطیور هو "عدم الحراک"، وهذا ما ورد فی وصف کلیهما. فکما أن فزاع الطیور "مغروس" من دون حرکة ومن أجل تفزیع الطیور فقط، فالزوج أیضا یتسم بنفس السمات، حیث أنه "مغروس على الشرفة". إذن فإننا نستطیع أن نعتبر هذه الشخصیة "فزاع طیور آخر" وهذا هو نفس العنوان الذی اختارته الکاتبة لقصتها.

العنوان

إن العلاقة بین القصة وعنوانها هی مقولة تسعفنا فی فک جزء من شفرات الهیکلة المتداخلة المتشابکة للقصة، فالعنوان هیکلة صغرى تقف إلى جانب الهیکلة الرئیسیة (القصة/ الروایة) وهو بوابة وممر للدخول إلى العالم الروائی. تدخل هذه المقولة تحت الملحقات النصیة (Paratextuality) التی جاء بها الباحث الأدبی جیرار جینیت.

فی منظور جینیت، فإن الملحقات النصیة «تدل على العناصر التی تقف فی عتبة النص وتوجه فهم القارئ للنص.» (آلن، 1389ش: 150) عند حدیثه عن العناصر الداخلیة للملحقات النصیة یرى جینیت أن "عنوان الروایة" یلعب دورا أساسیا کنص مواز أو مرافق للنص الرئیسی فی توجیه الروایة وفی تحدید نوعیة العلاقة بین القارئ / المتلقی والروایة. فی کتابه تحت عنوان "علامة العنوان" (Lamarquee du titre) یقدم لوی هویک أحد منظری علم العنوان (Titrologie) تعریفا أدق بشأن العنوان قائلا: «هو مجموعة من العلامات اللغویة منها المفردات والجمل وحتى النصوص التی تستطیع أن تتصدر النص وتدل علیه وتساعده وتدل على مضمونه العام لاستقطاب القراء.» (هویک، 1981م: 17)

کما أن فیلیب لان یقول فی حدیثه عن النص الموازی: «إن النص الموازی هو کل ما یحول النص إلى کتاب ویعرض نفسه على القراء أو على المتلقین بشکل عام. فالملحقات النصیة هی شیء أکثر من جدار رصین وصلب.ما نقصده هنا هو العتبة، والمدخل الذی یسمح لنا بالدخول أو العودة منه، کما یقول بورخیس.» (لان، 1992م: 9)

على هذا، فإن عنوان القصة یحظى بأهمیة کبرى، إذ إنه وباعتباره النص الموازی للنص الرئیسی بإمکانه أن یکون کلمة السر فی الدخول إلى عالم القصة وإذا استعنّا بقاموس علم اللغة، فإن العنوان دال یدل على مدلول / النص الرئیسی، یکون هذا بدوره دالا یشیر إلى مدلول أکبر أی مضمون القصة وفحواها. من هذا المنطلق، فإننا نستطیع تأویل عنوان القصة من خلال قراءة النص الرئیسی. فالنص الموازی/ العنوان على علاقة جدلیة مع النص الرئیسی وهو جزء من الشبکة المتشابکة لعلاقات الدوالّ والمدلولات فی القصة /البنیة، فلا ینبغی تجاهله فی نقد القصة وتحلیلها.

یدخل عنوان "فزاع طیور آخر" فی هذا السیاق؛ فبطلة القصة ومن أجل الاستخفاف بزوجها وفضح دوره فی حیاتها، تصفه بخواص یشترک بها مع شخصیة أخرى فی القصة هی فزاع الطیور، دون التصریح بهذا الموقف، لکی تفسح المجال أمام القارئ/ المتلقی لیطلق علیه عنوانا هکذا (مساهمة القارئ فی إبداع القصة).

ما یتوقعه القارئ/ المتلقی من عنوان الروایة هو غیاب التحرک والفاعلیة فی القصة وهذا فعلیا ما یحکم بناء القصة. فالعنوان وباعتباره علامة/ دالا یخلق لدینا تصورا بأن بطلة القصة بدورها غیر فاعلة ولا تتسم بالحیویة وهکذا الوضع حقا: فبطلة القصة إمرأة عاقر بإمکاننا أن نعتبرها "فزاع طیور آخر". هل أن المقصود من وراء "فزاع طیور آخر" بطلة القصة أیضا، علاوة على فزاع الطیور المغروس فی آخر الحدیقة وزوجها المغروس فی الشرفة بلا حراک؟ سؤال لا یمکن الإجابة عنه بوضوح وحسم، لاسیما إذا علمنا أن صفة الـ"آخر" الواردة بعد الموصوف النکرة "فزاع طیور"، تجعل من الصعب التکهن بشأن الشخصیة المقصودة من وراء تلک التسمیة. فالقصة الحدیثة تسعى أن تطلق عنان الأسئلة لتجول بالفکر دون أن تلجمها أی إجابة، إذ إن کل إجابة هی إخماد سؤال ومن ثم تعطیل التفکیر بشأن القصة وهذا ما یتعارض تماما مع مفهوم القصة الحدیثة التی لا حیاة لها من دون تعدد الدلالات والمفاهیم.

بالانتقال إلى قصة "المستشفى لا، القطار"، فالمفردات تتخلى عن طابعها القاموسی کی ترتدی حلة شعریة وأن تثیر معان مختلفة ومتنوعة فی فکر القارئ/ المتلقی. ما نعرفه عن "المستشفى" هو المکان الذی یخضع للأمراض والجمود والموت أحیانا. فی الضفة المقابلة، تقف أمامنا مفردة "القطار" التی ما تستدعیه فی الذهن هو الحرکة والدینامکیة والحیاة والحیویة. إن الکاتب ومن خلال توظیف المفردتین باعتبارهما دالین متعارضین، یکشف أمامنا التعارض الذی یحکم القصة ویزودنا بأولى الإشارات بشأن مضمون القصة وبأنها تبتنی على أساس التقابل بین رؤیتین مختلفتین.

لعلنا نستطیع إیضاح الفکرة عبر الجدول التالی:

الدال:

المستشفى

القطار

المدلول

 الجمود

الحرکة

الدلالة

الموت

الحیاة

وبذلک، فإن الفاصلة (،) الواردة فی عنوان القصة (المستشفى لا، القطار) تکتسب دورا سیمیائیا، حیث جاءت فی المکان المناسب، ولو لم یأت الکاتب بها، لوقع القارئ/ المتلقی فی فخ الفهم الخاطئ، ما یدفعه نحو التعامل مع النص بصورة معاکسة تماما.

تتعزز عملیة الکشف عن الدوال والمدلولات فی عنوان القصة بعد تجاوز عتبة القصة والدخول إلى العالم القصصی. بعبارة أخرى، فالعلاقة بین البنیة الصغرى "العنوان" والکبرى "العالم القصصی" علاقة ثنائیة جدلیة وکما أن العنوان یوجهنا نحو القصة، فإن القصة أیضا تؤدی دورها فی الکشف عن مدلولات العنوان. ولذلک، یتجلى التقابل والتعارض فی القصة بشکل أکبر وأوضح، بعد تجاوز العتبة والدخول إلى البناء القصصی. فمرتضى وبعد محاولات عدة، یتمکن من إیصال المسافر إلى القطار/ الحیاة، رغم مقترح طاهر الذی عرض نقله إلى المستشفى/ الموت، فعندما یعرض طاهر مقترحه على مرتضى، یرفضه الأخیر رفضا باتا:

«إذن لماذا لا ننقله إلى مستشفى أو مستوصف ما؟

یمد مرتضى إصبعه باتجاه الطریق خلفه، صائحا بصوت عال:

لأنهم طردوه من القطار ولیس من المستشفى!» (نجدی: 77)

فی موضع آخر من القصة، یتجلى من جدید التعارض بین المسؤولیات الاجتماعیة والصفقات الاجتماعیة:

«قال طاهر: ما الذی نحصل علیه بعد کل هذا؟

ردّ مرتضى مجیبا: تحصل على نقودک وتفهم أیضا کیف یرکب الناس القطار وکیف یطردون منه... .» (نفسه: 78)

تتواصل فکرة التجاذب بین الموت والحیاة مع استمرار القصة وتلقی بظلالها على کل جوانبها، متحولة إلى مضمون (Motif) یحکم القصة، الأمر الذی دفع الکاتب إلى اختیار ذلک عنوانا للقصة.

من نجدی إلى غادة السمان، حیث یتبلور هذا التعارض والتضاد أیضا. فتقف امرأة عاقر "بطلة القصة" فی مواجهة امرأة حامل "الخادمة" وحتى فی درجة أقل، فی مواجهة حیوان حامل "القطة المدللة". کما تقف امرأة غنیة وجمیلة "البطلة" فی مواجهة امرأة فقیرة قبیحة "الخادمة". والتعارض الآخر هو المرأة المفعمة بالحب والعاطفة فی مواجهة من لا مشاعر له ویشبه فزاع الطیور "نجم":

الراویه/ امرأة عاقر                                                  امرأة حامل

الراویة/ امرأة عاقر                                                  قطة حامل

الراویة/ امرأة غنیة                                                   امرأة فقیرة  

الراویة/ امرأة جمیلة                                                  امرأة قبیحة  

الراویة/ امرأة ذات مشاعر                                           زوج یفتقر إلی المشاعر والأحاسیس

                                              →   التباین     ←

هذا التعارض بین الشخصیة الرئیسیة وسائر الشخصیات والذی نلمحه فی کلا القصتین، یشیر إلى التعارض فی بنیة القصة، کما یشیر إلى إحدى الخواص الرئیسیة للقصة الحدیثة، حیث إن الشخصیة الرئیسیة تختلف عن سائر الشخصیات وأن نظرتها وتصرفاتها وأفعالها تتعارض تماما مع من یحیط بها من أفراد المجتمع. یسعى الکاتب أن یبلور هذا التعارض من خلال مختلف الآلیات کالتعارض فی اللغة أو تصرفات الشخصیة الرئیسیة. نرى فی قصة غادة أن العقر یطغى على التعارض القائم فی القصة، ما یجعله العنصر الحاکم (Dominant) فی القصة.

الصناعات الأدبیة والإبداعات الفنیة

کما هو الحال بالنسبة لمختلف عناصر القصة، فإن الصناعات الأدبیة والشعریة تضطلع بدور أساسی فی خلق البناء الروائی والشبکة المتداخلة للقصة وهو المساعدة فی خلق اللغة الأدبیة للنص الروائی. لقد أدرک برندر ماتیوز وبذکاء هذا الموضوع وقد أکد علیه، حیث یقول: «على القاص أن یمتاز بالأصالة والخلق والإبداع (Ingenuity) [فعلاوة على] الإیجاز والأصالة والإبداع، من الأنجع والأفضل أن یضیف الکاتب نفحات من الخیال(Fantasy)  على قصته. فی الحقیقة لا نجاح لقاص، لا یتمتع بالإبداع والأصالة والإیجاز. والأکثر نجاحا من بین الذین یسلکون هذا الطریق، هو من لدیه مسحات وبصمات من الخیال.» (ماتیوز، 1917م: 23) من هنا، فإننا نستطیع مقاربة التشبیهات والإستعارات وخلق الرموز ومزج الحواس والکنایات والمجازات کلها من هذا المنطلق ووضعها فی هذا السیاق.

تفادیا لتململ القارئ وضجره، یرفق بیجن نجدی بدایة قصته بتقنیات وإبداعات فنیة، ما یدل على أن إحدى وظائف الصناعات البیانیة الأدبیة هی تکوین الهیکلة المتشابکة من أجزاء القصة/ الروایة. فالتشبیه والاستعارة وتمازج الحواس والصفة الفنیة، کلها آلیات وأدوات تخدم الإستراتیجیة العلیا فی القصة. تنطلق هذه العملیة بانطلاق القصة عند نجدی. فامتزاج صباح الأحد وبیاض الرداء (الاستعارة المکنیة: التجسیم) وصمت سکة الحدید (الاستعارة المکنیة) والتصاق وجوه المسافرین ببرودة الصباح (امتزاج الحواس) والنظر إلى ظلام اللیلة الماضیة (التناقض) وإمکانیة لمس رطوبة الجو (الاستعارة المکنیة: التجسیم والمبالغة) وانغماس فم "نائم" بثدی الأم (الصفة الفنیة أو Epithet) وامتلاء الکرسی الحجری بصوت القطار، کلها صناعات أدبیة یستعین بها السارد لیدفع القارئ/ المتلقی نحو العمل على تفکیک شفراتها والتمتع بتلک العملیة الأدبیة، مواصلا فی ذات الوقت انتظار القطار مع سائر المسافرین، دون أن یشعر بذلک أو یمر بحالة من الملل والضجر.

کمنهج بیجن نجدی فی توظیف الصناعات الأدبیة/ الشعریة فی الإبداع الروائی، تتبنى غادة السمان المنهج ذاته. فالجمل الأولى للقصة ("تمطر تمطر") مکتوبة على طریقة الشعر الجدید، حیث تقتصر وتطول فقرات الشعر، مقتربة بذلک من حدود الشعر. کما أن جمل "تمطر، تمطر" تتکرر بإستمرار فی مطلع کل فقرة من القصة ما یحولها إلى قصیدة ترجیعیة/ شعر، حیث یساعد ذلک التکرار والترجیع على أن یشعر القارئ بهطول المطر منذ بدایة القصة وحتى نهایتها. المطر الذی یشتد مع اشتداد الأزمة النفسیة للشخصیة، مؤدیا بذلک دورا مؤثرا وفاعلا فی عملیة السرد القصصی.

بالإضافة إلى تلک المشترکات الشکلیة بین القصة والشعر، فإن قصة غادة تقترب أیضا من حدود الشعر من خلال الاستعانة بالصور الخیالیة الشعریة. ففی بدایة قصة السمان:

 «تمطر بردا رمادیا وسأما. تمطر منذ الصباح، وعلى وتیرة واحدة.. على وتیرة واحدة..».(نفسه: 8) وبذلک تتمازج البرودة/ غیر المرئی باللون/ المرئی من خلال توظیف صناعة المزج الحسی. فبطلة القصة تشبه صوت القطة (المجرد وغیر المرئی) بــــ «نصل حاد لسکین، تنغرس ببطء واستمرار فی بطنها»(نفسه) کی یشعر القارئ بمزید من التألم والوجع. استمرارا للکلام، تشبه الراویة النظرة الحاقدة للقطة إلى "نظرة إنسانیة کتلک التی قد تطل من عینی امرأة سحلوا أولادها أمام عینیها (نفسه). هذا المشهد أیضا یرفع مکانة الحیوان إلى مکانة الإنسان من خلال إعطاءه سمات إنسانیة. هذا بالإضافة إلى أن السماء وفی تشبیه مضمر، تصبح کالکائن الحی الذی تأمل الشخصیة الرئیسیة أن «تتفجر رعدا.. تتمزق أحشاؤها برقا.» (نفسه: 9) وهکذا تحیى الأشیاء والأماکن والحیوانات کلها نتیجة للتشبیهات والاستعارات والصور الشعریة بصورة عامة وتخرج من ذلک الجمود والمیکانیکیة، ولکن فی الاتجاه السلبی.

الراویة/ بطلة القصة وبلغة ساخرة، تشبه زوجها/ الإنسان بفزاع طیور/ شیء کی تأخذ به إلى أدنى المستویات وتجلده بأقسى العبارات. تتکرر هذه اللغة الساخرة فی موقع آخر، حینما تتساءل الراویة: «لماذا لا یقدم لفزاع الطیور سیجارة.» (نفسه: 9) لکی تنتقص من شأن زوجها وتجعله فی مستوى فزاع طیور. تتشابه کلمات الحب (غیر حسیة) عند الراویة بالبن (حسیة) حیث «یحرقونه فی البرازیل کی لا تتدنى أسعاره.» (نفسه) تتوزع هذه التشبیهات والاستعارات وسائر الصناعات الأدبیة على کافة جوانب القصة وتتواصل حتى نهایتها کی تترافق اللغة الشعریة مع المضمون فی المستوى المعنوی.

الحبکة والتصمیم

خلافا للروایة الکلاسیکیة، فإن القصة الحدیثة تخلو من الحبکة المعقدة، بل ما نراه فیها هو التصمیم (Sketch) ولیس الحبکة أو العقدة(Plot)، لکونها قصیرة ولیست مطولة. جارلز می عند تناوله قصص تشیخوف، یحدد لها ثلاث خصوصیات عامة، إحداها أن «القصة لیست حکایة مفصلة ذات أحداث متشابکة (حبکة معقدة) بل إنها تصمیم بسیط... تمت صیاغتها على نمط الأشعار الغنائیة.» (پاینده، 1391ش: 173) کما یقول یان رید عن "التصمیم": «هناک امتیاز أولی کبیر بین الکتابة عن الحالة والکتابة عن الأحداث. فالأولى تستند إلى کیفیة الشیء أو المکان أو الشخص. فیما الثانیة تستند إلى ماهیة الحدث، إذن فالأولى وصفیة والثانیة تتبع سلسلة أفعال وأعمال.» (رید، 1379ش: 42و43) من هذا المنطلق، فإن القصة القصیرة تتمیز بطابعها الوصفی ولذلک تخلو من أی حبکة قویة ومتشابکة ومن ثم معقدة، وتبقى فی مستوى التصمیم.

تتلخص الحبکة فی قصة بیجن نجدی فی أن مرتضى وبعد طرد أحد المسافرین من القطار، یبذل کل ما فی وسعه لإیصاله إلى القطار وینجح فی نهایة المطاف. الأمر کذلک عند غادة السمان، فإن حبکة قصتها هی عبارة عن معاناة امرأة عاقر مفعمة بالأحاسیس والعواطف، کل ما یحیط بها من أفراد وحیوانات وأشیاء، یثیر مللها وضجرها ویدفعها نحو الانتقال إلى القساوة بأشد تجلیاتها، تارکة الخادمة تتألم بألم الإنجاب، دون أن تساعدها باستحضار الطبیب لعلاجها. إن بساطة العقدة هی الخاصیة العامة للقصة القصیرة، حیث تتم صیاغتها، لیس من أجل الوقوف عند التغیرات والتطورات فی الشخصیات وإنما من أجل التأثیر فی المتلقی/ القارئ فحسب.

ما یترتب على بساطة العقدة فی القصة هو ظهور عدد قلیل من الشخصیات فیها، ما نلمسه فی القصتین الفارسیة والعربیة، حیث أن عدد الشخصیات لا یتجاوز عدد أصابع الید الواحدة والشخصیة الرئیسیة هی الوحیدة التی یتوفر لها المجال للتطور (الشخصیة الدینامیکیة) غیر أن الشخصیات غیر الرئیسیة وإن کانت تساهم فی عملیة إیجاد البنیة العامة للقصة، لکنها لا تمر بنقلة نوعیة (الشخصیات المیکانیکیة) ولذلک، فإن نجم والخادمة تفاحة یبقیان بنفس السمات التی ظهرا بها فی مطلع القصة ولایطرأ علیهما أی تغییر، الأمر الذی یصدق على طاهر والبلطجیین والمسافر فی قصة بیجن نجدی.

خاتمة القصة

فی ختام قصة "المستشفى لا، القطار" وبعد أن یتمکن مرتضى من إیصال المسافر إلى القطار، «یصدر عن المقهى صوت المذیاع.» (نجدی: 80) وبعده، وعندما کان یحتسی طاهر کأسا من الشای فی المقهى، یسمع صوت مرتضى وهو یقول «القذرون.» (نفسه) بإمکاننا أن نعتبر المذیاع دالا، یدل على استمرار الحیاة. إن مرتضى الذی أنقذ حیاة المسافر وأعاده إلى الحیاة، یسلم فی نفس الوقت بأن فی الحیاة قذارة وقبحا وسیئات أیضا (التضاد) ولایمکن إزالتها عن الحیاة، لاسیما وأن البلطجیین/ القذارة یبقیان داخل القطار/ الحیاة، وإن کان مرتضى قد تمکن من تهمیشهما وتحویلهما من شخصیة صاحب قرار إلى شخصیة هامشیة لا دور لها فی الأحداث.

أما نهایة "فزاع طیور آخر" فهی کالتالی: تتخلى الساردة/ المرأة العاقر عن مشاعرها الإنسانیة وتتحول إلى شخصیة مماثلة لزوجها، تنظر إلى الأشیاء من منظور الصدفة وتتخذ القرار بشأن مصیر الخادمة حسب الصدفة، تارکة إیاها وحیدة تتألم بآلام الإنجاب، على طریقة زوجها الذی ترکها مستسلمة لآهاتها وأنینها وبذلک تمر بطلة القصة بتطور جذری فی ختام القصة، تدرک من خلاله الواقع وتخرج عن ذلک العالم الخیالی الذی کانت تعیشه. یقسى قلبها کقلب زوجها نجم ورغم محاولتها الصمود أمام هذا التغیر، لکن لا جدوى من ذلک وإنها تدرک ذلک تماما: «عبثا أتذکر مُثلی، عبثا أوقظ فی نفسی عالمی الحلو القدیم، عبثا أبحث عن وجهی الذی کان... .» (نفسه: 18) تارکة بذلک مصیر خادمتها بید الصدفة والأقدار على طریقة زوجها: «بماذا سأحکم؟.. صقیع القسوة المفجعة یغمرنی.. یتحجر داخلی.. الأصوات کلها تموت عند عتبة عالمی بهدوء حقیقی، أخرج إلى غرفة مکتبة زوجی. أجلس حیث کان یجلس. أخرج ورقة بیضاء. أقطعها بعنایة إلى قصاصتین. أکتب على الأولى "سأحضر الطبیب" وأکتب على الثانیة "لن أحضر الطبیب". أطوی کلا منهما. أضعهما فی جیبی وأخلطهما...

ثم أسحب واحدة منها.

أفتحها. وأقرأ "لن أحضر الطبیب"... حکم قاطع لا یرد.» (نفسه: 18و19)

النتیجة

لقد حاولت الدراسة الحالیة – قدر المستطاع – إجراء مقارنة على أساس المدرسة النقدیة الأمریکیة، مستعینة بالاتجاه البنیوی لتکتشف بذلک الأسرار الجمالیة للعملین الأدبیین، لیس لأن ترفع من شأن أحدهما وتحط من شأن الآخر، -کما هو الحال فی المدرسة الفرنسیة- بل لتقارن بینهما من منظور أدبی بحت، المهم فیه هو استخراج الطاقات الأدبیة الکامنة فیهما. لقد أجابت الدراسة على الأسئلة التی طرحتها عند بدایة الحدیث، کما یلی:

أ: کما لاحظنا فإن البحث ومن خلال خطوة تطبیقیة کشف مدى الترابط القائم بین النقد الأدبی والأدب المقارن. کما کشف عن القدرة الفنیة والأبعاد الجمالیة الکامنة فی القصتین، بعد إظهار مدى تطابقهما مع الأسس النظریة للنظریة الجدیدة.

ب: أظهر البحث أن الأدب المقارن قادر على الکشف عن الأبعاد الجمالیة للأعمال الأدبیة، مستعینا فی ذلک بحقل معرفی آخر هو النقد الأدبی، من دون أن ینصهر فیه. کما إتضحت الجوهرة الأدبیة للعملین الفارسی والعربی. فقد کان لکل منهما إستراتیجیات ومن ثم تقنیات تنسجم وتلک الإستراتیجیات. فإذا کان المفهوم الاجتماعی والإنسانی عند بیجن نجدی، یتطلب ألوانا مختلفة من الشخصیات والعناصر الزمانیة والمکانیة، فإن المفهوم الفردی عند غادة السمان، قد اقتضى طائفة أخرى من العناصر المکونة للبنیة القصصیة. وإن کانت کلتا القصتین تجتمعان فی سیاق القصص القصیرة الحدیثة التی تتبنى منهجا دیموقراطیا فی إشراک کافة الأجزاء فی عملیة البناء والتشیید القصصی وفی توظیف العناصر المکونة للبنیة القصصیة دون إبراز عنصر بعینه على حساب عنصر آخر، فالعناصر القصصیة إبتداء من الشخصیة والزمان والمکان ومرورا بالحبکة والتصمیم ووصولا إلى اللغة الشعریة والصناعات الأدبیة تتحرک فی إطار منسجم ومتناسق لا تناقض فیه، بل یحکمه التناسق والتوافق.

فالکاتبان إذن قد استعانا بتقنیات مختلفة لخلق النص الأدبی، کل حسب ما تقتضیه بنیة قصته ومفهومها. فإذا کانت غادة السمان قد اختارت صورا خیالیة ولغة ونبرة کئیبة وفقا لکآبة شخصیتها الرئیسیة، ففی المقابل قد اختار بیجن نجدی تقنیات مختلفة، لوقوفه عند موضوع أعم وأشمل. على سبیل المثال، فإن وقوع الأحداث فی محطة القطار وعند ساعات النهار، هو جزء من الضروریات التی اقتضتها بنیة القصة لدى بیجن نجدی. أما کلا الکاتبین –وهما شاعران أیضا- فقد استعانا بالصور الخیالیة والأدوات التخییلیة الشعریة فی قصتیهما وقد تمکنا من إدخال الآلیات الشعریة –التی کانت تخص الشعر فی وقت من الأوقات- فی النظام النثری/ القصة/ الروایة، مستفیدین منها فی تکوین البنیة العامة لقصتیهما.

ج: ردا على التساؤل عن مدى قدرة الکاتبین فی التواصل مع القارئ، فلابد من القول بأن القاص الإیرانی بیجن نجدی یتقدم جمالیا على القاصة السوریة غادة السمان، لاسیما فی توظیف الصور الشعریة والتخییلات التی تحکم القصة من بدایتها وإلى نهایتها، بید أن القاصة غادة السمان، توظف هذه الآلیة، دون أن تعطی حقها الأوفى فی عملیة النسج القصصی. بمعنى أن غادة السمان وإن لم تنس قدرة الصورة الجمالیة فی تلک العملیة، لکنها تضعها فی الدرجة الثانیة من الأهمیة، خلافا للقاص بیجن نجدی الذی یضعها فی المرتبة الأولى ویتحکم فی البناء القصصی من هذا المنطلق، بحیث إن إسمه فی المنظومة القصصیة الإیرانیة ارتبط باللغة الشعریة فی الدرجة الأولى، لاغیا بذلک الحدود بین الشعر والنثر. فبیجن نجدی یستخدم أعقد الصور الشعریة فی رسم لوحته الشعریة، من إستعارات معقدة وکنایات ودمج حاستین مختلفتین مثل إمکانیة لمس رطوبة الهواء أو التصاق جلود المسافرین ببرودة الهواء.

د: هنا وفی خاتمة الحدیث لابد من أن نتناول سؤالنا الأخیر ونرد علیه بأنه إذا کانت المدرسة النقدیة الأمریکیة تقف عند حدود الکشف عن جمالیات المبدعات الفنیة وفک شفراتها، فلابد من القول بأنه من الضروری أن نخطو خطوة أخرى إلى الأمام وأن لا نقف عند هذا الحد، فماذا یعنی أن نکشف عن جمالیات النص من استعارات وتشبیهات وتناسق بین الأجزاء إذا ما لم نقارنها بعمل أدبی أو آخر فنی؟ فبعد هذه الخطوة لابد أن تکون الغایة السُمیا من وراء استخراج العناصر الجمالیة الکامنة فی البنیة الداخلیة للنص، هی وضعها أمام القارئ ورفع مستوى ذوقه لیختار الأفضل وأن یطالب المبدعین الفنیین بخلق أعمال أدبیة أقوى وذات جمالیات أغزر، الأمر الذی یساعد فی تشجیع الروائیین أیضا فی إنجاز أعمال أنضج لتحریک عملیة الأخذ والعطاء بین الکاتب والمتلقی والتی لطالما بقیت إما مهجورة وإما معطلة لغیاب النقد الأدبی وقبله الأدب المقارن عن المجتمع والساحات الفنیة.

 

 

آلن،‌ گراهام. (1389ش). بینامتنیت. ترجمه­ی پیام یزدانجو. چ3. تهران: نشر مرکز.

ارسطوطالیس، (لاتا). فن الشعر. ترجمة وتقدیم وتعلیق إبراهیم حمادة. ط1. القاهرة: لانا.

انوشیروانی، ‌علی رضا ولاله آتشی. (1390ش). «ادبیات و نقاشی: نقاشی­های رمانتیک بلیک از حماسه میلتن». ادبیات تطبیقی. 2/2. پاییز. پیاپی 4. صص 100-120.

ـــــــــــ. (1390ش). «تحلیل تطبیقی و بینارشته­ای شعر و نقاشی در آثار سهراب». فصلنامه پژوهش­های زبان وادبیات تطبیقی. دوره سوم. شماره­ی اول (پیاپی 9). بهار. صص 1-24.

ایگلتون،‌ تری. (1388ش). پیش درآمدی بر نظریه ادبی. ترجمه­ی عباس مخبر. چ5. تهران: نشر مرکز.

پاینده، حسین. (1391ش). داستان کوتاه در ایران. ج دوم. چ2. تهران: نشر نیلوفر.

خوزان، مریم وحسین پاینده. (1390ش). زبانشناسی ونقد ادبی. چ2. ‌تهران: نشر نی.

رید، یان. (1379ش). داستان کوتاه. ترجمه­ی فرزانه طاهری. چ2. تهران: نشر مرکز.

سلیمان، نبیل. (2006م). فتنة السرد والنقد. ط3. دمشق: دار الحوار.

السمان، غادة. (2007). لیل الغرباء. ط10. بیروت: منشورات غادة السمان.

عبود، عبده. (1999م). الأدب المقارن: مشکلات وآفاق. ط1. دمشق: اتحاد الکتاب العرب.

الغذامی، عبدالله. (2006م). تشریح النص. ط2. بیروت: المرکز الثقافی العربی.

مانفرید، یان. (2011م). علم السرد: مدخل إلى نظریة السرد. ترجمة أمانی أبو رحمة. ط1. دمشق: دار نینوى.

محمد خانی، بهروز (مصاحبه کننده). (دی و بهمن 1382ش). «داستان کوتاه: پیچیدگی­های ناپیدا». کتاب ماه ادبیات و فلسفه. العددان 75 و76. صص40-51.

مدنی، نسرین. (1389ش). در کوچه­های خاکی معصومیت: نقد تطبیقی فروغ فرخ زاد و غادة السمان شاعر معاصر عرب. چ1. تهران: نشر چشمه.

مورامارکو، فرد. (1387ش). شعر و داستان پسامدرن، حلقه‌های به هم پیوسته (از ص 45 تا 65). ترجمه­ی پیام یزدانجو. چ2. تهران: نشر مرکز.

نجدی، بیژن. (1389ش). دوباره از همان خیابان‌ها.چ 7. تهران: نشر مرکز.

ولک، رنه.(1389ش). ‌»بحران ادبیات تطبیقی». ترجمه­ی سعید ارباب شیرانی. ادبیات تطبیقی (ویژه نامه فرهنگستان) 1/2. پاییز1389. پیاپی 2. صص 98-85 .

Hoek, Loe. (1981). La marque du titre, Dispositifs sémiotiques d'une pratique textuelle. Paris: ed. la Haye mouton.

Lan, Phillipe. (1992). La périphérie du texte. Paris: Ed Nathan.

Matthews, Brander. (1917). The Philosophy of  the short-story. 5th edition. London: Longmans, Green & Company.

Rimmon-Kenan, Shlomith. (2005). Narrative fiction: Contemporary poetics. 2nd  edition. London & New York: Routledge.