آخر الفنان الکردی فی شعر عبدالوهاب البیاتی؛ دراسة صورولوجیة فی الأدب المقارن

نوع المستند: علمی پژوهشی

المؤلفون

1 أستاذ مساعد بجامعة العلامة الطباطبائی فی طهران، إیران.

2 طالب مرحلة الدکتوراه بجامعة تربیت مدرس فی طهران، إیران.

المستخلص

تعتبر الصورولوجیا أو علم الصورة فرعٌ من فروع الأدب المقارن وهو البحث عن صورة الآخر الأجنبی فی النصِّ الأدبی. یتیحُ لنا علم الصورة معرفة الإنسان للإنسان وعبر هذه المعرفة یبرز لنا الجوهر المشترک للإنسانیة. وعند ذاک ننطلق إلی عالم الأخوة التی تجمع الأنا بالآخر. ولو تأملنا هذا الجوهر لوجدناه لا یتبلور إلّا بالتفاعل مع الآخرین؛ من هنا تبرز أهمیة الدراسات الأدبیة المقارنة التی تقوِّم علاقاتنا مع الآخر. عبدالوهاب البیاتی یکون من عملاقة الشعراء فی الشعر العربی المعاصر الذی اختص قصائداً کثیرةً فی دیوانه إلی عرض صورة الآخر وفی کم کبیر من هذه القصائد یعرض صورة الفنانین الآخرین وفی ضمن هذه القصائد أنشد ثلاث قصائد فی وصف الفنانین الکردیین: عبدالله کوران، ویاشار کمال، وایلماز غونیه. مناخ التعایش السلمی الذی بدأ یظهر فی العالم، یبرهن لنا أهمیة الدراسات الصورولوجیة إذ لوحظ ان الصور التی تقدمها الآداب القومیة للشعوب الأخرى تشکل مصدراً أساسیاً من مصادر سوء التفاهم بین الأمم والثقافات سلباً وإیجاباً کما قد تمثّل الأنا العربی فی شعر البیاتی منظومة علاقات مع آخر الفنان الکردی فی إطار کلُّه صداقةٌ وودٌّ وتمجیدٌ. تحاول هذه المقالة من خلال المنهج الوصفی – التحلیلی وفی ضوء النقد المقارنی أن تتوقف عند مواقع تصویر البیاتی عن آخر الفنان الکردی المتمثِّلِ فی عبدالله کوران، ویاشار کمال، ویلماز غونیه. والنتائج تدلُّ علی أنَّ الشاعر قد عرض صورة آخر الفنان الکردی فی صورة التسامح؛ وهذا النوع من قرءاة الآخر یُعتبر من أجمل صور قرائته، والحالة الوحیدة للتبادل الحقیقی التی تسود علیها روح الموضوعیة.

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

Another Kurdish Artist in abd-Alwahhab Albayati's Poetry: “A Study Based on Image Recognition in Comparative Literature”

المؤلفون [English]

  • Mohammad Hadi Moradi 1
  • Kaveh Khezri 2
1 Assistant Prof., Department of Arabic Language and Literature, Allameh Tabatabaiee University
2 PhD student of Arabic Language and Literature, Department of Arabic Language and Literature, Tarbiat Modarres University
المستخلص [English]

Image recognition is a branch of comparative literature studying the image of foreign other in a literary text. This science is a proper context to differentiate human beings  from each other and by this recognition, common essence of humanity is revealed and a gate is opened to brotherhood world that brings together "I" with the other . Therefore, comparative researches that evaluate our relation with others are very important. Albayati is one of  the biggest contemporary Arab poets most of whose odes have been dedicated to investigating the other's image. Meanwhile, he composed three odes in description of three Kurdish artists: Abd-allah Gooran, Yashar Kamal and Aylmaz Güney. Arabic" I" in Albayati's poem has drawn a system of relations with other Kurdish artist. The  present paper tries to investigate Albayati's image of other Kurdish artist using descriptive- analytical method ,based on comparative criticism. Results of the paper suggest that the poet has shown image of other Kurdish artist neglectfully. This kind of reading the other is one of the most beautiful possible methods and a unique true way of recognizing the other.

الكلمات الرئيسية [English]

  • Image recognition
  • comparative literature
  • Abd- Alwahhab Albayati
  • another Kurdish artist

أتتِ الصلةُ بالآخر فی بدایتها من خلال الرحلة والمعاینة، والمقارنة تؤسِّس فکرة الآخر فی الوعی الإنسانی، وتُنبِّهُ إلى الفجوة التی تفصل مجتمعات الإسلام عن مدنیَّته وعن منسوب التقدُّم لدیه، فتنزِّلُه منزلةَ المیزان الذی یکیلُ به المسلمون لیعرفوا مقدار ما فی حوزتهم من أسباب الکینونة التاریخیة والحضاریة. لکن قراءة الآخر تتحوَّل -فی الوقت نفسِه- إلى مناسبةٍ لقراءة النفس والذات فی مرآته، أو قُل إلى مناسبةٍ تکتشف فیها الذات نفسَها فی غَیْرِیَّة-أو مغایرة- ذلک الآخر لها. فبالرّغم ممّا تسعی إلیه الصّورة من أمانة ودقّة وصفاء إلا أنَّ تمثیلها للواقع ومطابقتها له مطابقة کلیّة أمر لا یمکن حدوثه. (حنون، 1986: 82) هذا المفهوم من الصورة یأتی کالوظیفة الأولیة له، فیما بعد دخل إلی المجالات المختلفة.

هذا ومن جهة أخری، أخذ موضوع الأنا والآخر أهمیَّة بارزة فی الکتابات الفکریة والنقدیة وفی شتَّی العلوم الإنسانیة، باعتبار أنَّ الکشف عن الأنا لا یتأتی إلا من خلال الآخر الحاضر باستمرار معه وفیه، وهی علاقة من شأنها أن تقوم علی افتراض الغیریة التی یتألف منها الوجود الإنسانی المتضمّن دوماً قطبین مختلفین. بل إنَّ القضیّة ما فتئت تتوالد وتتعقد حتی صار من العسیر تحدید صفة الآخریة، فی عصر یهدف إلی إلغاء الحدود الفاصلة بین الأنا والآخر واختزالها ضمن نطاق واحد هو الأنا الجمعیة، بعد العمل علی صهر مقومات الأنا لصالح قیم الآخر، الأمر الذی یطرح العدید من مفارقات الهویة والانتماء بالنسبة إلی الأنا نتیجة شعورها الحادِّ بفقدان خصوصیتها فی علاقتها الجدلیّة مع الآخر. (بوحلایس، 2009م: أ) إذن بهذا المفهوم هناک علاقة وثیقة بین علم الصورة وظاهرة العولمة لأن العرض لصورة الآخر یقصِّر الفاصلة بین الأمم وهذا القصر فی الفواصل میزة من میزات العالمیة.

من ثمّ کان وقوفنا عند المدوّنة الشعریة لعبدالوهاب البیاتی[1] کنتاج یمثّل هذه البنیة دون غیره من النصوص التی یغیب عنها هذا الوعی وذاک التوتر. فقارئ أعمال هذا الشاعر یدرک أنها تستجیب بشکل واضح لدراسة من هذا النوع، حیث یتجه شعره نحو رسم صور محددة للأنا والآخر، إضافة إلی أنه تجربة قائمة بذاتها تتقاطع مع التجارب الأخری؛ فی الوقت الذی تحافظ فیه علی خصوصیة الرؤیة وتفردها، بوساطتها استطاع أن یتخذ لنفسه وضعاً خاصاً علی محور التحولات التاریخیة بإفرازاتها اللامتناهیة التی تتجاوز الحیِّز الجغرافی المحدود إلی العالم الذی نعیش فیه ونتفاعل معه.

رغم ذلک کله، فإنّ الشاعر لم ینل المنزلة التی یستحقُّه من الدراسة والتقویم فی مجال الصورولوجیا. وإیماناً منَّا بأنَّ البحث متواصل، بدأنا القالة بتعریف موجز عن صورولوجیا. ثم رکزنا فی قسم المفاهیم علی عرض صورولوجیا فی إطار معین لکی نحدد مفهوم علم الصورة لدراستنا، ومن ثمَّ فقد نظرنا فی القصائد الثلاثة المعنونة بــ"إلی عبدالله کوران، إلی یلماز غونیه، إلی یاشار کمال" من الزاویة التی تکرَّس ثبات الآخر فی صورة التسامح المطلق. وهذه المقالة تحاول- من خلال المنهج الوصفی- التحلیلی - أن تبیّنَ نظرة البیاتی فی القصائد الثلاثة حول آخر الفنان الکردی المثمثَّل عبدالله کوران، وایلماز غنیه، ویاشار کمال.

1-1.      سؤال البحث

ما هی آلیات القراءة لآخر الفنان الکردی فی شعر عبدالوهاب البیاتی؟

کیف صوَّر البیاتی آخر الفنان الکردی فی هذه القصائد الثلاثة؟

1-2. خلفیة البحث

  1. مقالة معنونة بـ"صورة مایاکوفسکی فی شعر عبدالوهاب البیاتی وشیرکو بیکه س، دراسة صورولوجیة فی الأدب المقارن" (2012م)، تألیف: خلیل بروینی، هادی نظری منظم، کاوه خضری. هذه المقالة دراسة صورولوجیة مقارنیة للقصیدتین حول مایاکوفسکی، إحداها للبیاتی والأخری لبیکه س. تثبت المقالة أنَّ الشاعرین قد صوَّرا الآخر الروسیَّ فی صورة تسمَّی التسامح، وهو من أحسن صور قراءة الآخر. هذه المقالة قد طبعت فی العدد الثامن من السنة الثانیة فی مجلة "إضاءات نقدیة" التابعة لجامعة آزاد الإسلامیة کرج.
  2. ومقالة معنونة بـ"شخصیات إیرانیة فی دیوان عبدالوهاب البیاتی" (1392ش)، کتبها أحمد نهیرات. والباحث فی هذه المقالة قام بتحلیل القصائد التی قالها البیاتی حول الشخصیات الإیرانیة مثل: زرادشت، حلاج، سهروردی، العطار النیشابوری، جلال الدین الرومی والخیام. والباحث یستنتج فیها أنَّ البیاتی کان متأثراً بهؤلاء من ناحیة المعرفة، والحبِّ، والإصلاح إضافة إلی الجوانب السیاسیة والثورویة المستلهمة من هذه الشخصیات. هذه المقالة قد طبعت فی العدد 26 من مجلة الجمعیة العلمیة الإیرانیة للغة العربیة وآدابها.
  3. ومقالة عنوانها "الحضور الإسبانی فی شعر عبدالوهاب البیاتی" (1998م)،کتبها الدکتور خالد سالم. تحاول المقالة أن تبیَّن مدی تطرّق البیاتی إلی المدن الإسبانیة کمدرید، غرناطة وکبار رجال الأدب والفن کبیکاسو، ولورکا، وسلفادور دالی فی شعره.
  4. ومقالة عنونت بـ"صورة المرأة فی شعر عبدالوهاب البیاتی وأحمد شاملو" (2011م)،کتبتها الدکتورة ناهده فوزی ومهروز باقری. المقالة محاولة لبیان مکانة المرأة کأمّ وزوجة ومعشوق فی شعر البیاتی وشاملو.

تقییماً لتلک المحاولات نقول إنّ کلاًّ منها یقوم بالتفحّص فی زاویة من زوایا علم الصورة، ولکل منها فوائد ونتائج لا بأس بها؛ لکن تأتی جدة هذا البحث من الناحیتین: أولا: تتناول هذه المقالة الموضوع باطار جدید غیر ما نشاهده فی الدراسات المشابهة. ثانیاً: أنَّنالم نحصل علی کتاب أو مقالة تعنی بدراسة آخر الفنان الکردی فی الأدب العربی ومن هنا هذه المقالة أول محاولة فی مجال دراسة علاقة البیاتی بآخر الفنان الکردی.

2. أدب البحث النظری

2-1. مفهوم الصورة

یرتبط مفهوم الصورة بمفهوم المرآة، التی تعرّف بأنَّها سطح یعکس کلّ ما یقوم أمامه، فإنّ شیئاً یمتلک خاصیة السّطح العاکس فهو مرآة. (رجب، 1994م: 15) إنَّ هذا التعریف العام للمرآة یحیلنا إلی مفهوم الصورة التی تمثل انعکاساً لأصل سابق لها. انطلاقاً من هذه العلاقة بین الصّورة وأصلها تأتی أهمیّة الحدیث عن الأنا والآخر وارتباطهما بهذا المصطلح حیث تعمل ذات الآخر مرآة نری فیها ذاتنا التی تعمل بدورها کمرآة تساعد الآخر علی رؤیة ذاته، ممّا ینتج تبادلاً للنظرات وتقاطعها فیغدو بذلک الناظر منظوراً إلیه، والمنظور إلیه ناظراً فی آن معاً. (بوحلایس، 2009م: 14) وقد نفهم من هذا معنی المثلیَّة والتطابق الکلی بین الصُّورة وأصلها فی حین أنَّ الصورة التی یکوِّنها أدیب عن أدیب آخر لا تطابق الواقع الحسی ولیست شدیدة القرب منه، لکنَّها لیست مختلفة عنه تمام الاختلاف، إنَّها رؤیة معقولة لشعب عن شعب آخر، تعتمد علی عوامل عقلیة وذاتیِّة. (حنون، 1986م: 82) فبالرغم ممَّا تسعی إلیه الصورة من أمانة ودقِّة وصفاء إلا أنَّ تمثیلها للواقع ومطابقتها له مطابقة کلیة أمر لا یمکن حدوثه، ذلک أنَّ الصورة غیر ثابتة، فالشخص یتغیَّر دائماً.

2-2. مجال ظهور علم الصّورة

تعدُّ دراسة الصورة الأدبیة أو الصورلوجیا[2] أحد فروع الأدب المقارن وأحدث مجالات البحث فیه وأهمُّها. فی الحقیقة کلمة الصورة الأدبیة من الجدة بحیث لا نجد لها حتَّی فی القوامیس الجدیدة معادلاً. (نامور مطلق، 1388ش: 121) یتحدَّث محمد غنیمی هلال عن هذا اللون من الدراسات الأدبیة بقوله: «هذا أحدث میدان من میادین البحث فی الأدب المقارن لا ترجع أقدم البحوث فیه إلی أکثر من ثلاثین عاماً، ولکنَّه – مع حداثة نشأته – غنیٌّ بالبحوث التی تبشّر بأنَّه سیکون من أوسع میادین الأدب المقارن وأکثرها رواداً فی المستقبل.» (غنیمی هلال، 2003م: 419) وقد ظهر علم الصورة فی ‌المدرسة الفرنسیة مع جان ماری کاریه،[3] کما أخذه فرانسوا غویار[4] وهو أحد أقطاب الأدب المقارن فی فرنسا ودافع عنه فی کتابه "الأدب المقارن" عام 1951م. ومن ثمّ أخذ یتطوّر هذا النّوع من الدراسات بشکل سریع. (رایس، 2004م: 12)

صور الشعب نوعان: الأول هو صورة شعب فی أدبه وهذا النوع لا یتعدّی إطاره القومی واللغوی مثل صورة الفرنسیّین فی أدبهم وصورة المرأة الألمانیة لدی أدیب ألمانی وهو النوع الذی تکون فیه الأنا صورة للأنا ذاتها وتنطوی هذه الصّور علی بعد معرفی مؤثر ویسهم فی تشکیل الوعی الجماعی، لیری الشعب صورة نفسه فیکتشف ما به من عیوب ویسعی إلی تصحیحها. (عصفور، 1998م: 90) والثانی هو صورة شعب فی أدب شعب آخر. لعلَّ من الضروری وجود نسبة من الاهتمام المشترک بین شعبین لکی یکوِّن أحدهم صورة فی أدبه عن شعب آخر؛ فالأمم لا تهتمُّ إلا بالشعوب المجاورة لها أو التی تشترک معها فی مسألة، أو أن یکون لها معها مصالح اقتصادیة، أو ترید کسب ودها أو تخشی بأسها. وبذلک یکون الاهتمام هو الدَّافع إلی رصد صور علاقات الشعوب متأثرة بشعوب أخری. (حنون، 1986م: 69) فنجد صورة فرنسا فی بریطانیا، صورة روسیا فی الحیاة الثقافیة الفرنسیة، صورة کردستان فی العراق وسوریا، وصورة روسیا فی الأدبین العربی والکردی و... . والملاحظ أنَّ هذا النوع من الدّراسات یتکوَّن من شقَّین:

أ. صورة شعب کما یصوّره مؤلف ما من أمّة أخری؛ وتأتی هذه الصورة بعدما یتأثر أدیب معیّن من شعب ما بشعب آخر، ونتیجة لذاک التأثر یرسم صورة للشعب الذی تأثر به فی أعماله الأدبیة مثل "طهران فی شعر عبدالوهاب البیاتی" وفی هذه الحالة «یکون الترکیز علی حیاة الکاتب ومدی صلته بالبلد المقصود.» (غنیمی هلال، 2003م: 91)

ب. صورة شعب فی شکل أدبی معیّن لدی شعب آخر، وتنتج عن طریق تأثیر شعب فی آخر، وترکیز أدباء الشعب المتأثر علی تأثیر الشعب المؤثّر فی فنّ أدبیّ معیّن کالرّوایة أو الشّعر. (بوحلایس، 2009م: 17)

لا نستطیع أن نستقرّ علی تحدید دقیق للأنا والآخر فی الفکر العربی والکردی نظراً لإتساع دائرتهما وغموض دلالتهما؛ فالأنا قد تعنی فی الفکر العربی: "الإسلام، والعروبة، والتخلُّف، وفلسطین" وإلخ.کما أن الأنا قد تعنی فی الفکر الکردی: "الکردیة، والشرف، والوطن، وحلبجه" وإلخ. فهی دوائر متداخلة یصعب الفصل بینها أو حصرها ضمن مجال محدَّد، ولا تتمُّ معرفة الأنا والآخر من دون اختزالهما وإذا اختزلنا دائرة الأنا فإنَّنا نجدها تصبُّ فی الاستخدام الشائع وهو "الشرق" فی مقابل "الغرب"؛ فالآخر اعتبر الشرق مفهوماً یمثِّل نقیض الغرب ولیس له حدود، بل یجوز أن یعنی کلَّ العالم، الذی لا یدخل فی دائرة الغرب، لکنَّه اقتصر علی الشرق الأکثر قرباً الذی کان ولا یزال الغرب یحتکُّ به؛ وهذا الشرق یضمُّ العالم العربی، وإیران، وترکیا، وکردستان. (أفایة، 1993م: 96)

3. صورة الآخر لدی الأنا

قبل أن نتحدَّث عن الآخر لابدَّ أن نشیرَ إلی أنَّ صورة الأنا تستند إلی تجارب عاشها الآخرون من الأدباء والأجانب فی شعب آخر، کالذی نشاهدها من الصور التی یرسمها الأوروبیون من البلدان الشرقیة عموماً والإسلامیة منها خاصة. فهذه الصورة فی عمومها لا تخرج عن دائرة العداء الذی تغذَّت به المخیِّلة الأوروبیة والذی ساهم فی تأصیل رؤیة غربیة عدائیة للإسلام والمسلمین؛ فکأنَّهم نسوا ما اقتبسوا من الحضارة الإسلامیة ولم تبق فی ذاکرتهم إلا صور سلبیة ونظرات قدحیة للإسلام. (مرتاض، 2003م: 96) أما حول الآخر، فمن ینفی الآخر، ینفی ذاته، لأنَّ الآخر مکمِّل للذات، ومن یختزل الآخر یختزل ذاته. ذلک أنَّ الذات المتعدِّدة تقتضی وجود آخر متعدِّد. إنَّ صورة الأنا تستند إلی تجارب وخبرات غنیة عاشها الأدیب فی المجتمع الذی یصوره عن کثب، إذ ولد ونشأ فی ذلک المجتمع وهو یعرف العدید من أبنائه، وتربطه ببعضهم علاقات قرابة وصداقة وغیرها من العلاقات الاجتماعیة والنفسیة، وهکذا فإن المعرفة العمیقة والشاملة بالمجتمع الذی یصوره الأدیب تجعل الصورة التی یرسمها فی أدبه غنیة ودقیقة وتفصیلیة، وذلک خلافاً لصورة یقدمها أدیب لشعب أجنبی لا یعرفه حقَّ المعرفة «أ لیس أهل مکَّة أدری بشعابها.» (حمود، 2010م: 14) فقد تعددت حالات الفهم والقراءة فی صورة الآخر وذلک حسب تأویل الصورة، إذ من المعروف أنَّ هذا التأویل یتأثر بالسیاق التاریخی، کما یتأثر بالسیاق الثقافی ولا نسطیع أن نغفل أثر التجربة الشخصیة والرحلات فی رسم الصورة. (المصدر نفسه: 27) لعلَّ من أهم الحالات التی یمکننا تلمسها هی:

 أ. "التشویه السلبی" حیث تسیطر علی الأنا المبدعة أو الدارسة مشاعر التفوق علی الآخر وغالباً ما تعززها العلاقات العدائیة مع الآخر عبر التاریخ.

ب. "التشویه الإیجابی" حیث تسیطر علی الأنا المبدعة أو الدارسة مشاعر الدونیة، فتم من خلالها رؤیة الواقع الثقافی الأجنبی فی حالة من التفوّق المطلق علی الثقافة الوطنیة الأصلیة. فمثلاً نجد بعض الکتَّاب العرب أو الکتَّاب الکرد منبهرین بالنموذج الغربی للحیاة إلی درجة نجد بعضهم لم یکتف أن یکون من دعاة الحضارة الغربیة، بل وجدناه یغض الطرف عن مشکلاتها.

ج. "التسامح" حیث تسیطر علی الأنا المبدعة أو الدارسة، الرؤیة المتوازنة للذات والآخر، فترسم صورة الآخر بروح موضوعیة، یسودها التسامح، فیتم تقدیم الصورة عبر رؤیة واعیة، تعتمد العلم، وتصغی لنبض الإنسان، وبذلک تستطیع أن تنظر للآخر باعتباره ندَّاً للذات وفی هذه الحالة یحتاج الأنا المبدعة والدارسة إلی تکوین جدید علی المستوی المعرفی والإنسانی. (المصدر نفسه: 28)

سهولة للبحث، نحن نقسِّم هذا القسم من المقالة إلی ثلاثة أقسام: القسم الأول: صورة عبدالله کوران فی شعر عبدالوهاب البیاتی، والقسم الثانی: صورة یلماز غونیه فی شعر عبدالوهاب البیاتی، والقسم الثالث: صورة یشار کمال فی شعر عبدالوهاب البیاتی.

 

الرسم 1: حالات قراءة الآخر

4. صورة آخر الفنان الکردی فی شعر عبدالوهاب البیاتی

4-1. صورة عبدالله کوران[5] فی شعر عبدالوهاب البیاتی

فی البدایة تحسن الإشارة إلی أن «حضور الآخر بأشکاله المختلفة یتواصل فی الشعر العربی مع مسیرة التاریخ ببساطة، بسبب وجود هذا الآخر مع العربی أو قریبا منه؛ ومادام کذلک، فلا بد أن تتحقق علاقات متنوعة للأمة معه بتنوع الظروف والأزمان وعبر کل العصور، کما سنجده فی العصر الحدیث.» (عبدالله کاظم، 2010م: 27-28) ولعلنا لانبالغ إذا قلنا إن «العالم کله، بجغرافیته وتاریخه وشعوبه وأحداثه ووقائعه کاد یحضر فی شعر عبدالوهاب البیاتی.» (المصدر نفسه: 67) وهنا نبدأ بتحلیل قصیدة البیاتی المعنونة بـ"إلی عبدالله کوران" فی مجموعة "النار والکلمات" التی أنشدها تبجیلاً وتحبیباً للشاعر الکردی کوران. والعنوان "إلی عبدالله کوران" یدلّ بوضوح علی إخلاص الشاعر العراقی لنظیره الکردی، ومدحه له. یمکن أن نقسَّم القصیدة إلی مقطعین. یقول الشاعر فی المقطع الأول من القصیدة:

«الثلجُ فی جبالِ کردستانَ

یَذُوبُ

و الرَّبیعُ فی الوُدیانِ

وَالکَلِمَاتُ مِلحُ خُبزِ الحُبِّ والأَغَانِ

یَمُدُّ فِیهَا أَلفَ جِسرٍ عَبرَ لَیلِ المَوتِ والفِقدَانِ

یَزهَرُ فِی حُرُوفِها بُستَانٌ

یَذِیبُ فِی لَهِیبِها المَسوُخِ فَجرُ الکَادِحِ الفَنَّانِ

یُولَدُ شَعبٌ، یُولَدُ الاِنسَانُ» (البیاتی، 1995م: 1/ 458)

إذا دقَّقنا فی هذا المقطع الرائع، نستطیع أن نمیِّز بین مشاهد ثلاثة. ففی المشهد الأول یبدأ الشاعر قصیدته باسم الطبیعة الکردستانیة المتمثلة فی الثلج، والجبال الشامخة والربیع؛ ویبدو أنه منبهر أمام روعة طبیعة کردستان وجمالها فی بدایة الربیع. أما فی المشهد الثانی من هذه القصیدة فینتقل الشاعر من هذه الطبیعة الخلابة إلی طبیعة الکلمات ویصفها:«والکلمات ملح خبز الحبِّ والأغان» فالطبیعة وحدها لا تکتفی لهذه الحیاة، ولابدَّ أن یکون مَن یمزج بین لغة الطبیعة ولغة الکلمات، الکلمات التی تشبه طبیعة کردستان حیث یزهر فی حروفها بستان کما تزهر الأزهار فی الودیان الکردیة؛ الکلمات التی تعکس الآلام والأحزان کما تنعکس الموت والفقدان. فهذه العظمة الکردستانیة تحتاج إلی کلمات کالنار، والکلمات الناریة تطلب شاعراً من جنس النار، لکی تکون النتیجة ولادة الشعب والإنسان، وهکذا ولد کوران. هذا الرجل فی أعین البیاتی هو الذی أحیی الکرد بکلماته. یبدو أن البیاتی بهذا الشکل یشیر إلی هذه النقاط بالنسبة فی شعر کوران، أولا: یری فی وجه هذا الشاعر طرافة الطبیعة الکردستانیة ومن أجل هذا یشبه شعر کوران بالأزهار. ثانیاً: یبدو أنه بهذا الشکل یصرِّح بریادة کوران فی میلاد الشعر الکردی الحدیث وأخیراً ولیس آخراً: نعتقد أنَّ هذا النوع من التعامل مع کوران یدلُّ علی مدی اهتمام الشاعر وخلوصه تجاه شعر کوران.

أما فی المقطع الثانی، فیقول البیاتی:

«فَلتَصعُدِی القِمَّةَ یَا عَروُسَةَ الشِّعرِ ویَا قَوَافِیَ الأَحزَانِ

ولِتَعبُرِی البِحَارَ والأَزمَانِ

لِتُدرَکِی الفَجرَ الَّذِی یَطلَعُ فِی جَبَالِ کُردِستَانَ

هُناکَ فِی القِّمَةِ حَیثُ الثَّلجُ والنِّیرَانُ

هُنَاکَ عَرِّیٌ صَدرُهُ لِلشَّمسِ والعُقبَانِ

شَاعِرُنا کُورَانُ

مِن أَجلِ أَن یُولَدَ شَعبٌ یُولَدُ الاِنسَانُ» (البیاتی، 1995م: 1/ 458)

فیمکننا أن نقسِّمَ هذا المقطع الرائعَ إلی المشهدینِ. فی المشهد الأول، یخاطب کوران ویسمیه عروسة الشعر وقافیة الحزن، ومن هنا نفهم أنَّ البیاتی کان یحبُّ شعر کوران ومن أجل هذا یخاطبه: «یا عروسة الشعر» یدعوه لیعبر عن المشاکل والصعوبات لیدرک الفجر. والفجر فی رأینا هنا یمکن أن یکون إشارة إلی هذه البدایة الشعریة فی الأدب الکردی فی بدایة القرن العشرین التی کانت رائده کوران. یبدو أن البیاتی هنا یشیر إلی هذا الدور الریادی الذی کان علی ید کوران. کأنَّه متفائل بمستقبل الأدب الکردی وکیف لا یکون متفائلاً ونحن لدینا کوران، قافیة الحزن وعروسة الشعر. عندما یقول البیاتی: «هناک عری صدره للشمس والعقبان»، یبدو أنه یعترف بأنَّ کوران قد وصل إلی هذه القمة وقد أدرک الفجر أحیاناً. لأنَّ کوران واقف فوق الجبل وصدره عری فی وجه الشمس والعقاب. ویعتقد أن سبب هذا الوقوف وإدراک هذا الفجر من قِبَل کوران یرجع إلی طموحه لمیلاد الانسان الکردی الجدید والشعب الکردی الجدید.

الجدول1: صورة کوران عند البیاتی فی قصیدة "إلی عبدالله کوران"

عدد المشاهد

آلیات تشکیل صورة کوران لدی البیاتی

حالات قراءة الآخر الکردی عند البیاتی فی هذه القصیدة

5

کردستان/ الفجر/ الحب/ شعب/ العقبان/ کوران

التشویه الإیجابی والتسامح

 

من أهم میزات الآخر کما أشرنا فهم الذات. یعکس الآخر أشکال التشویه نفسها وبذلک نستطیع أن نتعرف علی بعض الإشکالیات الفکریة، والاجتماعیة، والنفسیة التی نعانیها فی مجال رؤیة الآخر. (حمود، 2010م: 30) ولیس من المبالغة أن نقول أنَّ البیاتی کان متأثراً بالمیزات التی امتاز بها کوران کهذا الوعی بمواجهة الصعوبات فی مسیر شعره، لأن کوران وأمثاله کانوا من أنصار الأدب الکردی آنذاک وإن لم یکن محاولات کوران، ما کان للأدب الکردی أن یواکب موکب الأدب الحدیث. وأخیراً صوَّر البیاتی فی هذا الشعر صورة کوران فی حالة بعیدة عن التشویة السلبی وعلیه أنه کان منبهراً أمام جمال کردستان ومن هنا یمکن أن نقول إن حالة قرائته فی هذا الشعر یتراوح بین التشویه الإیجابی والتسامح؛ وذلک لأنّه دخل فی هذا المقطع بروح موضوعیة بعیداً عن الغرض.

4-2. صورة یشار کمال[6] فی شعر عبدالوهاب البیاتی

أنشد عبدالوهاب البیاتی عام 1985م قصیدة عنوانها "إلی یاشار کمال". یمکننا أن نعتبر القصیدة مقطعاً واحداً. یقول الشاعر:

«مُختَرِقَاً جُدرَانَ الغُرَفِ الصَمَّاءِ

وَ لُغَاتَ شُعوُبِ القَارَاتِ

مَصهُورَاً بالنَّارِ

والأَلَمِ الخَلَّاقِ

یَتَحَدَّی الرِمَمَ الصَّلعَاءَ

وصِغَارَ الکُتَّابِ

أَشعَلَ باسمِ الإِنسَانِ المُفعَمِ مَوتَاً

ثَورَةَ إبدَاعٍ فِی الإبدَاعِ» (البیاتی، 1995م: 2/ 513)

یبدو أنَّ البیاتی یعرف کلَّ تلک الآلام التی تحمَّلها یشار کمال فی طریق حیاته، ولأجل هذا یقول "مخترقاً"، کأنه قد تحرَّر من هذه الصعوبات ونال النجاح وعبر من الجدران ولغات الشعوب، لأن الحقیقة هی أن یشار هو أدیب من طینة الناس العادیین والبسطاء، لأنَّ حیاته کانت حافلة بالمرارة والملیئة بألوان الفقر والذل. (الدسوقی، 1977م: 25) ومن أجل هذا عندما بدأ حیاته الأدبیة، کان یجمع المأثورات الشعبیة بألوان مختلفة فی أدبه، لأنَّ الحیاة منته بکؤوس من الحزن مترعة، یقول البیاتی أنه کان: «مصهوراً بالنار.» والنار هنا فی رأینا استعارة عن تلک المرارات التی تحمَّلها الشاعر فی طریق حیاته. لکن المهم هو أنَّ هذه المصاعب أصبحت جسراً ومطاراً لیدخل یشار إلی عالم جدید، یکتب للآخرین، وبما أنَّ لغته مستقاة من ذکریات حیاته المرة، وکم کان کبیراً عدد من یشبه یشار فی العالم من هذه الناحیة، یقول البیاتی:« مخترقاً لغات شعوب القارات.» هذه إشارة إلی أنَّ غالبیة الناس هم من نوع یشار فی تحمل المشاکل والصعوبات وربَّما هذه الجملة إشارة إلی کثرة قُرَّاء أعمال یشار بمختلف اللغات فی العالم. والحقَّ أنَّ البیاتی یختم القصیدة بتعبیر جمیل بعد الإشارة إلی تفوق یشار علی الکتَّاب الصغار حیث یقول: «أشعل باسم الإنسان المفعم موتاً ثورةَ إبداع فی الإبداع.» یبدو أن البیاتی فی هذا المشهد یشیر إلی الدور الریادی للأدب فی المجتمع، لأن الإنسان حینما یعیش فی بحر الآلام والمرارات، لا یمکن أن یفکرَّ فی الحیاة الناعمة ولأجل هذا عندما یتثقَّف المجتمع ویقرأ الأدب ویفهم الأدب فتکون النتیجة متابعة الأدیب ویا حبَّذا کان الشاعر من جنس الطبقة الکادحة کما یکون الشأن فی قضیة یشار وسرُّ نجاح یشار یکمن فی هذه القضیة. والنقطة الهامة فی حیاة یشار هی فاعلیة الآراء السیاسیة وانعکاسها فی أدبه لأن أدبه یکون فی خدمة الدفاع عن الطبقة الکادحة خاصة فی تلک الأیام فی ترکیا کان آتاترک یسعی لتحدیث ترکیا ومن أجل هذا کان الأکراد علی هامش البرامج ومن هنا کان یشار لسان الناس العادیین ودفاعا عن هذه العقائد سُجِنَ مرات. ودفاعه هذا لا یقتصر بالأکراد فقط بل أنه کان یدافع عن حقوق الأرمن والعلویین أیضاً. من هنا یشیر  البیاتی إلی نجاح یشار فی مشروعه الأدبی حیث استطاع أن یغیِّرَ الأجواء بلغته حیث نری أن روایته الشهیرة "ممد الناحل" علاوة علی أثرها فی حصول الکاتب علی الشعبیة فی ترکیا فتحت الأبواب له فی شهرته العالمیة. (غیاثی، 2013م) یبدو أنَّ البیاتی کان منبهراً بهذه المیزة فی شخصیة یشار وهی روحیة المقومة فی الآلام والکتابة لأجل شعبه. وکما یتضح من خلال ما سبق، نستنتج أنَّ رؤیة الشاعر فی هذا المقطع تکون من التسامح لأنه تحدَّث عن یشار کمال بروح موضوعیة بعیدة من المبالغة.

 

الجدول2: صورة یشار کمال عند البیاتی فی قصیدة "إلی یشار کمال"

عدد المشاهد

آلیات تشکیل صورة یشار کمال لدی البیاتی

حالات قراءة الآخر الکردی عند البیاتی فی هذه القصیدة

2

اللغة/ الابداع/ التحدِّی/

التسامح

 

4-3. صورة یلماز غونیه[7] فی شعر عبدالوهاب البیاتی

أنشد عبدالوهاب البیاتی فی عام 1984م قصیدة بعنوان "إلی یلماز غونیه". القصیدة مقطع واحد ویمکن أن نتصوَّر لها ثلاثة مشاهد. والشاعر استفاد من التکنیک المسرحی فی هذه القصیدة ومن هذا المنظار هناک نوع من التقارب بین شخصیة الشاعر وآخر الفنان الکردی المتمثل فی یلماز غونیه حیث هناک قرابة بین مهنة یلماز والقالب الذی استفاد منه البیاتی فی هذه القصیدة. یقول الشاعر فی المشهد الأول:

«رَجُلٌ وامرَأَةٌ وقِطَارٌ فِی لَیلِ الأَناضُولِ

تَحتَ الضّوءِ، تَقُولُ المَرأَةُ فِی خَوفٍ: مَا هذا اللَّیلُ؟

مُدُنٌ وقُرَی وذِئَابٌ تَعوِی جَائِعَةً، تَحتَ الثَّلجِ

و دُخَانُ الأَنفَاقِ المُلتَوِیةُ

وَ سُعَالُ الأَطفَالِ

لَیلٌ یُنذِرُ بالزَلزَالِ» (البیاتی، 1995م: 2/ 484)

لا نشکُّ أنَّ البیاتی کان علی معرفة واسعة لکلِّ من یکتب له، وهذا ما نفهمه من خلال قراءة شعره، کأنه متأثر بهذه الخلفیة الألیمة التی تحملها هؤلاء الآخرین. وهنا فی هذا المشهد یصوِّر مشهداً یتحدَّث عن عالمنا وما یحتویه من الظلمة والذئاب والأمراض. واللیل هنا فی رأینا استعارة عن هذه الحیاة الصعبة الملتویة فی الآلام. عندما یسأل المرأة من الرجل: «ما هذا اللیل؟» فی الحقیقة أنَّ المرأة عاجزة عن الحصول علی جوابٍ لهذا السؤال. عالم واسع ملیءٌ بالذئاب. والذئاب هنا استعارة عن الإنسان الظالم المتکبر الذی لا یری إلا ما ینفعه. فی نهایة المشهد یقول: «لیل ینذر بالزلزال.» وهذا رأی المرأة أنَّ هذه الظلمة سوف یعقبها زلزالٌ والزلزال هنا استعارة عن الخراب الذی یشترک فیه الناس جمیعاً. یقول فی المشهد الثانی:

«قَالَ الرَّجُلُ النَائِمُ فِی هَمسٍ: اللَیلُ هُوَ اللَیلُ!

رَجُلٌ آخَرٌ فِی أَقصَی العَرَبَةِ

یَکتُبُ تَحتَ الضُّوءِ المَخنُوقِ رِسَالَةً

وَ یُرَدِّدُ أُغنِیَةً شَاعَت بَعدَ الحَربِ الکَونِیَةِ فِی البَقلانِ

تَتَحَدَّثُ عَن حُبٍّ غَامِضٍ

وَ نَبِیٍّ شَاعِرٍ

فُتِن النَّاسُ بِه/ رَجُلٌ یَغتَابُ صَدِیقاً ویَقُولُ:

هذی الدُّنیا خَائِنَةٌ ولُعوبٌ

تَرکُبُ ظَهرَ حِمَارٍ بالمَقلُوبِ» (البیاتی، 1995م: 2/ 485)

هذا المشهد یحتوی علی جوابین لما قالته المرأة، جواب من رجل لا یهمه هذه الدنیا ویقول: «الیل هو اللیل!» یعنی أنَّ اللیل لابدَّ أن یکون موجوداً. یبدو أنَّ الرجل الثانی یختلف عن الرجل الأول وهذا ما نفهمه من سیاق الکلام لأنَّه مشغول بکتابة الرسالة وهذا یدلُّنا علی أنه لم یزل متفائلاً بالحیاة. ومن جهة أخری یغنِّی. لکنه أیضا یصدق قول الرجل الأول ویقول: «هذی الدنیا خائنة ولعوب.» والدنیا لیست سوا ما نراها من الآلام والفجور والحروب والقتال. فهذه الأقوال تؤثر فی المرأة وتُبکیها وهذا البکاء یرجع سببه إلی هذا الاضطراب النفسی الذی تعانی منه المرأة حیث یقول الشاعر فی المشهد الأخیر من القصیدة:

«المَرأَةُ تَبکِی فِی خَوفٍ، الرَّجُلُ الأَوَلُ یُزجِرُها

وَیَقُولُ لَها: مَا هذا؟

الفَجرُ وَشِیکٌ والغَابَاتُ تَتَنَفَّسُ فِی عُمقٍ

وَالأَرضُ تُعَانِی أَوجَاعَ مَخَاضٍ» (البیاتی، 1995م: 2/ 485)

عندما تبکی المرأة یواسیها الرجل الأول ویبدو أنه قد تعوَّد علی هذا اللیل ویشتغل بنفسه بکتابة الرسالة مع أنَّه یبدو من الأغنیة التی تقولها یشترک مع المرأة فی الاعتقاد بعدم الحصول علی جواب لهذا اللیل. لکنه یقول: «الفجر وشیک والغابات تتنفس فی عمق.» والفجر هنا استعارة عن هذه الحیاة التی تأتی فی المستقبل. لکن ما صلة هذا الشعر بیلماز غونیه؟ نعتقد أنَّ جواب هذا السؤال یکمن فی حیاة غونیه حیث کانت حیاته مسرحاً مأساویاً وعکس یلماز هذه المأساة فی نتاجه الفنی حیث إنَّ دخوله إلی موضوعات من قبیل ما نراه فی هذا الشعر جعلته أسطورة بین الناس، لأنَّ أفلامه کانت مرآة یری الناس مأساة حیاتهم فیها. (اشتری، 1375ش: 157) مع أننا لا نشاهد علاقة جوهریة بین نصٍّ القصیدة وعرض صورة الآخر یعنی غونیه، لکن خیر دلیل لاثبات هذه العلاقة هو عنوان القصیدة أولا، لأن الشاعر أهدی القصیدة إلی غونیه وثانیاً کتب الشعر فی قالب الشعر المسرحی حیث هناک محادثة بین امرأة وبین رجلین. ثالثاً فحوی الکلام یدرو حول إشعاع معنی الحیاة حیث یقول فی نهایة القصیدة: «الأَرضُ تُعَانِی أَوجَاعَ مَخَاضٍ.» هذه الأمور کلها دالة علی أن الشاعر یصورُّ صورة تناسب مع شخصیة غونیه ومن هنا نقول کان البیاتی یری یلماز کشخصیة تُعنی بهذا النوع من الضمامین فی فنه وحقَّاً أنه کان فناناً ملتزماً أدیَّ مهمته بالنسبة إلی الشعب الکردی خاصَّة فی فیلمه الشهیر "الطریق" الذی حصل علی جائزة "کن" فی عام 1982م. (المصدر نفسه: 157)

 

الجدول3: صورة یلماز غونیه عند البیاتی فی قصیدة "إلی یلماز غونیه"

عدد المشاهد

آلیات تشکیل صورة یلماز غونیه لدی البیاتی

حالات قراءة آخر الفنان الکردی عند البیاتی فی هذه القصیدة

3

اللیل/ الذئاب/ الزلزال/ الفجر/

التسامح

 

5. النتائج

یستفاد ممّا سبق أنَّ رؤیة الآخر العربی فی تلک القصائد الثلاثة تجاه آخر الفنان الکردی کانت من نوع التسامح حیث تسیطر علی الأنا المبدعة أو الدارسة، الرؤیة المتوازنة للآخر؛ فالبیاتی رسم صورة کوران، یشار ویلماز بروح موضوعیة، یسودها التسامح، فیتم تقدیم الصورة عبر رؤیة واعیة، بعیداً عن السلبیة أو العقد النفسیة أو الانبهار المطلق أمام هؤلاء. هذا الرسم للشخصیات یدلُّ علی شموخ الشعب الکردی فی نظرة البیاتی لأننا إذا اعتبرنا الفنان مرآة المجتمع، نستنتج أن هولاء الفنانین یقعون موقع الشعب الکردی فی رؤیة البیاتی.

یبدو أنَّ البیاتی کان متأثراً بذلک التعهد الذی کانوا علیه فی نتاجهم الأدبی والفنی. وهذا هو التأثیر الذی یتیحُ لنا معرفة الإنسان للإنسان وإبراز الجوهر المشترک للإنسانیة والانطلاق إلی عالم الأخوة التی تجمع الأنا بالآخر. ولو تأملنا هذا الجوهر لوجدناه لا یتبلور إلّا بالتفاعل مع الآخرین وهذا هو میزة أساسیة فی القصائد الثلاثة للبیاتی وبعبارة أخری یمجد البیاتی إنجازات هؤلاء الفنانین من خلال عرض صورتهم.

ومن المؤکَّد أنَّ قضیَّة العلاقات العربیة - الکردیة هی من أمهات القضایا المتعلقة بالوضع الراهن فی الشرق الأوسط خاصة فی البلد التی ینتمی إلیه البیاتی أعنی العراق. وهذه مسألة لا تخفی علی البیاتی حیث أکَّد علی تآخی الشعبین العربی والکردی والعلاقات الأخویة فیما بینهما خاصة فی القصیدة المتوجهة إلی کوران لأن کوران کان من أکراد العراق.

ومن المعروف أنّ الصورة التی یرسمها الأدیب عن الآخر تنبع أولاً وقبل کل شیء من حاجات الأدیب نفسه ومجتمعه؛ ولذلک تلبی الصورة الأدبیة فی الدرجة الأولى احساساته النفسیة أو اجتماعیة فی نفس الشاعر. فمن منظور آخر، البیاتی عند لجوئه إلی تلک القصائد یلبی إحساسه النفسیة وحاجة مجتمعه تجاه آخر الفنان الکردی عبر الإشادة بالأعمال الفنیة الملتزمة تجاه المجتمع کما کان هؤلاء الفنانون.



[1] .  رائد من رواد الشعر الحدیث فی الوطن العربی وأشهر شاعر فی المنطقة فی النصف الثانی من القرن العشرین ولد فی بغداد عام 1926م. تخرّج من دارالمعلّمین العالیة ببغداد، حاملاً منها شهادة اللّیسانس فی اللغة العربیة وآدابها عام 1950. اشتغل بالتدریس، ومارس الصِّحافة. ولکن تحسُّسه بقضیّة بلاده وقضایاه الإنسانیة جمیعاً، قاده للنّضال. فعُذِّب واضطُهد وفُصِلَ عن وظیفته عام 1954م وتعرّض للملاحقة. فسافر إلی بیروت وعاش مدّة فی لبنان، ثمّ انتقل إلی مصر، ومنها إلی السّوریة، وزار الاتّحاد السّوفیتی وهو کان المتحدّث الثقافی العراقی فی موسکو للأعوام الکثیرة. بدأ البیاتی حیاته شاعراً رومانتیکیاً حالماً بالحیاة ودنیا الطفولة وعالم المثل؛ ثمّ أفاقت نفسه، فوجدها تصطدم بالحقائق الصّارمة، والواقع المریر. فاستولی علی نفس الشاعر السّامة، فنفر من المدینة وثار علی الرّجعیّة والتّقالید، وحطّم القوالب القدیمة، واتّخذ أسلوباً جدیداً للتعبیر عن قسوة الحیاة، وعمّا یعتلج فی صدره من أشجان. من أشهر دواوینه: ملائکة وشیاطین، أباریق مهمشمة، المجد للأطفال والزّیتون، رسالة إلی ناظم حکمت. (عایش، 2002م، ج4: 173)

[2]. imagologie

[3]. Jean-Marie Carré

[4]. M.f.guyard

[5] . عبد الله کوران "بالکردیة عبدالله گوران". ولد کوران فی مدینة حلبجة من توابع محافظة سلیمانیة فی عام 1904م، وتوفیَّ عام 1963م. فکان والده وجده یجیدان الکتابة باللغتین الکردیة والفارسیة، وملمین بالأدب والشعر کمثقفی تلک الحقبة، فی نهایة القرن التاسع عشر وبدایة القرن العشرین. قددخل کوران ومجموعة من الشعراء الأکراد فی بدایات القرن العشرین إلی نهضة أدبیة متأثرة بالأدب الترکی العثمانی. وهذه النهضة کانت أول خطوة لبناء الشعر الکردی الحدیث. ومن أجل هذا یُسمَّی کوران رائد الشعر الکردی الحدیث. (امیری، 1386ش: 36)

[6] . یشار کمال کاتب وروائی کردی من ترکیا مرشح لجائزة نوبل منذ عام 1973م، صدرت له العدید من الروایات التی حازت على جوائز عالمیة منها (انجه ممد/محمد النحیل) التی ترجمت إلى أغلب اللغات العالمی ومنها العربیة، (محمد الصغیر)، (محمد الصقر)، (أسطورة جبل آرارات) و(الصفیحة). له آراء هامة فی الأدب. (الدسوقی، 1977م: 23)

[7] . ولد فی قریة اینجه التابعة لمدینة أضنه فی 1 إبریل 1937م من أبویین کردیین. دخل عالم السینما عام 1957م کمساعد مخرج للفیلم أبناء من هذا الوطن. حصل على 17 جائزة سینمائیة أهمها السعفة الذهبیة من مهرجان کان للأفلام السینمائیة عن فیلمه الأشهر الطریق عام 1982م الذی یتحدث عن الحیاة الصعبة فی کردستان الشمالیة وقد أخرج غونی نصف هذا الفیلم وهو فی السجن. سجن غونی عدة مرات بسبب مواقفه السیاسیة وکتب وأخرج عدد من أفلامه وهو فی السجن، حیث کان یوجه زملائه أثناء زیارته فی السجن عن کیفیة إدارة الکامیرا والمشاهد التصویریة. هرب من السجن وتوجه إلى فرنسا حیث توفی هناک عام 1984م وشارک فی مراسم تشییعه أبرز الشخصیات السیاسیة فی فرنسا. کان یکتب أفلامه باللغة الترکیة کذلک جل تمثیله کان باللغة الترکیة لأن النظام السیاسی فی ترکیا کانت تمنع من إنتاج أفلام باللغة الکردیة. قال یلماز فی آخر مقابلة مع کریس کوجرا حول فیلم "رمه": «هذا الفیلم فی الحقیقة صورة لحیاة الشعب الکردی لکن استخدام اللغة الکردیة فی الفیلم کانت ممنوعة وإن کنت استخدمت اللغة الکردیة فی هذا الفیلم، لیسجنوننی وکلَّ من شارک فی انتاج هذا الفیلم.» (اشتری، 1375ش: 156)

 

اشتری، بیژن. (1375ش). «آشنایی با نه فیلمساز جهان سوم». مجله نقد سینما. العدد السابع. صص 164-154.

أفایة، محمد. (1993م). المتخیل والتواصل (مفارقات العرب والغرب). لبنان: دار المنتخب العربی.

امیری، رضا. (1386ش). «کردستان عراق، بنفشه­ای در سایه سار تمشک (گوران پیشوای شعر نو کردی وجنبش ادبی سلیمانیه)». گوهران. العدد الخامس عشر. صص 42-36.

بوحلایس، سلاف. (2009م). صورة الأنا والآخر فی شعر مصطفی محمد الغماری. الجزائر: جامعة الحاج لخضر.

البیاتی، عبدالوهاب. (1995م). عبدالوهاب البیاتی الأعمال الشعریة1. بیروت: المؤسسة العربیة للدراسات والنشر.

حمود، ماجدة. (2010م). صورة الآخر فی التراث العربی. الطبعة الأولی. الجزائر: منشورات الاختلاف.

حنون، عبدالمجید. (1986م). صورة الفرنسی فی الروایة المغربیة. الجزائر: دیوان المطبوعات الجامعیّة.

الدسوقی، إبراهیم. (1977م). یاشار کمال وعالمه القصصی. مجلة الکاتب. العدد 193.

رایس، رشید. (2004م). صورة الجزائر والجزائری فی الکتابات النثریة الفرنسیة خلال القرن التاسع عشر. قسنطینة: جامعة منتوری.

رجب، محمود. (1994م). فلسفة المرآة. الطبعة الثانیة. مصر: دار المعارف.

عایش، عبد الفتاح. (2002م). معجم الأدباء من العصر الجاهلی حتی سنة 2002. بیروت: دار الکتب العلمیة.

عبدالله کاظم، نجم. (2010م). الآخر فی الشعر العربی الحدیث، تمثّل وتوظیف وتأثیر. الطبعة الأولی. بیروت: المؤسسة العربیة للدراسات والنشر.

عصفور، جابر. (1998م). المرایا المتجاورة(دراسة فی نقد طه حسین). مصر: دار القباء.

غنیمی هلال، محمد. (2003م). الأدب المقارن. الطبعة الثالثة. مصر: دار نهضة مصر.

غیاثی، ناصر. (2013م). یاشار کمال، نویسنده­ای هم سن جمهوری ترکیه. لامک: لانا.

مرتاض، عبدالملک. (2003م). الإسلام والقضایا المعاصرة. الجزائر: دار هومة.

نامور مطلق، بهمن. (1388ش). «درآمدی بر تصویر شناسی معرفی یک روش نقد ادبی وهنری در ادبیات تطبیقی». فصلنامه مطالعات ادبیات تطبیقی. السنة الثالثة. العدد 12. 138-119.