رؤیة نقدیة جدیدة "لبواعث ظهور الشّعر الحرّ" فی العراق

نوع المستند: علمی پژوهشی

المؤلف

أستاذ مشارک بجامعة رازی، کرمانشاه، إیران

المستخلص

کلّ ­حرکة ­أدبیّة، شعراً کان أو نثراً، تحتاج فی نشأتها­ أو­ تطوّرها إلی بیئة مناسبة؛ ظهور ­الحماسة لدی الیونانییّن والإیرانییّن، یدلّ علی أنّ کلّ ظاهرة أدبیّة لایمکن أن تنشأ فی الفراغ بل تستلزم ظروفاً خاصّة وأسباباً مناسبة للنموّ والتّطوّر. لم یکن الشّعر العربی، منذ الجاهلیّة حتّی الیوم، بمعزل عن هذه السّنّة الأدبیّة؛ فقد أثّرت علیه جملة من المؤثّرات علی مرّ العصور. أهمّها القبیلة، والدّین، والسّیاسة، والحضارة والمغول، ­ثمّ الغرب.
   وهذه هی حرکة الشّعر الحرّ الّتی ازدهرت فی الأقطار العربیّة،کانت استجابة أو تلبیة لحاجات فنیّة واجتماعیة وسیاسیة وثقافیة. وولادتها کانت فی العراق دون بقیة الأقطار؛ لأنّه کان أکثر استعداداً بالنسبة إلی بقیة البلدان العربیّة بما فیه من سیطرة الاستبداد والاستعمار، إضافة إلی تمتّعه بتراث شعریّ قویم. وهناک أیضاً علّة العلل وهی أنّ روّاد هذه الحرکة قد تأثّروا بالتیّارات الأدبیة الّتی کانت سائدة فی أروبا­ و­الغرب،کما یضاف إلی ذلک أنّهم ربّما اطّلعوا علی تیّار الشّعر الحرّ فی ایران وتطوّراته الّتی بدأت قبل الشّعر الحرّ بالعراق. من أهمّ ما حصل علیه هذا المقال الذی انتهج المنهج التّحلیلی- التّوصیفی، هو أنّ المؤثّرات الاجتماعیّة والسّیاسیة ثمّ التّعامل والتّواصل مع الغرب کانت من العوامل الأساسیّة الّتی أدّت إلی ظهور الشّعر الحرّ فی العراق.
 

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

A Critique and New Look into the Emergence of Modern Poetry in Iraq

المؤلف [English]

  • Toraj Zeinivand
Associate Prof., Department of Arabic Language and Literature, Razi University, Kermanshah,Iran
المستخلص [English]

Emergence of any literary movement, whether poetry or prose, needs a suitable environment. Appearance of epic among the Greek and the Iranian implies this fact that birth of each literary phenomenon is impossible in vaccum atmosphere, but they need special circumstances and means for their development and evolution.
Movement of free verse developing in Arabic lands was in fact reaction to artistic, social, political and cultural needs of these countries. Birth of this movement was in Iraq but not in other Arabic states because this country had higher ability and readiness for it in addition to a rich literary heritage due to dominance of autocracy and colonialism than other Arabic countries. However it seems that the main and distinct reason for birth of free peotry in Iraq has been its pioneers' ability to be influenced by movements  which dominated European and western literature, though it may be possible that literary men of this country have known about Persian free verse and its evolutions which has been more due to Iraqi modern peotry. 

الكلمات الرئيسية [English]

  • free poetry
  • Iraq
  • Arabic poetry
  • Persian poetry
  • European poetry

بین العراق والشّعر، ترابط وجدانیّ عمیق قلّما نجد له مثیلاً فی بلد آخر، فالعراق بلد الشّعر، ولیس ذلک ‌‌‌‌‌‌‌ادعاءً، بل کلّ من یعرف العراق وتاریخه الأدبیّ، یعترف بأنّ فحول الشّعر العربیّ قدیماً وحدیثاً، نهلوا من ینابیعه الرّقراقة ونمیره الصّافی. وأمّا هذه الدّراسة الّتی بین أیدیکم، فإنّها تبحث عن بواعث ظهور الشّعر الحرّ فیه، وهی تتمحور حول محورین تالیین:

أ. نظرة عابرة فی تطوّر الشّعر الحدیث فی العراق.  

ب. تحلیل بواعث ظهور الشّعر الحرّ ونقدها.

       وقبل أن ندخل فی صمیم البحث، علینا أن نحدّد المقصود بالشعر ‌"الحدیث" فی شعر العراق؛ إنّ المراد من الشّعر الحدیث فی شعر العراق المعاصر، هو ما بدأ بنهایة الحرب العالمیّة الثانیّة حتّى الیوم. ویکون من المفید أن نبدأ بالقرن التّاسع عشر لنتتّبع تطوّر الشّعر فی العراق بدأً من التّقلید مروراً بالشّعر الاجتماعی والخطابی وانتهاءاً إلی المحاولات الحدیثة للتّجدید. تمّت مراحل تطوّر الشّعر الحدیث فی العراق علی النّحو التالیّ:

المرحلة الأولی أو مرحلة التّقلید من منتصف القرن التّاسع عشر حتّى إعلان الدّستور العثمانیّ فی سنه 1908م: شعراء ذلک العهد، یمثّلون الرّعیل الأخیر من شعراء الفترة المظلمة ینضوون جمیاً تحت لواء التّقلید متأثّرین بالثّقافة العثمانیّة. من أبرز ممثلی هؤلاء: "عبدالغفار الأخرس" (1805 – 1874 م)، "موسی الطّالقانیّ" (1814- 1880 م)، "حیدر الحلیّ" (1827- 1886 م)، "عبدالغنی جمیل" (1780- 1863 م) و"محمّد سعید الحبّوبی" ( 1849-1916 م). (الخیاط، 1970م: 11- 29)

المرحلة الثّانیّة أو فترة الانتقال من ذروة التقلید إلى محاولات التّجدید: لقد توسّط شعراء هذه المرحلة بین التّقلید والتّجدید، فلم یقلّدوا الآخرین تقلیداً أعمی ولم یرفضوهم رفضاً باتاً، بل نقلوا الموضوعات الشّخصیّة الضّیقة إلى النّاس والمجتمع وجرت الآراء العلمیّة الجدیدة على ألسنتهم ثائرین على القیم الاجتماعیّة والسّیاسیة ولکن لم تشهد ثورتهم، أبعاداً منتظمة، إلاّ أنّهم بالرغم من ذلک، مهّدوا الطّریق للأجیال القادمة. من روّاد هذه المرحلة: "جمیل صدقی الزّهاوی" (1863-1935م)، "أحمد الصّافی النّجفی" (1897-1977م)، "حسین مردان" (1947م-؟) و"محمّد مهدﻯ الجواهریّ" (1903م- 1997م). (المصدر السّابق: 37- 107)

المرحلة الثالثة أو محاولات التّجدید بعد الحرب العالمیّة الثانیّة: اتّسمت مرحلة ما بعد الحرب العالمیّة الثّانیّة بتغیرات حاسمة على المستوی العالمی، بانهیار القوی الاستعماریّة الّتی أنهکتها الحرب، وارتفاع صوت الشّعوب المستعمرة منادیاً بالتّحرّر والاستقلال واشتدّت الدّعوة إلی الدّیمقراطیّة واحترام حقوق الإنسان وکان لهذا کلّه أصداء على الصّعید الدّاخلی فی العراق، حیث تطوّرت الأوضاع السّیاسیة والاجتماعیّة والثّقافیّة. فی الحقیقة أنّ الحرکات السّیاسیّة والانقلابات العسکریّة والأحزاب الوطنیّة وآثار الحرب العالمیّة الأولى وسیطرة بریطانیا على العراق وأخیراً ما خلفته الحرب العالمیّة الثّانیّة من آثار مروعة وضیاع فلسطین، کلّها أسهمت إلى حدّ کبیر فی تهیّئة الظروف لتطوّر الأدب، حتّى ظهر المثلّث العراقّی (نازک الملائکة، بدر شاکر السّیّاب وعبد الوهاب البیاتیّ) ثمّ ارتفعت القصیدة العربیّة إلى مستوى جدید مغایر تماماً لما کان سائداً فی الشّعر لقرون طویلة.وهکذا برزت الدّعوة إلى تجدید الشّعر فی العراق بعد الحرب العالمیّة الثّانیّة بتغییر وجه الحیاة وتطوّرها وازدیاد المظاهر الثّقافیّة والاتّصالات بالحضارة الحدیثة الأخرى والاقتباس منها ونهوض حرکة التّرجمة. (انظر: المصدر السابق: 108- 170؛ بدوی، 1969م: مقدّمة الکتاب: ک، ل، م؛ المقدّسی، 1988م: 99؛ الکتانی، 1982م: 450؛ الحدّاد، 2001م: 5)

     قد تطلّعت الحرکة التّجدیدیّة التی سمّیت بـ "الشّعر الحرّ" من العراق ومنه زحفت إلى أقطار الوطن العربیّ، فی تلک السّنة (1947م) الّتی نظمت نازﻙ الملائکة قصیدتها "الکولیرا" أصدر بدر شاکر السّیّاب فی بغداد دیوانه، "أزهار ذابلة"، وفیه قصیدة حرّة الوزن له من بحر الرّمل عنوانها  "هل کان حبّاً".

وقیل فی تعریف هذا الشّعر: «لیس الشعر الحرّ منثوراً کما ظنّ الکثیرون ممّن یعزفون عن قراءته، وإنّما هو شعر یلتزم بحور الخیل، ولکنّه یکتفی منها بالبحور المتساویّة التّفاعیل کالرّجز والرّمل والکامل وغیرها. وهو مع التزامه بهذه البحور یتحرّر من نظام البیت الکامل، فسطور الشّاعر تختلف طولاً وقصراً .…» (الملائکة، 1989م: 36) هذا ما صرّحت به رائدة الشّعر الحرّ "نازک الملائکة" فی کتابها "قضایا الشّعر المعاصر"، أما ظهور هاتین القصیدتین فلم یلفت نظر الجمهور، مضت سنتان صامتتان لم تنشر خلالها الصّحف، شعراً حرّاً علی الإطلاق، إلی صیف سنة 1949م حیث، أصدرت "نازﻙ الملائکة" دیوانها "شظایا ورماد" وقد ضمّنته مجموعة من القصائد الحرّة ووقفت‌ منها موقف التّجدید. (انظر: المصدر السابق: 37)

     لم یکد هذا الدّیوان یظهر، حتّى قامت له ضجّة شدیدة فی صحف العراق وأثیرت حوله مناقشات حامیة الوطیس فی الأوساط الأدبیّة، حتّى بدأت تظهر قصائد حرّة الوزن ینظمها شعراء یافعون فﻰ العراق ویبعثون بها إلى الصّحف وبدأت الدّعوة تنمو و تتّسع.

سؤال البحث

    السؤ‌ال الأساسی الّذی یتطرّق إلیه هذا المقال، هو: لماذا بدأ الشّعر الحرّ فی العراق دون غیره من البلاد العربیّة؟

منهجیة البحث

ولقد حاولنا من التّطرّق فیه (سؤال البحث) اتباع منهج النّقد والتّحلیل بالاعتماد علی المناهج الحدیثة فی النّقد الأدبی ومن ثمّ منهجنا فی البحث هو أنّ الباحث یدرس الموضوع فی رؤیة نقدیّة تمتاز بالانتظام و الحداثة؛ الانتظام فیها تعود إلی تفکیک العوامل: إلی العوامل النّفسانیّة والاجتماعیّة والسّیاسیّة والفنّیّة، کما أنّ الحداثة فی المقال تتّصل بالتأکید علی رصد التأثیر الفارسیّ فی نشأة هذه الظّاهرة بالعراق. 

خلفیّة البحث

وفیما یتعلّق بخلفیّة البحث فبإمکاننا أن نقول إنّ الباحث لم یقف علی مقالة فارسیّة أو عربیّة بهذا العنوان إلاّ أنّ بعض الباحثین أشار إلیه إشارات عابرة.

تحلیل الموضوع فی ضوء أسباب ظهور الشّعر الحرّ فی العراق

العوامل النّفسانیّة

  إنّ الصّلة بین الأدب والنّفس، علاقة جدلیّة؛ النّفس الإنسانی ترتاح إلی الأدب وتتفاعل معه تفاعلاً جذریاً والأدب یخضع لتقلّبات النفس ویتغذّی بها، بل یترعرع فی فضاء نفسی ویقیم فیها.

الملاحظ فی شعر نازک الملائکة یجد أنّ هذه الشاعرة تعیش دائماً بین الألم والخیبة والیأس والغربة والتّشاؤم أو تتحدّث عن الصّرامة والمشاکل والتزمّت والقیود والتّمرّد والثّورة، بحیث نستنبط أنّها لاتزال تبحث عن جدید تستبدل به عمّا یدور حولها- بل تحطّمها- من الحرمان والقیود والتّکرار والرّکود والرّتابة. (انظر: میشال، 1999م 359؛ عبّاس، 1955م: 8؛ ابوسعد، لاتا: 190) وهذه کلّها تعنی أنّ قلق الإبداع یستدعی وجود معکّر یبحث عن التّغییر والتّطوّر. (المیر، 1430م: 9) ولیست هذه المسألة تختصّ بهذه الشّاعرة فقط، بل توجد أیضاً فی آراء النّقاد حول الآخرین من الرّوّاد الأوّل للشّعر الحرّ کالسّیّاب والبیاتیّ وعبد الصّبور. (انظر: نعمان، 2006م: 6- 113؛ المیر، 1430ق: 241- 288؛ علی، 1978م: 123- 146؛ بیضون، 1413ق: 213)

 

العوامل الاجتماعیّة والسّیاسیة والثّقافیّة

إنّ الشّعر الرّومانسی الّذی ساد علی المجتمعات العربیّة آنذاک کان ممتازاً بالذّاتیّة الّتی تبتعد عن القضایا الواقعیّة الوطنیّة والعالمیّة فلم یعدّ یواکب متغیّرات الواقع الاجتماعی بل أصاب الّذات الإنسانی بالهزیمة والعجز والانکسار والضّیاع. ومن ثمّ تمرّد بعض الشّعراء الشّبّان فی تلک الآونة علی القصیدة الرّومانسیّة مثل "نازک الملائکة" و"بدر شاکر السّیّاب" و"عبدالوهّاب البیاتی" و"صلاح عبد الصبور" و"أحمد عبدالمعطی الحجازی" و... فقد انتبه هؤلاء وغیرهم کثیرون إلی حقیقة الواقع الاجتماعی الّذی یتطلب النّهوض والتّخلّص والتّمرّد والثّورة کما کانت حال المجتمع والأوضاع السّیاسیّة والثّقافیّة. فهؤلاء الرّوّاد بدل العنایة بالهندسة الشّکلیّة الکلاسیکیّة قد اعتنوا بالتّراث الإنسانی الماضی والحاضر والواقعیّات الرّاهنة ووظّفوها توظیفاً معاصراً یتناغم مع الانفتاح الثّقافی والحضاری والفکری. (انظر: الدّقاق والآخرون، 1417ق: 198-202)

       إنّ حرکة الشّعر الحرّ بدأت فی العراق سنة 1947م، ومن العراق، بل تحدیداً من بغداد نفسها – کما تقول نازک الملائکة (انظر: المصدر السابق: 35)- زحفت هذه الحرکة وامتدّت حتّى غمرت الأقطار العربیّة کلّها.

یبدو أنّ ظهور فکرة الخروج على الشّکل العامّ للقصیدة العربیّة ومحاولة التّماشی مع الآداب الغربیّة کانت قبل الأربعینات وفی البدایة هی مجرد رغبة عند بعض الّذین سافروا إلى الغرب وحاولوا أن ینقلوا التّجربة بدون فهم مسبق. (انظر: فاضل، 1984: 218) فصارت تلک الرّغبة منسیّة فاشلة؛ لأنّ الظّروف لم تکن مهیّأة لاستقبال هذا النّوع الجدید من الشّعر. أمّا بواکیره فقد ظهرت فی العراق ویبدو لنا أنّ من جملة أسبابها ما اعقبته الحکومة العثمانیّة ثمّ الحرب العالمیّة الثّانیّة من تأثیرات وانعکاسات سیاسیّة واجتماعیّة ودولیّة ولذلک نجحت محاولات "نازﻙ الملائکة" و"بدر شاکر السّیّاب". (انظر، المصدر السابق: 220)

       فی الحقیقة أنّ التّجدید الشّعری الّذی تمّ فی الأربعینات، کان تجدیداً ثقافیّاً وسیاسیّاً واجتماعیّاً فی بلاد الرّافدین، ولکنّ الفکرة، توسّعت فشملت البلدان العربیّة ولو بقى الشّعر العربیّ الحدیث فی العراق، کحرکة تجدیدیّة، لکان من الممکن أن یموت بسبب الظّروف المناوئة له، لکنّه وصل إلى لبنان، ومن لبنان، انتشر إلى سوریا وفلسطین والأردن وإلى مصر. فوجد هذا الشعر فی لبنان مکانة خطیرة لدی الشّعراء ولکن الشعراء اللّبنانیّین- وإن أضافوا إلیه أشیاء کثیرة- لقد استجابوا إلى هذا النوع من من الشّعر الحدیث، استجابة متطرّفة. بینما کان المصریّون بطیئین ومماطلین جدّاً فی الاستجابة للتیّارات الجدیدة، مثلاً الشّاعر المصرﻯ "صلاح عبد الصّبور" بدأ یکتب الشّعر الحرّ وکان ذلک سنة 1956م. (انظر: المصدر السابق: 1999) إذاً بقى العراق رائداً فی هذا النّوع من الشّعر بسبب الظّروف المهیّأة لولادة هذا الشّعر الجدید، ولادة طبیعیة ناضجة وبسبب تاریخه الشّعرﻯ الطّویل.

  وقد ذهب النّقاد فی تأویل هذه الظاهرة وتعلیل إقبال الجیل الجدید إلیه، بمذاهب مختلفة، فقال بعضهم: إنّ الشّباب مولعون بالإغراب والشّذوذ، وقال آخرون: إنّ الجیل الجدید،کسول، یضیق بالجهد الأدبی ولایتحمّل علی متاعب الشّطرین وأهوال القافیة الموحدّة فیلجأ إلى السّهولة، ورأت جماعة أخرى أنّ هذه الحرکة بمجملها، مستوردة من الشّعر الغربیّ ولاعلاقة لها بالشعر العربیّ.

وقد بیّنت رائدة الشّعر الحرّ "نازﻙ الملائکة" صلة الشّعر الحرّ بالتّطوّرات الاجتماعیة والثّقافیّة حیث تقول: «أفتراه من الممکن أن تمتلک جذوراً، اجتماعیّة تحتم انبثاقها وتستدعیه؟!» (الملائکة، 1989م: 50)هذه الجذور منها ما هو اجتماعی ومنها ما هو نفسانی وتعزوها إلی أربعة أسباب مؤکّدة علی العوامل الاجتماعیّة کعامل رئیسی لبزوغ هذه الظّاهرة الأدبیّة.

    أوّلها: نزوع الفرد العربی المعاصر إلى الهروب من الأجواء الرّومنطیقیّة إلى جوّ من الحقیقة الواقعة الصّارمة الّتی غایتها العلیاء هی الجدّ والعمل، وتجعل غایة الأدب، التّعبیر عن الفرد والاجتماع لا الجمال والتّنمیق.

    وثانیّها: أنّ الشّاعر الحدیث یحبّ أن یثبت فردیّته باختطاط سبیل شعری جدید یصبّ فیه شخصیّة الشّاعر.

    ثالثها: تلبیته لمیل العصر إلى الخروج عن فکرة النّموذج المتّسق اتّساقاً تامّاً وتقصد بالنموذج اتّخاذ شیء ما وحدة ثابتة وتکرارها بدلاً من تغییرها وتنویعها.‌

    رابعها: اتّجاه العصر العامّ إلى تحکیم المضمون فی الشّکل، کردّ فعل مباشر للعصور المظلمة الّتی غلبت فیها على الشّعر، القوالب الشّکلیّة والصّناعة الفارغة والأشکال الّتی لاتستجیب لحاجّة حیویّة. فالأسلوب الشّعری القدیم، عروضی الاتّجاه، یفضّل سلامة الشّکل على صدق التّعبیر وکفاءة الانفعال، ویتمسّک بالقافیة الموحّدة، ولو على حساب الصّور والمعانی الّتی تملأ نفس الشاعر. (المصدر السابق: 50- 65)

خلاصة ما تشرحه "نازک الملائکة" هی أنّ حرکة الشّعر الحرّ، کانت مقودة بضرورة اجتماعیّة والدّلیل على ذلک هو فشل مهاجمتها ومحاولة وأدها.

وکذلک یؤکّد "إحسان عبّاس" علی دور مواکبة العصر وعنصر الاجتماع فی تأسیس الشّعر الحرّ، قائلاً: «إنّ الاتّجاه إلى الشّعر الحرّ وإنزال لغة الشّعر منزلة الحدیث العادّی ولیس من الضّروری أن ینشئهما التّقلید وإنّما هما یمثّلان حاجة تدعو إلیها طبیعة الشّعر العربیّ نفسه… وهی "حرکه الشّعر الحرّ" تأتی استجابة لدواع نامیة فی حیاتنا المعاصر». (عبّاس، 1972م: 23)

 و هذا ما صرّح به "محمّد النّویهی" فی "قضیّة الشّعر الجدید" (1984م: 93)، و"جهاد فاضل" فی "قضایا الشعرالحدیث" (1984م: 93)، و"جبرا إبراهیم جبرا" (المصدر السابق: 98)، و"غالی شکری" فی "شعرنا الحدیث إلی أین" (1991م: 37)، و"محمّد زکی العشماوی" فی "دراسات فی النّقد الأدبی المعاصر" (1986م: 125)و"علی حدّاد" فی مقالته "الخطاب الآخر مقاربة لأبجدیة الشّاعر ناقداً". (2001م: 10)

علی أیة حال، إنّ العوامل السّیاسیّة مثل: الاستبداد والاستعمار والأسباب الاجتماعیّة؛ کالمیل علی مواکبة العصر والاجتماع الّتی طرأت علی الحیاة العامة والخاصّة فی العراق، انتهت إلی التّغییر والتّطوّر. وقد تغیّر معها بطبیعة الحال، حال الشّعر والأدب. وأخذ الشّعراء یعیشون مع مشاکل عصرهم ویتحرّکون من خلالها معبّرین عن الواقع الّذی یعیشه وینشده الإنسان؛ وهذه تعنی أن الأدب لا یستطیع أن یکون منعزلاً عن المجتمع وواقعه بل یتطوّر ویتغیّر مع التّطورات الاجتماعیّة والسّیاسیة و... .

التأثّر بالأدب الغربیّ

فریق من النّقاد یرون أنّ ظاهرة الشّعر الحرّ مستوردة من الشّعر الأجنبیّ. إنّهم یعتقدون؛ أنّ هذه الظاهرة لیست إلاّ ترجیع أصداء الشّعر الحدیث فی الآداب الأروبیّة. فإنّ أحمد أبو سعد فی بیان دواعی نشأة الشّعر الحرّ فی الأقطار العربیّة تأکیداً علی اطّلاع روّاد الشّعر العربیّ الحرّ علی النّظریّات الشّعریة والنّقدیّة فی الغرب، یقول: «أظنّ أنّ کلّ من له مشارکة بسیطة فی الاطّلاع على النّظریات الحدیثة فی الآداب والفنون عند الغربیین ولاسیّما الإنجلیز، یعتقد بأنّ هذا الشّعر إنّما هو ثمرة الاطّلاع على هذه النّظریات وتثقیف أصحابه بها ونتیجة لإقبال قراءة "الیوت" و"ایدث سیتویل". فزعماء الشّعر الحرّ أنفسهم فی العراق یعترفون بذلک ویقرّون بأنهم قد تأثّروا بالشّعر الغربیّ حتّى فی طریقة کتابة قصائدهم؛ کما تعترف "نازﻙ الملائکة" فی مقدّمتها علی دیوان "شظایا ورماد" أنّ أسلوبها الطّریف فی قصیدتها "الجرح الغاضب"، اقتباس مباشر من الشّاعر الأمریکی "ادغار آلن بو"  فی قصیدته البدیعة «ULALUME» (الکتانی، 1982م: 466، نقله عن؛ أحمد أبوسعد الشّعر و الشعراء فی العراق: 22)

 وفی هذه النّزعة لدی بدر شاکر السّیّاب، قد قیل: من الشّعراء الغربیین الّذین تأثّر بهم فی بدایة الأمر "شیلی" و"کیتس" ثمّ "الیوت" ثمّ "ایدث سیتویل" وحین استعرض هذا التّاریخ الطّویل من التّأثّر، نجد أباتمام وایدث، خاصّة، ایدث، هما الغالبان، وحین ننظر إلی إنتاجه الشّعری لاسیّما فی مرحلته الأخیرة، نجد أثر هذین الشّاعرین واضحاً فی شعره. فالطّریقة الّتی یتبعها السّیّاب فی أکثر قصائده، هی مزیجة من طریقة أبی تمام وطریقة ایدث سیتویل، ثمّ إدخال عنصر الثّقافة والاستعانة بالأ‌ساطیر والتّاریخ والتّضمین. (انظر: المصدر السابق: نقله عن: أحمد أبوسعد، الشّعر والشّعراء فی العراق: 23) وکثیراً ما یشیر الشاعر فی هوامش دیوانه "أزهار ذابلة" إلى أنّه قلّد نمادج من  عباقرة الأدب الإنکلیزی. (انظر: السّیّاب، 2000م، ج 1: 84، 347، 957)

ویقول "جمال کمال الدّین" فی تحلیل جذور شعر "البیاتیّ" وتأثّره بالشّعر الغربیّ، مثل ما قیل فی الملائکة والسّیّاب، حیث یقول: لذلک أصبح شعراء مثل؛ ت. س. إلیوت و... هم أصحاب الأثر الأکبر فی العراق بعد عام (1948م)، حیث کان بعض أبرز المواهب الشّعریة فی الوطن العربیّ یبلغ مراحل النّضج الفنی. هنا کان شعراء من منزلة السّیّاب والملائکة والبیاتی یتجمّعون لتکوین جبهة قویة للثّورة الشّعریة التی أطلقوها. وکان أغلبهم قد درس فی کلیات جامعة بغداد، حیث اطّلعوا علی الآداب الأجنبیة، فی لغاتها الأصلیة أو فی التّرجمات. وقد دفعتهم سلیقة شعریّة حقیقیة إلی التّعرّف علی الشّعراء الأکثر حیویّة فی العالم الحدیث مثل: ت. س. الیوت وإیدث ستویل و... .

ولا یمکن التّقلیل من أهمیّة هذه المعرفة، لأنّها أوضحت لهم إمکان التّغییر، کما أنّها قدّمت لهم الأمثلة الضّروریّة. (انظر: الجیوسی، 2007م: 606)

ویقول "کمال جمال الدّین" حول البیاتیّ وتأثّره بالشّعر الغربیّ مثل ما قیل فی الملائکة والسّیّاب: «البیاتیّ معجب بـ "مایا کوفسکی" إلى حدّ الاقتداء… .» (فاضل، 1984م: 140)

 إذا نستنتج أنّ هؤلاء الرّوّاد، تأثروا فی شعرهم بالشّعر الغربیّ، خاصّة الشّعر الإنجلیزیّ الحدیث، وذلک بیُمن دراساتهم فی الأدب الأروبی وإلمامهم باللّغة الإنجلیزیّة. إضافة إلی ذلک، استیقظ الأدب العربیّ من نومه الطّویل واستجاب لنواقیس عصره فی تفاعل صادق مع تراث الشّعوب الأخرى، وإن کان یبدو ذلک للنّاظر المتعجّل فی بدایة الأمر؛ إنْ هی "حرکة الشّعر الحرّ" إلاّ ترجیع أصداء الحرکة الشّعر الغربیّ تماماً، وطریقة ایدث سیتویل، أو ثمرة إدخال ملامح الثّقافة الحدیثة من الآداب الأروبیّة وتردید نزعاتهما وتقلید أنماطها.

العوامل الفنّیة

    إنّ محاولات التّجدید التی اجتاحت العالم بعد الحرب العالمیّة الثّانیّة لم تکن مقصورة فی الأوساط السّیاسیّة والاقتصادیّة والاجتماعیّة فقط، بل شملت الاتّجاهات الأدبیّة أیضاً، بحیث حاول الأدباء والشّعراء أن یعیدوا النّظر فی جملة من القضایا الفنّیة التی فرضت علی الأدب وأبعدته عن روح العصر. والشّاعر العربیّ وجد نفسه فی وسط هذه الحوادث أسیر التّقالید التی یجدر به الجهد فی تغییرها لیأخذ مکانه بین هذه الحرکة العالمیّة. ساعدت عملیّة التّرجمة والنّشر علی تقویض هذا الجدار الفاصل بینها وبین الثّقافات الأخری، ثمّ استهدفت حرکة التّجدید، القوالب والمضامین القدیمة داعیة إلی الثّورة والتّجدید.

    فقد ظهر التمرّد علی الشّکل الکلاسیکی للقصیدة العربیّة منذ ظهور محاولات جماعة الدّیوان وآبولو والمهجر إلّا أنّ تلک محاولات تعدّ مرحلة انتقالّیة للانتقال بالقصیدة من الکلاسیکیّة إلی الشعر الحرّ علی مستویات عدیدة منها اللّغة والخیال والشّکل والقافیة والموسیقی والعاطفة.

وبیان ذلک أنّ شعراء مدرسة الشعر الحرّ جاؤوا متمرّدین علی الشّعر الکلاسیکی فی إطارات عدیدة:

   أوّلاً: أنّ اللّغة الشّعریة التی اعتمد علیها الکلاسیکیّون والرّومانسیّون آنذاک کانت عاجزة للتعبیر عن مستجدات الواقع الحیاتی المعیش؛ لأنّ هذه اللّغة کانت تحت سیرة الأعراف والتّقالید ناسیة معاییر الواقع الجدید فی المجتمعات العربیّة الّتی تسیر نحو الاستقلال والتّحرّر.

ثانیاً: الأوزان الخلیلیّة والقوافی المحدّدة لم تکن موافقة مع الحالات الشّعوریّة والنّفسیّة للشاعر المعاصر، بینما تتیح الأوزان الحرّة، التحرّر من استخدام قافیة واحدة للشاعر المعاصر لیهرب من الأجواء الرّومانسیّة إلی جو الحقیقة الواقعیّة المستقلّة.

ثالثاً: إنّ الشّکل الهندسی فی القصیدة الکلاسیکیّة یرسم مسار القصیدة ویفرض هیمنته علی الشاعر والقصیدة أسلوباً ومضموناً، بل یکبل حرّیته الفکریّة والإبداعیّة، ولکنّ فلسفة الشّعر الحرّ قائمة علی حقیقة جوهریّة هی أنّ الشّاعر لا ینشد المضمون علی القالب أو فی الإطار، وإنّما یترک المضمون یحقّق لنفسه وبنفسه الأطار المفید والقالب المناسب. (انظر: الدّقاق والآخرون، 1417ق: 196- 198؛ الجیوسی، 2007م: 680)

    وهناک فریق آخر من النّقاد، فیتّهمون زعماء هذا الشّعر بأنّ الشّباب قد أحدثوا طریقة یتخلّصون بها من صعوبة الأوزان العربیّة القائمة وتعینهم على تغطیة کسلهم وضعف مواهبهم الشّعریة، ویرون أنّ الحریّة من القیود العروضیة، استسلام السّهولة والرّخاوة واللّجوء إلی التّرف وإن هذا الشّعر الحرّ إلاّ قضیّة هیّنة یسیرة یستطیعها حتّى من لم یکن شاعراً. أین الشّاعر الضّعیف المهلهل النّسج، عن القوی، الفخم العبارة، النّاصع الدّیباجة؟! (انظر: الملائکة، 1989م: 52)

تقول الشّاعرة، نازﻙ الملائکة، ردّاً علی هؤلاء المعارضین: «والواقع أنّ ملخّص ما فعلته حرکة الشّعر الحرّ أنّها نظرت متأمّلة فی علم العروض القدیم واستعانت ببعض تفاصیله على أحداث التّجدید، یساعد الشّاعر المعاصر علی حریّة التّعبیر وإطالة العبارة أو تقصیرها بحسب مقتضی الحال ولم تصدر هذه الحرکة عن إهمالٍ للعروض، کما یزعم الّذین لا معرفه لهم به ... .» (المصدر السّابق) 

وحتّى تعتقد نازک أنّ الحریّة أصعب من التقیید ولویقاس بین الأغلاط العروضیة الواردة فی شعر "نزار قبانی" و"فدوی طوقان"، لتُوجد أنّ الأغلاط العروضیة فی شعرهما الحرّ، أکثر من قصائدهما الکلاسیکیّة.» (المصدر السابق: 53)

إذاً نستشفّ من خلال هذا البحث، أنّ الخروج عن نظام الشّطرین وإقامة الشّعر على أشطر غیر متناسقة فی العدد، لیس خروجاً من باب الکسل أو قلّة المواهب الشّعریة، بل یکون قائماً على الحیاة العربیّة الواقعیة فی العصر الحدیث.

إضافة إلی العوامل السّابقة، یرى فریق آخر من النّقاد بأنّ الشّعر فی ذلک الزّمان لم یکن وسیلة للتّکسّب، إذ لم یعد الحکّام فی حاجّة إلی الشّعر لغرض الدّعایة، لأنّ أجهزة الأعلام الحدیثة فقد حلّت محلّه وأخذ الشّعر یبتعد عن المدیح والحماسة الخطابیّة. (انظر: الخیاط، 1970م: 112)

هذا الأمر، یبدو مقبولاً ولکن الشّعراء فی ذلک الزّمان أحسّوا فی الحقیقة مهمّة رسالة الشّعر، فلأجل هذا نزعوا إلى الواقعیّة الّتی کانت سائدة فی آنذاک؛ من الاستعمار والاستبداد والفقر و الظّلم. ومن ثمّ أرادوا أن یحطّموا قفص القصور الضیّق وعزموا أن یخرجوا من قمم الأحلام وأوهام ألف لیلة ولیلة، ولقد وجدوا فی الشّعر الحرّ مهرباً من هذا الجوّ المثقّل بالجواری وأشعّة مصباح علاء الدّین. (انظر: الملائکة، 1989م: 57)

بعد هذه العوامل الّتی مرّ شرحها یکون من المفید أن نشیر إلی "محمّد یوسف  نجم" ورأیه فی دواعی نشأه هذه الظّاهرة مشیراً إلی الجوانب الأدبیة فی الشّعر العربی؛ إنّه یرى أنّ استقلال کلّ بیت فی القصیدة القدیمة وانفراده، أصبح لاینسجم وطبیعة القصیدة الحدیثة الّتی ینظمها الشّاعر کوحدة متطوّرة متماسکة ذات تجربة معاشة لایمکن أن نضیف إلیها شیئاً أو نحذف منها شیئاً کما کنّا نفعل فی الشّعر القدیم، فوحدة الموضوع أصبحت أمراً لازماً فی القصیده الحدیثة، کما یدعو "عبّاس محمود العقّاد" إلی أن تکون لکلّ قصیدة وحدة موضوع وللشّاعر ألّا یلتزم بقافیة، منذ 1908م. فی الحقیقة، أنّ هؤلاء یعتقدون أنّ الشّعر الحدیث، کلّ مرکّب متناسق ولیس أجزاء مختلطة ملفّقة، بل إنّه عمل أدبیّ متلاحم، موحّد الموضوع بحیث لاتفهم القصیدة إلاّ إذا قرأنا کلّها، خلافاً لما نری فی الشّعر القدیم. (انظر: الخیاط، 1970م: 113؛ نقله عن: یوسف نجم، محمّد. الأدب العربی فی آثار الدّراسین، 1961م: 321)

   ومن هنا نستنبط أنّ الأوزان التقلیدیة والقوافی المحدّدة تقیّد الشّاعر، بل تسدّ طریقه للتّعبیر عمّا یمرّ فی صدره وفکره وواقعه؛ لأنّ الشّاعر یسیر فی خطة مرسومة علی وفق نماذج محدّدة ومعاییر معیّنة ولا یستطیع أن یخلق أسلوباً بالحرّیة والاستقلال، بل یجب علیه أن یعالج حاجات عصره وفق هذا النّظام الرّتیب ناسیاً قدرة الإبداع وروح العصر. ومن هذا المنطلق أخذ الشّعر العربیّ الحرّ یتحرّر من قیود العروض التّقلیدیّة ذات البحور المعروفة وحرّیته بزیادة عدد التّفعیلة؛ بتکرارها أو بإنقاصها، علی وفق انطلاق أفق مضمونه وأسلوبه وعلی وفق واقعه وشعوره وفکره.

تطوّرات الشّعر فی إیران

فضلاً عما قلنا من أسباب ظهور الشّعر الحرّ فی العراق، بإمکاننا أن نشیر إلى عامل آخر وهو التأثر بالشّعر الحدیث الفارسیّ. ومن البدیهی أنّ الصّلة بین العرب والفرس، لیست أمراً حدیثاً، بل من یتصفّح تاریخهما السّیاسیة والاجتماعیّة والثّقافیّة، یلمس من خلال هذا الدّراسة بینهما ترابطاً عمیقاً وصلة وطیدة. أمّا المسألة المهمّة الّتی غفل عنها النّقاد فی تحلیل أسباب ظهور الشّعر الحرّ فهی؛ تأثّر روّاد الشّعر العربیّ بالشّعر الحدیث الفارسیّ الحدیث الّذﻯ بدأ بـ "نیما یوشیج" ثمانی سنوات (1939م) قبل بدایة الشّعر الحرّ العربیّ (1947م). فلذلک یعدّ هذا العامل من العوامل الّتی أدّت بالشّعراء العراقیین إلى الشّعر الحرّ.

والحقّ أن النّقاد المعاصرین من العرب لایشاطرون هذا الرّأی إلاّ قلیل ومنهم هذه "خالدة صبری" (زوجة أدونیس) حیث تقول: «إنّ الاستقلال الشّعری لدى نازﻙ متأثّر بالحضارة الإیرانیّة والهندیّة والغربیّة.» (کدکنی، 1359ش: 120. نقله عن: خالدة سعید، مجلة الشّعر، بیروت، الرّقم الثّالث، 1957م: 95) ویبدو أنّ محمّدرضا شفیعی کدکنی، أستاذ مادّة الأدب الفارسیّ فی جامعة طهران- هو أوّل من یعتقد بهذه النّظریة حیث یقول: «کان نیما متقدّماً فی عملیّته الشّعریّة على نازﻙ الملائکة وإذا اعتبرنا نشر مجلة "ققنوس" فی سنة 939م مبدأً لبدایة الشّعر الحرّ الفارسیّ، کانت بدایة الشّعر الحرّ العربیّ الّتی تعتبر التّجربة الأولی لنازﻙ الملائکة، فی سنة 1974م، یعنی ثمانی سنوات بعد نشر ققنوس. وأنا لا أدری بأنّ نازﻙ الملائکة کانت تتقن اللّغة الفارسیّة أم لا؟ ولکن ما یبدو مسلّماً هو أنّها انحدرت من أسرة شیعیّة من العراق ذات صلة بالفرس،کما أنّ الظّروف والمقدّمات المتشابة والسّوابق المتساوّیة لدیهما کانت سبباً لأن یصلا إلى هذه النّتیجة "الشّعر الحرّ، خاصّة أنّ کلیهما ملمّ باللّغة الإنجلیزّیة.» (المصدر السابق: 116) وحتّی یمکن القول إنّ ظروف الحیاة المتشابهة والهواجس النّفسیّة والفکریّة لدی الشاعرین هی الّتی دفعت بهما إلی إبداع الشّعر الحرّ علاوة علی إلمام الشّاعرین باللّغة الإنجلیزیة الّتی أتاحت لهما الانفتاح علی نماذج راقیة وحدیثة من الأدب العالمی.

 

النتیجة

     1- الفوضی والاضطراب النّفسی الّذی خیّم علی المجتمع العراقی نتیجة للتقلّبات والتّغیّرات السّیاسیّة والاقتصادیّة والاجتماعیّة والحزبیّة المؤدّیة إلی انهیار المثل الاجتماعیّة  الثّقافیّة، وتردّی التّقالید العامّة یعدّ من أهمّ البواعث الأساسیة لظهور الشّعر الحرّ فی العراق؛ لانعدام قدرة النّاس علی احتمال وطأة سقوط القیم الخلقیّة أو الصّبر علی مواجهة المشاکل والمتاعب، ولضعف النّفوس واضطرابها وقلقها. وفی النتجة نجد تجلّی هذه الحقائق الموجودة فی الأدب وحرکة الشّعر الحرّ. فلقد انعکست الضّرورات الاجتماعیّة والسّیاسیّة الّتی طرأت علی ساحة المجتمع العراقی وتطلّعات الشّعب فی الشّعر الحرّ بشکل لا یمکن إغفاله أو التّغاضی عنه؛ لأنّ بیان الحرّیات الاجتماعیّة والسّیاسیة فی الشعر الحرّ أوسع بکثیر ممّا یلمس فی الشعر التّقلیدی الکلاسیکی.

2- إنّ روّاد هذه الحرکة فﻰ العراق کانوا سائمین من تقلید النّماذج القدیمة المتکرّرة والموضوعات المطروقة، فلهذا دعوا الشّعراء إلی أن ینشدوا عن الواقعیّات الاجتماعیّة والسّیاسیة ویبحثوا عن قوالب جدیدة؛ إنّهم لم یریدوا أن یکونوا تابعین لامریء القیس و المتنبیّ و المعریّ و...، بل خرجوا عن العزلة الرّومانسیّة ألّتی أحاطت بهم، ونزعوا إلی الواقعیّات الاجتماعیّة والسّیاسیة الّتی کانت ساعدة آنذاک علی العراق. وزد علی ذلک أنّ مجال الحرّیة والإبداع والاختیار والاستقلال والتّنوّع واسع فی الشعر الحرّ بالنسبة إلی الشعر الکلاسیکیّ.

3- اطّلع الأدباء  الشّعراء فی العراق علی الأداب الأروبیّة وخاصّة الأدب الفرنسیّ و الإنجلیزیّ وتعمّقوا فی دراستها محاولین أن یواکبوا التّراث العالمی اّلذی کان یسیر نحو التّطوّر والتجدّد فی جمیع أبعاده. بعبارة أخری: لم یکن الأدباء والشّعراء فی العراق بمعزل عن الآداب الأجنبیة وبخاصّة الأدب الفرنسیّ والإنجلیزیّ. فإنّهم کانوا یراقبون ویرصدون الخطوات الّتی تجتازها الآداب الأروبیة والغربیّة نحو التّطور والازدهار بشکل مهمّ وجدّی.

4- التأثّر بالشّعر الحرّ الفارسیّ؛ إنّ القرابة الجغرافیة والدّینیّة والثّقافیّة بین إیران والعراق والتّشابه فی الظّروف السّیاسیّة والاجتماعیّة السّائدة علی البلدین زمن حیاة روّاد الشّعر الحرّ فی العراق، قد یکون عندنا القناعة بتأثیر الشّعر الحرّ الإیرانیّ علی حرکة الشّعر الحرّ فی العراق وإعطاءها زخماً وتشجیعاً مهّدا الطریق لنشأته وتطوّره.أضف إلی ذلک أنّ بواکیر الشّعر الحرّ فی إیران ظهرت قبل العراق بفاصل زمنی یسمح لنا الاعتقاد أنّ حرکة الشّعر الحرّ فی إیران أثّرت علی مثیلها فی العراق تأثیراً لا یستهان به.

إبراهیم، علی. (1974م). مع أعلام الشّعر والأدب. ط1. بیروت: منشورات حمد.

أبوسعد، أحمد. (لا تا). الشّعر والشّعراء فی العراق؛1900م  1998م. دراسة ومختارات. بیروت: دار المعارف.

 بدوی، مصطفى. (1969م). مختارات من الشّعر العربی الحدیث. بیروت: دار النهار.

بدوی، عبده. (1986م). قضایاحول الشّعر. الکویت: ذات السّلاسل.

بیضون، حیدر توفیق. (1413ق). بدر شاکر السّیّاب، ط1. بیروت: دار الکتب العلمیّة.

ــــــــ. (1993م). عبدالوهّاب البیاتیّ. ط1. بیروت: دار الکتب العلمیّة.

الجیوسی، سلمی الخضراء. (2007م). الاتّجاهات والحرکات فی الشّعر العربیّ الحدیث. ط2. بیروت: مرکز دراسات الوحدة العربیّة.

الحاوی، ایلیا. (لاتا). بدر شاکر السّیّاب، شاعر الأناشید والمراثی. بیروت: دار الکتّاب اللّبنانی.

ـــــ. (1980م). فی النّقد والأدب. ج4. ط1. بیروت: دار الکتّاب اللّبنانی.

حدّاد، علی. (2001م). الخطاب الآخر مقاربة لأبجدیة الشّاعر ناقداً. دراسة منشورات اتّحاد الکتّاب العرب. دمشق: www. awu-dam.org

خضیر، ضیاء. (2002م). شعر الواقع والکلمات دراسات فی الشعر العراقی الحدیث (دفاعاً عن ثقافة السّیّاب دراسة من منشورات اتحاد الکتّاب العرب). دمشق: www.awu-dam.org

الدقاق، عمر ومحمّد نجیب التلاوی ومراد عبدالرحمان مبروک. (1417ق). تطور الشعر الحدیث والمعاصر. ط1. بیروت: دار الأوزاعی.

زکﻰ، أحمد کمال. (1980م). دراسات فی النقد الأدبی. ط3. بیروت: دار الأندلس.

الخیّاط، جلال. (1970م). الشعر العراقی الحدیث. بیروت: دار صادر.

السّیّاب، بدرشاکر. (1989م). المجموعة الشّعریة الکاملة. بیروت: دار العودة.

ــــــــ. (2000م). الشّعریة الکاملة. تحقیق: ناجی علوش. بیروت: دار العودة.

شفیعی کدکنی، محمدرضا. (1359ش). شعر معاصر عرب. ط1. طهران: طوس.

شکری، غالی. (1991م). شعرنا الحدیث إلى أین. ط1. بیروت: دارالشّروق.

شمس آبادی، حسین ومهدی ممتحن. (1391ش). «نازک الملائکة و إبداعاتها الشعریة؛ رؤی نقدیة». مجلة إضاءات نقدیة. جامعة آزاد الإسلامیة فی کرج. السّنة الثّانیة. العدد الخامس. صص61-75.

العشماوی، محمّد زکی. (1986م). دراسات فﻰ النّقد الأدبﻰ المعاصر. بیروت: دار النّهضة العربیّة.

عبّاس، إحسان. ( 1972م). بدرشاکرالسّیّاب. ط2. بیروت: دارالثقافة.

ــــــ. (1955م). عبدالوهّاب البیاتی والشعر العراقی الحدیث. بیروت: لانا.

العطیة، جلیل. (1994م). أعلام الأدب فی العراق الحدیث. الجزء الثّانی. لبنان: دار الحکمة.

العلاق، علی جعفر. (2002م). المشهدالشّعرﻯ العراقﻰ. شبکة المرایا الثقافیة. www.maraya.net

علی، عبدالرّضا. ( 1978م). الأسطورة فی شعر السّیّاب. الجمهوریة العراقیة: وزارة الثقافة والفنون.

غزوان، عناد. (2000م). الرّؤیة الإبداعیة المرکبة فی القصیدة الحرّ؛ نازک الملائکة والسّیّاب أنموذجاً. منشورات اتّحاد الکتّاب العرب: دمشق.

الفاخوری، حنّا. (1974م).­ الجامع فﻰ تاریخ الأدب العربﻰ (الأدب الحدیث). ­بیروت­: دار الجلیل.

فاضل، جهاد. (1984م). قضایا الشعر الحدیث­. ط1­. بیروت: دارالشروق.

الکتانی، محمّد. (1982م). الصّراع بین القدیم والجدید فی الأدب العربی المعاصر. ط1. بیروت: دار الثقافة.

کمال، خیر بک. (1986م).حرکیة الحداثة فی الشّعر العربی المعاصر. بیروت:دارالفکر للطباعة والنشر والتّوزیع.

المقدّسی، أنیس. (1988م). الاتّجاهات الأدبیّة فی العالم العربیّ الحدیث. ط8. بیروت: دار العلم للملایین.

الملائکة، نازک. (1989م). قضایا الشّعر المعاصر. ط8. بیروت: دارالعلم للملایین.

المیر، طلال. (1430ق). النبوءة فی الشّعر العربی الحدیث. ط1. بیروت: المؤسسة الجامعیة للدّراسات والنّشر والتّوزیع.

میشال، خلیل جحا. (1999م). الشّعر العربی الحدیث، من أحمد شوقی إلی محمود درویش. ط1. بیروت: دارالعودة.

نعمان، خلف رشید. (2006م). الحزن فی شعر بدر شاکر السّیّاب. ط1. بیروت: الدار العربیّة للموسوعات.

النویهی، محمّد. ( 1984م). قضیّة الشّعر الحدیث. ط1. بیروت: دارالشّروق.